سياسة ترامب الاقتصادية: النجاحات والإخفاقات

أنتجت التغييرات الاقتصادية في الولاية الثانية لترامب نتائج متباينة، إذ تجاوز النمو التوقعات بدعم من الاستثمارات التكنولوجية والإنفاق الاستهلاكي، فيما بقي التضخم مرتفعا وتباطأ خلق الوظائف، وبقيت قضية المسكن مصدر قلق مركزي للعائلات الأميركية.

سياسة ترامب الاقتصادية: النجاحات والإخفاقات

دونالد ترامب في خطاب عن زيادة الوظائف (Getty Images)

أدت مجموعة التغييرات الجذرية التي أدخلها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على السياسة الاقتصادية إلى تحقيق بعض وعوده، والإخفاق في أخرى، تاركة للأسر والشركات الأميركية وضعا مركّبا؛ يشمل نموا اقتصاديا قويا وازدهارا في الاستثمار التكنولوجي، يقابله تباطؤ في معدلات التوظيف، وتضخم لا يزال مرتفعا.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وإذا أضفنا إلى ذلك قرار المحكمة العليا الأسبوع الماضي، إلغاءَ الرسوم الجمركية الطارئة، التي كانت محور برنامج ترامب الاقتصادي؛ نجد أن حالة الضبابية التي ميزت التوقعات الاقتصادية الأميركية منذ عودة ترامب إلى السلطة اشتدت فيما يبدو.

وتتّسم سياسات ترامب الاقتصادية المميزة بسعة النطاق، وغالبا ما تتداخل مع سياسته الخارجية وجدول أعماله السياسي، الموسوم بـ"أميركا أولا".

إذ شملت هذه السياسات تخفيضات ضريبية لتعزيز الإنفاق والنمو الاقتصادي، ورسوما جمركية لزيادة إيرادات الحكومة وتقليل اعتماد الولايات المتحدة على الواردات، إضافة إلى تعزيز التصنيع المحلي.

وضمت أيضا حملة صارمة على الهجرة، صوّرتها إدارته على أنها منحة للأميركيين الباحثين عن فرصة عمل، وطريق لتحسين القدرة على شراء المساكن، فضلا عن مسعى واسع النطاق لتحرير الصناعات، ومنها الطاقة والقطاع المصرفي.

وفي ما يلي نظرة إلى وضع بعض المؤشرات الرئيسة للاقتصاد الأميركي، البالغ حجمه 30 تريليون دولار، مع بدء السنة الثانية من ولاية ترامب الثانية.

نمو الناتج الإجمالي يفوق التوقعات

بدأ الاقتصاد الأميركي العام الماضي في انكماش، إذ سعت الشركات إلى التغلب على الرسوم الجمركية الوشيكة عن طريق استيراد بضائعها مسبقا. وانتهى العام بنمو اقتصادي أبطأ، ويرجع ذلك إلى حد بعيد إلى الإغلاق الحكومي، الذي استمر فترة قياسية وأدى إلى انخفاض مؤقت في الإنفاق الحكومي.

وما بين بداية العام ونهايته، حقق النمو وتيرة فاقت التوقعات، ومن المتوقع أن تعزز التخفيضات الضريبية النمو هذا العام، في "مشروع القانون الواحد والكبير والجميل" الذي طرحه ترامب، إذا بقيت جميع العوامل الأخرى على حالها. وأسهم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في تحقيق جانب من النمو، ولكن الإنفاق الاستهلاكي القوي كان عاملا مؤثرا أيضا.

إيرادات الرسوم الجمركية والعجز التجاري

تُعدّ الرسوم الجمركية جزءا محوريا من سياسات ترامب الاقتصادية منذ بداية ولايته. وحتى قبل توليه منصبه، سارعت الشركات إلى زيادة وارداتها في مسعى لتجنب الرسوم، ما أدى مؤقتا إلى زيادة العجز التجاري الأميركي، الذي قال ترامب إن سياسته للرسوم الجمركية تهدف إلى تقليصه.

ويقول محللون، إن الرسوم الجمركية ربما تسهم مع مرور الوقت في تضييق الفجوة بين الواردات والصادرات، التي يراها ترامب مؤشرا على قوة الاقتصاد الأميركي، لكن هذا لم يحدث حتى الآن.

