تحليلات: نتنياهو زرع بذور التصعيد في الضفة

تحليلات: نتنياهو زرع بذور التصعيد في الضفة
(أ ب أ)

الرأي السائد في الصحافة الإسرائيلية اليوم، الجمعة، أن حركة حماس تحرك الوضع في الضفة الغربية، حيث تصاعد التوتر الأمني بشكل كبير، هذا الأسبوع، ووصل أوجه أمس وليلة أمس، بسقوط أربعة شهداء فلسطينيين، هم صالح البرغوثي وأشرف نعالوة ومجد مطير وحمدان عارضة، في موازاة استمرار عمليات إطلاق النار والطعن والدهس. إثر ذلك، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير الأمن ووزير الخارجية أيضا، بنيامين نتنياهو، عن خطوات همجية، بينها هدم بيوت منفذي العمليات وشرعنة بؤر استيطانية عشوائية، إلى جانب تعزيز قوات الاحتلال في الضفة، خاصة في منطقة رام الله، واستمرار فرض طوق أمني على هذه المدينة، عاصمة السلطة الفلسطينية، التي تنسق أمن الفلسطينيين مع الاحتلال.

لكن المحللين الإسرائيليين البارزين وجهوا انتقادات لنتنياهو. وكتب بن كسبيت في "معاريف" أنه "عندما بدأ نتنياهو بالاستمتاع بالمظهر الزائف كوزير للأمن، التغطية الإعلامية لجولاته، اللباس غير الرسمي، الصور برفقة مقاتلي كوماندوز كأنهم عارضو أزياء، التصريحات القتالية، فيما رئيس أركان الجيش وقائد الجبهة الشمالية ورئيس الشاباك أو أي جنرال آخر يقف طائعا إلى جانبه، كل هذه الأمور ذهبت هباء بدخان خلية واحدة عنيدة، يبدو أنها تابعة لحماس، وتتجول في رام الله، ولا تظهر أي خوف، وتنجح بخداعنا".

وأضاف مستهزئا بنتنياهو، الذي يتولى أربعة حقائب وزارية إضافة إلى رئاسة الحكومة، أنه "علينا أن نأمل أن رئيس الحكومة، وزير الأمن، وزير الصحة ووزير استيعاب الهجرة اليهودية، سيقررون كيف سنعمل".

وشدد كسبيت، في انتقاد لاذع، على أن "نتنياهو يحصد العاصفة التي زرعها طوال ولايته. وهو يكتشف أن عدم معالجة مشكلة معينة، لا يزيلها عن جدول الأعمال ولا يخفيها عن الخارطة. وهو يكتشف أن التحذيرات المتكررة التي سمعها من رئيس أركان الجيش غادي آيزنكوت، ورئيس الشاباك ناداف أرغمان، وقائد الجبهة (الوسطى) ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، حول القابلية العليا لاشتعال الوضع في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وعن انعكاس غزة على داخل الضفة، وعن لعبة الإذلال الخطيرة ضد أبو مازن (رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس)، لم تكن نبوءات غضب. فهذه كانت تحليلات رصينة للوضع الميداني. نتنياهو سمع، وفعل ما يفعله عادة في أوضاع كهذه. وهذا ما فعله مقابل مشكلة غزة. أي لا شيء. لا شيء وثم لا شيء آخر يجلب عادة مصيبة".    

وتابع كسبيت أنه "يجدر العودة إلى نصوص رئيس أركان الجيش التي قيلت في اجتماعات الكابينيت الأخيرة والمداولات السرية للجنة الخارجية والأمن في الكنيست. فقد تحدث عن ذلك تماما. لكن عندما تواصل إسرائيل تقوية حماس وإضعاف أبو مازن، الذي يحارب الإرهاب منذ اللحظة الأولى، ونأمل أن يستمر في محاربته، حتى اللحظة الأخيرة أيضا، فإن هذا لعب بالنار. فمن يرعى متطرفين، سيكتشف في النهاية أن المعتدلين انتهوا. وهذا ما حصل لنا الآن بالضبط".

وشدد أيضا أن "القضية الفلسطينية ستبقى هنا، ولن تذهب إلى أي مكان، وحتى إذا شددنا استخدام القوة، واستمرينا في تشديدها، فإننا لن نخفيها. وفي أفضل الأحوال ستهدأ، ثم تعود لاحقا بقوى متجددة. كيف أعرف ذلك؟ لأن هذا بالضبط الذي يحدث، بصورة دورية ثابتة تقريبا، منذ عشرات السنوات. وفي الانتفاضة الثانية، الدموية جدا، فقدوا أكثر من 3000 شخص. عشرات الألوف أصيبوا. الاقتصاد تحطم. الحياة تشوشت ولم تعد مألوفة. البنية التحتية تفككت. وعندها هم هدأوا قليلا وعادوا الآن".

