شطب الأحزاب العربية بموجب المعادلة: إسرائيل تقتل وتدمر والفلسطينيون يحاسبون على التنديد

ذرائع الشطب هي نفي أن إسرائيل "دولة يهودية وديمقراطية"، لكن يهودية الدولة تعني إفراغ البلاد من العرب، فيما أصبح اليهود أنفسهم يشككون في ديمقراطيتها* نتنياهو أخفى تحذير بن زايد عن قادة الأجهزة الأمنية لأن حربًا على غزة ستحقق أهدافه السياسية

شطب الأحزاب العربية بموجب المعادلة: إسرائيل تقتل وتدمر والفلسطينيون يحاسبون على التنديد

سامي أبو شحادة يرد على المزاعم لشطب ترشيحه (أمير بويرات - "عرب 48")

شُطبت الأحزاب العربية ومرشحون فيها لانتخابات الكنيست بشكل جارف من جانب لجنة الانتخابات المركزية، أول من أمس الأربعاء، والادعاء الأساسي للشطب هو أنهم لا يؤيدون الصفة الصهيونية لإسرائيل بأنها "دولة يهودية وديمقراطية"، لكن هذه الصفة تنتقص من وجود العرب الفلسطينيين في بلادهم.

الحركة الصهيونية أرادت منذ البداية إخلاء البلاد من العرب، وارتكبت جرائم الترانسفير إبان النكبة في العام 1948، وكررت جريمة الترانسفير في الضفة الغربية، بتهجير حوالي 300 ألف فلسطيني، وفي هضبة الجولان، بتهجير أكثر من 100 ألف سوري، بعد احتلالهما في العام 1967.

وحاولت إسرائيل تكرار الترانسفير، ولا تزال تحاول، في حرب الإبادة على غزة، وتعلن صراحة وعلى مسمع العالم كله أنها تريد تهجير جميع الغزيين وإخراجهم من قطاع غزة، وفي موازاة ذلك ترتكب الجرائم يوميًا في الضفة الغربية بواسطة قتل فلسطينيين وطردهم من أراضيهم والاستيلاء عليها، في محاولة لتجميعهم في بقع صغيرة ومحاصرتها بالمستوطنات على أشكالها، بهدف دفعهم إلى اليأس ثم الهجرة.

سعي إسرائيل إلى دب اليأس في قلوب الفلسطينيين لم يتجاوز فلسطينيي الداخل، الذين يئس الآلاف منهم فعلًا حتى اليوم، لدرجة أنهم قرروا الهجرة من البلاد، وهناك عشرات آلاف آخرون يفكرون في الهجرة، ومئات الآلاف الذين يتمنون الهجرة، خاصة على خلفية الجريمة والعنف المستشريين في المجتمع العربي، اللذين يقابَلان بتقاعس الشرطة، وأيضًا على خلفية التمييز العنصري المستمر ضدهم منذ تأسيس إسرائيل.

إسرائيل الحالية تصر على أنها "دولة يهودية" حرفيًا، وتريد أن تكون البلاد، أي فلسطين التاريخية كلها، خالية من العرب لأسباب عنصرية صرف، ولذلك ليس صدفة أن المبادرات إلى شطب الأحزاب العربية ومرشحيها جاءت من وزير فاشي مثل إيتمار بن غفير، الذي أدين بالإرهاب، وبتأييد أحزاب اليمين، في الائتلاف الحكومي والمعارضة، وأحزاب ما يسمى بـ"الوسط"، مثل حزب غادي آيزنكوت وحزب "الديمقراطيين" برئاسة يائير غولان.

مرشحو القائمة المشتركة في لجنة الانتخابات المركزية، الأربعاء (أمير بويرات - "عرب 48")

بالنسبة إلى أن إسرائيل "ديمقراطية"، كان شعار الكثيرين في المجتمع العربي أن "إسرائيل ديمقراطية لليهود فقط"، لكن اليوم، ومنذ بدء ولاية حكومة نتنياهو الحالية، بات قسم واسع جدًا من الجمهور اليهودي وممثليه في الكنيست يقول إن الدولة الآن لم تعد ديمقراطية في أعقاب خطة "الإصلاح القضائي" التي هدفها إضعاف جهاز القضاء، والمحكمة العليا بشكل خاص، التي تعتبر أنها تحل مكان الدستور في إسرائيل.

