قفزت أسعار القمح العالمية إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، تحت ضغط متزامن من تصاعد الهجمات على موانئ ومنشآت الحبوب في البحر الأسود وتراجع توقعات المحاصيل في عدد من الدول المنتجة بسبب الجفاف وموجات الحر، ما يعيد المخاوف بشأن كلفة الغذاء إلى الواجهة.
وسجلت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو، التي تمثل أحد أبرز المؤشرات المرجعية للسوق العالمية، أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات يوم الجمعة، قبل أن تتراجع بنسبة 0.54% يوم الاثنين إلى 7.79 دولارات للبوشل بحلول الساعة 02:00 بتوقيت غرينتش.
وجاء الارتفاع بعدما كثفت روسيا وأوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة الهجمات على موانئ وسفن ومنشآت مرتبطة بتجارة الحبوب، ما أدى إلى تعطيل عمليات الشحن في ذروة موسم التصدير ورفع تكاليف نقل القمح من منطقة البحر الأسود.
وتكتسب هذه الاضطرابات أهمية خاصة بالنسبة إلى السوق العالمية، إذ تعد روسيا أكبر مصدر للقمح في العالم، فيما تحتل أوكرانيا موقعًا بارزًا بين الدول المنتجة والمصدرة للحبوب.
وأعلنت السلطات في منطقة روستوف الروسية حالة الطوارئ، الجمعة، بعد أن أدت عمليات إغلاق الموانئ واضطرابات الملاحة في بحر آزوف وحوض البحر الأسود إلى تراكم المنتجات الزراعية لدى المزارعين.
وفي الجانب الأوكراني، أثرت الهجمات الصاروخية الروسية في قدرة كييف على تصدير الحبوب، بينما حدت هجمات أوكرانية بطائرات مسيرة في بحر آزوف من الشحنات الروسية. كما أسهمت الهجمات على ميناءي نوفوروسيسك وتامان الروسيين في زيادة تكاليف النقل من موانئ البحر الأسود.
وبحسب وزارة البنية التحتية الأوكرانية، تعرضت البلاد خلال تموز/يوليو لـ35 هجومًا روسيًا على سفن داخل الموانئ، و22 هجومًا على سفن في البحر، إضافة إلى 67 هجومًا على منشآت مرفئية.
وتظهر هذه الأرقام ارتفاعًا حادًا مقارنة بعام 2025 بأكمله، الذي سجل 14 هجومًا فقط على السفن، وفق البيانات الواردة في المادة.
وقال وزير الزراعة الأوكراني إن الضربات الجوية الروسية الأخيرة دمرت نحو 90% من البنية اللوجستية الغذائية التابعة لتجار التجزئة، ما زاد صعوبة نقل المنتجات الزراعية ورفع المخاوف من تداعيات أوسع على الأمن الغذائي.
ويرى جو غلاوبر، الباحث الفخري في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، أن المشكلة الحالية لا ترتبط فقط بكمية القمح المنتجة، بل بكلفة نقله من مناطق الإنتاج إلى المشترين والأسواق.
وبحسب تقديره، لا يزال القمح متوفرًا بكميات كبيرة في روسيا وأوكرانيا، إلا أن تعطيل الشحن أو ارتفاع كلفته يدفع المشترين إلى دفع أسعار أعلى، ما يجعل القدرة على تحمل الكلفة قضية أكثر إلحاحًا من مجرد توافر الحبوب عالميًا.
وتبرز مصر بين الدول الأكثر تعرضًا لهذه التقلبات، باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، وتنفق عادة نحو 3 مليارات دولار سنويًا على وارداته. وخلال النصف الأول من 2026، حصلت على أكثر من 82% من إمداداتها من روسيا وأوكرانيا.
أما إندونيسيا، ثاني أكبر مستورد للقمح، فاشترت ما قيمته 361 مليون دولار من القمح الأوكراني و102 مليون دولار من روسيا خلال الفترة بين 2023 و2024، فيما تحصل عادة على ما بين 15% و20% من احتياجاتها من البلدين.
وقال مسؤول في رابطة مطاحن الدقيق الإندونيسية إن المخزونات الحالية تكفي لتغطية الاحتياجات الغذائية العاجلة، لكنها لا توفر فائضًا كبيرًا، ما يدفع المستوردين إلى البحث عن شحنات بديلة من دول، بينها بلغاريا وأستراليا ورومانيا والأرجنتين.
ولا تقتصر الضغوط على تداعيات الحرب، إذ يواجه الإنتاج العالمي للقمح عاملًا إضافيًا يتمثل في الجفاف والحرارة الشديدة في عدة مناطق زراعية رئيسية.
وفي جنوب أفريقيا، تهدد الحرارة ونقص الأمطار محصول منطقة سوارتلاند، التي تنتج نحو 20% من القمح في البلاد.
وفي الولايات المتحدة، تتوقع وزارة الزراعة أن يبلغ متوسط إنتاجية القمح 46.7 بوشلًا للفدان، بانخفاض قدره 8.2 بوشلًا عن متوسط العام الماضي البالغ 54.9 بوشلًا للفدان.
وإذا تحققت هذه التوقعات، ستكون إنتاجية القمح الأميركية الأدنى منذ 2015، وفق الوزارة.
كما تشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية إلى انخفاض إجمالي إمدادات القمح في الولايات المتحدة بنسبة 13% مقارنة بالعام السابق، في ظل تراجع المساحات المزروعة على المدى الطويل وتأثير الجفاف الواسع في إنتاج القمح الشتوي الأحمر الصلب في ولايات السهول الكبرى.
وفي كندا، سادس أكبر منتج للقمح في العالم، يُتوقع أن يبلغ الإنتاج في موسم 2026-2027 نحو 34.6 مليون طن متري، بانخفاض 13% عن الموسم السابق، نتيجة تقلص المساحات المزروعة وانخفاض متوسط الغلة.
وتواجه أوروبا بدورها آثار موجات حر امتدت خلال الأشهر الأخيرة. وتتوقع رابطة تجارة الحبوب الأوروبية "COCERAL" أن تؤدي الحرارة الشديدة إلى خفض محصول الحبوب في 2026 بنحو 9 ملايين طن، ليصل إلى 286 مليون طن.