أقرّ الكنيست في مطلع الأسبوع قانون ميزانية عام 2026 في القراءتين الثانية والثالثة، إلى جانب قانون التسويات. ويُظهر إقرار الميزانية بوضوح أولوية الاعتبارات السياسية والائتلافية لدى الحكومة على حساب الاعتبارات المالية والاقتصادية، كما يعزّز الانطباع بأن هذه الأولويات لم تتغيّر حتى بعد الحرب على إيران وحزب الله، رغم تصاعد التحذيرات من تداعياتها الاقتصادية والمالية السلبية.
ويبدو أن وزن الاعتبارات السياسية، والحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي، وتطبيق التوجهات الأيديولوجية، يفوق لدى الحكومة ونتنياهو أهمية ضمان استقرار الاقتصاد والتعامل الجدي مع الآثار المالية والاقتصادية للحرب.
ميزانية حرب واستيطان ودعم المجتمع الحريدي
وفقًا لقانون الميزانية، يبلغ إجمالي الإنفاق العام للسنة المالية 2026 نحو 850 مليار شيكل. ويتكوّن هذا المبلغ من ميزانية عادية تُقدَّر بنحو 621 مليار شيكل، إضافةً إلى إنفاق مشروط بالإيرادات يبلغ نحو 77 مليار شيكل. فيما تبلغ مدفوعات سداد الديون، باستثناء ديون مؤسسة التأمين الوطني، نحو 151 مليار شيكل.
حازت ميزانية الأمن على الحصة الأكبر في الميزانية الجديدة. فقد خُصصت إضافة قدرها 32 مليار شيكل لوزارة الأمن على خلفية الحرب على إيران وحزب الله، ليرتفع إجمالي ميزانيتها إلى نحو 142 مليار شيكل، وهو أعلى مستوى في تاريخ إسرائيل. وجاءت هذه الزيادة على حساب اقتطاع أفقي بنسبة 3% من موازنات جميع الوزارات.
في المقابل، تبلغ ميزانية وزارة التعليم نحو 97 مليار شيكل، وميزانية مؤسسة التأمين الوطني نحو 64 مليار شيكل، فيما تصل ميزانية وزارة الصحة إلى نحو 63 مليار شيكل. وقد حدّد قانون الميزانية نسبة العجز لعام 2026 عند 4.9% من الناتج المحلي، مع تقديرات تشير إلى احتمال ارتفاعها خلال العام المالي.
وفقًا لعدد من التحليلات، لا يتضمن قانون الميزانية أي روافع نمو اقتصادية حقيقية، سواء من خلال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، أو تحسين جودة التعليم والخدمات الصحية، أو رفع معدلات المشاركة في سوق العمل والإنتاجية.
ميزانيات إضافية للحريديم
مرّ قانون الميزانية من دون صعوبات سياسية تُذكر، خلافًا للتوقعات التي أشارت إلى احتمال تعثّره، لا سيما في ظل محاولات الأحزاب الحريدية الضغط على الائتلاف الحكومي وربط دعمها بإقرار قانون إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية. إلا أن هذه الأحزاب عادت ودعمت الميزانية في نهاية المطاف، مبرّرة ذلك بظروف الحرب، فيما عكس الأمر أيضًا نجاحها في انتزاع مكاسب مالية إضافية، تمثلت في زيادة مخصصات التعليم والمؤسسات الحريدية عشية التصويت على القانون.
فعلى الرغم من تطبيق اقتطاعات أفقية على موازنات جميع الوزارات، جرى تخصيص نحو 800 مليون شيكل إضافية لصالح المجتمع الحريدي. وتشمل هذه المخصصات تحويل 32 مليون شيكل إلى مؤسسات الإعفاء الحريدية، و97 مليون شيكل إلى "أنشطة ومشاريع"، و61 مليون شيكل إلى "الخدمة والتأهيل"، و225 مليون شيكل إلى المؤسسات الدينية. وتُخصّص غالبية هذه الأموال لشبكة "التعليم المستقل" التابعة لـ"يهدوت هتوراه"، وشبكة "معيان هحنوخ هتوراني" التابعة لحزب "شاس".
انتقادات واسعة لقانون الميزانية
يرى العديد من المختصين أن إقرار ميزانية عام 2026 لا يُعدّ نهاية المطاف، بل من المرجّح أن تضطر الحكومة في المستقبل القريب إلى إدخال تعديلات عليها، لا سيما في ضوء تأثيرات الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي. فمن المتوقع أن ترتفع نسبة العجز المالي، ما قد يستدعي تعديل السقف المحدد قانونًا (4.9%)، إلى جانب زيادة مستويات الدين. وفي هذا السياق، يُرجّح أن تضطر الحكومة إلى تنفيذ تقليصات إضافية في بنود الميزانية، بالتوازي مع زيادة مخصصات وزارة الأمن.
