"هل هناك من مستقبل لليسار في إسرائيل؟"

"هل هناك من مستقبل لليسار في إسرائيل؟"

ظهرت الحركات اليسارية في الدول الغربية نتيجة للتناقض الصارخ بين مصلحة أرباب المال والصناعة وبين مصلحة العمال، أدى ذلك التناقض إلى إقامة النقابات المهنية التي كانت خير حليف ورافد للاحزاب الاشتراكية.
لم تكن الحال كذلك عند اليسار الصهيوني، الذي نشأ لكي يلبي حاجة المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين، التي تتمثل في فلاحة الأرض بأيد يهودية والاستغناء عن الأيدي العاملة العربية إلى أقصى حد. لم يكن بالمستطاع تنفيذ ذلك المشروع بهمة المبادرات الرأسمالية - الفردية، مما اقتضى تنظيم المستوطنين اليهود في أطر تعاونية - اشتراكية لشراء الأرض وتدبير شؤون الإنتاج الزراعي وبيع المحاصيل وتوفير الخدمات المختلفة من صحية وأمنية وتعليمية وغير ذلك. لتحقيق تلك الغاية، أنشأت الحركة الصهيونية نقابة العمال العامة للعاملين اليهود (الهستدروت) وحركة الاستيطان الاشتراكي اللتان كانتا الدعامتان الأهم في إعداد الاستيطان اليهودي الذي عليه قامت في ما بعد دولة إسرائيل.
بعد إقامة دولة إسرائيل، استمر "حزب عمال أرض إسرائيل" (مپاي) في السيطرة شبه المطلقة على الحكم وتصريف شؤون الدولة والنقابات المهنية والإشراف على توزيع المساعدات الخارجية. استمرت تلك السيطرة لليسار الصهيوني حتى سنوات السبعينيات من القرن العشرين حيث استطاع أن يرسي الأسس لدولة الرفاه الاجتماعي وفي الوقت ذاته كان يشرف على مشاريع تهويد الجليل والنقب، لذلك لم تنشأ في إسرائيل معارضة ذات شأن لليسار الإسرائيلي خلال تلك الفترة.
الازدهار الاقتصادي الذي أعقب حرب حزيران لسنة 1967 والتغيير الذي طرأ على أساليب الإنتاج في الدول الغربية، أديا إلى تعاظم واتساع الملكية الفردية في الاقتصاد الإسرائيلي وتقلص نفوذ الأحزاب اليسارية وسيطرة أجهزتها الإدارية. تقلص كثيرا أيضا تأثير المستوطنات التعاونية (كيبوتسيم) في الحياة الاقتصادية والثقافية، بعد أن كان لها دور كبير في الاستيلاء على رقعة كبيرة من الأراضي الزراعية.
بعد الهزيمة الجزئية التي مُنِيَ بها الجيش الإسرائيلي في حرب تشرين أول (أكتوبر) 1973، ظهرت لأول مرة في إسرائيل أحزاب تمثل الطبقة الوسطى، التي كانت وليدة السياسة الاقتصادية - الاجتماعية التي اتبعها اليسار في توفير الفرص للجميع.
خلال العقدين، الأول والثاني من احتلال الأراضي العربية في حرب حزيران 1967، لم يكن في وسع "الصهيونية الاشتراكية" في إسرائيل أن تحدد معالم طريق جديدة لها، فزاد ذلك من ضعفها. استولى على قطاعات واسعة منها الوهم، أن الفرصة قد حانت لتوسيع رقعة الكيان القومي، وبذلك غاضت أكثر فأكثر الصبغة الأممية لليسار التي تتعالى فوق القومية وترى في تحقيق العدالة الاجتماعية لجميع البشر هدفها الأسمى. أخفق اليسار الإسرائيلي في اجتذاب الغالبية العظمى من اليهود الشرقيين الذين تكونت منهم معظم الطبقة العاملة في إسرائيل. حاول اليهود الشرقيين إبراز انتماءهم الإسرائيلي بإخفاء حضارتهم العربية العلمانية وإظهار هويتهم الدينية وذلك لكون العرب في إسرائيل في أسفل السلم الاجتماعي.
