تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى تبنّي خطوات شعبوية للتدخل في الارتفاع الذي شهدته الأقساط الشهرية لقروض الإسكان (المِشكنتا) نتيجة الزيادة الحادة في أسعار الفائدة خلال العام الأخير، بدلًا من البحث عن بدائل اقتصادية حقيقية لمعالجة المشكلة. فقد اقترح رئيس المجلس الاقتصادي الوطني، آفي سمحون، أن تقدّم الحكومة تعويضًا ماليًا للأسر المتضررة من ارتفاع الفائدة البنكية على قروض الإسكان.
يأتي هذا الاقتراح في ظل استمرار مستويات مرتفعة للفائدة الأساسية في الأسواق، رغم التوقعات بخفض طفيف هذا الشهر نتيجة استقرار معدلات التضخم المالي، وبالرغم من تحسّن المؤشّرات الاقتصادية في السوق الإسرائيلي، واستقرار نسب التضخم، وتراجع سعر صرف الدولار. وهي عوامل تدفع باتجاه خفض الفائدة الأساسية التي يحددها بنك إسرائيل، لا نحو اتخاذ خطوات مالية شعبوية كتلك التي تُطرح اليوم.
محاولات فاشلة لكبح ارتفاع أسعار الشقق
شهد العام الأخير فتورًا وتراجعًا في حركة بيع الشقق والمنازل، خاصة بعد الحرب على غزة وما رافقها من تراجع اقتصادي، وتزايد حالة عدم الاستقرارين الاقتصادي والسياسي، وربما أيضًا بتأثير ارتفاع معدلات الهجرة من إسرائيل. كما أدّى ارتفاع أسعار الفائدة البنكية إلى إثقال كاهل الأسر، التي وجدت صعوبة متزايدة في تسديد الأقساط الشهرية لقروض الإسكان.
وتُظهر معطيات بنك إسرائيل أنه منذ بداية عام 2025 وحتى شهر أيلول/سبتمبر تجاوز إجمالي القروض البنكية المخصّصة لشراء الشقق حاجز 64 مليار شيكل، وهو ارتفاع نسبته 16.39% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبالتوازي، ارتفعت متوسطات قيمة الرهن العقاري لتصل في شهر نيسان/أبريل إلى 1.03 مليون شيكل، وهو ما يعكس الالتزام المالي الضخم الذي تتحمّله الأسر من أجل شراء شقة في إسرائيل. في شهر أيلول/سبتمبر 2025 وحده، حصل الجمهور على قروض رهن عقاري جديدة بقيمة 8.53 مليار شيكل.
لا يعكس ارتفاع حجم القروض السكنية بالضرورة زيادةً في مبيعات الشقق. ففي 12 تشرين الثاني/نوفمبر، نشر "الاقتصادي الرئيسي" في وزارة المالية تقريره الشهري حول سوق الشقق السكنية لشهر أيلول/سبتمبر. وبحسب التقرير، تمّ خلال أيلول/سبتمبر 2025 شراء 6,925 شقّة، بما في ذلك الشقق المدعومة حكوميًا. وبالمقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي، يُسجَّل انخفاض بنسبة 17% في عدد المبيعات، فيما يظهر تراجع إضافي بنسبة 9% مقارنة بالشهر السابق.
وعند استثناء المبيعات المدعومة حكوميًا، تتّضح نسبة التراجع بصورة أكبر؛ إذ بلغ إجمالي الصفقات في السوق الحر خلال أيلول/سبتمبر من هذا العام 6,048 شقّة. ويمثّل ذلك انخفاضًا بنسبة 19% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وتراجعًا بنسبة 7% بحسب متوسط المبيعات اليومي.
وفي تقرير صادر عن قسم "الاقتصادي الرئيسي" في وزارة المالية حول معطيات سوق الإسكان في الربع الأول من عام 2025، والذي نُشر في شهر آب/أغسطس الماضي، يتضح أن السوق شهد تباطؤًا ملحوظًا في حجم الصفقات. فقد بلغ عدد الصفقات 20,570 صفقة فقط، وهو ما يشير إلى انخفاض بنحو 2% مقارنة بالربع الأول من عام 2024.
وقد سجّلت المناطق ذات الأسعار المرتفعة—خصوصًا منطقة تل أبيب—أدنى مستويات للشراء. وكان التراجع الأبرز في شراء الشقق السكنية الجديدة؛ إذ بلغت مبيعات الشقق الجديدة 6,427 شقة في الربع الأول من 2025، وهو ما يعكس انخفاضًا حادًا بنسبة 24% مقارنة بالربع الأول من 2024.
