تتواصل التصريحات الإسرائيلية النارية ضد حزب الله في إطار حملة موجهة بدأتها إسرائيل في الأسابيع الأخيرة متهمة الحزب بالتخطيط لضرب أهداف إسرائيلية في المنطقة وفي العالم. وكان داني ايالون نائب وزير الخارجية الإسرائيلي قد صرح هذا الأسبوع بأن المواجهة مع حزب الله باتت حتمية، وطالب المجلس الوزاري المصغر في إسرائيل بتوجيه ضربة لحزب الله في أقرب وقت ممكن.
ويرى محللون أن هذا التهديد الإسرائيلي يأتي في أعقاب إبرام تفاهمات بين حزب الله وسعد الحريري المكلّف بتشكيل الحكومة في لبنان، والتي تقضي بمشاركة فعالة للحزب في الائتلاف الحكومي اللبناني، الأمر الذي أكد عليه الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله في أكثر من مناسبة.
ويعتقد الإسرائيليون أن محاولات ضرب حزب الله وتهميشه على الساحة اللبنانية، في أعقاب عدم نجاحه بالحصول على أكثرية نيابية في الانتخابات الأخيرة، باءت بالفشل، خاصة بعد الدور الذي لعبه في تغيير مواقف وليد جنبلاط والتي بموجبها تمّ تغيير التوازنات السياسية في لبنان بين الأغلبية والأقلية.
وأفادت مصادر إسرائيلية مطلعة هذا الأسبوع أن التخوفات الإسرائيلية من عمليات محتملة لحزب الله انتقامًا لاغتيال القائد العسكري للحزب عماد مغنية هي تخوفات حقيقية، خاصة وأن أنباءً حول إقامة قواعد للحزب في أنحاء مختلفة من العالم باتت في حكم المؤكد.
هذا بالإضافة الى تنامي القدرات القتالية لحزب الله وتزوده بصواريخ حديثة وأكثر دقة من تلك التي كان يملكها إبان حرب تموز 2006.
من جانب آخر يرى الخبراء في الشأن اللبناني أن حزب الله يتعامل بحذر مع التهديدات الإسرائيلية، فهو من جهة يهدد إسرائيل من الإقدام على أي عملية عسكرية ويعلن أن رد المقاومة سيكون أقوى من ذي قبل.
ومن جهة ثانية يحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل في المرحلة الحالية.
وفي سياق ذي صلة نشرت صحيفة معاريف هذا الأسبوع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تتضمن تهديدات لإيران واصفة الخيار العسكري ضدها بأنه حقيقي، وأن إسرائيل تنتظر أن ينهي اوباما محاولات الحوار الدبلوماسي مع إيران، حيث تراهن إسرائيل على انعدام الجدوى من المحادثات السلمية وتعتقد أن إيران ماضية في تنفيذ برنامجها النووي لأهداف عسكرية.
ويرى المراقبون للشأن الإسرائيلي أن حزب الله عقبة يجب ازالتها من أجل تنفيذ استراتيجية ضرب المنشآت النووية الايرانية، وهذا ما يفسر تصريحات داني ايالون بأنّ المواجهة مع حزب الله حتمية ولا بد منها، وأن هيبة الردع الإسرائيلية لن تتم استعادتها بدون توجيه ضربة قاسية لحزب الله وقدراته القتالية.
وتعمل إسرائيل وأمريكا في الآونة الأخيرة جاهدتين في إحراز تقدم في مسار التسوية على الجبهة السورية وذلك من خلال التنسيق مع النظام المصري الذي كما يبدو يقوم بدور فعال في إقناع سوريا بالموافقة على المحادثات المباشرة مع إسرائيل والتخلي عن الوساطة التركية، بما ينسجم مع تصريحات نتانياهو الأخيرة بهذا الصدد، في محاولة لتحييد سوريا من أي مواجهة مع حزب الله في الأشهر القادمة.
وذكرت التقارير الإسرائيلية أن القوات الإسرائيلية تزيد من تواجدها ومناوراتها على الحدود الشمالية بشكلٍ مكثف.
أما في الجانب الآخر فقد ذكرت مصادر الجيش اللبناني أن قواته دخلت في حالة تأهب بالقرب من الحدود الإسرائيلية تحسبًا لأي عملية إسرائيلية.
يذكر أن حزب الله ينظم في الجنوب اللبناني في الأسبوعين الأخيرين احتفالات وأنشطة مختلفة احتفاءً بالذكرى الثالثة لحرب تموز 2006.
ومن المتوقع أن تختتم هذه الأنشطة اليوم الجمعة الرابع عشر من آب وهو تاريخ انتهاء حرب 2006، بكلمة للسيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، حيث سيتعرض فيها لتقييم الأوضاع وبعث رسائل مرتبطة بالتطورات الأخيرة المتعلقة بالتهديدات الإسرائيلية كما أعلنت شبكة المنار الإعلامية.
