تقليصات في ميزانية إسرائيل لتمويل الحرب

تكلفة الحرب ستتجاوز بكثير كلفتها العسكرية المباشرة، وذلك نتيجة تعطّل النشاط الاقتصادي والحاجة إلى تخصيص ميزانيات كبيرة لتعويض الأضرار المادية التي تخلّفها الحرب. فمن المرجّح أن تؤدي هذه الحرب إلى اتساع العجز المالي للحكومة...

تقليصات في ميزانية إسرائيل لتمويل الحرب

عملية بحث عن شظايا صاروخ إيراني بالقرب من أشدود (Getty)

بعد مرور نحو أسبوعين على الحرب التي تشنّها إسرائيل على إيران وحزب الله، تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى إقرار سلسلة من الإجراءات المالية الهادفة إلى توفير موارد إضافية لوزارة الأمن لتغطية التكلفة المتزايدة للحرب، وذلك خلال جلسة خاصة مقررة يوم الأربعاء 11 آذار/مارس.

وتخطط الحكومة لإقرار خفض عام في ميزانيات الوزارات الحكومية بنسبة 3%، بهدف توفير موارد لتمويل تكاليف الحرب. كما يُتوقع أن تخصص ميزانية إضافية تقارب 30 مليار شيكل لتغطية نفقات الحرب، من بينها نحو 28 مليار شيكل لوزارة الأمن، إضافة إلى نحو مليار شيكل لتغطية مصاريف مدنية. إلى جانب ذلك، تعتزم الحكومة إنشاء صندوق إضافي بقيمة تقارب 10 مليارات شيكل، يُفعَّل عند الحاجة. ويشير ذلك إلى أن الحكومة تتوقع أن تتجاوز التكلفة الإجمالية للحرب حجم الميزانيات المخصصة لها حاليًا.

وبالمجمل، يدور الحديث عن زيادات في الميزانية تُقدَّر بنحو 39 مليار شيكل، أي ما يعادل نحو 1.85% من الناتج المحلي الإجمالي (بحسب تقديرات الناتج حتى نهاية عام 2025). ويعني ذلك أنه، في حال لم تُتخذ إجراءات تقشف إضافية أو تتحقق إيرادات حكومية استثنائية، ولا سيما من الضرائب، فإن العجز المالي للحكومة في نهاية عام 2026 قد يبلغ نحو 5.75% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كان الهدف المحدد في مشروع الميزانية 3.9% فقط.

وبذلك، يُتوقع أن يكون هذا العجز الثاني من حيث الحجم خلال سنوات الحرب الأربع منذ عام 2023، رغم أن مدة الحرب الحالية لم تتجاوز حتى الآن أسبوعين. ويمكن تفسير ذلك بالارتفاع الكبير في تكلفة الأسلحة والذخائر المستخدمة حتى الآن في هذه الحرب، التي تعتمد بصورة أساسية على سلاح الجو، والصواريخ الدقيقة، ومنظومات الاعتراض الصاروخي، وجميعها ذات تكلفة مرتفعة للغاية. يُضاف إلى ذلك تجنيد نحو 100 ألف جندي من قوات الاحتياط، وما يرافق ذلك من أعباء مالية كبيرة على ميزانية الدولة.

تخصيص ميزانيات إضافية لوزارة الأمن يعني بالضرورة إجراء تقليصات في ميزانيات مختلف الوزارات الحكومية، إلى جانب إلغاء أو تأجيل بعض الإصلاحات الضريبية التي كانت مطروحة ضمن مشروع ميزانية الحكومة.

إلغاء بعض الإصلاحات الضريبية

من المتوقع أن تقرّ الحكومة الإسرائيلية إلغاء جزء من الإصلاحات الضريبية التي كان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قد اقترحها ضمن مشروع الميزانية واعتبرها أساسية. ومن بين هذه التعديلات، يُتوقع أن تتراجع الحكومة عن فرض ضريبة الأملاك على الأراضي المخصّصة للبناء وغير المستغلة، كما ستُلغي الإصلاحات المقترحة في سوق الحليب.

إضافة ميزانيات للشركاء في الائتلاف الحكومي والاستيطان

لم تمنع الحاجة إلى تقليص ميزانيات الوزارات الحكومية لتمويل تكاليف الحرب وزيادة مخصصات وزارة الأمن، الحكومةَ من تخصيص ميزانيات إضافية لشركائها في الائتلاف الحكومي. إذ من المتوقع أن تقرّ الحكومة إضافة ميزانية تقارب 5 مليارات شيكل، تُخصَّص لعدد من الوزارات التي يديرها شركاء الائتلاف.

