إسرائيل وإيران: بين التصعيد وتزييف الواقع

إسرائيل وإيران: بين التصعيد وتزييف الواقع
نساء في طهران، الإثنين الماضي (أ.ب.)

تترك تصريحات المسؤولين والخبراء والمحللين في إسرائيل انطباعا بأنه يسود توجس في هذه الأوساط مما يصفونه بـ"تزايد ثقة الإيرانيين بأنفسهم"، بما يتعلق بالعمليات العسكرية. ويفسر الإسرائيليون هذه الثقة بأنها نابعة من عدة عمليات عسكرية منسوبة لإيران - بينها مهاجمة سفن وناقلات نفط في الخليج، وإسقاط طائرة مسيرة أميركية ضخمة، واستهداف منشآت نفطية في السعودية بصواريخ موجهة – ولم يتم الرد عليها، خاصة من جانب الأميركيين، الذين بدلا من الرد على هذه الهجمات، بنظر إسرائيل، يسعون إلى الانسحاب من المنطقة. 

والتصريحات التي أطلقها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي، هذا الأسبوع، وتحدثا فيها عن ارتفاع مستوى التوتر و"هشاشته"، والتهديدات بالرد على أي عملية إيرانية، من شأنها أن تنذر بنشوب حرب قريبة، لكن هل هذه الأقوال تعكس صورة الوضع؟

كتب المحلل العسكري في موقع "يديعوت أحرونوت" الإلكتروني، رون بن يشاي، اليوم الجمعة، أن المعلومات الاستخبارية وتقييمات الوضع في إسرائيل "تدل بوضوح على أنه في نصف السنة الأخيرة ارتفع جدا احتمال الحرب في الشمال وفي قطاع غزة أيضا"، رغم أن "أي أحد من الأطراف غير معني بحرب في الفترة الحالية".

نتنياهو وكوخافي (مكتب الصحافة الحكومي)

وأضاف بن يشاي أن نتنياهو وكوخافي لم يشيرا إلى عوامل تمنع نشوب حرب. "العامل الأساسي الذي يمنع التدهور إلى حرب هو مجرد اعتراف صناع القرار لدى كافة الأطراف بأن الوضع قابل للاشتعال. نتنياهو وكوخافي، الزعيم الإيراني الأعلى، علي خامنئي، وقائد ذراعه في الخارج، قاسم سليماني، وزعيم حماس يحيى السنوار، جميعهم يعلمون أن خطوة واحدة خاطئة في الفترة الحالية من شأنها أن تكبد ثمنا غاليا لشعوبهم ولهم شخصيا. ولذلك هم يحكمون على أنفسهم، في هذه الأيام، بحذر زائد وترجيح رأي بالمستوى الإستراتيجي وكذلك بالمستوى العملاني – التكتيكي".

واعتبر أن "هذا هو السبب الأساسي الذي بسببه تتميز الفترة الحالية بهدوء نسبي في كافة جبهات المواجهة... من دون تنازل أي طرف عن غاياته الإستراتيجية". وحسب بن يشاي، فإن الإيرانيين "قلقين" من موجة الاحتجاجات في العراق ولبنان، "ويخشون من أن مواجهة عنيفة مع إسرائيل ستؤدي إلى تراجع مكانة حزب الله في لبنان والمليشيات الشيعية في العراق".

لكن بن يشاي أشار إلى جهتين "لا تضعان منع الحرب على رأس أولوياتهما"، وهما حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية و"الأيديولوجية الانعزالية التي تميز سياسة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الشرق الأوسط". 

ولفت بن يشاي إلى أن تصريحات نتنياهو وكوخافي حول ارتفاع منسوب التوتر استندت إلى تقديرات في إسرائيل، مفادها أن "القيادة الإيرانية قريبة من اتخاذ قرار، أو أنها قد اتخذته، بتصعيد ’الاحتكاك’ المباشر وغير المباشر مع إسرائيل... وهذا يعني أن إيران وأذرعها لن يستمروا في امتصاص واحتواء أضرار عمليات ’المعركة بين حربين’ الإسرائيلية (أي الغارات الإسرائيلية ضد مواقع إيرانية في سورية والعراق خصوصا)، وإنما سيردون عليها بعمليات انتقامية موجعة. وشهدنا مثالا صغيرا على ذلك بالأمس، عندما تم إطلاق صاروخ باتجاه طائرة إسرائيلية مسيرة في أجواء لبنان، دون إصابتها".

الأهداف الإيرانية

وتابع بن يشاي أن هدف تغيير السياسة الإيرانية هو ردع إسرائيل من مواصلة غاراتها لإحباط "مشروع دقة الصواريخ والتموضع الإيراني في سورية". والهدف الثاني هو "توجيه ضربات موجعة وإلحاق أضرار بإسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، كي يكون لدى إيران رافعات ضغط وأوراق مساومة عندما يحين الوقت للجلوس حول طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة حول اتفاق نووي جديد ورفع العقوبات الأميركية".

