لم تبخل الحكومات الإسرائيلية، على مدى العقود، في تخصيص ميزانيات كبيرة لدعم الاستيطان والمستوطنات. وتشير المؤشرات الاقتصادية في المستوطنات، وفقًا لمعطيات دائرة الإحصاء المركزية، إلى أن أوضاع المستوطنين من حيث مستويات الدخل والمشاركة في سوق العمل تُشابه إلى حدّ كبير تلك السائدة في المركز الاقتصادي الإسرائيلي، أي منطقة تل أبيب ومدن الوسط.
كما تُظهر بيانات دائرة الإحصاء المركزية بشأن ميزانيات السلطات المحلية أن المخصصات الحكومية للسلطات المحلية في المستوطنات تُعدّ من بين الأعلى مقارنة بغيرها. ويُضاف إلى ذلك حجم الميزانيات التي تخصصها الوزارات المختلفة لدعم الاستيطان في مجالات متعددة.
يبدو أن هذه المعطيات لا تكفي الحكومة الحالية، التي تسعى إلى ترسيخ مكانة المستوطنات وتحويلها إلى واقع دائم غير قابل للتغيير، إلى جانب توسيعها وزيادة عدد المستوطنين. فالحكومة الحالية، ومعها التيار الاستيطاني الذي يهيمن اليوم على وزارة المالية وعلى الإدارة المدنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تستغل الموارد المالية الحكومية لتقديم دعم واسع وغير مسبوق للاستيطان والمستوطنين.
في هذا السياق، نشرت حركة "السلام الآن" تقريرًا خاصًا (27 آذار/مارس) يتناول حجم الميزانيات الضخمة التي خصّصتها الحكومة الحالية للاستيطان.
وفقًا لتقرير حركة "السلام الآن"، ومنذ تشكيلها، تدفع حكومة نتنياهو بإسرائيل نحو ضمّ الضفة الغربية بوتيرة متسارعة. فإلى جانب الخطوات بعيدة المدى التي تتخذها، مثل إقامة البؤر الاستيطانية والمزارع، وشقّ الطرق، ودفع مخططات البناء، وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم ومنازلهم، تستغل أيضًا سلطتها لتخصيص ميزانيات ضخمة لصالح المستوطنات والمستوطنين، على حساب الداخل الإسرائيلي.
وتُظهر مراجعة الحركة لقرارات الحكومة وميزانيات الدولة والأموال الائتلافية أن حكومة نتنياهو استثمرت في المستوطنات ما لا يقل عن 19.3 مليار شيكل كاستثمارات إضافية في مجالات التطوير والبناء.
الاستثمارات في المستوطنات

توزيع الميزانيات
ميزانيات تطوير وإقامة مستوطنات
اتخذت الحكومة في 4 كانون الأول/ديسمبر 2025، قرارًا يقضي باستثمار مبلغ ضخم قدره 2.75 مليار شيكل خلال السنوات الخمس المقبلة في تطوير المستوطنات. ولا يحدّد القرار بشكل تفصيلي أوجه تخصيص هذه الأموال، لكنه ينص على إعداد خطة لصرف الميزانية.
شمل قرار الحكومة، من بين أمور أخرى، تخصيص مئات ملايين الشواكل لإقامة عشرات المستوطنات الجديدة، وتسوية أوضاع البؤر الاستيطانية، ومنح مخصصات للمستوطنات القائمة. وفي الواقع، يبدو أن الحكومة تقوم بإنشاء ما يشبه "بنكًا" من الأموال المُخصّصة مسبقًا، وذلك قبل أقل من عام على انتهاء ولايتها، بهدف تمويل مشاريع مستقبلية في المستوطنات.
شق شوارع خاصة للمستوطنات
كشف تسجيل من مؤتمر داخلي لحزب "الصهيونية الدينية"، وصل إلى حركة "السلام الآن"، يوضح فيه الوزير بتسلئيل سموتريتش بأنه خصّص 7 مليارات شيكل لتطوير الطرق في المستوطنات خلال السنوات الخمس المقبلة. ويُعد هذا مبلغًا ضخمًا، يعادل نحو 1.4 مليار شيكل سنويًا. وللمقارنة، بلغ معدل ميزانية الطرق بين المدن داخل إسرائيل خلال السنوات الأربع الماضية نحو 4.5 مليارات شيكل سنويًا (وفقًا لبيانات تنفيذ الميزانية لبند الطرق بين المدن).