أدرك اليمين الصهيوني ما يختلج في صدور اليهود الشرقيين وشجع الميل نحو المحافظة على أنماط الحياة اليهودية ذات الصبغة الدينية، بحنكة أكثر من اليسار.
كان اندلاع الانتفاضة الأولى للفلسطينيين حافزا لليسار للبحث عن الذات من جديد. القمع والبطش الذي مارسته إسرائيل ضد الجماهير الفلسطينية أثار النفور والقلق عند اليساريين. عدم الرغبة في الهيمنة على الفلسطينيين بالقوة واليقين بأن دوام تلك الحال من المحال، تغلغل في أذهان الكثيرين من اليساريين. أضف إلى ذلك أن الذي يرفض السماح بقيام سيادة فلسطينية، لا خيار له سوى أن يمنح الفلسطينيين المواطنة الكاملة في دولة إسرائيل، وهذا في حد ذاته كابوس يقض المضاجع اليهودية، لأنه سيؤدي في النهاية إلى دولة ثنائية القومية، تتلاشى فيها الأكثرية اليهودية مع الوقت. هاجس الحفاظ على يهودية الدولة تغلب على الرغبة في توسيع رقعتها وهذا مما أعاد اليسار الى سدة الحكم لسنوات قلائل.
من سوء حظ اليسار أن اليمين المعتدل أخذ يتبنى عقيدة الحل السلمي والتنازل عن حلم إسرائيل الكبرى. انسحب شارون من غزة، وأخذ أولمرت يتحدث عن العودة إلى حدود 1967 مع بعض التعديل، وأما تسيپي ليڤني فليس من المستبعد أن تقبل بتقسيم القدس بتشجيع ودي من باراك أوباما.
ما هي الخيارات التي بقيت أمام اليسار الصهيوني الإسرائيلي الذي يتزعمه "السيد أمن"، إيهود براك في الحاضر؟ هل يدين المستوطنين والاستيطان؟ هل يتهرب من الحديث عن مصير القدس؟
جميع الدلائل تشير أن حزب العمل وميرتس يواجهان انهيارا كبيرا. لا يبدو أن هرولة المثقفين عديمي البوصلة، بين الحزبين ستسفر عن أفق يساري جديد ونضر، يجتذب الجماهير إليه.
الشعارات التي يطلقونها ليست سوى اجترارا لما يردده اليمين الوسط، بكلمات ينقصها الحزم والوضوح.
العدالة الاجتماعية التي دعت إليها الحركات الاشتراكية - الديمقراطية كانت ولا زالت ترى في إزالة الفروق الطبقية في المجتمع وفي تساوي جميع الأعراق البشرية ركنان أساسيان لتحقيق غاياتها. اليسار الإسرائيلي يفتقر إلى كليهما، ولذلك من غير المتوقع أن يولد منه قادة أمثال باراك أوباما.
لذلك لن يكون بوسع حزب العمل وميرتس اليهوديين ولا الجبهة أو التجمع الديمقراطي العربيين أن يجددا الأمل في حركة، لديها الجرأة لكي ترسم الخط الواصل بين المطالب الاجتماعية - الطبقية وبين المطالب الديمقراطية - الإنسانية بحيث تتجه إليها أنظار المواطنين اليهود والعرب على السواء، لكي تحدد أهدافا واضحة تسعى إلى تحقيقها وتبتكر رموزا يلتف حولها الطرفان.
هل سيأتي يوم يتحقق فيه هذا الحلم؟ لعل نتائج الانتخابات البلدية في تل أبيب، حيث صوتت نسبة كبيرة من الشباب لمرشح اليسار، تبعث على الأمل في التغيير المنشود.