خفض الفائدة: بين ضرورات الاقتصاد وهشاشة الاستقرار الأمني

يمكن فهم جانب من حذر بنك إسرائيل في سياساته النقدية خلال الفترة الماضية، ولا سيما إصراره على الإبقاء على مستوى فائدة مرتفع نسبيًا، باعتباره نابعًا من اعتبارات أمنية وسياسية، ومن سعيٍ لتعزيز هامش الأمان المالي في ظل بيئة غير مستقرة

خفض الفائدة: بين ضرورات الاقتصاد وهشاشة الاستقرار الأمني

دبابات إسرائيلية في قطاع غزة (Getty)

قررت اللجنة النقدية في بنك إسرائيل، أمس الإثنين، خفض سعر الفائدة الأساسي بمقدار 0.25 نقطة مئوية، من 4.25% إلى 4%، وذلك بعد أن كانت قد خفضته بنسبة مماثلة في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، في أول خطوة من هذا النوع منذ نحو عامين. وقد فاجأ قرار بنك إسرائيل عددًا كبيرًا من المحللين والاقتصاديين في إسرائيل، في ضوء النهج الحذر والمتشدد نسبيًا الذي اتبعه البنك خلال العام الأخير في ما يتعلق بسياسة الفائدة.

فخلال الفترة الماضية، حرص بنك إسرائيل على الإبقاء على مستوى فائدة مرتفع نسبيًا، بهدف كبح التضخم المالي في الاقتصاد والحفاظ على استقرار الأسعار. وجاء الانتقال إلى خفض الفائدة متأخرًا مقارنة بخطوة مشابهة اتخذها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي بدأ قبل عدة أشهر بتقليص سعر الفائدة في محاولة لتحفيز النشاط الاقتصادي في الأسواق الأميركية. ويُذكر أن محافظ بنك إسرائيل كان قد تجاهل في السابق الضغوط التي مارسها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب مطالب متكررة من قطاع الأعمال، ولا سيما من قطاع البناء، الداعي إلى خفض سعر الفائدة من أجل تخفيف أعباء التمويل.

لماذا الآن؟

يعزو قسم من المحللين الاقتصاديين في إسرائيل قرار بنك إسرائيل خفض سعر الفائدة إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها ظهور مؤشرات جدية على تراجع معدلات التضخم خلال الأشهر الأخيرة. فقد سجل مؤشر غلاء المعيشة مستويات منخفضة نسبيًا في الفترة الماضية، وبدأ الانخفاض أولًا في أسعار السلع، قبل أن يمتد إلى قطاع الخدمات، ليصل في الشهر الأخير أيضًا إلى بند الإسكان، وهو ما عزز القناعة بإمكانية الانتقال إلى سياسة نقدية أقل تشددًا دون المخاطرة بعودة الضغوط التضخمية.
كما شكل تراجع سعر صرف الدولار وتعزز قوة الشيكل عاملًا مركزيًا في قرار بنك إسرائيل خفض سعر الفائدة. ووفقًا لسامي بيرتس، المحلل الاقتصادي في صحيفة "ذي ماركر"، فإنه "قبل نحو نصف ساعة من إعلان بنك إسرائيل خفض سعر الفائدة، هبط سعر صرف الدولار إلى أدنى مستوى له منذ أربع سنوات، وأغلق عند 3.158 شيكل". ويضيف بيرتس أن هذا المسار الهبوطي لسعر صرف الدولار كان في صلب قرار اللجنة النقدية خفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، إلى مستوى 4%.

وفي ضوء التطورات في سوق العملات الأجنبية، فضل بنك إسرائيل كبح استمرار تعزز قوة الشيكل من خلال خفض سعر الفائدة، بدلًا من اللجوء إلى التدخل المباشر في سوق الصرف، كما فعل في مراحل سابقة. ورغم أن قوة الشيكل تُعد في ظاهرها مؤشرًا على متانة الاقتصاد، فإن الاعتماد الكبير للاقتصاد الإسرائيلي على الصادرات، ولا سيما صادرات قطاع الهايتيك والخدمات، يجعل من ارتفاع سعر الشيكل عاملًا قد يضر بالتنافسية الاقتصادية، في حال أصبح قويًا أكثر من اللازم.