ترى الصحفية ميراف أرلوزوروف ("ذي ماركر"، 30 آذار/مارس) أن الميزانية الجديدة لا تحمل أي مؤشرات إيجابية للاقتصاد الإسرائيلي، ولن تسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية، بل قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية. فقد منحت الميزانية الحالية زيادات كبيرة لميزانية الأمن، ورصدت نحو 6 مليارات شيكل لما يُعرف بالميزانيات الائتلافية، كما تضمّنت تخفيضات ضريبية تُقدَّر بنحو 5 مليارات شيكل، وُصفت بأنها ذات طابع سياسي في عام انتخابي.
وكل ذلك من دون إصلاحات هيكلية ضرورية، ومن دون أي خطوات لكبح العجز. أي من دون ثمن. فأين الثمن في هذه الميزانية؟ إنه موجود، لكنه مخفي عن أعين الجمهور، ويتمثل في عجز يبلغ 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مع احتمال جدي لارتفاعه.
ووفقًا لأرلوزوروف، فإن الامتيازات التي يمنحها السياسيون لأنفسهم في سنة انتخابية، إلى جانب استمرار الحرب وتسارع وتيرة الإنفاق لدى المؤسسة الأمنية، تشكّل جميعها عوامل تدفع نحو ارتفاع مستويات العجز. وترى أن هذا عجز غير مسؤول، يكلّف إسرائيل نحو 20 مليار شيكل سنويًا تُنفق على مدفوعات الفوائد، ويقرّب الدولة من خطر الانزلاق نحو أزمة مالية.
بنك إسرائيل يحذر ويوصي
حذّر محافظ بنك إسرائيل من أن إقرار الميزانية مع الإبقاء على مخصصات مرتفعة للأموال الائتلافية، وتوجيه موارد إلى بنود لا تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، مثل المخصصات الموجّهة للمجتمع الحريدي، إلى جانب غياب سياسات تشجّع على العمل أو ترفع مستوى مشاركة طلاب المعاهد الدينية في الخدمة العسكرية أو سوق العمل، فضلًا عن ارتفاع العجز والدين العام، قد يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد وتراجع أدائه.
وقد نشر بنك إسرائيل توقعات اقتصادية مُحدّثة في نفس يوم إقرار الميزانية، والتي جاءت، كما كان متوقعًا في ظل الحرب، أكثر سلبية مقارنة بتوقعات شهر كانون الثاني/يناير. فعلى سبيل المثال، كان البنك قد توقّع في يناير نموًا سنويًا بنسبة 5.2% خلال العام الحالي، لكنه خفّض تقديره الآن إلى 3.8% فقط. وفيما يتعلق بالاستهلاك الخاص، كان البنك يتوقع نموًا بنسبة 7.5% هذا العام، إلا أنه خفّض تقديره إلى 3% فقط، أي تراجعًا كبيرًا بنحو 4.5 نقاط مئوية.
كان بنك إسرائيل قد توقّع في كانون الثاني/يناير أن يبلغ العجز في ميزانية الحكومة لعام 2026 نحو 3.9%، لكنه يقدّر الآن ارتفاعًا ملحوظًا بنحو 1.4 نقطة مئوية ليصل إلى 5.3%، ويُعزى ذلك أساسًا إلى زيادة ميزانية الأمن بنحو 32 مليار شيكل نتيجة الحرب. كما جرى تعديل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو الأعلى، من 68.5% فعليًا في عام 2025 إلى 70.5% متوقعة في عام 2026، بزيادة قدرها نحو 2% مقارنة بتوقعات يناير.
بالتوازي، عرض بنك إسرائيل مجموعة من التوصيات للتعامل مع الوضع الاقتصادي الناشئ في أعقاب الحرب، وضمان ميزانية مسؤولة تُمكّن من تحقيق النمو والاستعداد لاضطرابات اقتصادية محتملة. ومن بين هذه التوصيات: تقليص الأموال الائتلافية، وتجنّب توسيع الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على الاستيراد الشخصي، والامتناع عن خفض الضرائب. وعلى العكس من ذلك، أوصى البنك بالنظر في إمكانية رفع الضرائب. إلا أن الحكومة، حتى الآن، لم تتعامل مع أي من هذه التوصيات.
الاقتصاد لا يحسم الانتخابات
في ضوء المعطيات الراهنة، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية لا تكترث كثيرًا للتحذيرات والمخاطر الاقتصادية الناتجة عن إقرار ميزانية قد لا تكون ملائمة للوضع الاقتصادي الناشئ بعد الحرب. ومن شأن ذلك أن يدفع إسرائيل بخطى متسارعة نحو احتمال مواجهة أزمة مالية.
نتنياهو، الذي كان يفاخر في السابق بكونه "رجل الاقتصاد" و"رجل الأمن"، أدرك أن الناخبين لا يصوّتون وفقًا لمستوى العجز في الموازنة. ولا يبدو أنه يكترث بوصول نسبة الدين إلى 70% أو حتى 80% من الناتج، ما دام يحافظ على ائتلافه عبر الأموال الائتلافية، ويعزّز صورته كـ"رجل الأمن"، ويواصل الحرب بلا قيود من خلال ميزانيات أمنية غير محدودة. فهو يراهن على أن أزمة اقتصادية لن تندلع قبل موعد الانتخابات، أما بعدها، فليحدث ما يحدث.