طرحت وزارة المالية الإسرائيلية في نهاية الأسبوع الماضي مشروع قانون التسويات للعام المالي 2026، والذي يتضمّن، وفقًا لما نُشر حتى الآن في وسائل الإعلام الاقتصادية، حزمة من الإصلاحات الضريبية التي تسعى الوزارة إلى تنفيذها خلال العام القادم. تشمل هذه الحزمة تخفيضات ضريبية للموظفين والعاملين من ذوي الدخل المتوسط والمرتفع، إلى جانب مقترحات بفرض ضرائب جديدة تهدف إلى تمويل هذه التخفيضات، فضلًا عن تقليصات متوقعة في ميزانية العام المقبل. نستعرض فيما يلي بعضًا من أبرز المقترحات الواردة في مشروع القانون.
تقترح وزارة المالية خفض معدلات ضريبة الدخل المفروضة على العاملين، وذلك من خلال توسيع الشرائح الضريبية للفئتين الثامنة والتاسعة من سلّم الدخل، أي للشرائح المتوسطة والعليا من أصحاب الدخل.
يُقدَّر أن هذا الاقتراح سيكلّف خزينة الدولة نحو 5 مليارات شيكل سنويًا، وفقًا لتقديرات وزارة المالية. بغية إيجاد مصادر تمويل لتعويض خفض ضريبة الدخل، تقترح الوزارة فرض ضريبة أملاك على الأراضي المخصّصة للبناء لكنها غير مستغلة بعد، بنسبة 1.5% من قيمة الأرض سنويًا. وقد أُعدّ هذا المقترح استنادًا إلى توصيات لجنة مهنية تابعة لسلطة الضرائب وبالتنسيق مع الاقتصادي الرئيسي في وزارة المالية، ويهدف إلى تحقيق هدفين رئيسيين: فرض ضريبة على رأس المال، نظرًا لأن الأراضي تُعد من أندر وأغلى موارد رأس المال في إسرائيل، وتشجيع أصحاب الأراضي على وقف احتفاظهم بها دون استغلال، ودفعهم إلى الإسراع في تطويرها والبناء عليها بدلًا من تجميدها بانتظار ارتفاع الأسعار.
تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن ضريبة الأملاك الجديدة ستُفرض أساسًا على عدد محدود من العائلات الثرية التي تُعد من أكبر مالكي الأراضي الخاصة في إسرائيل، ومن المتوقع أن تُدرّ على خزينة الدولة مليارات الشواكل سنويًا. ومع ذلك، تبقى هذه التقديرات نظرية في معظمها. فقد كانت ضريبة الأملاك على الأراضي غير المستغلة تُجبى في إسرائيل حتى عام 2000، لكنها جُمّدت لاحقًا بسبب صعوبات كبيرة في التطبيق والتحصيل، خصوصًا فيما يتعلّق بتقدير قيمة الأراضي.
وتُطرح أيضًا الآن تساؤلات حول المنطق في فرض ضريبة على ملكية لم تُستغل بعد، وبالتالي لم تحقق أي ربح فعلي، وكذلك حول كيفية تحديد قيمة الأصل في غياب بيانات دقيقة عن سعر البيع أو الربح المحقَّق. ورغم أن مشروع القانون الجديد يقترح حلولًا لهذه الإشكاليات، فإنها تُعتبر حلولًا ضعيفة وغير كافية. وعمليًا، يبدو أن المقترح لم ينضج بعد، مما يضع علامات سؤال جدية حول إمكانية تطبيق هذا المقترح.
ضرائب على قطاع السياحة
على الرغم من التراجع الحاد في حجم السياحة الوافدة إلى إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023، عادت وزارة المالية لتطرح من جديد فكرة فرض ضرائب على قطاع السياحة بهدف تمويل تخفيض ضريبة الدخل. إذ أعادت الوزارة طرح مقترح إلغاء الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على خدمات السياحة، وهو المقترح ذاته الذي طُرح العام الماضي لكنه سقط بسبب معارضة وزير السياحة حاييم كاتس.
