استقالة ماتيس والانسحاب من سورية مسّ بإسرائيل وصورة نتنياهو

استقالة ماتيس والانسحاب من سورية مسّ بإسرائيل وصورة نتنياهو
نتنياهو وماتيس (مكتب الصحافة الحكومي)

لا تزال تتردد في إسرائيل أصداء استقالة وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، بعد يوم من بعد يوم من الإعلان المفاجئ للرئيس، دونالد ترامب، عن انسحاب القوات الأميركية من سورية، باعتبار أن ماتيس هو "المتعقل الأخير" في الإدارة الأميركية، في حين أن سحب القوات من سورية يشكل ضربة لإسرائيل، وفي الوقت نفسه ضربة لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي يوصف بالتسليم الكلي لترامب.

كما تأتي هذه "الضربة" في أسوأ توقيت بالنسبة لنتنياهو، في ظل ملفات الفساد التي تلاحقه، والانتخابات التي تدق على الأبواب، علاوة على الاحتجاجات على غلاء المعيشة، والأهم الاتهامات التي توجه له بأنه أظهر "انضباطا" في المواجهات الأخيرة مع قطاع غزة، خاصة بعد فرض القيود على تحركات الطيران الإسرائيلي في أجواء سورية في أعقاب إسقاط الطائرة الروسية في أيلول/سبتمبر الماضي.

وكتب مراسل صحيفة "هآرتس" ومحللها للشؤون الأميركية، حيمي شاليف أن استقالة ماتيس والإعلان المفاجئ عن الانسحاب من سورية يهز واشنطن، ويطلق صافرات الاستغاثة في عدة عواصم في العالم، حيث ينظر إلى الاستقالة على أنها إزالة للحاجز الأخير أمام النزوات غير المتوقعة للرئيس الأميركي، كما تشير إلى عدم استقرار خطير في المستقبل.

وبحسب شاليف، فإنه بعد إبعاد وزير الخارجية السابق، ريكس تيلرسون، والمستشار للأمن القومي، هربرت مكماستر، ومع المغادرة القريبة لكبير موظفي البيت الأبيض، جون كيلي، فإن ماتيس يعتبر "المتعقل" الأخير، حيث كان ينظر إليه بوصفه "الحاجز الأخير أمام النزعات الانعزالية والمتقلبة لترامب".

وتعتبر رسالة الاستقالة، التي نشرها ماتيس، على أنها "توضح نظرته السلبية لتطلعات ترامب، حيث تحدد الخط الفاصل بين استمرار التوجه السياسي الأمني التقليدي التي تبناها سابقو ترامب، وبين التحول الراديكالي الذي يسعى لإحداثه".

وبحسبه، فإن استقالة ماتيس تثير قلقا مضاعفا في ظل ما يعتبر "فوضى عامة" تهدد استقرار إدارة ترامب، بما يشير إلى أنه "كلما تورط أكثر كلما تضاعف انفلاته، عندما يقرب المحقق الخاص، روبرت مولر، المحققين بإصرار وبشكل دؤوب من الرئيس وعائلته، وعندما يكون الاقتصاد، الذي هو مصدر كبريائه، متعثرا، وعندما يهدد ترامب بالإغلاق الكلي للإدارة إذا لم تتم الاستجابة لمطلبه تمويل الجدار الحدودي مع المكسيك، وحتى الجبناء في الكابيتول بدأوا ببث الذعر، والانتقادات العلنية للرئيس من جانب كبار المسؤولين في حزبه الجمهور بدأت تدوي بعد أن علموا بنيته سحب القوات من سورية. ومع استقالة ماتيس، فهي تصل حد التعبير عن الهلع الحقيقي".

ويشير إلى أن موجات الصدمة يفترض أن تضرب إسرائيل أكثر من غيرها. فتحت قيادة بنيامين نتنياهو علقت إسرائيل كل آمالها على الدعم الأميركي المتواصل والثابت. وكتب أن "الرأي العام الإسرائيلي كان في المكان الأول في العالم بفضل ترامب. ومن شأن الساعات الـ48 الأخيرة أن تزعزع ثقة الجمهور الإسرائيلي بقوة الدعم الأميركي. ونتنياهو الذي بالغ في كيل المديح لترامب، لدرجة أنه وصفه بالصديق الأكبر لإسرائيل، قد يتلقى ضربة سياسية صعبة في أسوأ توقيت بالنسبة له".

السياسيون يقللون الأضرار على المصالح الإسرائيلية والأمنيون يعتبرونها ضربة خطيرة

ويشير إلى أن الرد الرسمي الإسرائيلي على قرار ترامب الانسحاب من سورية كان "منضبطا"، في أقل تقدير. وفي المقابل، كان من الملحوظ أن هناك فارقا بين المستويين السياسي والعسكري في البيانات التي قدمت للصحافيين بعد القرار، فالسياسيون بذلوا جهدا لتقليص الأضرار على المصالح الإسرائيلية، في حين لم يخف الأمنيون رأيهم في أن الحديث عن "ضربة خطيرة".

