بادرت الحكومات الإسرائيلية خلال العقد الأخير إلى إطلاق الخطة الحكومية 922 (2016–2021)، والخطة 550 (2022–2026)، لتطوير الاقتصاد العربي. وقدّمت الحكومات الإسرائيلية هذه الخطط باعتبارها أدوات مركزية لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين المواطنين العرب واليهود، وتحسين البنية التحتية والخدمات العامة، وزيادة مشاركة المواطنين العرب في سوق العمل والتعليم العالي، بما يسهم في تعزيز اندماجهم في الاقتصاد الإسرائيلي وتقليص الفجوات القائمة بين المجتمعين.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ومن بين المؤشرات الاقتصادية الأساسية التي يمكن الاستناد إليها في متابعة نتائج هذه الخطط الاقتصادية وتقييمها على مستوى الأفراد والأسر، هي معدلات المشاركة في سوق العمل، وتوزيع العاملين وفقا للفروع الاقتصادية، ونسبة البطالة، ومستويات الفقر، ومستويات الدخل.
ونتابع في هذا التحليل التغيرات التي طرأت على معدلات الدخل غير الصافي للأسر العربية واليهودية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2023، (وهي أحدث المعطيات المتاحة التي نشرتها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية في مطلع العام الجاري)، أي مقارنة مستويات الدخل قبل إقرار الخطط الاقتصادية الحكومية لتطوير الاقتصاد العربي وبعد تنفيذها، بما يتيح تقييما أوليا لمدى مساهمة تلك الخطط في تقليص الفجوات الاقتصادية، ولا سيّما فجوات الدخل بين الأسر العربية واليهودية.
هل تحسن دخل الأسر العربية؟
استنادا إلى معطيات مسوحات الدخل والإنفاق الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية لعامي 2013 و2023، يتبين أن معدل الدخل الشهري غير الصافي للأسرة العربية ارتفع من 10,768 شيكل عام 2013 إلى 18,634 شيكل عام 2023، أي ارتفع بنسبة 73%. وفي المقابل، ارتفع متوسط الدخل غير الصافي للأسرة اليهودية من 19,067 شيكل إلى 28,254 شيكل خلال الفترة نفسها، أي بنسبة 48%.
وتشير هذه المعطيات إلى أن دخل الأسرة العربية كان يعادل نحو 56% من دخل الأسرة اليهودية عام 2013، فيما ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 66% عام 2023. وبذلك، تقلصت الفجوة النسبية في مستويات الدخل بين الأسر العربية واليهودية بنحو 10 نقاط مئوية خلال عقد واحد، وهو ما قد يوحي، للوهلة الأولى، بحدوث تقارب اقتصادي بين المجموعتين.
إلا أن هذه الأرقام قد تكون مضللة إلى حدّ ما، وهناك حاجة إلى متابعة معدلات الدخل وفقا لمتغيرات إضافية، خاصة عدد الأنفار وعدد المعيلين داخل الأسر. هذه المتابعة يمكن أن توضح مصدر تراجع الهوة في الدخل بين الأسر العربية واليهودية. إذ إن تقليص الفجوة في معدلات الدخل غير الصافي لم يكن متشابها لدى كافة الأسر العربية، ومصدره ليس بالضرورة ارتفاعا في الدخل من العمل.
فروقات وفقا لعدد الأنفار والمعيلين داخل الأسرة
تكشف مراجعة تركيبة الأسر العربية واليهودية بحسب عدد أفراد الأسرة عن وجود فروقات جدية في معدلات الدخل في غالبية فئات الأسر العربية واليهودية، ما عدا العائلات ذات عدد الأنفار المرتفع. وتوضح أن جزءا مهما من تقليص فجوة الدخل يعود إلى تحولات ديمغرافية واجتماعية داخل المجتمع العربي، وليس فقط إلى تحسن اقتصادي مباشر.