حتى في حال تمرير المقترح، تفترض وزارة المالية أن إلغاء الإعفاء سيُدرّ نحو 2.5 مليار شيكل من العائدات، في وقت تعاني فيه السياحة الإسرائيلية من أزمة مزدوجة — نتيجة تداعيات الحرب من جهة، وارتفاع تكاليف المعيشة من جهة أخرى. ومن المؤكد أن رفع أسعار خدمات السياحة بنسبة 18% لن يُسهم في زيادة جاذبية إسرائيل للسائح العادي، مما يجعل تقدير الإيرادات البالغ 2.5 مليار شيكل مبالغًا فيه وغير واقعي.
وتتضمّن مقترحات الوزارة أيضًا فرض ضريبة كربون على استهلاك الوقود في الرحلات الجوية، تماشيًا مع الممارسات الدولية، وتعديل معدلات الاستهلاك المحاسبي للطائرات لتتوافق مع المعايير العالمية.
ورغم أن هذه الخطوة مبرَّرة مهنيًا وتنسجم مع الالتزامات البيئية لتقليل الانبعاثات، إلا أنها ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الرحلات الجوية من إسرائيل، ومن المتوقع أن تواجه معارضة شديدة من لوبي شركات الطيران الإسرائيلية.
ضرائب إضافية على السجائر الإلكترونية
تقترح وزارة المالية تنفيذ إصلاح شامل في نظام الضرائب والرقابة على منتجات التدخين السائل (السجائر الإلكترونية)، وذلك بهدف الحد من استخدامها، خصوصًا بين فئة الشباب، ومكافحة السوق السوداء المحيطة بها. ووفقًا لتقديرات وزارة المالية، من المتوقع أن تُدرّ هذه الإصلاحات نحو نصف مليار شيكل سنويًا لخزينة الدولة.
وفقًا للخطة، سيتم فرض ضريبة ثابتة قدرها شيكل واحد على كل مليمتر من سائل التبخير الإلكتروني، بما يتماشى مع المتوسط المعمول به في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، إضافة إلى ضريبة بقيمة 30 شيكلًا على كل جهاز تبخير، سواء كان فارغًا أو ممتلئًا. كما يُقترح إلغاء الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على السجائر الإلكترونية المباعة في مدينة إيلات.
يشمل الإصلاح أيضًا الرقابة على أساليب تسويق المنتج نفسه. كما سيتم توسيع تعريف “منتج التدخين” ليشمل أي منتج مخصّص للاستهلاك الشخصي يحتوي على مادة النيكوتين، حتى وإن لم يكن مصنوعًا من التبغ، وهي خطوة تهدف إلى منع شركات التبغ من التحايل على القانون عبر طرح منتجات “جديدة” خارج نطاق التعريف القانوني الحالي.
مكافحة التهرّب المالي: تقييد صرف الشيكات نقدًا
يتضمّن قانون التسويات الجديد مقترحًا يهدف إلى تقييد صرف الشيكات نقدًا، في إطار ما تسميه وزارة المالية "الجهود لمحاربة الاقتصاد الأسود". وبحسب المقترح، سيتم تعديل قانون الحد من استخدام النقد بحيث تُطبَّق القيود المفروضة حاليًا على المعاملات النقدية التي تتجاوز 6,000 شيكل، أيضًا على تحويل الشيكات إلى نقد، بما في ذلك عمليات صرف الشيكات التي تقوم بها الجهات المالية الخاضعة للرقابة.
يأتي هذا الإجراء في ضوء الواقع القائم الذي تحوّل فيه صرف الشيكات نقدًا عبر محلات الصرافة ("تشينج") وجهات مالية أخرى إلى وسيلة شائعة للتهرّب الضريبي وتبييض الأموال. ووفقًا لوزارة المالية، فإن خصم الشيكات يُستخدم على نطاق واسع من قبل جهات تصدر فواتير وهمية كوسيلة لإخفاء الإيرادات أو تضخيم النفقات.
كما يقترح القانون منع حيازة مبالغ نقدية تتجاوز 200 ألف شيكل، وهو مقترح كان قد عُرض سابقًا على لجنة المالية ضمن ميزانية 2023–2024، لكنه لم يُستكمل في حينه.
إنشاء "سجلّ للشقق المؤجَّرة"
تسعى وزارة المالية الإسرائيلية إلى إحياء مبادرة إنشاء “قاعدة بيانات للشقق المؤجَّرة”، عبر فرض إلزام جديد على أصحاب العقارات بالإبلاغ عن دخلهم من الإيجار، حتى في الحالات التي تكون فيها هذه المداخيل أقل من الحدّ الخاضع للضريبة.
