مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية تعمّق أزمة نتنياهو مع اقتراب الانتخابات

**مذكرة التفاهم هي تفاهمات ثنائية بمعظمها، ولن توقف حروب إسرائيل في غزة ولبنان، وربما ضد إيران أيضًا في المستقبل؛ وحتى لو شكّلت المعارضة الحالية الحكومة المقبلة، فإنها لن توقف الحروب، ويبدو أن "بصمة" نتنياهو ستكون حاضرة في سياستها**

مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية تعمّق أزمة نتنياهو مع اقتراب الانتخابات

شارع رئيسي في طهران (Getty Images)

مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، التي نُشرت كاملة أول من أمس، الأربعاء، هي تفاهمات ثنائية بمعظمها، وينص البند الأول فيها على أنه "يعلن الطرفان وحلفاؤهما في الحرب الحالية الإنهاء الفوري والدائم لجميع العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان. ويتعهد الطرفان بعدم الشروع في أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها ضد الطرف الآخر، واحترام وحدة أراضي لبنان وسيادته. ويؤكد الاتفاق النهائي الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان".

إلا أنه، بالرغم من ذلك، تهدد إسرائيل بشن حرب ضد إيران في المستقبل، بادعاء أن التفاهمات لا تلغي بشكل كامل البرنامج النووي الإيراني، ولا تُخرج اليورانيوم المخصب بمستوى 60% من إيران، ولا تتطرق إلى مشروع الصواريخ البالستية الإيراني وإلى أذرع إيران في المنطقة. كما أن إسرائيل تعلن رفضها وقف الحرب على لبنان وسحب جيشها من جنوبه.

وتتجاهل إسرائيل البند الثامن في المذكرة، بأن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية تؤكد مجددًا أنها لن تسعى إلى امتلاك أو تطوير أسلحة نووية"، وتعارض بشدة ما جاء في هذا البند بأنه "يتفق الطرفان على معالجة مصير المواد الإيرانية المخصبة المخزنة من خلال آلية يتفق عليها الطرفان، على أن تكون الآلية الأساسية هي تخفيف نسبة التخصيب داخل إيران وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

كذلك تعارض إسرائيل بشدة البند التاسع، الذي ينص على أنه "يتفق الطرفان، إلى حين التوصل إلى الاتفاق النهائي، على الحفاظ على الوضع القائم؛ إذ تحافظ الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الوضع الحالي لبرنامجها النووي، فيما تمتنع الولايات المتحدة عن فرض أي عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية في المنطقة".

البرنامج النووي والمواد المخصبة كانا الذريعة الإسرائيلية المركزية لشن الحرب على إيران، في حين ترجئ مذكرة التفاهم معالجة ذلك إلى الاتفاق النهائي، الذي ستجري مفاوضات حوله تستمر لمدة 60 يومًا، والتي تبدأ اليوم، الجمعة، في جنيف.

واستبقت إسرائيل نشر مذكرة التفاهم بقول مسؤولين أمنيين لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، هذا الأسبوع، إن بإمكان إيران أن تستغل فترة الـ60 يومًا للمفاوضات واستخدام الـ440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بمستوى 60% لصنع "12.5 قنبلة نووية"، وأن تفرض بذلك حقائق على الأرض قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي. هذا يعني، بنظر إسرائيل، أن مذكرة التفاهم تشكل "خطرًا" وليس انفراجة.

كما ترفض إسرائيل البند العاشر في مذكرة التفاهم، الذي ينص على أن "تصدر وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات النفطية ومشتقاتها وجميع الخدمات المرتبطة بذلك، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل".

الرئيس الإيراني يوقع على مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، أمس ( Getty Images)

وترفض إسرائيل بشدة البند 11، الذي ينص على أنه "تتيح الولايات المتحدة بصورة كاملة جميع الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة"، وتعتبر أن حصول إيران على أموالها المجمدة وعلى عائدات النفط سيُستخدم أيضًا لتمويل أذرعها، أي حزب الله وحماس والحوثيين وغيرهم.

"إنجاز سياسي"؟

تتردد في إسرائيل، مؤخرًا، جملة فارغة وسخيفة بأن رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، لم يسع إلى ترجمة "الإنجازات العسكرية" في الحرب إلى "إنجاز سياسي" مقابل إيران، علمًا أن خصوم نتنياهو السياسيين وافقوا وأيدوا كافة خطواته الحربية العدوانية، وليس في إيران فقط، وإنما في غزة ولبنان وسورية أيضًا، بل إنهم طالبوا بتشديد العدوان الإسرائيلي عندما لجم نتنياهو عمليات معينة بعد ضغوط دولية، وخاصة أميركية.

