تقرير: اتفاق واشنطن وطهران يبدد "هالة" نتنياهو ويعزز نفوذ إيران

في أعقاب مذكرة التفاهم مع إيران، تتآكل هالة نتنياهو في واشنطن ويتعثر مسار التطبيع مع السعودية، فيما ينقلب عليه منطقه بأن "التحالفات تُعقد مع الأقوياء" وسط قناعة خليجية بأن إسرائيل بقيادته قد تكون عبئًا إقليميًا.

تقرير: اتفاق واشنطن وطهران يبدد

لوحة إعلانية في تل أبيب تروج لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" (Getty Images)

يواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تداعيات سياسية وإستراتيجية واسعة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تقديرات بأن الضرر لا يقتصر على تراجع الإستراتيجية الإسرائيلية حيال طهران، بل يطاول أيضا الصورة التي بناها نتنياهو طوال عقود لنفسه في إسرائيل، باعتباره الزعيم القادر على التأثير في واشنطن وتطويع موقفها في الملف الإيراني.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

ونقلت وكالة "رويترز" عن محللين ومسؤولين أميركيين سابقين ومصادر دبلوماسية يرون أن الخسارة الأكبر لنتنياهو من الاتفاق بين واشنطن وطهران قد لا تكون في السياسة الإسرائيلية تجاه إيران فحسب، بل في "الهالة السياسية" التي عمل على بنائها لعقود، كزعيم إسرائيلي أوحد قادر على إخضاع واشنطن لإرادته والتأثير في سياساتها الخارجية.

وأفاد التقرير بأن نتنياهو أسس مكانته السياسية في إسرائيل على ادعاء مركزي مفاده أنه وحده قادر على ضمان توافق إستراتيجي كامل مع الولايات المتحدة بشأن إيران. وقد عمل، عبر استمالة الجمهوريين وكسب دعمهم، على تقديم نفسه بوصفه الزعيم الإسرائيلي الوحيد الذي يمتلك أدوات التأثير على رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين، مع إصراره على أن الضغط العسكري المتواصل هو الطريق الوحيد لاحتواء طهران.

ونقل التقرير عن دبلوماسيين قولهم إن نتنياهو، في ذروة قوته، كان يُنظر إليه في واشنطن على أنه "صاحب الكلمة المسموعة"، إذ كان قادرا على ضمان تقاطع الحسابات الإستراتيجية الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية بمجرد رفع الهاتف. وأشار هؤلاء إلى أنه لم يسبق لأي رئيس حكومة إسرائيلي آخر أن خاطب الكونغرس بهذا التواتر، أو بنى رصيدا سياسيا بهذا الثبات داخل النظام السياسي الأميركي.

غير أن محللين اعتبروا، بحسب "رويترز"، أن الاتفاق بين واشنطن وطهران، لإنهاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/ فبراير، يكشف تبدلا في هذه السردية؛ فبدلا من أن يكون نتنياهو الطرف الذي يصوغ سياسة واشنطن تجاه إيران، بات مضطرا إلى التعامل مع سياسة أميركية يحددها الرئيس دونالد ترامب، الساعي إلى تسوية ينظر من خلالها إلى الاعتراضات الإسرائيلية باعتبارها قيودا على مساره.

وقال المسؤول الأميركي السابق، دينيس روس، إن حسابات نتنياهو الداخلية لا تقل صعوبة عن حساباته الخارجية، موضحا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بات محاصرا بين رئيس أميركي عازم على إنهاء الصراع، وقاعدة داخلية ترفض التنازلات، خصوصا في لبنان. وفي هذا السياق، فإن الانسحاب يحمل خطر رد فعل سياسي داخلي عنيف، فيما يحمل التصعيد خطر الصدام مع واشنطن.

وكان نتنياهو، بحسب التقرير، يأمل أن تثبت الحرب إرثه باعتباره الزعيم الذي تصدى لإيران، غير أن ذكراها قد ترتبط، في نهاية المطاف، بالصراع الذي بدد أحد أهم مصادر قوته. فهو بات معزولا في الخارج، ومقيدا بأقرب حلفائه، وضعيفا قبيل انتخابات الخريف، فيما تحول الرصيد السياسي الذي بنى عليه مسيرته إلى عبء يثقل موقعه ويعرقل حركته.

وفي بداية الحرب مع إيران، وعد نتنياهو بـ"نصر حاسم"، لكنه لم يحقق النتائج التي سعى إليها؛ فلم يسقط النظام الإيراني، ولم يُهزم حزب الله في لبنان، ولم يتمكن سكان شمال إسرائيل من العودة الآمنة إلى مناطقهم.

وقال أفيف بوشينسكي، المستشار السابق لنتنياهو، إن "الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ضربة قاضية لنتنياهو"، مضيفا أنه "لم يخسر الحرب مع إيران فحسب، بل فقد أيضا ترامب كصديق. ولم يبت معزولا على الصعيد الدولي فقط، بل هو منخرط أيضا في نزاع كبير مع الرئيس الأميركي".

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلب للتعليق. وكان نتنياهو قد وصف علاقته بترامب، في مؤتمر صحافي هذا الشهر، بأنها علاقة بين شريكين "يتفقان كثيرا ويختلفان أحيانا"، معتبرا أن هناك حملة ممنهجة تهدف إلى التقليل من شأن "الإنجازات الهائلة" التي حققتها إسرائيل ضد إيران ووكلائها.

في المقابل، قال مسؤول في البيت الأبيض إن العلاقة بين ترامب ونتنياهو قوية، وإن القوات الإسرائيلية كانت "شريكا رائعا" في حرب قال إنها "دمرت قدرات النظام الإيراني العسكرية".

