حرب الإبادة في غزة لا تتوقف وإسرائيل تهدد بجبهة ضد تركيا

الجيش الإسرائيلي لا يمكنه التحقيق بجرائم ترتكبها قواته لأنها ارتُكبت بموجب أوامر قيادة الجيش وقرارات الحكومة * الدول الأوروبية تلوّح بعقوبات ضد إسرائيل، لكنها ستفرضها بعد الانتخابات خشية اتهامها بالتدخل في شؤون إسرائيلية داخلية...

حرب الإبادة في غزة لا تتوقف وإسرائيل تهدد بجبهة ضد تركيا

جنازة جماعيّة لخمسين فلسطينيًّا انتُشِلوا من تحت الأنقاض في مستشفى الشفاء بغزة (Getty Images)

ادعى الجيش الإسرائيلي في بيان، أول من أمس، الأربعاء، أنه أجرى تحقيقات في جرائم ارتكبها في قطاع غزة خلال حرب الإبادة المستمرة، وفي موازاة ذلك ارتكب جريمة جديدة، في اليوم نفسه، بهجوم استهدف مركزًا للشرطة في مدينة غزة، أسفر عن استشهاد تسعة فلسطينيين، بينهم ضباط شرطة كبار، وإصابة 15 آخرين.

التحقيقات العسكرية التي أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أجراها تتعلق بمقتل سبعة عاملين في "المطبخ المركزي العالمي"، ومقتل عاملين اثنين في منظمة "أطباء بلا حدود" في خانيونس، ومقتل عاملين اثنين آخرين في المنظمة نفسها في غزة، ومقتل مسعفين اثنين وعائلة حمادة، وبضمنهم الطفلة هند رجب، في مدينة غزة.

وتراوحت القرارات في هذه التحقيقات بين إغلاق التحقيق بسبب "عدم وجود شبهات بارتكاب مخالفات جنائية"، أو إغلاق التحقيق دون أي تبرير، أو إقالة ضابط دون محاسبة، أو أن الشرطة العسكرية ستواصل التحقيق في استشهاد الطفلة هند رجب. وإلى جانب أنه لا يوجد تحقيق جدي في هذه الجرائم، فإن هذه الجرائم لا تشكل حتى "نقطة في محيط" جرائم الإبادة الإسرائيلية.

الجيش الإسرائيلي لا يمكنه التحقيق بجرائم ترتكبها قواته، لأن هذه القوات ارتكبتها بأوامر قيادة الجيش وتشجيعها، وبموجب قرارات المستوى السياسي الإسرائيلي، ولا يبدو أن هذه الجرائم ستتوقف.

وكرر الجيش الإسرائيلي مزاعم مشابهة لا حصر لها خلال الحرب، بعد هجمات استشهد فيها مدنيون، بأن الهجوم على مركز الشرطة استهدف قادة عسكريين في حماس، وقال إنه قبل هذا الهجوم بوقت قصير استهدف راكب دراجة في منطقة مخيم النصيرات، الذي استشهد، وأنه كان قائدًا في حماس، بادعاء أنه شارك في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر قبل حوالي ثلاث سنوات.

الطفلة الشهيدة هند رجب (Getty Images)

الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة لم تتوقف أبدًا، وقبل مهاجمة مركز الشرطة هاجم الجيش الإسرائيلي ميناء غزة، ما أسفر عن استشهاد ستة فلسطينيين، وذلك في إطار تكثيف الهجمات الإسرائيلية في الأسابيع الماضية، وخاصة في أعقاب إعلان ما يسمى "مجلس السلام"، الذي تم تشكيله وفقًا لخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بادعاء وقف الحرب.

وترفض إسرائيل وقف حرب الإبادة، ورئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، أعلن رفضه لخطة "مجلس السلام" رغم ترحيب أميركي مزعوم بهذه الخطة، ورغم أنها تشمل جمع سلاح حماس.

وبرر نتنياهو رفض الخطة بأنها تنص على أن سلاح حماس لن يُدمر وإنما سيُخزن في غزة، وأن الخطة تنص على منع الجيش الإسرائيلي من حرية عمل عسكري في قطاع غزة، وأن تركيا وقطر تشاركان في مراقبة تنفيذ الخطة.

للتذكير، خطة النقاط العشرين التي طرحها ترامب في العام الماضي وادعى أنها ستنهي الحرب، شملت وقف إطلاق نار في المرحلة الأولى وتقليص انتشار الجيش الإسرائيلي في المرحلة الأولى، ووقف الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي في المرحلة الثانية، وبعد ذلك بدء إعادة إعمار قطاع غزة الذي دمرته إسرائيل بشكل شبه كامل، ولن تشارك بتاتًا بتكلفة إعادة إعمار ما دمرته.

وما حصل منذ إعلان خطة ترامب، أن حماس أوقفت إطلاق النار بشكل عام، لكن إسرائيل لم تلتزم به ولو ليوم واحد، وحتى بعد أن أعادت انتشار قواتها في منطقة تشكل حوالي 54% من مساحة القطاع وأطلقت عليها تسمية "الخط الأصفر"، بادعاء تنفيذ المرحلة الأولى، إلا أنها استمرت في ارتكاب جرائمها وقتل الغزيين بزعم الاقتراب من هذا الخط، الذي وسّعته تدريجيًا، وقال نتنياهو إنه سيشمل 70% من مساحة القطاع.