وفي المقابل، سجّل سوق الشقق المستعملة اتّجاهًا معاكسًا خلال الفترة ذاتها، حيث تمّ تنفيذ 14,143 صفقة، ما يمثّل ارتفاعًا بنسبة 13.6% مقارنة بالعام الماضي.
إعادة تدوير قرض الإسكان
وبالتوازي مع التراجع في مبيعات الشقق السكنية الجديدة، شهد العامان الأخيران تزايدًا ملحوظًا في ظاهرة إعادة تدوير قروض الإسكان، أو تمديد فترة السداد بهدف تخفيف العبء الشهري للقسط على الأسر. ووفقًا لصحيفة كلكاليست الاقتصادية (22 تموز)، أعاد الجمهور خلال النصف الأول من عام 2025 تدوير رهون عقارية بقيمة نحو 20.5 مليار شيكل، وذلك بحسب معطيات بنك إسرائيل.
حلول شعبوية
في ظل هذه المعطيات، تتجه الحكومة إلى طرح مشروع إشكالي اقتصاديًا لتخفيف الضائقة الناجمة عن سداد قروض الإسكان. فالمقترح يقضي بأن تتحمّل وزارة المالية جزءًا من عبء ارتفاع الأقساط الشهرية الناتج عن ارتفاع أسعار الفائدة، وذلك من خلال تعويض مالي للأُسر المتضررة، على أن تُموَّل هذه الميزانية عبر فرض ضرائب جديدة على البنوك. وبمعنى آخر، وبدلًا من دفع إصلاحات حقيقية في مجال الإسكان أو معالجة غلاء المعيشة، تختار الحكومة حلًا شعبويًا.
وقد قدّم هذا الاقتراح رئيس "المجلس القومي للاقتصاد" آفي سمحون، المقرّب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قبل عدة أشهر. ويقترح سمحون حساب مقدار الزيادة التي طرأت على الدفعات الشهرية للرهن العقاري نتيجة ارتفاع الفائدة في الجزء المتغيّر من القرض، ومن ثم إعادة جزء من هذه الزيادة لأصحاب القروض، وبأثر رجعي يصل حتى عشر سنوات.
وترتكز الفكرة الأساسية للمقترح على مساعدة مشتري الشقق الذين حصل معظمهم على رهون عقارية خلال فترة كانت فيها الفائدة منخفضة. فمنذ عام 2022، ارتفعت الأقساط الشهرية بشكل حاد، وفي كثير من الحالات بمقدار آلاف الشواقل شهريًا، ما أثقل كاهل العديد من الأسر.
معارضة مهنية
تمّ طرح هذا الاقتراح من دون التشاور أو حتى دعوة بنك إسرائيل للمشاركة في النقاشات المتعلقة به، رغم أن بنك إسرائيل وكبار موظفي وزارة المالية يعارضونه بشدة.
وتعتبر وزارة المالية أن المقترح يشكّل "خطوة تتعارض مع السياسة النقدية لبنك إسرائيل"، وهي السياسة التي تهدف إلى الحفاظ على استقرار الأسعار من خلال التأثير في سعر المال داخل الاقتصاد. ويوضح كبار المسؤولين في الوزارة أن الفائدة التي يحددها بنك إسرائيل تنعكس مباشرة على أسعار الفائدة في عموم الاقتصاد، بما في ذلك الفائدة التي تفرضها البنوك التجارية على المقترضين في مجال الإسكان.
وبحسب مسؤولي الوزارة، فإن مقترح دعم الرهن العقاري ينفّذ سياسة مناقضة تمامًا، ويؤدي عمليًا إلى إضعاف فعالية السياسة النقدية. وقد يترتب على ذلك الحاجة إلى رفع إضافي لأسعار الفائدة في الاقتصاد أو الإبقاء على المستويات المرتفعة الحالية لفترة أطول.
كما يخشى كبار موظفي وزارة المالية أن تؤدي هذه الخطوة إلى المسّ باستقلالية البنك المركزي. فأي إجراء حكومي يُتّخذ خلافًا لسياسة بنك إسرائيل قد يُفسَّر بوصفه إضعافًا للمؤسسات وتقويضًا لفعالية السياسة النقدية في إسرائيل، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على ثقة المستثمرين.
ويأتي جزء من الانتقاد الموجَّه لمقترح سمحون من كونه يركّز على فئة ضيقة جدًا من المقترضين؛ فالدعم المقترح سيُمنح استنادًا إلى تأثير الفائدة فقط، وليس إلى تأثير التضخم، رغم أنّ المقترضين الذين حصلوا على رهون عقارية مرتبطة بمؤشر الأسعار (التضخم المالي) قد تكبّدوا ضررًا أكبر بكثير من غيرهم.