وأصدرت المحكمة العليا حكما ألغى الرسوم الجمركية العالمية الشاملة التي فرضها ترامب، إلا أن إدارته فرضت بالفعل رسوما جديدة قدرها 15% لتحل جزئيا محل التي ألغتها المحكمة، وتعهدت أيضا باللجوء إلى مجموعة من الصلاحيات لضمان عدم انخفاض إيرادات رسوم الاستيراد.

ارتفاع الإنتاج الصناعي وخفض فرص العمل

رغم الضغوط الناجمة عن رسوم ترامب الجمركية على الواردات، وارتفاع تكاليف الاقتراض، فقد شهد قطاع التصنيع انتعاشا ملحوظا، بدعم من النمو المتواصل في استثمارات الذكاء الاصطناعي.

ويرجّح المحللون استمرار هذا الانتعاش، واتساع نطاقه خلال العام الجاري مع دخول تخفيضات رسوم ترامب حيز التنفيذ. غير أن أحدث زيادة في الإنتاج الصناعي لم يصاحبها انتعاش في معدل التوظيف في ذلك القطاع.

وفي الواقع، انخفض معدل الوظائف في الشركات الصناعية خلال رئاسة ترامب الثانية، مما أحبط طموحاته في إجراء تغييرات جذرية على السياسة التجارية، لتعزيز فرص العمل في قطاع الصناعة الأميركي.

جمود أوسع في سوق العمل

وفي سوق العمل، ارتفعت نسبة البطالة قليلا، مع بقائها منخفضة، إذ بلغت 4.3% في كانون الثاني/ يناير.

ورغم ذلك، تباطأت وتيرة نمو الوظائف الشهرية العام الماضي تباطؤا ملحوظا، إذ لم تتجاوز الزيادة في التوظيف خلال العام بأكمله 180 ألف وظيفة، وهي زيادة طفيفة عن متوسط الزيادة الشهرية، البالغ 168 ألفا في 2024.

ويقول محللون، إن هذا التباطؤ يرجع إلى تشديد ترامب حملته على الهجرة، والتي أدت إلى خفض العرض والطلب على الوظائف.

وأضاف أرباب العمل في الولايات المتحدة 130 ألف وظيفة في كانون الثاني/ يناير، دون أن يتضح بعد مدى استمرار هذا الأداء الجيد.

التضخم والقدرة على تحمل التكاليف يثيران القلق

هبط التضخم منذ ارتفاعه في الفترة التي أعقبت جائحة كورونا (كوفيد-19)، في عهد الرئيس السابق آنذاك، جو بايدن، لكن الأسعار على أساس سنوي، وفق المقياس الذي يعتمد عليه البنك المركزي الأميركي، كانت في الواقع تتجه نحو الارتفاع في نهاية العام الماضي.

ويتوقع المحللون استمرار هذا الاتجاه بضعة أشهر أخرى إلى حين تبدد تأثير الرسوم الجمركية، على الأقل تلك التي فُرضت العام الماضي.

ورشح ترامب كيفن وارش، العضو السابق بالبنك المركزي، لخلافة جيروم باول في رئاسة البنك المركزي في أيار/ مايو، وتتوقع الأسواق هبوط التضخم بحلول ذلك الوقت، وأن وارش بعد توليه منصبه الجديد سيشرف على خفضَين لأسعار الفائدة، بدءا من حزيران/ يونيو.

وقد تدفع علامات الضعف في سوق العمل أيضا نحو خفض أسعار الفائدة، أما مخاوف القدرة على تحمل تكاليف السكن فلا تزال تشكل مصدر قلق مركزيا للأسر الأميركية.

وكان ترامب قد أعلن في أواخر العام الماضي عن عدد من السياسات الرامية إلى معالجة هذه المشكلة، لكن معدلات الرهن العقاري لا تزال مرتفعة، والمعروض السكني في معظم أنحاء البلاد لا يفي بالطلب.

ونتيجة لذلك، تصبح كلفة امتلاك منزل أمرا بعيد المنال بالنسبة للأسر التي لا يتجاوز دخلها الحد المتوسط بكثير.