يدرك بنك إسرائيل أن استمرار قوة الشيكل قد يتحول إلى عبء على الاقتصاد الإسرائيلي، من خلال الإضرار بقدرة الشركات الإسرائيلية على المنافسة في الأسواق العالمية، ولا سيما في قطاع التقنيات المتقدمة والخدمات، الذي يُعد محرك النمو الأساسي للاقتصاد الإسرائيلي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه هذا القطاع أصلًا من تباطؤ نسبي في معدلات النمو خلال العامين الأخيرين. ولا يرغب بنك إسرائيل في إضافة أعباء جديدة على هذا القطاع، لما قد يترتب على ذلك من تراجع في المبيعات، وانخفاض في مستويات التشغيل، ومن ثم تراجع في جباية الضرائب، وهو ما قد ينعكس سلبًا على ميزانية الدولة.

قلق من جمود في سوق الشقق السكنية

يخشى بنك إسرائيل أيضًا من استمرار حالة الجمود، بل والتراجع، في سوق الشقق السكنية والمنازل، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الاقتصاد الكلي. فقد أشار عدد من المحللين وشركات البناء الكبرى خلال العام الماضي إلى أن مستويات الفائدة المرتفعة شكلت عاملًا مركزيًا — إلى جانب عوامل أخرى — في تراجع مبيعات الشقق والمنازل. ومن شأن خفض سعر الفائدة أن يسهم في إعادة تحريك هذا السوق من جديد، سواء من خلال تخفيف أعباء التمويل أو تحفيز الطلب.

ويبدو واضحًا أن اللجنة النقدية قد أخذت في الحسبان مسألة استقرار قطاع العقارات، الذي كان تاريخيًا مسؤولًا عن جزء مركزي من الأزمات المالية الكبرى في إسرائيل وفي دول أخرى، باعتبارها عاملًا مهمًا في قرار خفض سعر الفائدة، في محاولة لتجنب تعميق المخاطر النظامية المرتبطة بهذا القطاع.

استقرار أسواق العمل

عامل إضافي أسهم في قرار خفض سعر الفائدة يتمثل في تطورات سوق العمل وبوادر الاستقرار في مستويات التشغيل، في أعقاب تراجع حدة التوترات الأمنية. فبينما اعتبر كثير من الاقتصاديين أن سوق عمل مشدودًا قد يحول دون خفض إضافي لسعر الفائدة، رصدت اللجنة النقدية مؤشرات مشجعة في الاتجاه المعاكس. وجاء في قرارها أن "ثمة دلائل في المعطيات الأخيرة تشير إلى تخفيف قيود جانب عرض العمل"، وذلك، من بين أمور أخرى، نتيجة انخفاض نسبة المتغيبين عن العمل بسبب خدمة الاحتياط، إضافة إلى تباطؤ وتيرة ارتفاع الأجور في القطاع التجاري، وهو عامل يسهم في تقليص الضغوط التضخمية.

الإسقاطات والنتائج المتوقعة

يعد المستفيدون المباشرون من خفض سعر الفائدة، بالدرجة الأولى، المقترضين بقروض الإسكان (الرهونات العقارية) المرتبطة بسعر الفائدة الأساسية (البرايم)، إذ سيترجم القرار إلى انخفاض في الأقساط الشهرية بعشرات، بل ومئات الشواكل. كما يستفيد من هذا القرار المقاولون وشركات البناء، الذين يواجهون تراجعًا حادًا في مبيعات الشقق، ما يفرض على بعضهم ضغوطًا متزايدة على التدفقات النقدية في تعاملهم مع البنوك. ومن شأن خفض الفائدة أن يقلص تكاليف التمويل عليهم، وربما يسهم أيضًا في تحفيز الطلب على الشقق وتسريع تصريف مخزون يُقدر بنحو 83 ألف شقة غير مباعة.

إلى جانب ذلك، سيؤدي خفض سعر الفائدة إلى تقليص تكلفة القروض الاستهلاكية عمومًا، ما يخفف العبء المالي عن شريحة واسعة من الأسر التي تعتمد على القروض البنكية لتمويل نفقاتها الجارية والاستهلاك، الأمر الذي قد ينعكس بدوره في زيادة الطلب المحلي وتنشيط الحركة الاقتصادية.

