نشرت وزارة المالية الإسرائيلية قبل عدة أيام تقريرها متعدد السنوات حول أوضاع الاقتصاد الإسرائيلي خلال الأعوام 2027–2029، وقدّم التقرير صورة متفائلة إلى حدّ كبير بشأن أداء الاقتصاد في السنوات المقبلة. غير أن هذه التقديرات تبدو، في نظر العديد من المراقبين، أكثر تفاؤلًا مما تسمح به المعطيات الاقتصادية والأمنية الراهنة.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ويبدو أن موجة الخطاب الشعبوي التي تطغى على الحياة السياسية في إسرائيل بدأت تنعكس على بعض التقديرات الاقتصادية الرسمية؛ إذ يميل التقرير إلى إبراز المؤشرات الإيجابية والتقليل من وزن عوامل عدم اليقين، رغم أن المؤسسات الاقتصادية الدولية وبعض الخبراء المحليين يقدمون تقديرات أكثر تحفظًا بشأن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي.
تجنيد الاحتياط والحرب في لبنان قلّصا النمو الاقتصادي
وبحسب معطيات كبير الاقتصاديين في وزارة المالية الإسرائيلية، من المتوقع أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي خلال عام 2026 نحو 4.0% وفق السيناريو الأساسي. ويُعدّ ذلك خفضًا للتوقعات بنسبة 0.7 نقطة مئوية، مقارنة بالتقديرات التي نُشرت في آذار/ مارس الماضي.
وتُعزى هذه المراجعة السلبية أساسًا إلى استمرار القتال في لبنان، وامتداد حملة "زئير الأسد" العسكرية فترةً أطول مما كان متوقعًا في السيناريوهات السابقة. كما أدت الحملة العسكرية إلى انكماش حاد في الناتج المحلي خلال الربع الأول من العام، بلغ نسبة 3.3% على أساس سنوي، وتسببت في غياب مئات آلاف الإسرائيليين عن أماكن عملهم، إذ بلغ عدد المتغيبين في ذروة الأحداث نحو 670 ألف شخص.
ومع ذلك، تحافظ وزارة المالية على نبرة متفائلة نسبيًا، فالتوقعات الخاصة بعام 2026 ما زالت أعلى من نطاق سيناريوهات النمو المتشائمة التي نُشرت في نهاية آذار/ مارس، ويعود ذلك أساسًا إلى أن الانكماش الاقتصادي في الربع الأول كان أقل حدة مما كان متوقعًا، إضافة إلى تسجيل تعافٍ سريع للنشاط الاقتصادي خلال شهر نيسان/ أبريل.
أما المفاجأة فكانت في جانب إيرادات الدولة، فعلى الرغم من خفض توقعات النمو الاقتصادي، جاءت بيانات جباية الضرائب الفعلية أقوى من المتوقع، الأمر الذي دفع وزارة المالية إلى رفع تقديراتها لإيرادات الضرائب لعام 2026 من 560.6 مليار شيكل إلى 567.4 مليار شيكل.
وبحسب التقديرات المحدثة، يُتوقع أن يبلغ إجمالي إيرادات الدولة هذا العام، بما يشمل الضرائب والرسوم والإيرادات الأخرى، نحو 594 مليار شيكل، على أن يرتفع إلى 612.7 مليار شيكل في عام 2027.
ومع ذلك، اهتمت وزارة المالية إلى إرفاق هذه التوقعات بالتحفظات اللازمة، مؤكدة أن "جميع التقديرات ما تزال عرضة لمستوى مرتفع للغاية من عدم اليقين ولعوامل خطر عديدة، تنبع بالأساس من الوضع الأمني".
وفي الواقع، يفترض السيناريو الأساسي المتفائل الذي تستند إليه الوزارة عدم تجدد القتال مع إيران، إلى جانب تراجع تدريجي في حجم استدعاء قوات الاحتياط خلال العام. وأي إخلال بهذه الفرضيات قد يؤدي إلى تقويض مجمل التوقعات المالية والاقتصادية، ويُحدث تغييرات جوهرية في مسار المؤشرات المالية للدولة.