وضعفت المحكمة العليا الإسرائيلية بالفعل في السنوات الأخيرة، ليس لأنها كانت أكثر عدلًا في الماضي، فقد شرعنت سياسات الاحتلال والتمييز ضد الفلسطينيين أينما كانوا، لكنها ضعفت فيما يتعلق بالقضايا المدنية الداخلية مثل الدفاع عن فرد أو عن فئة اجتماعية، على إثر تشريعات "الإصلاح القضائي" وتغيير تركيبتها القضائية التي أصبح يغلب عليها قضاة يمينيون أو محافظون.

في هذا السياق، جاء تصويت رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، وهو نائب رئيس المحكمة العليا، تأييدًا لشطب ترشيح أبو شحادة، وهو بذلك انضم إلى الرعاع الفاشيين، علمًا بأن المرة الأخيرة التي انضم فيها رئيس لجنة الانتخابات المركزية إلى التصويت كانت في العام 2003، عندما أيد القاضي ميشيئيل حيشين شطب ترشيح ناشط اليمين الفاشي، باروخ مارزيل.

إسرائيل رفضت دائمًا أي تنديد بسياستها العنصرية أو العدوانية أو بجرائمها، لكن المعادلة التي ترسخت في إسرائيل بعد 7 أكتوبر هي أن الإسرائيليين يقتلون ويدمرون بلا حدود، والفلسطينيين يحاسَبون على مجرد التنديد بهذه الجرائم، وشطب الأحزاب العربية ومرشحيها يأتي في إطار هذه المعادلة.

هل أراد نتنياهو هجوم "طوفان الأقصى"؟

إخفاء نتنياهو عن قادة الجيش الإسرائيلي والشاباك والموساد التحذير الذي نقله إليه رئيس الإمارات، محمد بن زايد، في محادثة هاتفية قبل أسبوع ونصف الأسبوع من 7 أكتوبر، بأن حماس تخطط لشن هجوم كبير وواسع على إسرائيل، ليس أمرًا عاديًا.

ونفي نتنياهو لتحذير بن زايد، ونفيه حتى أن بن زايد تحدث معه قبل 7 أكتوبر، بعد نشر تقرير الصحافي شلومي إلدار في صحيفة "هآرتس" حول هذا التحذير، الأسبوع الماضي، هدفه إبعاد نفسه عن إخفاق 7 أكتوبر، خاصة أن التحذير جاء من خلال اتصال هاتفي مشفر بهاتف نقله موظف في السفارة الإماراتية في تل أبيب وسلمه لنتنياهو، وهذه المحادثة لا تُسجل في بروتوكولات مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية.

لكن، بحسب إلدار، فإن نتنياهو علم من بن زايد بالأسباب التي دفعت رئيس حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، إلى شن هجوم 7 أكتوبر، وهي أن الشاباك كان يجري، بعلم نتنياهو وموافقته، مفاوضات مباشرة مع حماس في الأشهر التي سبقت الهجوم، تمحورت حول تبادل أسرى وتخفيف الحصار على القطاع ودخول غزيين للعمل في إسرائيل.

في بداية هذه المفاوضات طالب السنوار بأن تفرج إسرائيل عن 500 أسير، بينهم أسرى من ذوي الأحكام المؤبدة، ثم وافق على خفض عدد الأسرى الذين سيحررون إلى 250 أسيرًا، وبعد ذلك وافق السنوار على تحرير 50 أسيرًا، وقدّر الشاباك أن السنوار سيوافق على تحرير 30 أسيرًا، وفي نهاية آب/أغسطس 2023 وافق نتنياهو على تحرير 30 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم 20 أسيرًا من ذوي الأحكام المؤبدة، مقابل إفراج حماس عن جثتي جنديين ومواطنين إسرائيليين تحتجزهم منذ العام 2014.

وتطلب تحرير الأسرى الفلسطينيين موافقة "اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون الأسرى والمفقودين"، لكن نتنياهو ماطل في عقد اجتماع لهذه اللجنة، والسنوار "أبدى علامات على عدم ارتياحه" من مماطلة نتنياهو في إخراج الصفقة إلى حيز التنفيذ، وفقًا لإلدار.

وذريعة نتنياهو في المماطلة كانت تخوفه من موقف شركائه في الحكومة، وخاصة الوزيرين بن غفير وسموتريتش، وأنهما سيرفضان اتفاقًا مع حماس وتحرير أسرى فلسطينيين، والادعاء بأنه كان منشغلًا بالاحتجاجات الواسعة في إسرائيل ضد خطة "الإصلاح القضائي" وتشريعاتها في الكنيست.