ففي عام 2013، شكّلت الأسر العربية الصغيرة، التي تضم حتى 3 أفراد، نحو 30% من مجمل الأسر العربية، فيما بلغت حصة الأسر الكبيرة، التي تضم 6 أفراد فأكثر، نحو 33%. وفي المقابل، كانت تركيبة الأسر اليهودية مختلفة بصورة جوهرية؛ إذ شكّلت الأسر التي تضم حتى 3 أفراد نحو 62% من مجمل الأسر اليهودية، في حين لم تتجاوز نسبة الأسر التي تضم 6 أفراد فأكثر 9%.
أما في عام 2023، فقد طرأ تغير ملحوظ على تركيبة الأسر العربية، إذ ارتفعت حصة الأسر الصغيرة (حتى 3 أفراد) إلى 38% من مجمل الأسر، مقابل تراجع حصة الأسر الكبيرة التي تضم 6 أفراد فأكثر إلى 22%. وتشير هذه المعطيات إلى تحول تدريجي في البنية الديمغرافية للأسر العربية نحو أحجام أسر أصغر، وهو تحول ينعكس بصورة مباشرة على معدل الدخل.
وفي المقابل، بقيت تركيبة الأسر اليهودية مستقرة نسبيا خلال الفترة نفسها. فقد شكّلت الأسر التي تضم حتى 3 أفراد نحو 64% من مجمل الأسر اليهودية عام 2023، مقارنة بنحو 62% عام 2013، فيما ارتفعت حصة الأسر التي تضم 6 أفراد فأكثر بصورة طفيفة فقط، من 9% إلى 10% من مجمل الأسر.
وتكشف المعطيات عن تحول إضافي لا يقل أهمية، يتمثّل في التغير في عدد المعيلين داخل الأسرة. فقد شهدت الأسر العربية ارتفاعا ملحوظا في عدد المعيلين بين عامي 2013 و2023، إذ ارتفع المعدل العام من 1.34 معيل للأسرة الواحدة عام 2013 إلى 1.65 معيل عام 2023. وبات معدل عدد المعيلين في الأسر العربية في العام 2023 أعلى من المعدل في الأسر اليهودية، الذي بلغ 1.45 في 2023 مقابل 1.49 عام 2013.
وقد شمل هذا الارتفاع مختلف فئات الأسر العربية، إلا أنه كان بارزا في الأسر المتوسطة والأسر كبيرة العدد. ففي الأسر التي تضم 4 أفراد ارتفع متوسط عدد المعيلين من 1.41 عام 2013 إلى 1.87 عام 2023. أما في الأسر المكونة من 5 أفراد، فقد ارتفع العدد من 1.59 إلى 2.25 معيل، فيما ارتفع في الأسر التي تضم 6 أفراد فأكثر من 1.62 إلى 2.32 معيل في المتوسط.
وفي المقابل، لم تشهد الأسر اليهودية تغيرات تذكر في هذا المؤشر خلال الفترة نفسها، إذ بقي متوسط عدد المعيلين فيها مستقرا إلى حد كبير. بل سُجل تراجع طفيف في عدد المعيلين داخل الأسر اليهودية التي تضم 6 أفراد فأكثر، من 2.18 معيل في المتوسط عام 2013 إلى 2.14 معيل عام 2023.
وتشير هذه المعطيات إلى أن جزءا مهما من الارتفاع في مستويات دخل الأسر العربية خلال العقد الأخير يعود إلى زيادة عدد العاملين والمعيلين داخل الأسرة، وليس بالضرورة إلى ارتفاع مستويات الأجور أو إلى تحسن جوهري في نوعية فرص العمل المتاحة. كما تعكس هذه الظاهرة اتساع مشاركة أفراد الأسرة العربية في سوق العمل، ولا سيّما النساء، وهو ما أسهم في رفع إجمالي دخل الأسرة وتحسين بعض المؤشرات الاقتصادية.