تضخم ميزانية الأمن
غيّرت الحرب بصورة جذرية هيكل الإنفاق العام في إسرائيل، ويُظهر تقرير وزارة المالية أن الزيادة في النفقات الأمنية لم تعد حدثًا مؤقتًا، بل تحولت إلى عبء دائم على المدى المتوسط.
ففي عام 2022، أي قبل اندلاع الحرب، كانت ميزانية الأمن تشكل نحو 15.5% فقط من إجمالي ميزانية الدولة. أما في عام 2026، فمن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى ما بين 23% و24% من الميزانية العامة.
ووفقًا للتوقعات المالية متعددة السنوات التي قُدمت للحكومة، ستبلغ نفقات قطاع الأمن والنظام العام في عام 2027 نحو 150.4 مليار شيكل، وهو مبلغ ضخم يمثّل 22.3% من إجمالي التزامات الحكومة لذلك العام، والتي تُقدَّر بنحو 673.5 مليار شيكل.
وقد بدأت الأعباء المالية للحرب تترك آثارها بالفعل على الاقتصاد الإسرائيلي، فقد تراجع التصنيف الائتماني لإسرائيل، وارتفعت تكلفة اقتراض الأموال وتمويل الدين العام، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في مدفوعات الفوائد التي تتحملها الدولة.
وبحسب التقديرات، ستصل مدفوعات الفوائد وسداد الديون ضمن بند خدمة الدين العام إلى نحو 87.4 مليار شيكل في عام 2027، ما يعكس الثمن المالي المتزايد للحروب وارتفاع مستويات الدين الحكومي.
التأمين الوطني: انهيار كامل في عام 2029؟
يُعدّ الفصل الأكثر إثارة للقلق في التقرير من وجهة نظر وزارة المالية، ذلك المتعلق بالاستقرار المالي لمؤسسة التأمين الوطني. فبحسب وزارة المالية، تعاني المؤسسة من عجز مالي جاري منذ عام 2024، وقد بلغ هذا العجز نحو 6.4 مليارات شيكل في عام 2025. وحتى الآن، يجري تغطية هذا العجز من خلال الاعتماد على احتياطيات وفوائض تراكمت في السنوات السابقة.
لكنّ التقديرات الاكتوارية، (وهي توقعات وتخمينات علمية مستندة إلى إحصائيات ونماذج رياضية ومعادلات احتمالية)، الرسمية تضع علامة استفهام كبيرة حول مستقبل شبكة الأمان الاجتماعي للمواطنين. وجاء في التقرير أنه "من دون تغيير في السياسات الحالية، لن يكون التأمين الوطني قادرًا على الوفاء بالتزاماته ابتداءً من عام 2029، إذ لن تعود أموال الاحتياطي المتبقية كافية لتغطية العجز الجاري".
ويعني ذلك أن مؤسسة التأمين الوطني قد تجد نفسها غير قادرة على دفع جميع المخصصات والإعانات التي يُلزمها القانون بدفعها، ما يهدد مستقبل منظومة الضمان الاجتماعي برمتها ويضع الحكومة أمام تحدٍّ مالي واجتماعي كبير خلال السنوات القليلة المقبلة.
وتُعزى الأسباب الرئيسية لهذا التفاقم السريع في العجز إلى سلسلة من التغييرات في السياسات الحكومية، التي وسّعت نطاق الاستحقاقات والمخصصات في مجالي الرعاية التمريضية والإعاقة منذ عام 2018، إضافة إلى الارتفاع الحاد في مدفوعات التعويضات لضحايا الأعمال العدائية والحروب منذ اندلاع الحرب.
وفي المقابل، توجه وزارة المالية انتقادات حادة لما تصفه بتشوهات كبيرة وانعدام للمساواة في آلية جباية رسوم التأمين الوطني من الفئات غير العاملة. فبحسب المعطيات الواردة في التقرير، يدفع الموظف الأجير الذي يتقاضى متوسط الأجر في الاقتصاد الإسرائيلي (13,566 شيكل شهريًا في عام 2026) رسوم تأمين وطني سنوية تبلغ نحو 5,880 شيكل. أما الشخص غير العامل فيدفع 1,716 شيكل فقط سنويًا، أي أقل من 30% مما يدفعه الأجير متوسط الدخل.