وترفض إسرائيل أي حديث عن انسحاب جيشها من القطاع، طالما لا يتم جمع سلاح حماس وإخراجه من القطاع وتدميره، وكي لا يكون هناك أي نوع من المقاومة لمخططات إسرائيل المعلنة بطرد الغزيين واحتلال القطاع كله والاستيطان فيه، وفقًا لعقيدة أن "الاستيطان يحقق الأمن"، لكن لا يبدو أن هذه العقيدة ستتحقق، وليس متوقعًا أن تلقي حماس سلاحها، ويؤكد ذلك الإسرائيليون أنفسهم.

عقوبات أوروبية غير جدية

قضية البؤرة الاستيطانية التي أقامها مستوطنون من حركة "شبيبة التلال" الإرهابية في قرية قصرة قرب نابلس، قبل أسبوعين، ما زالت في مكانها، بل تزايد عدد المستوطنين فيها، ورغم أن قيادة أجهزة الاحتلال ادعت أنها ستخلي البؤرة والمستوطنين، إلا أنها لم تفعل شيئًا في هذا الاتجاه، وبدلًا من ذلك وضعت قوات لحراسة المستوطنين والتنكيل بسكان القرية الفلسطينيين.

نتنياهو لم يتطرق إلى هذه القضية، بينما أشغل وزير الأمن، يسرائيل كاتس، الرأي العام بنقل صلاحية التعامل مع المستوطنين من الجيش إلى الشرطة، علمًا أن كلا الجهازين متساهلان للغاية مع إرهاب المستوطنين، كما طالب كاتس الجيش بتقديم خطة لنقل الصلاحية خلال أسبوعين، ما يعني أنه لن تكون هناك أي خطوات لإخلاء المستوطنين خلال هذه الفترة، وهذا إذا كان سيتم اتخاذ قرار بإخلائهم أصلًا، وغالبًا لا تخلي إسرائيل بؤرًا استيطانية وإنما تشرعنها وتربطها بشبكتي الماء والكهرباء.

ورغم هذه الممارسات الإسرائيلية وعجز الجيش عن إخلاء المستوطنين، فإن الحكومة الإسرائيلية لم تكترث بذلك، وإنما نشرت، هذا الأسبوع، مناقصة لبناء 1234 وحدة سكنية في إطار المخطط الاستيطاني في المنطقة E1، الواقعة شرق القدس المحتلة.

وكانت الحكومة الإسرائيلية قد تعهدت أمام المحكمة العليا، الشهر الماضي، بأنه لا يُتوقع نشر أي مناقصة تتعلق بمخطط E1 خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة التالية، وتعهدت بإبلاغ منظمات حقوقية وسكان فلسطينيين التمسوا ضد المخطط مسبقًا إذا قررت الحكومة نشر أي مناقصة، إلا أن الحكومة لم تفِ بتعهدها.

سموتريتش في المنطقة E1 ويستعرض خريطة للمخطط الاستيطاني (Getty Images)

يشار إلى أن إسرائيل حاولت عدة مرات تنفيذ هذا المخطط الاستيطاني، لكن في كل مرة كانت تتراجع، بسبب "ضغوط" دولية، بينها معارضة الولايات المتحدة ودول أوروبية مركزية للمخطط الذي من شأن تنفيذه أن يفصل شمال الضفة عن جنوبها ويقطع التواصل الجغرافي بينهما، واعتُبر أنه يمنع إقامة دولة فلسطينية وتطبيق حل الدولتين.

وهذه المرة ألمحت دول أوروبية، بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى أنها ستفرض عقوبات ضد إسرائيل إذا بدأت بتنفيذ المخطط، حسبما نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس الخميس، عن مصدر دبلوماسي أوروبي.

لكن يتبين أن "العقوبات" التي تلوّح بها هذه الدول الأوروبية ليست جدية أبدًا، إذ إنها ستشمل، في حال تطبيقها، وقف استيراد بضائع المستوطنات وفرض عقوبات على مسؤولين في المستوطنات، أي أنه لن يتأثر بها سياسيون إسرائيليون، في مقدمتهم نتنياهو وكاتس وسموتريتش وغيرهم، رغم أنهم هم الذين وضعوا المخططات الاستيطانية وصادقوا عليها وشجعوا مستثمرين على بناء المستوطنات وإقامة مصالح تجارية فيها، وكذلك منحوا إعفاءات وتسهيلات في الضرائب.

وإذا لم توقف الدول الأوروبية استيراد منتجات المستوطنات ولم تفرض عقوبات جدية على إسرائيل حتى الآن، بالرغم من الجرائم الإسرائيلية في الضفة الغربية والإبادة الجماعية في قطاع غزة، فإنه لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد أنها ستفرض عقوبات جدية الآن وفي المستقبل.