وليس واضحًا، بعد كل الجرائم المتعمدة في هذه الحروب، كيف يمكن تحقيق "إنجاز سياسي"، وما هو شكل "الإنجاز السياسي" الذي يمكن تحقيقه، ومع من بإمكان إسرائيل تحقيقه. لكن الواضح هو أنه بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية وثبوت فشله في تحقيق أي هدف للحرب، أصبح نتنياهو في أزمة عميقة مع اقتراب الانتخابات.

كان بالإمكان التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية من دون شن الحرب ومن خلال مفاوضات، إذا أراد ذلك دعاة "الإنجاز السياسي"، وحتى إنه كان بالإمكان تحقيق ذلك من دون انسحاب ترامب، بتحريض من نتنياهو، في عام 2018، من الاتفاق النووي الموقّع في عام 2015. ويُذكر أن معارضي الحرب في أميركا أكدوا أن هذه الحرب غير قانونية.

ويعيب خصوم نتنياهو عليه أنه عزز تأثير ومكانة قطر في واشنطن وأضعف مكانة إسرائيل هناك. وهذا ادعاء صحيح، لأن نتنياهو لا يريد وقف الحرب، وإنما يريد حربًا أبدية مدفوعًا بتأييد ودعم ومطالب الفاشيين في حكومته، الذين وصفهم موشيه يعالون بأنهم "اليهود النازيون"، خلال مقابلة لموقع "واينت" الإلكتروني، هذا الأسبوع.

موقع استهداف مركبة بمدينة غازة بغارة إسرائيلية، أمس (Getty Images)

لكن هؤلاء أيدوا، كما ذُكر أعلاه، العدوانية الإسرائيلية كلها، وعبروا عن فرحهم بـ"إنجازات عسكرية" في هذه الحرب العدوانية بكل تفاصيلها. بل إن خصوم نتنياهو، مثله تمامًا، لا يريدون ولا يدعون إلى وقف الحرب، ليس ضد إيران فقط، وإنما في غزة ولبنان وسورية. ولا توجد في إسرائيل مطالب بأن تنسحب من أي مكان.

لقد وضع نتنياهو سقفًا عاليًا لأهداف الحرب: إسقاط النظام، وتدمير البرنامج النووي، وإخراج اليورانيوم المخصب بمستوى مرتفع، وتدمير أو وقف مشروع الصواريخ البالستية، ووقف دعم إيران لحركات المقاومة في المنطقة. هذا كله لم يتحقق، وباعتراف الإسرائيليين أنفسهم.

ماذا ستفعل إسرائيل في هذا الوضع؟

لم تتورع إسرائيل عن استخدام أي سلاح بحوزتها من أجل تحقيق "الانتصار المطلق" – شعار نتنياهو الأجوف والسخيف منذ 7 أكتوبر، والذي لم يتحقق. لكن إسرائيل، التي تملك ترسانة نووية كبيرة، لم تستخدم هذا السلاح.

إسرائيل تصف ترسانتها النووية، رغم تعتيمها عليها، بأنها "سلاح يوم الحساب". أي إنها ستستخدمه في حال تعرض وجودها لخطر حقيقي. ويقال إنها شعرت بخطر كهذا في حرب تشرين 1973، ودرست استخدام سلاحها النووي، لكنها لم تفعل ذلك بعد تدخل القوتين العظميين في حينه وإيقافهما الحرب.

إسرائيل لم تتعرض أبدًا لخطر وجودي يستدعي استخدام سلاحها النووي، على عكس مزاعم نتنياهو بأن إيران تشكل خطرًا وجوديًا عليها، لكن هذا ادعاء لتبرير شن الحرب فقط لا غير. وحتى بعد فشلها في الحرب على إيران، وتوقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية والتأييد الدولي الواسع لها، يُستبعد أن تستخدم سلاحها النووي، حتى في حال عادت، لوحدها ودون مشاركة أميركية، في المستقبل القريب أو البعيد، إلى حرب مع إيران.

إلا أن إسرائيل لن توقف حروبها في الساحات الأخرى، غزة ولبنان وسورية. ونتنياهو أدرك في 7 أكتوبر، بواسطة حواسه السياسية، أنه سيتعرض لانتقادات سياسية داخلية وتحميله مسؤولية الإخفاق في عدم منع هجوم "طوفان الأقصى". وأدرك أيضًا انهيار نظريته بأن حركة حماس مردوعة ولن تقدم على هجوم كبير تشنه من قطاع غزة، وأن التبرعات المالية القطرية لغزة هي بمثابة مخدر لحماس.