وفقًا لهذه السردية، فإن حماس شنت الهجوم في 7 أكتوبر، ليس بسبب تحرير 30 أسيرًا فقط، وإنما بالأساس بسبب الضائقة الاقتصادية في القطاع والنقص في المواد الغذائية جراء الحصار الإسرائيلي للقطاع المستمر منذ أكثر من 16 عامًا، وكانت هذه الضائقة بين الأسباب الرئيسية للتوتر الأمني بين إسرائيل وحماس، الذي أدى إلى عدوان إسرائيلي متكرر منذ نهاية العام 2008، أي قبل الإفراج عن السنوار من السجون الإسرائيلية.

ويبدو أن نتنياهو كان يعلم بغضب السنوار من مماطلته في المصادقة على الاتفاق، إذ نقل إلدار عن مسؤول في الشاباك قوله إن السنوار أوقف الاتصال مع المفاوضين الإسرائيليين واختفى، وأنه "غاب عن الرادار، وتبخّر"، منذ بداية أيلول/سبتمبر 2023.

بعد ذلك بحوالي ثلاثة أسابيع جاء اتصال بن زايد وتحذيره من هجوم متوقع لحماس، لكن ليس مستبعدًا أن نتنياهو اعتبر أن هجومًا تشنه حماس، الذي وصفه السنوار في تحذير طلب نقله إلى إسرائيل بأنه "زلزال"، سيكون فرصة لعدم تنفيذ ما تم التوصل إليه في المفاوضات معها، وأن إسرائيل سترد عليه بشدة، وتبين لاحقًا أنها ردت بحرب إبادة جماعية بحق الغزيين.

قبل محادثة بن زايد مع نتنياهو، وفي منتصف أيلول/سبتمبر، نقلت الإمارات التحذير من هجوم حماس إلى الشاباك، لكن خلال مداولات أمنية في مكتب نتنياهو، قدّر الشاباك أن المقصود بهجوم كهذا أن السنوار يخطط لاحتجاز الباحثة الإسرائيلية التي كانت محتجزة في العراق، إليزابيت تسوركوف، من أجل رفع عدد الأسرى الذين سيحررون.

يصعب فهم كيف فكّر الشاباك بذلك بعد أن هدد السنوار بـ"زلزال"، لكن تفسيرًا يمكن أن يكون مقنعًا لسبب إخفاء نتنياهو تحذير بن زايد عن قادة الأجهزة الأمنية، وفي موازاة ذلك إبدائه عدم اهتمام بتحذير آخر من هجوم لحماس، نقله إليه وزير المخابرات المصرية، عباس كامل، هو أن نتنياهو أراد أن تشن حماس هجومًا ضد إسرائيل من أجل أن ترد إسرائيل بحرب على غزة.

لا شك في أن نتنياهو أدرك أن هجومًا لحماس ستكون نتائجه مقتل وأسر إسرائيليين، وبالطبع عددهم لم يكن واضحًا لا لحماس ولا لنتنياهو، لكن مثلما تبين خلال حرب الإبادة، نتنياهو ماطل وأرجأ صفقات تبادل أسرى وبدا كمن لا يأبه بمصير عشرات الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة.

إلا أن نتنياهو اعتقد بلا شك أنه إذا شنت إسرائيل حربًا على غزة، بعد هجوم يؤدي إلى مقتل وأسر إسرائيليين، فمن شأنه أن يؤدي إلى تغيير الوضع داخل إسرائيل وإلى تراجع الاحتجاجات الواسعة ضده وضد حكومته، وانتقال عشرات آلاف المحتجين في شوارع المدن الإسرائيلية إلى الخدمة في قوات الاحتياط والمشاركة في حرب على غزة، وبذلك تخدم الحرب أهداف نتنياهو الداخلية.

إذا كان نتنياهو قد أراد الحرب على غزة بسبب الهجوم الذي أطلقت عليه حماس تسمية "طوفان الأقصى"، فإنه نجح في تغيير الرأي العام الإسرائيلي، وليس بتأييد الحرب فقط، وإنما بتأييد إبادة جماعية رهيبة وتدمير قطاع غزة كله، وهذه جريمة حتى بحق الجمهور الإسرائيلي.