لم يتغير شيء جوهري في الحرب على إيران. الضربات الأميركية مستمرة بقوة أشد أو أخف في إيران، التي ترد عليها باستهداف قواعد أميركية وأهداف في دول الخليج.
الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يعلن عن مفاوضات متقدمة مع إيران، التي تنفي وجود أي مفاوضات، وبعد ساعات يهدد ترامب بتوجيه ضربات ساحقة لإيران، التي ترد بتهديدات مضادة.
ترامب يكرر التصريح بأن مضيق هرمز سيفتح بعد ساعات، وإيران تنفي ذلك وتهدد باستهداف أي سفينة تخرق سيطرتها في المضيق.
التقارير تتحدث عن وساطة دول خليجية من أجل منع هجوم أميركي واسع في إيران، وفي موازاة ذلك تتحدث تقارير أخرى عن تحريض دول خليجية لإدارة ترامب بألا توقف الحرب، ثم يتبين أن النقص في صواريخ الاعتراض الأميركية كان السبب الرئيسي لمنع الهجوم الواسع.
التناقضات بين تصريحات ترامب مستمرة منذ أشهر، بل إنه وقّع مع إيران على مذكرة تفاهمات أوحت بنهاية الحرب، ثم تراجع وانسحب منها واستأنف الهجمات في إيران التي ردّت عليها. وهذا الحال من شأنه أن يدل على أن ترامب لا يريد وقف الحرب، أو أن هناك جهات، أميركية وإسرائيلية وعربية، تطالبه بألا يوقف الحرب.
الأرجح، على ما يبدو حاليًا، أن الحرب بشكلها الحالي، أي ضربات أميركية في إيران وضربات إيرانية في دول الخليج، لن تتوقف في الفترة القريبة، وزيارات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن ولقاءاته مع ترامب هدفها الأساسي تنسيق استمرار الحرب، وإذا أمكن أن يستغلها نتنياهو في حملته الانتخابية، فإن الفائدة التي سيجنيها ستكون أكبر.
لا يبدو أن هذه الحرب ستتوقف لأن أميركا وإسرائيل لم تحققا أيًا من أهدافهما المعلنة: لم يتم القضاء على البرنامج النووي، و440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بمستوى 60% لا يزال بحوزة إيران؛ لم يتم تدمير القدرة الصاروخية البالستية الإيرانية ولا منصات إطلاق هذه الصواريخ؛ لم يتم القضاء على القوة البحرية الإيرانية ولا الحرس الثوري، الذي بات يتحكم أكثر بالقرار الإيراني؛ لم يتم القضاء أو إضعاف وكلاء إيران، ولم تتراجع إيران عن عزمها على استمرار دعمهم؛ ولم يتم إسقاط النظام ولا إضعافه أيضًا.
انتهاء الحرب في هذه الظروف سيُعتبر هزيمة لأميركا وإسرائيل، ليس بنظر الإيرانيين وحلفائهم فقط، وإنما بنظر العالم كله، وخاصة بنظر الأميركيين الذين يعارض معظمهم هذه الحرب، وسيعتبرها الإسرائيليون نكسة لهم.
لذلك، فإن انتهاء الحرب قريبًا، أي خلال أشهر وربما أكثر، مستبعد. وستأمل إدارة ترامب، رغم معارضة أجزاء فيها لاستمرار الحرب، وإسرائيل وحلفاؤهما، بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى زعزعة النظام الإيراني وإضعافه بشكل كبير، مثلما يتوقع الموساد بحسب تقارير إسرائيلية، وأن يقود ذلك إلى تغيير النظام من داخل إيران، بعد إنهاكه اقتصاديًا.
احتمال تغيير الحكم في إسرائيل ورحيل نتنياهو بعد الانتخابات العامة، في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، لن يغير شيئًا في هذا الوضع. فالذين يمكن أن يحلوا مكان نتنياهو في الحكم، أي الأحزاب الصهيونية في المعارضة، يدعمون الحرب على إيران، واستئناف مشاركة إسرائيل فيها بشن هجمات في إيران يحظى بإجماع واسع في إسرائيل، حتى في حال قررت إسرائيل أن تستمر في الحرب لوحدها، حسبما أظهر استطلاع نشره "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، هذا الأسبوع.