وبحسب شاليف، فإن استقالة ماتيس تعمق مخاوف المستوى الأمني. فـ"الجنرال المخضرم، الذي لصق به لقب الكلب المجنون على العكس من ذلك، فقد كان لديه خطاب عقلاني وتحدث بلغة عملية وبراغماتية مقبولة على الجنرالات وكبار المسؤولين الأمنيين"، حيث أنه، إضافة إلى آخرين استقالوا، كان قد "بدد المخاوف التي عششت في وسط كثيرين في الجهاز الأمني من تسليم نتنياهو الكلي -الذي ينبع من عقيدة ونرجسية أكثر مما ينبع من اعتبارات سياسية متروية- للرئيس الأميركي المتهور والخليع".

واعتبر أن "الجمهور الإسرائيلي، بتشجيع من نتنياهو، تجاهل حتى اليوم الخنوع المثير للتساؤل لترامب تجاه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وقسوته تجاه الحلفاء التقليدييين للولايات المتحدة، ومعالجته المثيرة للسخرية للأزمة مع كوريا الشمالية، وتودده للطغاة وتحامله على القادة المنتخبين، إذا لم نشأ الحديث عن أزماته القضائية، وتوجهه الانعزالي والقومي المتطرف، وتصريحات العلنية الفظة وغلاظته".

ويضيف أن سحب القوات الأميركية من السورية، والذي يقوي بوتين وخامينائي والأسد، يضعف إسرائيل و"يغرز سكينا في ظهر الأكراد، هو مسألة أخرى تماما. فهو لا يتماشى مع تصريحات نتنياهو بشأن الصادقة المطلقة للرئيس الأميركي، ويعزز الشبهات بأن هناك بعض الصحة في الادعاءات بأن ترامب خاضع للرئيس الروسي.

وبحسبه، فإن خيبة الأمل من ترامب لن تمس بثقة عناصر اليمين، فطالما ينظر إليه كمن يعزز سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية ويدفع الفلسطينيين إلى الهامش، فسوف يظل اليمين العميق يضع ثقته به، رغم أن هذه النظرة قد تتغير عندما تنشر خطته للسلام (ما يطلق عليها "صفقة القرن").

وبالنسبة لجزء غير قليل من جمهور اليمين والوسط، فإن الانسحاب من سورية الذي يترافق مع تقليص حاد للقوات في أفغانستان، سوف يزعزع الثقة بتعهدات نتنياهو أن ترامب سوف يقف خلف إسرائيل.

وبالنسبة للتوقيت، فإن محلل الشؤون الأميركية يشير إلى أن صورة نتنياهو كـ"سيد أمن" قد تضررت في أعقاب "الانضباط الذي أظهره في غزة، والقيود على حرية إسرائيل في القيام بعمليات في أجواء سورية بعد إسقاط الطائرة الروسية، إضافة إلى انهيار مراهنات نتنياهو على ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي تورط حتى النخاع في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. وكان اعتماده على ترامب، الذي اعتبر درة تاج إنجازات نتنياهو، هو الدليل على فوزه في المعركة مع منتقديه الذين حذروا من الأبعاد السلبية التي نجمت عن مواجهته مع سابقه في المنصب باراك أوباما".

وعدا عن المقارنة الممكنة، وغير الدقيقة، بين استقالة ماتيس، واستقالة أفيغدور ليبرمان، حيث أن الأول سعى للجم، بينما سعى الثاني للتصعيد، فإن نتنياهو يواجه تحديات، مثل ترامب، من جميع الجهات. ومع الانتخابات الجديدة التي ستجري خلال 11 شهرا، ومواجهة البت في ملفاته القضائية، علاوة على موجة الاحتجاج المتصاعدة بسبب ارتفاع غلاء المعيشة، فإن تجربة في الشؤون الخارجية والأمنية، والتي يشكل تحالفه مع ترامب المدماك الأساسي فيها، كان يفترض أن تتغلب على كل ذلك، ولكن الرئيس الذي يدير ظهره لأمن إسرائيل، وإدارته آيلة للسقوط، من شأنه أن يبدد كل ذلك.

ويشير إلى أنه عندما صرح أوباما أن "الولايات المتحدة لا تستطيع أن تكون شرطي العالم"، نظرت إسرائيل إلى ذلك كتأكيد قاطع على توجهه الساذج بشكل عام، والمعادي لإسرائيل بشكل خاص. ولكنه عندما يصرح ترامب بالشيء نفسه، فإن تصريحاته تتناقض مع الطابع المتملق لنتنياهو بشأن الدعم المطلق لترامب.

وينهي بالقول إن نتنياهو اعتاد أن يكرر أن طالما كان ترامب خلف إسرائيل، فإنها قوية أكثر ومعزولة أقل. وبعد الانسحاب من سورية، واستقالة ماتيس، وسيطرة ترامب على السياسة الخارجية والأمنية، فإن إسرائيل ستبدو قريبا "ضعيفة ومعزولة أكثر مما سبق".