ووصف كسبيت دعوات اليمين الإسرائيلي باستخدام مزيد من القوة بأنها "سخافات". وتابع أن "من يعدكم بأنه قادر بقوة الذراع أن يجتث مشيئة شعب آخر، لا تصدقوه، إلا إذا كان اسمه فلاديمير بوتين. وما بإمكانه أن يفعله في الشيشان، لا يمكننا أن نفعله في رام الله. وللأسف، فإن من ينام مع الكلاب، يستيقظ مع الحشرات، ومن ينمي حماس في غزة، سيجدها لاحقا في يهودا والسامرة أيضا، وبعدها سيتلقى التنظيم (فتح) بوجهه ويفقد السيطرة. ونحن لسنا في الطريق إلى هناك، لكننا سنكون هناك في توقيت ما. وليس لدينا إلا أن نأمل أن رئيس الحكومة، وزير الأمن، وزير الخارجية، وزير الصحة ووزير استيعاب الهجرة يتقبلون نصيحة ويجدون الحل".  

"انتفاضة أخرى؟"

اعتبر ناحوم برنياع في "يديعوت أحرونوت"، أن سلسلة العمليات التي وقعت منذ بداية الأسبوع الحالي وحتى أمس، في المنطقة الواقعة شرقي رام الله، حول مستوطنة "عوفرا"، "تدل على أن التقديرات أن حماس فشلت في مجهودها بتجنيد مؤيديها في الضفة لحملة أجرتها عند السياج في غزة كانت سابقة لأوانها. فالنيران التي خمدت في غزة اشتعلت مجددا في الضفة. وكما في الماضي، يتخبط الخبراء هذه المرة أيضا حول السؤال، هل هذه العمليات تنذر بانتفاضة جديدة أم أنها ظاهرة عابرة".

لكن برنياع رأى أن على نتنياهو ووزراء الكابينيت أن يسألوا أنفسهم سؤالا آخر: "ماذا سيفعلون من أجل منع انتفاضة جديدة. وحول هذه القضية تهتز حكومات إسرائيل بين مدرستين متناقضتين. واحدة تؤمن بالعقاب الجماعي، أي أن قمع السكان (الفلسطينيين) سيردع المنظمات الإرهابية ويمنعها من تجنيد مخربين ودفعهم إلى النشاط الميداني. والثانية تؤمن بالفصل بين الإرهابيين والسكان، من خلال التشغيل وحرية الحركة وتطبيع اقتصادي ومدني يُبعد الشبان عن أفكار إرهابية وينشئ أساسا للتعاون".

ولفت إلى أن "نتنياهو متحرر من ضغط أميركي. فوزير الأمن لا يقيده؛ ووزير الخارجية لا يلقي مواعظ عليه. وبمقدوره أن يغلق ويطرد ويضم. وهو يعلم أن هذه الممارسات لن تخفض مستوى الإرهاب، لكن القاعدة (الانتخابية)، ماذا ستقول هذه القاعدة".      

وأشار برنياع إلى أن "قسما من الجمهور يريد أن يرى الجانب الآخر يعاني؛ وقسم آخر يتمنى قرارات تظاهرية بإقامة مستوطنات. وهناك من يطالب بهذا وذاك. وحتى من يعارض العقوبات الجماعية يتوقع أن يعرف العالم، وكذلك الإسرائيليون القاطنون غربي الخط الأخضر، أن الاحتلال الإسرائيلي هو احتلال متنور، وأن إسرائيل هي دولة قانون، وأن الجيش هو الأكثر أخلاقية في العالم".

لكن برنياع شدد على أن "العبرة التاريخية محزنة وصعبة للهضم: العقوبات الجماعية تنجح في إبادة الإرهاب فقط في أنظمة تمارس إبادة جماعية، جينوسايد. وهذا أيضا لفترة محدودة. وسياسة الاحتلال الإسرائيلية أقرب إلى سياسة الاستعمار البريطانية... وعندما تمارس إسرائيل سياسة كهذه، تجاه سكان غزة على سبيل المثال، فالنتيجة هي أنه لا يوجد ردع، وإنما عنف".