إضافة إلى ذلك، فإن من حصلوا على قروض مرتفعة الكلفة بهدف إنشاء أعمال تجارية أو إدارتها، ولا سيما أصحاب المصالح الصغيرة الذين تضرروا بشدة من ارتفاع الفائدة، لن يستفيدوا من هذا الإجراء. وهكذا يمكن القول إن المقترح يرسم حدودًا تعسفية بين مجموعات مختلفة من المتضررين، رغم أن جميع هذه المجموعات تأثرت بالقدر نفسه من التغيير في سعر الفائدة.
أمّا بنك إسرائيل فقد اعتبر أنّ هذا الاقتراح، وفي موقف رسمي نُشر على موقع البنك بتاريخ 13 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، "خالٍ تمامًا من أي منطق اقتصادي"، ويحمل "ضررًا محتملًا هائلًا" على اقتصاد إسرائيل، وكذلك على صورتها ومكانتها الدولية.
من الناحية الاقتصادية، أوضح بنك إسرائيل أن العبء الفعلي على المقترضين لم يرتفع بشكل كبير. فبحسب البنك، فإن الطريقة الصحيحة لقياس هذا العبء تتمثّل في حساب نسبة الدفعة الشهرية للرهن العقاري إلى الدخل. ويُظهر تحليل يأخذ في الاعتبار ارتفاع دخل المقترضين ومستوى ديونهم أن هذه النسبة لم ترتفع، بل انخفضت قبل الزيادة في أسعار الفائدة.
غير أنّ الحجج الأساسية ضدّ المقترح ترتبط تحديدًا بالتمييز وانعدام المساواة، سواء داخل مجموعة المقترضين أنفسهم أو بين فئات مختلفة من المتضررين. فالمقترضون الذين اختاروا إعادة تدوير الرهن العقاري وتمديد فترة السداد بهدف تخفيض الدفعة الشهرية لن يكونوا مؤهّلين للحصول على الدعم، رغم أنهم، مثل غيرهم، تأثروا بارتفاع الفائدة.
كما يميّز المقترح بين أصحاب الرهن العقاري وبين فئات أخرى من المقترضين، مثل مستخدمي بطاقات الائتمان والقروض الاستهلاكية، وهي فئات سجّلت بالفعل ارتفاعًا في معدلات خسائر الائتمان. كذلك يفصل المقترح بين أصحاب الشقق الذين استفادوا من ارتفاع قيمة العقارات، وبين المستأجرين الذين لم يستفيدوا من هذا الارتفاع، ورغم ذلك لن يحصلوا على أي دعم.
رشوة انتخابية
أثار الإعلام الاقتصادي في إسرائيل تساؤلًا مركزيًا عقب سلوك الحكومة في طرح هذا الاقتراح وتجاهلها موقف بنك إسرائيل، ويتمحور هذا التساؤل حول كيفية اتخاذ الحكومة قرارات اقتصادية مصيرية. فكيف وصلت الحكومة إلى مرحلة تدرس فيها خطوة ماكرو–اقتصادية بهذا القدر من الأهمية من دون أي عمل تحضيري مهني جدي، ومن دون دراسة رسمية، ومن دون نقاش مهني حقيقي؟
في دولة تدّعي امتلاكها بعضًا من أكثر المؤسسات الاقتصادية تقدّمًا واستقلالًا في العالم، تبدو هذه الخطوة بمثابة ارتجال لحظي لا سياسة اقتصادية مدروسة. وهذه ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هي أيضًا مسألة متانة مؤسسية، وهو عنصر أساسي في تقييم التصنيف الائتماني لدولة إسرائيل، إلى جانب كونها مسألة تتعلق بحوكمة وإدارة سليمة.
في نهاية المطاف، يصعب عدم النظر إلى هذا المقترح باعتباره جزءًا من نهج أوسع لـ"اقتصاد انتخابي" كلاسيكي. فهو محاولة شفافة لـ"ردّ الجميل" للجمهور عبر شيكات ومنح ودعم مالي. وهي خطوات لا يمكن تحقيقها عبر عمل مهني جاد أو سياسة اقتصادية حقيقية. وبتسمية أخرى، يمكن اعتبار المقترح رشوة انتخابية موجّهة إلى شرائح تُعدّ قاعدة داعمة للتحالف الحكومي.
فالآن، ومع اقتراب المعركة الانتخابية، عادت الحكومة لتتذكّر فجأة هذه القضايا، وبدأت بطرح حلول سحرية وإطلاق ضجيج إعلامي و"عروض سيرك" سياسية، بدل صياغة سياسة اقتصادية مدروسة ومسؤولة.
التعليقات