وبحسب بن يشاي، فإن أحد أسباب تصاعد الوضع هو "تراكم عدة إنذارات حول نية إيرانية بتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية. وتراكم الإنذارات لدى وكالات استخبارات غربية هي بدرجة مصداقية عالية، وتفيد جميعها بأن العمليات ستلحق بنا خسائر وأضرار. ولهذا السبب رفع سلاح الجو حالة التأهب، وخاصة في منظومات الدفاع الجوي وحول السفارات الإسرائيلية. ولا يدور الحديث بالضرورة عن عمليات إستراتيجية تقود إلى حرب، وإنما عن عمليات إرهابية، ولكن من شأنها أن تلزم إسرائيل بالرد".  

لا توجد تهديدات جديدة

من جهة أخرى، أشار المراسل العسكري لصحيفة "هآرتس"، يانيف كوفوفيتس، اليوم الجمعة، إلى أن كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، الذي كانوا يشددون حتى فترة قريبة مضت على جهوزية الجيش الإسرائيلي، أصبحوا يحذرون من حرب قريبة، وبذلك يكونوا "قد تبنوا خط نتنياهو". وتشير إلى ذلك أقوال كوخافي، الأسبوع الماضي، بأن "يوجد تصعيد بالتهديدات على إسرائيل"، وأن "الوضع في الجبهة الشمالية والجنوبية متوتر وهش وقد يتدهور إلى مواجهة، على الرغم من أعداءنا ليسوا معنيين بالحرب".

إيران ستتوقف عن امتصاص الضربات الإسرائيلية

وعزا كوبوبيتس، مثلما فعل محللون آخرون، تحذيرات نتنياهو من حرب بأنها ناجمة عن وضعه السياسي، إثر فشله بتشكيل حكومة بعد جولتي انتخابات، ووضعه القانوني، حيث يواجه احتمال تقديم لوائح اتهام ضده بشبهات فساد خطيرة. وبالنسبة لكوخافي، فإن همه الأساسي هو الحصول على ميزانيات تسمح بدفع الخطة المتعددة السنوات التي وضعها للجيش.

وشمل تقرير كوبوفيتس، اليوم، مقابلات مع عدد من المسؤولين الأمنيين، الذين لم يستخفوا بالوضع الأمني الحالي، لكنهم شددوا على أن هذا الوضع ليس جديدا. وكتب أن "النووي الإيراني، حزب الله، إطلاق صواريخ دقيقة من العراق أو بواسطة المليشيات الشيعية في اليمن – كل هذه أشغلت (رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي) آيزنكوت منذ بداية ولايته، وكذلك سلفه بيني غانتس. وعمليا، هذه هي التهديدات ذاتها التي استعد جهاز الأمن لمواجهتها في السنوات الخمس الأخيرة".  

بلدة أفيفيم بعد إطلاق حزب الله صواريخ كورنيت، مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي

ونقل كوبوفيتس عن مصدر أمني "مطلع جيدا على توازن القوى العسكرية"، قوله إنه "في الوضع الحالي، بإمكاننا التوصل إلى حسم عسكري مقابل الأعداء في المنطقة. ورغم أنه طرأت تغيرات في المنطقة، وبينها رفع الولايات المتحدة مسؤوليتها عن الشرق الأوسط ونشر منظومات مضادة للطائرات التي تقيد حرية عمل سلاح الجو، لكن الجيش الإسرائيلي أخذ هذه الأمور بالحسبان وقد استعد لمواجهتها".

وأضاف المصدر أنه "في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من عدة أيام قتالية عند الحدود، إلا أن إسرائيل لم تكن قريبة من حرب أو تصعيد واسع. وكان بإمكان هذه الأحداث أن تقود إلى مواجهة لبضعة أيام، لكننا لم نر نية بفتح حرب، ليس لديهم وليس لدينا. وخلال ولاية غانتس بدأت مداولات حول الحاجة إلى منع نقل أسلحة دقيقة من إيران إلى حزب الله، إلى سورية أو إلى مكان آخر. ولم نعتقد في حينه أنه ينبغي الانفعال من المليشيات الشيعية واليوم أيضا لا ينبغي أن ننفعل من ذلك".

ولفت كوبوفيتس إلى تقييمات الاستخبارات الإسرائيلية، بأنه على الرغم من وجود قلق إسرائيل في أعقاب الهجوم على منشآت النفط السعودية، "لكن هذه التقييمات رأت أن إيران لن تسارع إلى العمل ضد إسرائيل في الجبهة البحرية. ووفقا لمسؤول أمني إسرائيلي، فإنه على الرغم من وجود القدرات المطلوبة بحوزة إيران لضرب قطع بحرية إسرائيلية، يبدو أنها (إيران) تدرك جيدا أن هذا سيشكل تصعيدا وهي تحاذر من ذلك".

وخلص كوبوفيتس إلى موقف وزارة المالية من مطالبة الجيش بالمزيد من الميزانيات، وأشار إلى أن "وزارة المالية تشكك بأن صورة الوضع الأمني تغيرت جوهريا، ويذكّرون بأنه قبل نصف سنة، كانت جميع تقييمات الوضع التي استعرضها الجيش تقول إن مستوى التهديد الوجودي على إسرائيل قد تراجع".