المنطق الكامن وراء هذا الإجراء، وفقًا لوزارة المالية، هو أن إلزام جميع المالكين بالتبليغ عن دخل الإيجار سيؤدي فعليًا إلى زيادة تحصيل الضرائب من أصحاب الشقق الذين تتجاوز مداخيلهم سقف الإعفاء الضريبي، لكنهم يتجنبون حاليًا دفع الضريبة مستفيدين من غياب إلزام شامل بالإبلاغ. ووفقًا لتقديرات وزارة المالية، يُتوقَّع أن تُدرّ هذه الإصلاحات زيادة في إيرادات الدولة تتراوح بين 50 و130 مليون شيكل سنويًا خلال السنوات المقبلة.
وفقًا لبيانات سلطة الضرائب الإسرائيلية، يمتلك أكثر من 1.63 مليون شخص في إسرائيل شقّة واحدة، في حين يمتلك نحو 290 ألف شخص شقتين، وقرابة 86 ألف شخص يمتلكون ثلاث شقق أو أكثر. وبموجب القانون، فإن أي شخص يؤجّر شقّة مقابل أكثر من 5,654 شيكل شهريًا ملزم بالتبليغ عن ذلك لسلطة الضرائب ودفع ضريبة.
تعتقد وزارة المالية الإسرائيلية أن فرض واجب الإبلاغ المقترح سيؤدي إلى زيادة في إيرادات الميزانية العامة تُقدّر بنحو 37 مليون شيكل في عام 2026، و640 مليون شيكل إضافي سنويًا ابتداءً من عام 2027 فصاعدًا.
ويُعتبر هذا الإجراء خطوة مكمّلة لواجب الإبلاغ عن دخل إيجار الشقق، حيث يُتوقّع أن يسهم كل من هذين الإجراءين، منفردين أو معًا، في تمكين سلطة الضرائب من تقليص حجم الاقتصاد الأسود في قطاع العقارات بشكل كبير.
ومع ذلك، تعرّضت هذه المبادرات، في كل مرة طُرحت فيها سابقًا، إلى إجهاض من قبل المستويات السياسية، وذلك بحجة أن إلغاء سقف الإعفاء الضريبي سيؤدي إلى الإضرار بالمستأجرين، إذ من المتوقع أن ينقل أصحاب الشقق عبء الضريبة إليهم، مما سيتسبب في ارتفاع أسعار الإيجارات في السوق. كما طُرحت حجة إضافية مفادها أن فرض واجب التبليغ، حتى على من لا يخضعون فعليًا للضريبة، سيؤدي إلى تعقيدات بيروقراطية غير ضرورية بين المواطنين وسلطة الضرائب، دون مبرر حقيقي.
توقعات بصعوبات تمرير قانون التسويات والميزانية
بصورة عامة، وبعد طرح قانون التسويات للعام المالي 2026، يرى عدد من المحللين الاقتصاديين أن هناك صعوبات جدية في تمرير القانون، إلى جانب تحديات متوقعة في إقرار قانون الميزانية ضمن المدة الزمنية القانونية المحددة — أي حتى نهاية شهر آذار/مارس 2026.
أولًا، لأن طرح قانون التسويات جاء متأخرًا نسبيًا، مما يصعّب مناقشته وإقراره في لجان الكنيست والهيئة العامة ضمن الجداول الزمنية الضيقة المتاحة. ثانيًا، لأن العديد من البنود المقترحة مثيرة للجدل وقد تواجه معارضة حتى من داخل الائتلاف الحكومي نفسه. وثالثًا، لأن الائتلافات الحكومية تميل عادة في سنوات الانتخابات إلى تخفيف الأعباء الضريبية بهدف خلق انطباع عام بتحسن الأوضاع الاقتصادية وارتفاع مستويات الدخل، وهو عكس التوجه الحالي لوزير المالية وطاقم الوزارة المهني. يُضاف إلى ذلك التوتر القائم داخل الائتلاف الحكومي مع الأحزاب الحريدية، وربط إقرار قانون التسويات والميزانية بسنّ قانون إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.
لذلك، يمكن القول إن احتمالات تطبيق المقترحات الجديدة وتمرير قانونَي التسويات والميزانية قبل نهاية آذار/مارس 2026 تبدو ضعيفة للغاية.
التعليقات