فيما يدفع طلاب المعاهد الدينية والطلاب المستفيدون من تخفيضات خاصة نحو 576 شيكل فقط سنويًا، أي أقل من 10% من المبلغ الذي يدفعه الموظف الأجير متوسط الدخل.
ورغم هذه الفوارق الكبيرة في حجم المدفوعات، فإن الاستحقاق للحصول على المخصصات والإعانات الاجتماعية لا يتأثر بمقدار ما يدفعه الفرد، ولا يرتبط مباشرة بحجم مساهمته في نظام التأمين الوطني.
ولمنع انهيار مؤسسة التأمين الوطني خلال السنوات الثلاث المقبلة، تطالب وزارة المالية بإجراء تعديلات عميقة على النظام القائم. وتشمل هذه التعديلات إما خفض النفقات في المجالات التي أسهمت في نشوء العجز، أو اللجوء إلى رفع رسوم التأمين الوطني بصورة شاملة، وهي خطوة من شأنها أن تزيد العبء الضريبي على الفئات العاملة وأن تؤثر سلبًا في سوق العمل.
تفاؤل مفرط
يعكس تقرير وزارة المالية قدرًا من التفاؤل لا تدعمه، بالضرورة، جميع المؤشرات الاقتصادية على أرض الواقع. فعلى سبيل المثال، نشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الأسبوع الماضي تقريرها حول الاقتصاد الإسرائيلي لعام 2026، وقدمت فيه صورة أقل تفاؤلًا من تلك التي عرضتها وزارة المالية.
فقد خفّضت المنظمة توقعاتها لمعدل النمو الاقتصادي في إسرائيل خلال عام 2026، من 4.9% في تقديراتها السابقة إلى 3.3% في التقديرات الحالية، ما يعكس تقييمًا أكثر حذرًا لتداعيات الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وللتحديات التي ما زالت تواجه الاقتصاد الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.
وعزت المنظمة سبب هذا التراجع إلى الحرب على إيران ولبنان، التي أدت إلى تراجع الاستهلاك الشخصي وقوة العمل، وحذرت من أن حربا أخرى من شأنها أن تلحق ضررا أكبر بالنشاط الاقتصادي وليس في إسرائيل فقط وإنما في العالم كلّه.
كما أن تقرير وزارة المالية لا يتناول بصورة كافية الخسائر التي تكبدها قطاع التصدير الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة التراجع الحاد في سعر صرف الدولار أمام الشيكل، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، الذي يُعد أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي ومصدرًا أساسيًا للإيرادات الضريبية.
كذلك لا يأخذ التقرير في الحسبان بصورة واضحة موجة تقليص الوظائف وتسريح العاملين التي بدأت تظهر في بعض شركات التكنولوجيا، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على سوق العمل وعلى إيرادات الدولة من الضرائب. فاستمرار الضغوط على أرباح الشركات المصدّرة قد يؤدي إلى تراجع مستويات التشغيل والاستثمار، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على توقعات النمو وعلى قدرة الحكومة على تحقيق أهدافها المالية خلال السنوات المقبلة.
ويبقى العامل الأهم الذي قد يغيّر صورة الاقتصاد الإسرائيلي خلال العام الحالي، والأعوام القادمة، هو استئناف الحرب على إيران واتساع نطاق الحرب في لبنان واستمرارها فترةً أطول. فمثل هذا السيناريو يحمل في طياته تداعيات اقتصادية واسعة، تشمل تباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع الناتج المحلي، وارتفاع النفقات الأمنية والعسكرية، وزيادة الكلفة المباشرة وغير المباشرة للحرب.
ومن شأن هذه التطورات أن تفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة، وأن تؤثر سلبًا في توقعات النمو والإيرادات الضريبية، فضلًا عن انعكاساتها على الاستثمار وسوق العمل وثقة الأسواق. لذلك، فإن استمرار التصعيد الأمني وتحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع قد يبدّل بصورة جوهرية الافتراضات التي بُنيت عليها توقعات وزارة المالية.