وفقًا لفحص أجرته حركة "السلام الآن"، فإن الطرق المخطط لها في الضفة الغربية مخصّصة لخدمة نحو 300 ألف مستوطن فقط، ما يعني أن مليارات الشواكل - التي تشكّل نحو 30% من ميزانية الطرق بين المدن في إسرائيل - تُوجَّه لخدمة نحو 3% فقط من السكان. وتُعدّ الطرق عنصرًا أساسيًا في تطوير المستوطنات، إذ تُظهر التجارب السابقة أن افتتاح طريق التفافي يؤدي إلى زيادة سريعة في عدد المستوطنين في المستوطنات الواقعة على امتداده.
الميزانيات الائتلافية
صادقت الحكومة في تاريخ 10 آذار/مارس 2026، على تخصيص ميزانيات ائتلافية بقيمة 4.995 مليارات شيكل لعام 2026، يُخصص نحو 75% منها إلى القطاعين الحريدي والديني- القومي.
وقد خُصص مبلغ 50 مليون شيكل للمزارع والبؤر الاستيطانية. ويُشار إلى أن البند المُسمّى "مكوّنات الأمن في الاستيطان الفتي" (بقيمة 50 مليون شيكل) يُستخدم فعليًا لتمويل إقامة مزارع وبؤر استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية. وخلال العامين الماضيين، استُخدم هذا البند لتمويل ما يُعرف بالمزارع العنيفة، ووحدات "الرينجرز"، وشقّ الطرق، وتركيب البوابات الكهربائية، والألواح الشمسية، وغيرها.
كما خصّصت الحكومة، في السنوات السابقة لولايتها الحالية، أموالًا ائتلافية للمستوطنات لأغراض مشابهة بلغت منذ عام 2023 لغاية عام 2026 نحو 1.34 مليار شيكل.
ميزانيات التطوير - نحو ملياري شيكل سنويًا
منذ بداية التسعينيات، تقوم دائرة الإحصاء المركزية بحساب النفقات الحكومية الخاصة بالمستوطنات. وقد بلغت هذه النفقات في عام 2023 نحو 2.012 مليار شيكل. ويستند هذا الحساب إلى طلب من الإدارة الأميركية من تسعينيات القرن الماضي، ويشمل ما يُعرف بالنفقات الإضافية، أي تلك التي تُخصَّص للمستوطنات تحديدًا لأغراض التطوير والبناء، أو للخدمات التي تُمنح لها بحكم كونها مستوطنات. ولا تشمل هذه الحسابات الخدمات العامة المقدّمة لجميع المواطنين، بما في ذلك المستوطنون.
ويشمل هذا التقدير استثمارات الحكومة في مختلف مجالات البناء (البنى التحتية، والمساكن، والمباني التجارية والصناعية، والمؤسسات التعليمية، والمشاريع الزراعية وغيرها)، إضافة إلى الاستثمار في الطرق المحلية داخل المستوطنات، والمخصصات والمنح الموجّهة للسلطات المحلية فيها.
في المقابل، لا يشمل هذا الحساب النفقات الأمنية، ولا نفقات الطرق بين المدن، ولا تكاليف الخدمات العامة التي يحصل عليها المستوطنون بغض النظر عن مكان إقامتهم (مثل التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية).
ولم تصدر دائرة الإحصاء المركزية بعد بيانات الأعوام 2024 و2025، إلا أنه، وبالاستناد إلى معدل يقارب ملياري شيكل سنويًا، يمكن تقدير أن حكومة نتنياهو أنفقت نحو 6 مليارات شيكل على نفقات التطوير والنفقات الإضافية خلال الأعوام 2023-2025.