توبيخ علني وتباعد في الأهداف

وبحسب محللين، فإن الخلاف بين ترامب ونتنياهو لم يعد محصورا في مستوى العلاقة الشخصية بينهما، بل بات يعكس تباعدا متزايدا في الأهداف. فترامب يسعى إلى الانسحاب من حرب جديدة في المنطقة، بينما يرى نتنياهو أن استمرار الضغط على إيران وعلى حزب الله، ضرورة لأمن إسرائيل.

وأشار تقرير "رويترز" إلى أن واشنطن اختارت أن تتفاوض مباشرة مع طهران، ودمجت الجبهة اللبنانية ضمن إطار إقليمي أوسع، وأنشأت آليات لإدارة الخلافات المتعلقة بوقف إطلاق النار. ونقلت الوكالة عن ثلاثة مصادر دبلوماسية إقليمية أن هذه الخطوات تُبعد إسرائيل تدريجيا عن القرارات الرئيسية.

وأضافت المصادر الإقليمية أن الولايات المتحدة، التي كانت تنظر سابقا إلى نتنياهو كشريك لا غنى عنه، باتت تتعامل معه اليوم كعقبة أمام اتفاق تصر على حمايته.

وانتقد ترامب علنا السلوك العسكري الإسرائيلي في لبنان، فيما شدد نائبه، جي دي فانس، على الطابع المشروط للعلاقة مع إسرائيل، محذرا منتقدي الاتفاق من "مهاجمة الحليف القوي الوحيد المتبقي لهم في العالم".

في المقابل، قال مسؤولان إسرائيليان مطلعان على تفكير نتنياهو إنه لا يشعر بالقلق من أن تتحول تصريحات ترامب وفانس العلنية إلى تغييرات ملموسة في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، مثل تأخير شحنات الأسلحة، حتى إذا واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان.

غير أن ترامب أشار إلى استعداده لتجاوز الأولويات الإسرائيلية عندما تتعارض مع المصالح الأميركية، وقال في مقابلة تلفزيونية هذا الشهر إنه إذا طلب من نتنياهو "أن يفعل شيئا، فسوف يفعله".

تآكل "شبكة الأمان" الجمهورية

وقال علي فايز، من "مجموعة الأزمات الدولية"، إن إيران ستسعى إلى توسيع الفجوة الآخذة في الظهور بين الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر تصوير أي عمل عسكري إسرائيلي في لبنان على أنه محاولة لتخريب دبلوماسية ترامب، بما يضع البيت الأبيض أمام خيار صعب بين دعم حليفه أو حماية الاتفاق.

ويرى محللون أميركيون أن ما يجعل موقف نتنياهو هشّا على نحو خاص هو فقدانه "شبكة الأمان" الجمهورية التي اعتمد عليها لسنوات. فقد عمل رئيس الحكومة الإسرائيلية طويلا على كسب دعم الجمهوريين، واستخدمهم ثقلا موازنا لتخفيف التوتر مع الإدارات الديمقراطية، إلى حد أنه هاجم علنا الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه الرئيس الأسبق، باراك أوباما، عام 2015، من منصة الكونغرس.

لكن هؤلاء المحللين يقولون إن الجمهوريين لن يتخلوا عن ترامب من أجل نتنياهو، ما يحد من قدرة رئيس الحكومة الإسرائيلية على استخدام علاقاته داخل الحزب الجمهوري لمواجهة توجهات البيت الأبيض الحالية.

وفي هذا السياق، تمتد تداعيات الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران إلى الرهانات الإستراتيجية الأساسية التي بناها نتنياهو. فقد راهن مستقبله السياسي على هدفين: إضعاف النظام الإيراني وربما الإطاحة بها، وتأمين مسار لتطبيع العلاقات مع السعودية عبر توسيع ما يسمى "اتفاقيات إبراهيم".

غير أن أيا من الهدفين لم يتحقق، وفق التقرير؛ فالقادة الإيرانيون خرجوا من الصراع وهم أكثر ثباتا في مواقعهم، فيما لا تزال المصافحة مع السعودية بعيدة المنال.

تداعي منطق "اتفاقيات أبراهام"

وبدأت ملامح عملية إعادة توازن إقليمية بالظهور. فالدول التي كان نتنياهو يأمل في تقريبها من إسرائيل، وعلى رأسها السعودية التي اعتُبرت "درة التاج"، باتت تحسب مواقفها بدقة أكبر، و"تبطئ وتيرة التطبيع مع إسرائيل"، في الوقت الذي تعيد فيه بحذر فتح قنوات التواصل مع طهران.

وقالت مصادر خليجية إن المنطق الذي استندت إليه "اتفاقيات إبراهيم" يتداعى بفعل حرب غزة، ومسألة ضم الضفة الغربية التي لم تُحل، والتصور المتنامي بأن إسرائيل بقيادة نتنياهو قد تكون عبئا لا مكسبا في أي نظام إقليمي ناشئ.

وقال مسؤول إيراني إن مساعي نتنياهو لتوسيع "اتفاقيات إبراهيم" تراجعت، في وقت تبحث فيه دول عدة عن موقع لها داخل فلك إقليمي ناشئ تتمحور حوله إيران؛ ما يضرب المنطق الذي روّج له نتنياهو مرارًا بقوله إن "التحالفات تُعقد مع الأقوياء"، واعدًا بتوسيع تحالفاته الإقليمية لتشمل السعودية ودولا عربية وإسلامية أخرى.

وأضاف المسؤول: "هذا ليس مجرد انتصار لإيران. إنه فشل لنتنياهو". وبحسب التقرير، فإن الجمهورية الإسلامية لم تكتف بالنجاة، بل عززت مكانتها باعتبارها قوة إقليمية أوسع نفوذا.