الاتفاق بين إسرائيل ولبنان الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة فجر أمس، الخميس، هو قصة فشل معلن لوقف إطلاق نار. وهذا الاتفاق لا يفرض أي قيود أو شروط على إسرائيل، وإنما على حزب الله فقط، وهو ليس إلا إملاءات أميركية – إسرائيلية على الحكومة اللبنانية الضعيفة بصورة مأساوية.
الحرب على لبنان هي بين إسرائيل وحزب الله فقط. والدولة اللبنانية، أي الجيش اللبناني، لا تشارك في هذه الحرب. وحزب الله ليس طرفًا في اتفاق "وقف إطلاق النار". وهذا يعني أن الاتفاق هو بين طرفين لا يتحاربان، وإنما بين طرف معتدٍ، هو إسرائيل التي تشن الحرب، وبين طرف يعاني من ويلات الحرب، أي دولة لبنان ومواطنيها.
جلسات المحادثات الأربع في "المفاوضات" بين إسرائيل ولبنان كانت أيامها معدودة، ورغم أنها انطلقت في منتصف نيسان/أبريل، إلا أن مجموع أيام "المفاوضات" لم يتجاوز أسبوعًا. وهذا يدل على أنها لم تكن جدية، وأن الجانب اللبناني في الاتفاق لم يبحث تفاصيل العدوان الإسرائيلي ومقتل آلاف المدنيين اللبنانيين بنيران إسرائيلية، منذ 2 آذار/مارس الماضي.
ويبدو واضحًا أن الحكومة اللبنانية لم تطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، التي اجتاحتها في الشهرين الأخيرين وصولًا إلى نهر الليطاني، ولا من تلك التي احتلتها قبل ذلك وأقامت فيها قواعد لجيشها. وحتى لو أن الحكومة اللبنانية طالبت بانسحاب إسرائيل، فإن الاتفاق ينص على أن إسرائيل لن تنسحب من لبنان.
الحقيقة الأخرى المهمة واللافتة هي أنه لم يشارك في هذه المحادثات وفود إسرائيلية ولبنانية وخبراء عن الجانبين، وإنما سفيرا الدولتين في واشنطن فقط. ولا شك في أن الضغوط التي مورست على لبنان في هذه المحادثات داخل البنتاغون أو وزارة الخارجية الأميركية قد سهلت فرض الإملاءات الأميركية والإسرائيلية.
في المقابل، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن "وقف إطلاق النار مشروط بخروج مسبق لعناصر حزب الله من منطقة جنوب الليطاني كلها وإنشاء منطقة منزوعة السلاح، فيما يواصل الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة إطلاق النار وعمليته على الأرض".
وأضاف كاتس أن "الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة الأمنية حتى الخط الأصفر، من دون عودة السكان اللبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (التي دمر الجيش الإسرائيلي معظمها بشكل كامل)، وستكون لإسرائيل حرية عمل لمهاجمة بيروت، وبدعم أميركي، ردًا على إطلاق نار على بلدات إسرائيلية. وهذا تعبير عن الواقع الذي أنشأناه في لبنان".
ورغم أنه واضح لإسرائيل أن اتفاق "وقف إطلاق النار" لن يؤدي، ولا يمكن أن يؤدي، إلى اتفاق سلام بينها وبين دولة لبنان، في المستقبل المنظور على الأقل، إلا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، اعتبر أن "نزع سلاح حزب الله ضروري من أجل التوصل إلى سلام بين إسرائيل ولبنان".
ويدعم الاتفاق مزاعم إسرائيل، ويدعي "ضمان سيادة لبنان وإسرائيل وأمنهما وسلامة أراضيهما بشكل مستدام. ويشمل ذلك تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ومنع إعادة ظهورها"، رغم أنه لا يطالب إسرائيل بالانسحاب من أي شبر من الأراضي اللبنانية.
وفي سياق الإملاءات الأميركية – الإسرائيلية على الحكومة اللبنانية، جاء في الاتفاق أن أطرافه، أي الحكومة اللبنانية أيضًا، أيدت تصريح وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في 2 حزيران/يونيو، "بأن حزب الله ليس فقط عدوًا لإسرائيل والولايات المتحدة، بل هو أيضًا عدو للبنان".
ورغم أن إسرائيل هي الطرف المعتدي الذي يحتل أراضي لبنانية، إلا أن الاتفاق نص على أن "إسرائيل أكدت أن أمنها واحترام سلامة أراضيها لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان".
صيغة جديدة لمطالب إسرائيلية لم تتحقق
اتفاق "وقف إطلاق النار" بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، الذي يدعو إلى إبعاد حزب الله عن جنوب لبنان وانتشار الجيش اللبناني مكانه، هو عمليًا صيغة أخرى لمطالب إسرائيلية متكررة منذ عقود ولم تتحقق. ويرى كثيرون في الاتفاق الحالي شرعنة، من جانب الحكومة اللبنانية، لمطالب إسرائيل.
ويعترف اللبنانيون، بكافة فئاتهم وأطيافهم، بأن جيش الدولة ضعيف ولا يملك قدرات للدفاع عن الدولة. وقد يبدو أن هذه مصلحة لجميع القوى المحيطة بلبنان، وبضمنها إسرائيل وسورية في ظل حكم نظام عائلة الأسد.