800 مليون شيكل لتعزيز الاستقرار المدني- الأمني على الحدود الشرقية
قرر المجلس الوزاري (قرار ب/189)، في 18 أيار/مايو 2025، الدفع بخطة لتعزيز الاستيطان على الحدود الشرقية لإسرائيل، من خلال إقامة مزارع ومؤسسات تعليمية (مثل البرامج التحضيرية واليشيفوت)، وتوسيع بلدات قائمة. وتشمل هذه الخطة المنطقة الممتدة على طول الحدود الشرقية من إيلات جنوبًا حتى بحيرة طبريا، ضمن شريط يبلغ عرضه نحو 15 كيلومترًا، ويضم أيضًا أجزاءً واسعة من الضفة الغربية.
لم تنشر الحكومة نص القرار، إلا أنه، وبحسب تقارير إعلامية، جرى تكليف فريق بإعداد خطة تفصيلية. وفي الوقت نفسه، حوّلت الحكومة بالفعل في عام 2025 مبلغ 80 مليون شيكل إلى وزارة الاستيطان، ومنها إلى "دائرة الاستيطان"، بهدف تنفيذ مرحلة تجريبية أولية من الخطة.
وفي شباط/فبراير 2026، نشرت "دائرة الاستيطان" دعوة لتقديم طلبات لإقامة مزارع ومراكز تعليمية، استنادًا إلى قرار المجلس الوزاري.
وفي ميزانية عام 2026، خصصت الحكومة مبلغًا ضخمًا قدره 847 مليون شيكل لوزارة الاستيطان (ضمن تفويض بالالتزام) لتنفيذ هذه الخطة، ما يعني أن التمويل أصبح مضمونًا بالفعل، رغم أن أهدافه التفصيلية لم تُحدّد بعد.
مشاريع سياحية استيطانية - 949 مليون شيكل
منذ تشكيلها في كانون الأول/ديسمبر 2022، اتخذت حكومة نتنياهو سلسلة من القرارات لتمويل مشاريع سياحية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز وتعميق السيطرة الإسرائيلية على هذه المناطق.
حماية المستوطنين في القدس الشرقية - 489 مليون شيكل
منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تقوم وزارة الإسكان بتمويل شركات أمن خاصة لتوفير الحماية للمستوطنين في الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، حيث ترافقهم أثناء تنقلهم وتؤمّن منازلهم على مدار الساعة.
وفي الواقع، يخضع بند تمويل أمن المستوطنين في القدس الشرقية إلى حدّ كبير لتأثير المستوطنين أنفسهم. فمع استيلائهم سنويًا على مزيد من المنازل والمجمعات في الأحياء الفلسطينية، تجد وزارة الإسكان نفسها مضطرة إلى تمويل ترتيبات أمنية إضافية في هذه المواقع. وهكذا يتوسع هذا البند في الميزانية ويتضخم، من دون قرارات أو توجيهات واضحة من المستوى السياسي، بل استنادًا إلى الوقائع التي يفرضها المستوطنون على الأرض.
غياب الشفافية
يوضح تقرير حركة "السلام الآن" بأن الاستيطان يحظى باستثمارات حكومية ضخمة، تُمنح بشكل غير معلن وغير شفاف، ومن دون مبررات مهنية، وبما يتعارض مع المنطق الاقتصادي، نظرًا لكون هذه التجمعات قريبة من صناعة القرار. فالمستوطنون يستفيدون منذ تشكيل الحكومة الحالية من اقتصاد محاباة غير مسبوق.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاستيطان هو اقتصاد خفي. فلا توجد إشارة صريحة في بنود الميزانية إلى "المناطق". كما أن الجزء الأكبر من الميزانيات التي تتدفق إليها يندرج ضمن الإنفاق الجاري على التعليم والصحة والرفاه. ويشمل ذلك أيضًا أكبر بنود الإنفاق في تلك المناطق، وهو الإنفاق الأمني، الذي يُدرج ضمن ميزانية وزارة الأمن، ولا يمكن سوى تقدير حجمه الفعلي. من هنا، فإن مجمل الميزانيات التي تحصل عليها المستوطنات على أرض الواقع أعلى بكثير مما نجح تقرير حركة "السلام الآن" في رصده.