طفرة رقائق الذكاء الاصطناعي تعمّق الفجوة الاقتصادية في كوريا الجنوبية

امتدت آثار الطفرة إلى المدن المحيطة بمصانع الرقائق جنوب سيول، حيث ارتفعت مبيعات السلع الفاخرة والسيارات المستوردة، كما تسارعت أسعار الشقق السكنية في المناطق القريبة من منشآت تصنيع أشباه الموصلات...

طفرة رقائق الذكاء الاصطناعي تعمّق الفجوة الاقتصادية في كوريا الجنوبية

توضيحية (Getty)

تقود شركات تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي في كوريا الجنوبية موجة ازدهار مالي غير مسبوقة، مدفوعة بالأرباح القياسية لشركتي "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كي هاينكس"، لكن المكاسب المتسارعة فتحت نقاشًا واسعًا حول اتساع فجوة الدخل وآليات توزيع ثمار هذا النمو على المجتمع.

وتسيطر الشركتان على حصة كبيرة من سوق رقائق الذاكرة عالية النطاق (HBM) المستخدمة في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فيما يتوقع محللون أن ترتفع أرباحهما التشغيلية المجمعة بنحو سبعة أضعاف خلال العام الجاري، وهو ما دفع مؤشر "كوسبي" إلى مستويات قياسية.

وانعكس هذا الأداء على مكافآت العاملين في القطاع. ففي "سامسونغ إلكترونيكس"، قد يحصل موظف يعمل في قطاع رقائق الذاكرة ويتقاضى راتبًا أساسيًا يبلغ 80 مليون وون سنويًا على مكافآت تقترب من 600 مليون وون، معظمها على شكل أسهم. كما منحت "إس كي هاينكس" موظفيها مكافآت تعادل نحو 3000% من الراتب الشهري خلال العام الحالي، مع توقعات بزيادتها خلال العام المقبل إذا استمرت الأرباح في النمو.

وامتدت آثار الطفرة إلى المدن المحيطة بمصانع الرقائق جنوب سيول، حيث ارتفعت مبيعات السلع الفاخرة والسيارات المستوردة، كما تسارعت أسعار الشقق السكنية في المناطق القريبة من منشآت تصنيع أشباه الموصلات.

ولم تقتصر المكاسب على العاملين في القطاع، إذ حقق بعض المستثمرين الأفراد أرباحًا كبيرة من امتلاك أسهم شركات الرقائق. وقال المتقاعد براين لي إنه حقق عائدًا تجاوز 1264% على استثماره في أسهم "إس كي هاينكس"، بعدما اشترى كميات صغيرة منها قبل عدة سنوات.

في المقابل، يرى خبراء أن ازدهار القطاع استفاد لعقود من الدعم الحكومي والاستثمارات العامة، ما يثير تساؤلات بشأن ضرورة تقاسم عوائده مع المجتمع. وقال أستاذ إدارة الأعمال في جامعة سوغانغ، كيم يونغ جين، إن صناعة أشباه الموصلات قامت على سياسات صناعية واستثمارات حكومية طويلة الأمد، ما يستدعي التفكير في آليات تحقق منفعة أوسع للمجتمع.

وأثار مستشار السياسات الرئيسي للرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، جدلًا عندما طرح في مايو/أيار فكرة "توزيع أرباح للمواطنين" عبر توجيه الفوائض الضريبية الناتجة عن القطاع إلى استثمارات تعود بالنفع على الجميع، قبل أن تتراجع الرئاسة عن الفكرة بعد تعرضها لانتقادات من المعارضة.

كما امتد الجدل إلى داخل الشركات نفسها، إذ كاد أكبر اتحاد نقابي في "سامسونغ إلكترونيكس" ينفذ إضرابًا في مايو/أيار للمطالبة بحصة مضمونة من الأرباح، قبل التوصل إلى اتفاق في اللحظات الأخيرة، إلا أن تفاوت المكافآت بين موظفي قطاع الرقائق وبقية القطاعات أثار استياءً داخل الشركة.

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه كوريا الجنوبية تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية، تشمل ارتفاع معدلات فقر كبار السن، وزيادة تكاليف المعيشة والإسكان، وتراجع فرص العمل في قطاع التصنيع، إلى جانب إغلاق نحو مليون شركة صغيرة خلال عام 2025 واتساع الفجوة بين الأسر الأكثر والأقل دخلًا.

ويرى خبراء أن استمرار ازدهار قطاع الرقائق يتطلب التوصل إلى توافق حول آليات توزيع عوائده بين المستثمرين والعاملين والمجتمع، بما يضمن استدامة النمو ويحد من اتساع التفاوت الاقتصادي.