وعليه، فإن جزءا من تقليص فجوة الدخل بين الأسر العربية واليهودية يعود إلى تغيرات ديمغرافية واجتماعية وبنيوية داخل المجتمع العربي، تتمثّل في تقلّص حجم الأسرة وارتفاع عدد المعيلين فيها، أكثر مما يعكس تحسنا مباشرا في إنتاجية العاملين أو في مستويات الأجور. ولذلك، فإن الاعتماد على معدل دخل الأسرة وحده قد يقود إلى استنتاجات مبالغ فيها بشأن حجم التحسن الاقتصادي الفعلي، ومدى نجاح السياسات الحكومية في تقليص الفجوات الاقتصادية بين المجتمعين العربي واليهودي.
متابعة معدلات دخل الأسر وفقا لعدد الأنفار والمعيلين في العائلة، توضح أن فجوة الدخل بين الأسر العربية واليهودية ما زالت واسعة في فئات الأسر الصغيرة، أي الأسر التي تضم فردا واحدا وحتى 3 أفراد. بل إن الفجوة اتسعت في بعض هذه الفئات خلال العقد الأخير، خلافا لما توحي به المعطيات العامة المتعلقة بمتوسط دخل كافة الأسر.
ففي الأسر المكونة من فرد واحد، وكذلك في الأسر التي تضم 3 أفراد، تراجع دخل الأسرة العربية مقارنة بدخل الأسرة اليهودية، بحيث أصبح يشكل نحو 47%–48% من دخل الأسر اليهودية عام 2023، بعد أن كان في حدود 50%–51% عام 2013. فحتى مع ارتفاع عدد المعيلين في الأسرة العربية قليلة العدد خلال الفترة بين 2013 و2023، بقيت الأسر العربية بعيدة عن اللحاق بمستويات الدخل السائدة لدى الأسر اليهودية المماثلة، بل شهدت تراجعا نسبيا مقارنة بالأسر اليهودية.
أما في فئة الأسر المكونة من فردين، فقد شهدت الفجوة في الدخل تقلصا ملحوظا خلال العقد الأخير. إذ ارتفع متوسط دخل الأسر العربية في هذه الفئة من نحو 40.5% من معدل دخل الأسر اليهودية عام 2013 إلى نحو 59% عام 2023. ويُعد هذا التحسن من أبرز التحولات التي تظهرها المعطيات عند المقارنة بين فئات الأسر المختلفة.
ويمكن تفسير جزء من هذا التحسن بارتفاع عدد المعيلين داخل الأسرة العربية في هذه الفئة، حيث ارتفع معدل عدد المعيلين من 1.18 عام 2013 إلى 1.34 عام 2023، في حين بقي عدد المعيلين في الأسر اليهودية مستقرا تقريبا عند مستوى 1.8 معيل للأسرة.
كما سُجل تقلص ملحوظ في فجوة الدخل بين الأسر العربية واليهودية في فئتي الأسر المكونة من 4 أفراد، و5 أفراد. فقد ارتفع معدل دخل الأسر العربية في هاتين الفئتين من نحو 45% من معدل دخل الأسر اليهودية عام 2013 إلى نحو 55.7% عام 2023، وهو تحسن كبير نسبيا خلال عقد واحد.
وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع واضح في عدد المعيلين داخل هذه الفئة. ففي الأسر التي تضم 4 أفراد ارتفع معدل عدد المعيلين من 1.41 عام 2013 إلى 1.87 عام 2023، فيما ارتفع في الأسر المكونة من 5 أفراد من 1.59 إلى 2.25 معيل. وفي المقابل، بقي عدد المعيلين في الأسر اليهودية ضمن هذه الفئات مستقرا إلى حد كبير خلال الفترة نفسها.
أما أكبر تقلص في فجوة الدخل بين الأسر العربية واليهودية فقد سُجل في فئة الأسر التي تضم 6 أفراد فأكثر. ففي هذه الفئة ارتفعت نسبة دخل الأسر العربية مقارنة بالأسر اليهودية من نحو 50% عام 2013 إلى نحو 62% عام 2023. ويُرجح أن يكون هذا التحسن أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في تقليص الفجوة العامة في متوسط دخل الأسر العربية واليهودية خلال العقد الأخير.