رؤساء أحزاب المعارضة الذين يمكن أن يصلوا إلى الحكم في إسرائيل في الانتخابات المقبلة هم عسكريون بمعظمهم، وبينهم جنرالان، هما غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الأسبق، ويائير غولان، نائب رئيس الأركان الأسبق؛ ونفتالي بينيت، الضابط السابق في وحدة كوماندوز النخبة "سرية هيئة الأركان العامة". وزميلهم أفيغدور ليبرمان هو يميني متطرف أكثر من نتنياهو وأحد كبار دعاة الحرب في إسرائيل. وإذا نجح في تجاوز نسبة الحسم، سينضم إليهم أيضًا رئيس أركان الجيش الأسبق، بيني غانتس.
الانتخابات الإسرائيلية قريبة جدًا، وخلال ثلاثة أشهر من اليوم قد تشكل أحزاب المعارضة الحالية الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وإذا لم تنته الحرب على إيران إلى حين تشكيلها، ولا يبدو أنها ستنتهي، وبوجود ترامب في البيت الأبيض، وإذا كان الشعور في إدارة ترامب وفي الجيش الإسرائيلي أن الإخفاق في الحرب كبير، فإن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستكون حكومة حرب بامتياز، وهذا يعني أن الحرب ستستمر بوجود نتنياهو أو بدونه.
اتفاق غزة غير قابل للتنفيذ
لقد سارع ترامب إلى الإعلان عن اتفاق في غزة، توصل إليه "مجلس السلام"، ويشمل نزع سلاح حماس ودخول "مجلس السلام" إلى القطاع من أجل إدارته، لكن بعد ذلك أعلنت إسرائيل أنها لا توافق على الاتفاق؛ وفي الضفة، تدعي إدارة ترامب أنها تطالب الحكومة الإسرائيلية بوقف إرهاب المستوطنين، لكن الواقع هو أن المستوطنين الإرهابيين هم ذراع للحكومة في تنفيذ سياستها، وخاصة مخطط الضم، ولا تتردد في دعم هجمات هؤلاء المستوطنين بمساندة الجيش الإسرائيلي.
والنتيجة هي أن ترامب يظهر كمن يدفع خططًا لإنهاء الصراعات، وإسرائيل تواصل عدوانها. وهذا حاصل في لبنان أيضًا. وحسب تقرير صادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، هذا الأسبوع، فإن "الإدارة الأميركية تعمل الآن على إخراج الاتفاق (في غزة) إلى حيز التنفيذ كي تعوّض عن الشعور بالفشل مقابل إيران وإعادة تحريك خطة العشرين نقطة"، التي شملت وقف إطلاق نار لم تلتزم به إسرائيل أبدًا.
اللافت أن ترامب أعلن عن الاتفاق في غزة، يوم الجمعة الماضي، بعد أن التقى مع نتنياهو في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي.
وقبيل سفر نتنياهو إلى واشنطن، صادق الكابينيت السياسي – الأمني الإسرائيلي على دخول قوة الاستقرار الدولية إلى غزة، وبعد ذلك ادعت إسرائيل أن الكابينيت صادق على دخول محدود لقوة الاستقرار الدولية إلى منطقة رفح فقط كتجربة أولية. لكن نتنياهو صرح، هذا الأسبوع، بأن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في قطاع غزة، التي يقارب حجمها 70% من مساحة القطاع.
وتعارض إسرائيل ثلاث نقاط في الاتفاق، وهي أن السلاح الذي سيؤخذ من حماس لن يُدمر وإنما سيُخزّن في غزة؛ مشاركة تركيا وقطر في الإشراف على تنفيذ الاتفاق؛ وأنه ليست لإسرائيل حرية عمل عسكري في غزة، أي وقف هجماتها وعملياتها العسكرية، لكن إسرائيل مستمرة في عدوانها الذي يؤدي إلى استشهاد وإصابة مدنيين يوميًا.
الاتفاق في غزة بين "مجلس السلام" والوسطاء وحماس. وفيما يتعلق بالسلاح، لا يتوقع أحد، ولا إسرائيل أيضًا، أن حماس كانت ستوافق على تسليم سلاحها وإخراجه من القطاع؛ كذلك لا يتوقع أحد أن إسرائيل ستوافق على بقاء هذا السلاح في القطاع وأن يُخزن فيه، حتى لو لم يكن بأيدي حماس. لكن إسرائيل لم تشارك في المفاوضات حول الاتفاق، ولم يُطلب منها المشاركة، وهي لم تطلب المشاركة، لأن هذا مريح لها ويشكل ذريعة كي لا تلتزم به، مثلما هو حاصل فعلًا.
