المعادن الأرضية النادرة تجبر ترامب على خفض التصعيد قبل لقاء شي

يرى خبراء أن لهجة ترامب تجاه الصين تبدو أقل حدة قبيل لقائه شي جين بينغ، وسط اعتماد واشنطن على المعادن الأرضية النادرة التي تهيمن بكين على تعدينها ومعالجتها، ما يحدّ من هامش التصعيد الأميركي في الحرب التجارية والتكنولوجية.

المعادن الأرضية النادرة تجبر ترامب على خفض التصعيد قبل لقاء شي

توضيحية (Getty Images)

قال خبراء في الشؤون الصينية إن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انتهج لهجة أقل حدة من المعتاد قبيل اجتماعه المرتقب مع نظيره الصيني، شي جين بينغ، هذا الأسبوع، في ما يرونه دليلا على تنامي قوة بكين بفضل المعادن النادرة.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

إذ لم تلوح إدارة ترامب حتى الآن بفرض رسوم جمركية باهظة على الواردات الصينية، أو بحظر صادرات ​التكنولوجيا الأميركية، على عكس المواقف المتشددة التي سبقت القمم السابقة.

ويعزو الخبراء السبب إلى حد بعيد إلى سيطرة الصين شبه الكاملة على المعادن ‌الأرضية النادرة، وهي عنصر أساسي في صناعة التكنولوجيا والسيارات. ففي العام الماضي، قلصت بكين صادرات هذه المعادن ردا على الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، مما أحدث صدمة في الأسواق العالمية.

وقال الخبراء إن هذه الخطوة وضعت فعليا سقفا لقدرة واشنطن على تهديد بكين، مما عزز موقف الصين في الحرب التكنولوجية المستمرة بينها وبين الولايات المتحدة منذ سنوات.

وقالت المسؤولة التجارية الأميركية السابقة التي تعمل الآن في مركز "أبحاث ​الأمن الأميركي الجديد"، إميلي كيلكريس، "أصبحت الولايات المتحدة وإدارة ترامب في وضع مختلف تماما في التعامل مع الصين، إذ لم يعد بإمكانهما اللجوء إلى النهج المفرط في الإكراه (الاقتصادي) ​والمتجاوز للحدود، مع إدراكهما أنه سيتعين عليهما التراجع في بعض الأمور بسبب كل ما حدث الصيف الماضي وقيود تصدير المعادن الأرضية النادرة".

وتفيد بيانات شركة الاستشارات "أليكس بارتنرز" بأن الصين تسيطر على ما ​يصل إلى 70 بالمئة من عمليات تعدين المعادن الأرضية النادرة عالميا، و85 بالمئة من طاقة المعالجة، ونحو 90 بالمئة من إنتاج سبائك المعادن الأرضية النادرة والمواد المغناطيسية.

والمعادن الأرضية النادرة، مثل ​الإيتريوم والديسبروسيوم، ركيزة أساسية لصناعات إستراتيجية مثل السيارات، وإنتاج الرقائق الإلكترونية، ولشركات التعاقدات الدفاعية، مما يمثل نقطة اختناق حاسمة في سلاسل التوريد.

ومن المقرر أن يلتقي ترامب وشي في البيت الأبيض يوم الخميس، وأن يلي اللقاء عشاء رسمي يحضره كبار المسؤولين والرؤساء التنفيذيين.

واتخذت إدارة ترامب في الآونة الأخيرة بعض الإجراءات المناهضة للصين، لكن خبراء قالوا إنها لم تصل إلى مستوى التصعيد الذي اتسمت به تهديدات سابقة، فضلا عن الإعلان ​عنها قبل أشهر من القمة، تجنبا لاستفزاز بكين على الأرجح.

فعلى سبيل المثال، اتهمت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في حزيران/ يونيو شركتي (علي بابا) و(بي واي دي) وغيرهما بتقديم دعم للجيش الصيني. وفي ​تموز/ يوليو، هدد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، بفرض عقوبات على أي شركة صينية تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي تنسخ نماذج ذكاء اصطناعي أميركية.

وفي الشهر نفسه، حظرت الولايات المتحدة استيراد منتجات من 43 ‌شركة صينية ⁠بدعوى انتهاكات لحقوق الإنسان، وحظرت أيضا استيراد روبوتات ومحولات طاقة أجنبية جديدة في خطوة استهدفت الصين.

وقال بيتر هاريل، وهو مسؤول في البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق، جو بايدن، "إنهم يبقون الوضع تحت السيطرة بما يكفي لكي لا تتخذ الصين إجراءات انتقامية شديدة".

وأضاف أنه بعد "انفجار المعادن النادرة"، تشعر إدارة ترامب بأنها "عرضة للإكراه الصيني" وتسعى إلى "الاستقرار والوصول الآمن إلى المعادن الحرجة".

حرب تجارية وتكنولوجية

انخرطت الولايات المتحدة والصين في حرب تجارية وتكنولوجية منذ ولاية ترامب الأولى، إذ تصاعد التوتر في كثير من الأحيان قبل اجتماعات القمة ثم هدأ بعدها مباشرة.

وتجلى مثال ​مبكر على ذلك خلال اجتماع ترامب مع شي ​في أوساكا باليابان عام 2019، عندما ⁠تراجع ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على سلع صينية قيمتها 300 مليار دولار، وخفف قيود التصدير على شركة "هواوي" الصينية العملاقة للاتصالات بعد أن وافقت بكين على مشتريات من عدد غير محدد من السلع الزراعية الأميركية.

وفي اجتماع عُقد في بوسان الكورية الجنوبية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، خفض ترامب الرسوم الجمركية 10 بالمئة وألغى ضوابط التصدير على آلاف الشركات الصينية، عندما وافق شي على ​تعليق قيود تتعلق بالعناصر ⁠الأرضية النادرة واستئناف شراء فول الصويا الأميركي، مما دفع الجانبين إلى إعلان نجاح القمة.

إلا أن ترامب عاد إلى التهديدات التجارية الكبيرة قبل اجتماعه مع شي في بكين في أيار/ مايو الماضي، عندما قال إنه سيفرض رسوما جمركية جديدة تبلغ 50 بالمئة على الصين، وذلك في أعقاب تقرير أفاد بأن بكين كانت تخطط لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران.

وقد أشاد مشرعون جمهوريون مثل رئيس ​اللجنة المعنية بالصين بمجلس النواب الأميركي، جون ⁠مولينار، بالإجراءات التي اتخذتها واشنطن في الآونة الأخيرة قبيل الاجتماع، وقال "يدخل الرئيس ترامب القمة من موقع قوة".

لكن المؤسس المشارك لشركتي "كراود سترايك" و"مركز سيلفرادو بوليسي أكسيليريتور" للأبحاث الجيوسياسية ومقره واشنطن، دميتري ألبيروفيتش، توقع اتخاذ واشنطن إجراءات أقل حدة حتى تتمكن من تطوير إمدادات بديلة من ​المعادن الحرجة.

وقال في فعالية أقيمت الأسبوع الماضي بخصوص المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، إنه "منذ (اجتماع) بوسان العام الماضي، هناك هدنة هشة أعتقد أنها ستستمر".