بصورة عامة، رحب قطاع الأعمال، ولا سيما قطاع البناء، بقرار بنك إسرائيل، انطلاقًا من التقدير بأن من شأنه الإسهام في تحفيز الاستهلاك وتنشيط الحركة الاقتصادية. وقد صرح عدد من ممثلي القطاع بأن استمرار خفض سعر الفائدة سيعزز النشاط الاقتصادي، ويسهم في استقرار الأعمال الصغيرة والمتوسطة، ويدعم النمو والتشغيل. ومن المتوقع أن يترجم هذا القرار إلى تخفيف فوري في تكاليف التمويل، وتحسين التدفقات النقدية، وتشجيع النشاط التجاري الجاري، فضلًا عن خلق حوافز لتخطيط الاستثمارات والحفاظ على فرص العمل.

ماذا يعني هذا القرار بشأن متانة الاقتصاد الإسرائيلي؟

أعادت الحرب على غزة الارتباط الوثيق بين الحالة الاقتصادية والوضعين الأمني والعسكري. فبعد ما يقارب عقدين من النمو الاقتصادي المتواصل بين عامي 2005 و2019، والذي تميز بمستويات فائدة بنكية منخفضة جدًا وتحقق إلى حد كبير بمعزل عن التقلبات الأمنية والسياسية، نشهد اليوم عودة واضحة لتأثير الوضع الأمني في الأداء الاقتصادي، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الاستقرار المالي وآفاق النمو. إذ ارتفع الدين العام لإسرائيل بصورة ملحوظة منذ اندلاع الحرب، وتراجع تدريج الائتمان لإسرائيل، وارتفعت كلفة الاقتراض الخارجي، إلى جانب اتساع العجز المالي في الموازنة. وتشكل هذه التطورات مجتمعة عبئًا متزايدًا على ميزانية الدولة، وعاملًا ضاغطًا على النمو في الاقتصاد الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، يمكن فهم جانب من حذر بنك إسرائيل في سياساته النقدية خلال الفترة الماضية، ولا سيما إصراره على الإبقاء على مستوى فائدة مرتفع نسبيًا، باعتباره نابعًا من اعتبارات أمنية وسياسية، ومن سعيٍ لتعزيز هامش الأمان المالي في ظل بيئة غير مستقرة ومخاطر متزايدة تهدد الاستقرار الاقتصادي الكلي.

لم يتأثر قرار بنك إسرائيل بخفض سعر الفائدة بالعوامل الاقتصادية والمالية فحسب، بل تأثر أيضًا باعتبارات أمنية وسياسية. إذ يوضح بنك إسرائيل أن خفض سعر الفائدة يبقى مشروطًا بتطورات الحالة الأمنية والسياسية. ويشمل ذلك الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، واستمرار تراجع حجم قوات الاحتياط بما يتيح انتظام سوق العمل، والتزام الحكومة بهدف العجز الذي أعلنت عنه عند إقرار موازنة الدولة، والمحدد بنسبة 3.8%.

وبناءً عليه، فإن عودة التوترات الأمنية، أو الحاجة إلى تجنيد أعداد كبيرة من قوات الاحتياط بما يعطل سوق العمل، أو استئناف المواجهة العسكرية مع إيران أو حزب الله، بما قد يستدعي زيادة كبيرة في ميزانية الأمن واتساع العجز المالي، ستكون لها انعكاسات سلبية على الوضع الاقتصادي عمومًا، وعلى قدرة بنك إسرائيل على مواصلة خفض سعر الفائدة على وجه الخصوص. كما يحذر بنك إسرائيل من حالة عدم اليقين الاقتصادي التي قد تنجم عن عدم إقرار موازنة الدولة في الكنيست ضمن الإطار الزمني المحدد، خاصة في ظل غياب ضمانات، في هذه المرحلة، لإقرار الموازنة مع هدف العجز المعلن، واستمرار الغموض بشأن مدى التزام الحكومة بالتفاهمات بين وزارة المالية والمؤسسة الأمنية حول حجم ميزانية الدفاع.

ويبدو أن خطوة خفض سعر الفائدة تستند إلى فرضيات متفائلة نسبيًا، وتفترض عدم حدوث تطورات جيوسياسية مفاجئة، ووجود قدر من الانضباط المالي الحكومي والاستقرار السياسي. غير أن احتمال عودة التوترات الأمنية أو الجيوسياسية، أو التوجه إلى انتخابات مبكرة، قد يشكل عوامل من شأنها تغيير مسار التوقعات والسياسة النقدية لبنك إسرائيل. وستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كان خروج بنك إسرائيل عن نهجه الحذر خطوة مبررة أم مخاطرة محسوبة في بيئة لا تزال شديدة الهشاشة.

التعليقات