الاتفاق ضعيف بسبب ضعف الأجهزة المدنية والأمنية التي ستحل مكان حماس، وهذا يضع صعوبات أمام تنفيذ الاتفاق، كما أن مصر ترفض استقبال قرابة خمسة آلاف مرشح للخدمة في الشرطة في القطاع من أجل تدريبهم بسبب رفض إسرائيل تقديم ضمانات تسمح بعودتهم إلى القطاع، إلى جانب أن معظم الدول المرشحة للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية ترفض إرسال قوات إلى مناطق توجد فيها قوات حماس.
كما أن لجنة التكنوقراط التي يتعين عليها أن تدير شؤون القطاع لا تزال تعمل من القاهرة وتتخوف من الدخول إلى القطاع من دون أجهزة أمنية لحماية أعضائها. ويبدو أن الاتفاق حول إدارة شؤون غزة، الذي توصل إليه "مجلس السلام" بدعم إدارة ترامب، غير قابل للتنفيذ، ونتنياهو يصرح باحتمال التصعيد في غزة، والجيش الإسرائيلي يعلن أن الخطط العسكرية جاهزة لاستئناف الحرب بشدة، أي مواصلة الإبادة الجماعية.
إسرائيل تغذي انفجارًا بالضفة بتدمير القطاع الصحي
بعد أن دمرت إسرائيل القطاع الصحي في غزة، تعمل على تدمير القطاع الصحي في الضفة الغربية أيضًا، وكشف تقرير صادر عن الجمعية الحقوقية الإسرائيلية "أطباء لحقوق الإنسان"، أمس، عن أن النظام الصحي في الضفة "يواجه خطر الانهيار، في ظل استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، الأمر الذي يقوض بشدة قدرة السلطة الفلسطينية على تمويل الخدمات الصحية الأساسية".
وأفاد التقرير بأن 447 من أصل 590 منشأة وخدمة صحية تابعة لوزارة الصحة الفلسطينية قلصت عملها بشكل كبير ليوم أو يومين في الأسبوع. فيما لم يبقَ سوى 63% من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل بشكل جزئي خلال عام 2025، ويقتصر عمل العديد منها على يوم واحد أسبوعيًا، مقارنة بستة أيام أسبوعيًا قبل شن حرب الإبادة على غزة، في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتجاوزت ديون وزارة الصحة الفلسطينية للمستشفيات الخاصة وشركات الأدوية 1.18 مليار دولار (حوالي 3.6 مليار شيكل). ونفد أو تقلص بشكل هائل أكثر من ألف نوع دواء من أصل 1260 نوع دواء أساسيًا يُفترض أن يتوفر لدى الوزارة، كما يواجه المرضى المزمنون، بالسرطان والفشل الكلوي والسكري وأمراض القلب، صعوبات في الحصول على علاج أساسي.
ويتقاضى موظفو قطاع الصحة، مثل غيرهم من موظفي السلطة، أجزاء من رواتبهم، بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها السلطة الفلسطينية، وفي أعقاب إعلان موظفي الصحة عن إضراب احتجاجي مفتوح، في أيار/مايو الماضي، تم إغلاق مراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة للوزارة، بينما اقتصر عمل المستشفيات الحكومية على الحالات الطارئة.
وتأتي هذه الأزمة الصحية في موازاة التصعيد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، الأمر الذي يزيد الأعباء على الجهاز الصحي ويؤدي إلى تراجع القدرة على تقديم العلاج للجرحى، إضافة إلى المرضى.
ويلفت التقرير إلى أن هذه الأزمة المالية تتفاقم بالتوازي مع تصاعد العمليات العسكرية، والإغلاقات، والقيود المفروضة على الحركة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، الأمر الذي يزيد من تدهور الخدمات الصحية ويحد من قدرة المرضى على الوصول إلى العلاج.
سياسة إدارة ترامب في الأراضي الفلسطينية - في قطاع غزة والضفة الغربية - مشابهة لسياستها في إيران، فالإدارة تعلن عن تفاهمات واتفاقات وتدعي أنها تطالب إسرائيل بتخفيف ممارساتها في الضفة ولجم إرهاب المستوطنين، لكن لا شيء من هذه الدبلوماسية الزائفة يُطبق على أرض الواقع، ويبدو أن الوضع في الضفة بات على حافة الانفجار، وإسرائيل تغذي محركات هذا الانفجار، بدعم أميركي وصمت عربي.