ومن أبرز هذه الميزانيات تخصيص نحو 470 مليون شيكل لوزارة الاستيطان التابعة للوزيرة أوريت ستروك ("الصهيونية الدينية")، و170 مليون شيكل لوزارة التراث التي يتولاها الوزير عميحاي إلياهو ("عوتسما يهوديت").

كما ستخصص الحكومة 1.56 مليار شيكل للمؤسسات الدينية التوراتية، و107 ملايين شيكل لشبكات التعليم الحريدية، إضافة إلى 78 مليون شيكل لهيئة التطوير الاقتصادي – الاجتماعي للمجتمع الحريدي. وتأتي هذه المخصصات، بحسب التقديرات، في إطار تعويض الأحزاب الحريدية في ضوء توجه الحكومة إلى عدم سنّ قانون يمنح طلاب المعاهد الدينية إعفاءً من الخدمة العسكرية.

أمّا حزب شاس فسيحصل على 104 ملايين شيكل تُخصَّص لوزارة الشؤون الدينية، و49 مليون شيكل لمشروع "منع التسرب من المدارس الدينية (اليشيفوت)"، إضافة إلى 27 مليون شيكل لبرنامج "تعزيز ودعم الشباب المعرّضين للخطر". كما سيستفيد الحزب من 257 مليون شيكل ضمن برنامج تعزيز الأمن الغذائي التابع لوزارة الرفاه، وهي الوزارة التي تُدار عمليًا بصورة غير مباشرة من قبل حزب شاس.

وسيُخصَّص للمجتمع الحريدي أيضًا مبالغ دعم إضافية كبيرة عبر الأموال الائتلافية المخصَّصة لوزارة التربية والتعليم. ومن بين هذه البنود: دعم برامج الرعاية بعد الظهر بقيمة 50 مليون شيكل، ودعم الثقافة اليهودية الحريدية بقيمة 77.4 مليون شيكل، ومنحة القدس للتعليم بقيمة 80 مليون شيكل، إضافة إلى تمويل المخيمات الصيفية بقيمة 17 مليون شيكل.

نتنياهو متفائل

تقدّر وزارة المالية أن إيرادات الحكومة من الضرائب ستتراجع خلال العام الحالي بنحو 1.5%، كما يُتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي خلال فترة الحرب. ومع ذلك، لا يمنع هذا التقدير كلًّا من بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش من إبداء قدر من التفاؤل حيال قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوز التكاليف الحالية للحرب والعودة إلى مسار النمو بعد انتهائها، كما يدّعيان.

فقد صرّح نتنياهو وسموتريتش لوسائل الإعلام بأنهما واثقان من أن إسرائيل ستشهد نموًا اقتصاديًا قويًا بعد انتهاء الحرب، بما قد يغني عن الحاجة إلى اتخاذ إجراءات مالية تصحيحية في المرحلة الراهنة. ويأتي هذا التفاؤل رغم أن نتنياهو كان قد أقرّ، في تصريحات خلال الأيام الأخيرة، بأن الحرب الحالية ستكلف الكثير وتتطلب ميزانيات كبيرة.

في المقابل، يبدو الاقتصاديون وكبار المسؤولين في وزارة المالية أكثر حذرًا، إذ يرفضون بناء توقعاتهم الاقتصادية على نتائج حرب لم تنتهِ بعد. ويرى هؤلاء أنه، رغم وجود إمكانات نمو ملحوظة في حال انتهت الحرب خلال فترة قصيرة وأدت إلى تقليص نفقات الأمن وخفض مستوى المخاطر الاقتصادية التي تواجهها إسرائيل، فإن هذه السيناريوهات تبقى غير مضمونة في ظل استمرار حالة عدم اليقين.

استنادًا إلى تجربة حرب الصيف الماضي على إيران، يمكن القول إن تكلفة الحرب ستتجاوز بكثير كلفتها العسكرية المباشرة، وذلك نتيجة تعطّل النشاط الاقتصادي والحاجة إلى تخصيص ميزانيات كبيرة لتعويض الأضرار المادية التي تخلّفها الحرب. فمن المرجّح أن تؤدي هذه الحرب إلى اتساع العجز المالي للحكومة، الذي حُدّد في مشروع ميزانية العام الحالي بنسبة 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، كما قد تسهم في ارتفاع الدين العام، وربما تفرض ضغوطًا إضافية على التصنيف الائتماني لإسرائيل، وقد تؤدي حتى إلى خفضه.

وبذلك، يمكن القول إن الحكومة الإسرائيلية لا تتجه فقط نحو مغامرة عسكرية جديدة عبر فتح حرب مع إيران قد تتوسع إلى مواجهة واسعة مع لبنان، ولا تقتصر المسألة على مغامرة سياسية شخصية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بل إن هذه الحرب تدفع أيضًا الاقتصاد الإسرائيلي إلى مغامرة يصعب التنبؤ بتداعياتها.