بدأ الحذر من التوسع السريع في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمتد إلى وول ستريت، بعدما أرجأت شركات خططًا لطرح أسهمها للاكتتاب العام أو أبطأت إجراءاتها، وسط تساؤلات متزايدة بشأن التقييمات المرتفعة ومخاطر تنفيذ المشاريع الضخمة.
وكان يُتوقع أن تستحوذ شركات مراكز البيانات ومورّدو الطاقة والأراضي المرتبطة بها على حصة كبيرة من سوق الطروحات العامة خلال الأشهر المقبلة، مستفيدة من إقبال المستثمرين على قطاع الذكاء الاصطناعي. غير أن بعض المستثمرين بدأوا يشككون في توقعات النمو وفي قدرة الشركات على تنفيذ مشاريع تتطلب رؤوس أموال هائلة.
ومن أبرز الشركات المتأثرة "إس بي إنرجي"، التابعة لمجموعة "سوفت بنك" اليابانية، والتي تخطط لتطوير مشروع لمركز بيانات في ولاية أوهايو يوصف بأنه الأكبر من نوعه عالميًا.
وكانت الشركة تعتزم تنفيذ طرحها العام الأولي خلال أيلول/سبتمبر، إلا أن العملية تأخرت بعدما واجهت صعوبة في إقناع المستثمرين بالتقييم المستهدف، الذي يبلغ 50 مليار دولار أو أكثر، بحسب أشخاص مطلعين على عملية التسويق للطرح.
ويواجه المصرفيون، وفق المصادر، صعوبة في تأمين عدد كافٍ من المستثمرين الراغبين في شراء أسهم الشركة ضمن نطاقات الأسعار التي تستهدفها "إس بي إنرجي" ومستشاروها.
وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان شركة "هولتك نيوكلير"، العاملة في قطاع الطاقة النووية، تعليق خطط طرحها العام إلى أجل غير محدد، مشيرة إلى عوامل قالت إنها أضعفت ثقة المستثمرين بسوق الطروحات الجديدة، وفي مقدمتها الضبابية المحيطة بتطوير مراكز البيانات.
وتملك "هولتك نيوكلير" موقعًا رئيسيًا للطاقة النووية، كما تعمل على تطوير مفاعلات نووية صغيرة يمكن استخدامها لتزويد مراكز البيانات بالكهرباء. وكانت تخطط لبدء تداول أسهمها في بورصة "ناسداك"، مع استهداف جمع ما يصل إلى 900 مليون دولار عند تقييم قد يبلغ 10 مليارات دولار.
كما أبطأت شركة الطاقة "أغريكو" جدول طرحها العام، وفق أشخاص مطلعين على خططها. وتزود الشركة مراكز بيانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالطاقة، إلى جانب نشاطها في قطاعات أخرى، من بينها الفعاليات ومشاريع التعدين.
ولا ترتبط مراجعة "أغريكو" لجدولها الزمني بمخاوف قطاع مراكز البيانات وحده، إذ تلعب ارتفاعات أسعار الفائدة وحالة عدم اليقين الاقتصادي الأوسع دورًا أيضًا في قرار الشركة.
ويمثل هذا التباطؤ تحولًا لافتًا في قطاع استفاد خلال السنوات الأخيرة من اهتمام استثماري واسع بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتشغيله.
وتزامن ذلك مع تزايد الاعتراضات المحلية على مراكز البيانات في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة، خصوصًا بسبب استهلاكها الكبير للكهرباء ومساحات الأراضي، فضلًا عن المخاوف من آثارها على المجتمعات المحلية وأسعار الطاقة.
وأصبحت القضية أيضًا موضوعًا سياسيًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وسط معارضة لهذه المنشآت بين شرائح من ناخبي الحزبين، في وقت تتزايد فيه المخاوف العامة من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي.
واتخذت بعض الولايات إجراءات للحد من توسع مراكز البيانات، ما أضاف عقبات جديدة أمام شركات تسعى إلى جمع التمويل من الأسواق العامة.
ورغم هذا الحذر، لا تزال الحاجة إلى قدرات الحوسبة التي توفرها مراكز البيانات مرتفعة. وقدّرت مؤسسات، بينها "بيمكو"، أن بناء البنية التحتية اللازمة لطفرة الذكاء الاصطناعي قد يتطلب إنفاق أكثر من خمسة تريليونات دولار بحلول عام 2030.
ولا تزال بعض الطروحات المرتقبة تسير وفق خططها، بينها طرح شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، التي تعتمد على قدرات ضخمة من مراكز البيانات، والمتوقع أن تتجه إلى السوق خلال الخريف.
وبحسب مصرفيين ومحامين ومستثمرين، كان متوقعًا أن تمثل الشركات المرتبطة بمراكز البيانات نحو ثلث الطروحات الجديدة خلال ما تبقى من عام 2026.
وفي الأسواق العامة، تتركز الشركات المتخصصة بصورة أساسية في بناء مراكز البيانات في شركتي "إكوينكس" و"ديجيتال ريالتي تراست"، وقد تراجعت أسهمهما بنحو 1% إلى 2% خلال أيلول/سبتمبر.
وفي المقابل، تعهدت شركات التكنولوجيا الكبرى "ميتا" و"ألفابت" و"أمازون" و"مايكروسوفت" و"أوراكل" مجتمعة بإنفاق أكثر من تريليون دولار على خطط البنية التحتية الخاصة بها.
ويرى مستثمرون أن ضخامة مشاريع مراكز البيانات ستجعل اللجوء إلى أسواق الأسهم أمرًا ضروريًا لتمويل جزء كبير من أعمال التوسع، لكنهم يميزون بصورة متزايدة بين الشركات بحسب خبرتها التشغيلية وحجم اعتمادها على عدد محدود من العملاء ومدى تقدم مشاريعها.
وتتركز هذه المخاوف بصورة خاصة حول "إس بي إنرجي"، التي اتفقت على بناء وتملك وتشغيل مركز بيانات في أوهايو ستستأجره "أوبن إيه آي"، مع دعم من شركة "إنفيديا".
وكان الرئيس التنفيذي لـ"إنفيديا"، جنسن هوانغ، قد قال إن الشركة ستدعم التزامات الإيجار الخاصة بـ"أوبن إيه آي"، وقد تنفق في هذا الإطار ما يصل إلى 105 مليارات دولار.