التحرشات الاسرائيلية في لبنان المترافقة مع سيل من التصريحات والتهديدات النارية التي يطلقها المسؤولون ومحاولة إظهار حزب الله مسوؤلاً عن حالة التوتر الحالية، باتت تثير القلق والتساؤلات لدى المراقبين والجمهور على حدٍ سواء، خاصة أنها تأتي في ظل أجواء سياسية لا تخلو من التشويش والغموض، وتحديدًا في ظل تعنت إسرائيلي وتمترس وراء مواقف متشددة فيما يتعلق بالتسوية السياسية للنزاع العربي الإسرائيلي.
فالساحة الإسرائيلية موحدة في رؤيتها المتشددة للحلول المطروحة بيسارها ويمينها، إلى درجة تكاد معها تذوب الفروقات بين حزبي "العمل" و"إسرائيل بيتنا" وما يتوسطهما من أحزاب – علاوة على انعدام التأثير لمن هم على يسار حزب العمل.
ويعتقد المراقبون أن هذا التطرف الإسرائيلي لا يمكنه الاستمرار على نفس المنوال دون وجود مبررات قوية له على أرض الواقع، خاصة أن الأطراف العربية المستعدة للتسوية باتت أكثر جاهزية لإبرام صفقة مع إسرائيل على أساس مشروع الدولتين ضمن السقف الذي حددته أمريكا من خلال تدخلاتها الأخيرة في المنطقة.
فليس من قبيل الصدفة تعميق التواصل بين القيادتين المصرية والإسرائيلية وزيادة وتيرة التنسيق السياسي بينهما عشية سفر مبارك للولايات المتحدة، حيث أن أهداف هذا التنسيق المعلنة هي تقريب وجهات النظر بين إسرائيل ومصر في موضوع التسوية، في حين تحدثت مصادر في البلدين عن تعجيل إبرام صفقة تبادل الأسرى وإغلاق ملف شاليط من جهة، والتوسط بين سوريا وإسرائيل لفتح المفاوضات الثنائية وفقًا للتفاهمات التي أنجزها ميتشيل في جولته الأخيرة بين البلدين، هذا إضافة الى تعميق التحالف فيما يخص الملف النووي الإيراني وعزل إيران عن العالم العربي نهائيًا.
هذا مع العلم أن الحكومة الإسرائيلية الحالية غير مؤهلة لولوج أية تسوية سياسية جديدة دون إعادة الهيبة لقدرة الردع وفقًا للمفهوم الأمني ونظرية التفوق الإسرائيلية.
على هذا الأساس فإنه من وجهة نظر إسرائيل ستكون المواجهة حتمية بينها وبين حزب الله بوصفه الرقم الصعب في معادلة فقدان التوازن الإسرائيلي والعقبة الكأداء امامها في أي تحرك عسكري باتجاه ضرب المنشآت النووية الايرانية. فإذا كانت إسرائيل مُصرّة، كما تعلن، على ضرب البرنامج النووي الإيراني، فإنها من الناحية التكتيكية العسكرية- الأمنية مجبرة على إزالة خطر المقاومة اللبنانية من طريقها، وهي تعلم بعدما جربت كل المحاولات المباشرة وغير المباشرة أنه ما من طريق أمامها سوى توجيه ضربة مباشرة لحزب الله عسكريًا، خاصة أنه لم تنفع كل الوسائل الأخرى في إخضاعه، من هنا يمكن فهم التحرشات الإسرائيلية بالحزب ومحاولة جره الى مواجهة عسكرية، يتحمل هو مسؤولية اندلاعها امام الرأي العام العالمي.
ويرى المحللون أنّ حزب الله الذي أثبت جدارته في إدارة الحرب النفسية والمواجهة العسكرية على أرض المعركة، ما زال يُظهر ثابتًا على خطه المواجه والمتحدي للتهديدات الإسرائيلية، خاصة في الأجواء الاحتفالية التي عممها في الفترة الأخيرة احتفاءً بذكرى انتهاء حرب تموز في الرابع عشر من آب منذ ثلاث سنوات.
ومقابل التصريحات الإسرائيلية صعّد حزب الله من تصريحاته معلنًا أن الحرب الماضية ستكون مزحة مقارنة مع الحرب القادمة، حيث ستكون الضاحية الجنوبية مقابل تل أبيب هذه المرة.. وليس بيروت كما كان في المرة السابقة.
يبدو أن التصريحات والتهديدات المتبادلة لا يمكن التعامل معها كونها في مندرجات الحرب النفسية فقط، فهذه المرحلة تمّ تجاوزها منذ زمن بين حزب الله واسرائيل، مما يعزز حالة التشكك والقلق التي تغطي غيومها سماء المنطقة.
31/10/2010 - 11:02
فصل المقال: في الذكرى الثالثة لحرب تموز: هل ستغوص اسرائيل مرة اخرى في الوحل اللبناني?!
-