وكما في الفئات الأخرى، يرتبط هذا التحسن بصورة وثيقة بالارتفاع الكبير في عدد المعيلين داخل الأسرة العربية. فقد ارتفع معدل عدد المعيلين في الأسر العربية الكبيرة من 1.62 معيل عام 2013 إلى نحو 2.3 معيل عام 2023، في حين شهدت الأسر اليهودية في الفئة نفسها تراجعا طفيفا في عدد المعيلين، من 2.18 إلى 2.14 معيل في المعدل.
تقليص فجوات متفاوت
وضحت هذه المعطيات أن ما يبدو، للوهلة الأولى، كتراجع في الفجوة بين متوسطات دخل الأسر العربية واليهودية لا ينعكس بصورة متساوية على جميع فئات الأسر العربية. فالتقليص الأبرز في الفجوة تحقق أساسا لدى الأسر ذات عدد الأفراد المرتفع، ولا سيّما الأسر المكونة من 6 أفراد فأكثر، والتي شكّلت نحو 22% من مجمل الأسر العربية عام 2023. وقد أسهم هذا التحسن في مستويات دخل هذه الفئة بجدية في تراجع الفجوة بين معدل الدخل العام للأسر العربية مقابل معدل دخل الأسر اليهودية، بالإضافة إلى تحسن أقل في بقية الأسر العربية.
فالأسر الصغيرة، ولا سيّما تلك المكونة من فرد واحد أو 3 أفراد، ما زالت تعاني فجوات دخل واسعة مقارنة بالأسر اليهودية المماثلة، بل إن الفجوة اتسعت في بعض هذه الفئات خلال العقد الأخير رغم ارتفاع عدد المعيلين وتحسن مستويات الدخل بصورة عامة. أما الأسر المكونة من فردين أو من 4 أفراد، أو 5 أفراد، فقد سجلت تحسنا ملموسا في مستويات الدخل مقارنة بالأسر اليهودية، إلا أن هذا التحسن لم يكن كافيا لإغلاق الفجوة القائمة، إذ بقي متوسط دخلها أقل بكثير من نظيره لدى الأسر اليهودية.
وفي المجمل، توضح هذه المعطيات أن الفجوات الاقتصادية بين الأسر العربية واليهودية ما زالت قائمة، وأن الخطط الاقتصادية الحكومية لم تنجح، حتى عام 2023، في إحداث تقليص جوهري في فروقات الدخل بين المجموعتين. صحيح أن الفرق في معدل دخل الأسر العربية مقارنة بالأسر اليهودية قد تراجع بعض الشيء، إلا أن هذا التحسن كان متفاوتا بين فئات الأسر المختلفة، وارتبط بدرجة كبيرة بتحولات ديمغرافية واجتماعية، مثل تقلص حجم الأسرة وارتفاع عدد المعيلين فيها، أكثر مما ارتبط بارتفاع مستويات الأجور أو بتحسن نوعي في مكانة العاملين العرب داخل سوق العمل.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه المقارنة تستند إلى معطيات عام 2023، أي قبل حرب الإبادة على غزة وما تبعها من حروب شنتها إسرائيل على لبنان وإيران. ومن المرجح أن تكون لهذه التطورات تداعيات اقتصادية كبيرة على الاقتصاد في إسرائيل وعلى الأسر العربية، سواء من خلال تأثيرها في سوق العمل، ومستويات الدخل، والإنفاق الحكومي، أو من خلال انعكاساتها على معدلات الفقر والبطالة. وعليه، فإن تقييم التطورات التي شهدتها الفجوات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة يظل مؤقتا، بانتظار صدور معطيات محدثة تعكس تأثير التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية التي أعقبت عام 2023.
اقرأ/ي أيضًا | الفقر في المجتمع العربي: الأعلى... رغم التحسّن المشروط