لكن تبين أن الواقع مختلف عن ثقته بنفسه واستخفافه وتجاهله لواقع غزة المحاصرة بكل ما يعنيه هذا الحصار. وما حصل هو أنه، في الوقت الذي تحدثت فيه إسرائيل عن خطة لحزب الله لاحتلال الجليل في شمال إسرائيل، احتلت حماس منطقة واسعة نسبيًا في جنوب إسرائيل لمدة يوم أو يومين، وشلّت قوات الجيش الإسرائيلي التي لم تكن تتوقع مثل هذا الهجوم، ولم تمنع مقتل حوالي 1200 مدني وجندي إسرائيلي وأسر 250 إسرائيليًا.

لم تشهد إسرائيل حدثًا كهذا في تاريخها، وقد شكل صدمة وعقدة للإسرائيليين ما زالت مستمرة حتى اليوم، وأدرك نتنياهو ذلك، وعلى ما يبدو، أنه من أجل التغطية على الإخفاق قرر أن يكون رد إسرائيل حربًا أبدية.

وبذلك، هو لم يكن بحاجة إلى تحريض "اليهود النازيين" في حكومته، من أمثال سموتريتش وبن غفير وحزبيهما وأعضاء كثر في حزب الليكود، ورأى أنه مهما فعل وارتكب من إبادة جماعية وجرائم في حرب ضد غزة، فإنه سيحصل على دعم واسع في إسرائيل.

وبوقف الحرب على إيران أو انتهائها، لن يبقى الجيش الإسرائيلي وباقي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عاطلة عن العمل، وهي تستعد حاليًا لاستئناف الحرب بكل قوة على غزة، بذريعة نزع سلاح حماس، حسبما ذكرت صحيفة "هآرتس"، الأسبوع الماضي.

دبابة إسرائيلية في جنوب لبنان، أول من أمس ( Getty Images)

كما أن الجيش الإسرائيلي قدم خطة للمستوى السياسي، أي لنتنياهو، بشأن استمرار الحرب على لبنان في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، حسبما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس، وتشمل ثلاثة شروط: الحفاظ على حرية العمل في لبنان كلها؛ البقاء في المنطقة التي يحتلها في جنوب لبنان؛ ونزع السلاح في جنوب لبنان، أي إبعاد حزب الله عن هذه المنطقة، ما يعني استمرار الحرب في لبنان أيضًا.

إسرائيل لن توقف حروبها حتى برحيل نتنياهو

لا يبدو حاليًا أن حروب إسرائيل في غزة ولبنان ستتوقف، وقد يشتعل الوضع في الضفة الغربية أيضًا، ولا توجد خطط إسرائيلية بديلة، حتى لو تشكلت حكومة إسرائيلية أخرى بعد الانتخابات، في الصيف المقبل، أو رحل نتنياهو عن الحكم.

ليس واضحًا في هذه الأثناء كيف ستكون نتيجة الانتخابات، والاستطلاعات تتوقع أن تكون قوة الأحزاب الصهيونية في المعارضة الحالية أكبر من قوة الأحزاب في ائتلاف نتنياهو، لكن هذه التوقعات تشير إلى أن الأحزاب الصهيونية في المعارضة الحالية مجتمعة ستحصل على 60 مقعدًا في الكنيست في أفضل الأحوال، وربما أقل، وهذا لن يمكنها من تشكيل حكومة.

إذا لم تسمح نتائج الانتخابات بتشكيل حكومة أخرى، ولم ينتقل حزب من معسكر إلى آخر، فإن الانتخابات ستعاد، وفي غضون ذلك سيبقى نتنياهو على رأس حكومة تصريف أعمال، لكنها لن توقف الحروب، وربما ستشددها، وليس مستبعدًا أن توسعها بتنفيذ خطة الترانسفير في غزة، في محاولة لكسبها مزيدًا من الأصوات.

مستوطنون يقيمون بؤرة استيطانية قرب نابلس في آذار/مارس الماضي (Getty Images)

حتى لو شكلت المعارضة الحالية حكومة، فإنها لن توقف الحروب في غزة ولبنان، وعلى الأرجح أنها ستواصلها، مدعومة بمواقف الأجهزة الأمنية، إلى جانب أن أحزاب المعارضة أيدت هذه الحروب، وهي أحزاب يمينية أكثر من كونها وسطية. وعندما شكلت ما يوصف بـ"حكومة التغيير" في عام 2021، كانت "بصمة" نتنياهو حاضرة فيها، ولم تستمر ولايتها لأكثر من سنة ونصف السنة، وبعدها عاد نتنياهو إلى الحكم مجددًا.