وأضاف أنه "ينبغي قول الحقيقة، وهي أن السياسة المعاكسة، أي الفصل بين الذين يريدون كسب الرزق والذين يريدون تنفيذ عمليات، لا تمنع الإرهاب. والانتفاضة الأولى اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 1987، فيما كان يتمتع الفلسطينيون بوضع اقتصادي جيد نسبيا. والخبراء لم يتوقعوها والسياسيون لم يلاحظوها. واحتجنا إلى دافيد غروسمان (وروايته "الزمن الأصفر") كي ندرك أن وراء ستار المال يغلي الوعاء".   

وأردف أن "هذا صحيح اليوم أيضا: المال القطري يقنع حماس بإسكات النشاط عند السياج في غزة مؤقتا، لكنه لا يمنعه من ممارسة الإرهاب في الضفة. وتوجد للإرهاب أسباب ودوافع ومنطق سياسي ودعم خارجي. ولا يتم القضاء على الإرهاب بمنع المال ولا بوقف ضخ المال. إما يغيرون قواعد اللعبة من الاساس أو يتعلمون العيش معه، من دون عنجهية ومن دون خطاب تفجيري، وكجزء من واقع حياتنا في الشرق الأوسط".

واعتبر برنياع أن "التعامل مع السلطة الفلسطينية مر بعدة تحولات منذ اتفاق أوسلو. وبالإمكان تلخيص خطاب الحكومة (الإسرائيلية) هكذا: أبو مازن وحماس يعيشان من أجل مهمة واحدة – القضاء على إسرائيل. أبو مازن هو الشيطان الأكبر، فهو يمارس إرهاب سياسي ضد إسرائيل. وحماس هي الشيطان الأصغر. والهدف هو تخليد الوضع القائم – حكم فتح ضعيف في رام الله وحكم حماس ضعيف في غزة. وتنمية العداء بينهما. وغذا كلّف ذلك ثمنا بجولة عنف في غلاف غزة مرة كل أربع سنوات أو موجات إرهاب دورية في الضفة، فليكلف. المهم عدم الحسم، وعدم هز السفينة، وعدم العودة إلى طاولة المفاوضات بأي حال".

محاربة "التحريض"

من جانبه، اعتبر المستشرق البروفيسور أيال زيسر، في صحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية، أنه "يحظر التعامل مع الإرهاب على أنه قضاء وقدر ولا توجد طريقة للتعامل معه وينبغي الاستسلام له والعيش في ظله. وإنما يجب محاربة الإرهاب، حتى لو أنه لا يمكن وقفه بالكامل، فإنه بالإمكان تقليص أذاه. ويجب البدء بتجفيف مستنقع الإرهاب في محاربة التشجيع والشرعية التي تمنح لمنفذ العملية من جانب المجتمع الفلسطيني الذي يخرج منه، والأخطر تلك التي تمنحه القيادة الفلسطينية، قيادة السلطة الفلسطينية، الذين يدعون أنهم شركاء إسرائيل في محاربة الإرهاب والعنف وجهود إحلال السلام والأمن في المنطقة".

وأضاف زيسر أنه "مؤسف أن نكتشف أن القيادة الفلسطينية تتبنى مرة تلو الأخرى منفذي العمليات في أحضانها، وعلى الأقل تمتنع عن التنديد بهم. ويرافق هذا العناق مساعدات مالية سخية تُمنح لمنفذي العمليات وعائلاتهم وتبث للمحيط كله أن هؤلاء الأفراد ليس إرهابيين مجرمين، وإنما هم أبطال يستحقون كل المديح".

وادعى أن "العناق الدافئ والمعلن للعمليات ومنفذيها يكمن بالطبع في العداء بين أبو مازن وجماعته وبين حماس. وأبو مازن يفقد صلته بالواقع منذ فترة طويلة، وكذلك دعم الشارع الفلسطيني له. وكل هذا في الوقت الذي تزداد فيه قوة حماس في الضفة بفضل مساعدة سخية من قطر وبترحيب من مصر وإسرائيل".

وختم زيسر مقاله بأنه "ينبغي الاعتراف بأنه عدا الاعتبارات السياسية، السلطة الفلسطينية تعانق منفذي العمليات لأنه بنظرها، بنظر الجمهور الفلسطيني وقيادته، وحتى أولئك الذين يرون أنفسهم شركاء لإسرائيل في عملية السلام، العمليات ضد الجنود الإسرائيليين والمستوطنين هي عمليات شرعية كونها جزء من النضال الفلسطيني ضد الاحتلال. وفي واقع كهذا، لا غرابة أن الإرهاب يواصل رفع رأسه". وكرر شعارات الاحتلال الممجوجة بأن "الطريق لمحاربة منفذي العمليات الفردية تمر في رام الله وتستوجب بذل جهد من أجل وقف التحريض، وكذلك عناق الجمهور الفلسطيني وقيادته لقتلة اليهود".