يتعزز هذا الاعتقاد أيضًا على إثر طمأنة الدبلوماسي الأوروبي إسرائيل إلى أن عقوبات كالتي تحدث عنها لن تُفرض قبل الانتخابات العامة الإسرائيلية، في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بادعاء الخشية من أنها إذا فُرضت قبل الانتخابات فإنها ستعزز قوة اليمين المتطرف من أمثال سموتريتش وبن غفير.

لكن من شأن فرضها قبل الانتخابات أن يؤدي إلى شعور المستوطنين والتجار والصناعيين في المستوطنات بالضرر بسبب سياستهما، لكن ربما يتحسب الأوروبيون من اتهامهم بأنهم، في هذه الحالة، يتدخلون في شؤون إسرائيل الداخلية، بينما هم يريدون الوقوف على الحياد، ما يعني أنه لا يمكن الاعتماد على الأوروبيين، على الأقل كي يلجموا إسرائيل.

إسرائيل تهدد باستهداف "تموضع" تركيا في سورية

نفذت إسرائيل أربع غارات جوية استهدفت مطار أبو الظهور العسكري قرب إدلب في عمق الأراضي السورية، وأعلنت إسرائيل أن هذه الغارات هي رسالة لتركيا والرئيس السوري، أحمد الشرع، مفادها أنها لن تسمح بتموضع عسكري تركي في سورية.

وقال كاتس، مهددًا تركيا، أمس، إن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، "يجرّ تركيا إلى مغامرة خطيرة في سورية، وإسرائيل لن تسمح لأي جهة بأن تهدد أمنها"، وأضاف ساخرًا أن "الأفضل لإردوغان أن يستمر في إلقاء خطابات كاذبة وحالمة ضد إسرائيل في البرلمان التركي وألا يختبر إصرار إسرائيل في الدفاع عن نفسها".

ونشر مكتب نتنياهو بيانًا باللغة الإنجليزية في منصة "إكس" بعد الغارات على المطار السوري، جاء فيه أنه "اتفقت إسرائيل وسورية على الحفاظ على الوضع الراهن في المسائل الأمنية، وهو ما كانت سورية على وشك انتهاكه بالسماح للقوات التركية بالانتشار في القاعدة الجوية".

وأضاف بيان نتنياهو أنه "حذرت إسرائيل سورية مرارًا وتكرارًا من أن هذا الانتشار سيشكل تهديدًا لأمنها. إلا أن سورية تجاهلت هذه التحذيرات. ولن تتسامح إسرائيل مع أي تهديدات لأمنها".

لقطة جوية لقاعدة "أبو الظهور" الجوية العسكرية، عام 2024 (Getty Images)

ونفت تركيا الادعاءات بأنها تهدد أمن إسرائيل، ووصفت ادعاءات نتنياهو بأنها "عديمة المسؤولية وهدفها منح شرعية لهجمات جوية إسرائيلية غير قانونية وتستهدف سيادة سورية وسلامة أراضيها".

وقال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في مقابلة أجرتها معه القناة 12 الإسرائيلية، ونشرتها أمس، إن دمشق لم تكن تعمل مع أنقرة على إقامة قاعدة تركية أو نشر قوات تركية بصورة دائمة في الموقع، وإن إسرائيل كانت على علم بطبيعة أعمال إعادة التأهيل قبل تنفيذ الغارات.

وأضاف الشيباني أنه "لم تكن هناك أي نية لإقامة قاعدة تركية هناك، أو إنشاء وجود عسكري تركي دائم، أو نشر قوات تركية في الموقع"، وأن "القاعدة كانت فارغة في معظمها"، وأن الأعمال التي كانت تنفذ في مطار أبو الظهور "اقتصرت على إعادة تأهيل المطار والمنشآت التي تضررت خلال الحرب، لاستخدامها من جانب سلاح الجو السوري".

لكن إسرائيل لن تأبه بتوضيح الشيباني، ولا تريد أن يرمم الجيش السوري قواعده، بمساعدة تركيا أو بدونها، بعد أن دمرت قواعد عسكرية سورية ومخازن الجيش بعد سقوط نظام بشار الأسد مباشرة.

الأهم من ذلك أن العداء بين إسرائيل وتركيا يتصاعد منذ بداية حرب الإبادة في غزة، في أعقاب تصريحات إردوغان ضد الإبادة وإدانته إسرائيل، وفي سياق الغارات على مطار أبو الظهور تتحدث إسرائيل عن "تموضع" تركي في سورية، يذكّر بحديثها عن تموضع إيران في سورية إبان نظام عائلة الأسد.

والحديث عن "تموضع" تركي في سورية من شأنه أن يشير إلى أن إسرائيل قد تفتح جبهة من نوع ما ضد تركيا، لن تكون على الأرجح مشابهة للجبهة ضد إيران، لأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن ليس مستبعدًا أن تستهدف إسرائيل قوات تركية في الأراضي السورية، مثلما يهدد نتنياهو وكاتس، وهذا من شأنه أن يقود إلى تطور تصعيد خطير.

ويظهر في كاريكاتير "يديعوت أحرونوت"، اليوم، نتنياهو حاملًا "الطفل" إردوغان، وكُتب فيه: "مبروك، وُلدت لنا جبهة جديدة".