وهذه القوى وغيرها لم تنظر، ولا تنظر، إلى لبنان على أنه كيان مستقل، وإنما كساحة لتنفيذ مصالحها. ويدل على ذلك الاحتلالات المتكررة للبنان والنفوذ الذي تسعى دول أخرى إقليمية ودولية إلى ممارسته في لبنان في ظل ضعفه. ويبدو الآن أن التعهد الأميركي، في الاتفاق الحالي، بتقوية ودعم الجيش اللبناني هو تعهد غير جدي، وإنما مجرد حبر على ورق.
إسرائيل لا تلتزم باتفاقيات وقف إطلاق النار. فلم تلتزم باتفاق كهذا في غزة أو في لبنان، بل لم توقف حربها هناك رغم التزام حماس وحزب الله بوقف إطلاق النار، مثلما لم تلتزم باتفاقيات وقف إطلاق النار وفض الاشتباك بعد حرب 1948، وشنت مجددًا الحروب على مصر في الأعوام 1956 و1967 و1973، وعلى سورية في العامين 1967 و1973، وبعد سقوط نظام بشار الأسد في نهاية العام 2024.
ونتنياهو بحاجة ماسة الآن إلى الاتفاق مع الحكومة اللبنانية، وأن يظهر كمن يملي شروطه على حزب الله بدعم الحكومة اللبنانية، معتقدًا أن هذا سيخدمه في الانتخابات العامة للكنيست التي ستجري بعد أشهر قليلة.
كان الاعتقاد السائد في إسرائيل أن حزب الله، بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، في وضع صعب وأنه فقد معظم قدراته العسكرية وغير قادر على القتال. لكن تبين في آذار/مارس الماضي، باعتراف المحللين الإسرائيليين دون غيرهم، أن حزب الله رمم قدراته العسكرية، حتى لو أنها ليست بمستوى قدراته في تشرين الأول/أكتوبر 2023. ورغم اغتيال الصف الأول في قيادته، وفي مقدمتهم أمينه العام، حسن نصر الله، إلا أنه تبين أنه قادر على المقاومة والقتال وإلحاق خسائر بالجيش الإسرائيلي، رغم قدراته الهائلة.
وتبين أيضًا، حسب المحللين العسكريين الإسرائيليين، الذين يعتمدون في معلوماتهم على مصادر في أجهزة الأمن الإسرائيلية، أنه خلال فترة وقف إطلاق النار، بين تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وبداية آذار/مارس الماضي، تمكن حزب الله من تهريب أسلحة إلى داخل لبنان، وتطوير أسلحة جديدة، وعلى رأسها الطائرات المسيرة المتفجرة التي تشكل كابوسًا بالنسبة للجيش الإسرائيلي.
ويشدد المحللون الإسرائيليون، وكذلك إيهود باراك الذي تولى مناصب رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس أركان الجيش، على أن إسرائيل غير قادرة على القضاء على حزب الله. وقال باراك في مقابلة إذاعية، هذا الأسبوع، إنه "لن نتمكن من القضاء على حزب الله من دون أن نحتل لبنان، وهذه فكرة ليست عملية"، وتوقع أن تتعزز مكانة حزب الله: "عندما نسوي قرى بالأرض ونعلن أننا سنبقى في لبنان بشكل دائم، ويعتبرون أننا بذلك نضعف حزب الله، فإن العكس هو الصحيح، لأنه سيحصل فجأة على دور جدي في لبنان".
وحاول نتنياهو أن يحول احتلال قلعة الشقيف إلى "صورة انتصار"، لكن المحللين ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، تمير هايمان، سارعوا إلى تفنيد ذلك، وشددوا على أنه لا توجد أي قيمة عسكرية لذلك، وأن احتلال قلعة الشقيف "لن يزيل خطر المسيرات المتفجرة عن القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية، ولن يمنع استمرار إطلاق القذائف الصاروخية وتوسيع نطاق استهدافها داخل إسرائيل، مثلما حدث في نهاية الأسبوع الماضي".
وشدد أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين البارزين على أن الجيش الإسرائيلي "في حالة فشل عملياتي وإستراتيجي، ونتنياهو يبذل كل ما بوسعه لتصويره أمام الجمهور الإسرائيلي على أنه نجاح. والجولة الحربية الحالية مختلفة كليًا عن الحرب في العام 2024، فحزب الله ليس منشغلًا بخطة احتلال الجليل. وبدلًا من ذلك، هو يبحث عن نقاط ضعف تسمح بقتل جنود إسرائيليين كلما تعمقوا داخل لبنان".
عودة إلى اتفاق "وقف إطلاق النار". هذا الاتفاق يشكل خطرًا كبيرًا جدًا على لبنان، وليس مستبعدًا أن يكون هذا الخطر جزءًا من تخطيط إسرائيلي لإشعال حرب أهلية فيما تحتل قوات إسرائيلية جزءًا من لبنان. فإذا استسلمت الحكومة اللبنانية للإملاءات الأميركية – الإسرائيلية وقررت إقحام الجيش اللبناني في محاولة نزع سلاح حزب الله، بمساعدة قوى لبنانية داخلية كتلك التي تدعي أن حزب الله هو الذي يحتل لبنان بدعم إيراني، فإن الحرب الأهلية ستنشب، ولن يستفيد منها لا حزب الله ولا خصومه، وإنما إسرائيل فقط.