القرار للوكلاء: كيف يمكن أن يهزّ الذكاء الاصطناعي النظام المالي العالمي؟

تسمح النماذج التوليدية للمحتالين بتوسيع عملياتهم إلى مستوى يصعب تحقيقه يدويًا. فيمكن إنشاء آلاف المحادثات المختلفة والمقنعة، وتقليد أصوات المديرين التنفيذيين أو المشاهير، وصناعة إعلانات أو اجتماعات مرئية تبدو احترافية، ثم تخصيص الرسائل لكل ضحية تقريبًا...

القرار للوكلاء: كيف يمكن أن يهزّ الذكاء الاصطناعي النظام المالي العالمي؟

توضيحية (Getty)

لم يعد السؤال بالنسبة إلى البنوك والهيئات الرقابية هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل النظام المالي، بل ماذا سيحدث عندما تصبح النماذج قادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ معاملات بسرعة تفوق قدرة البشر على المتابعة.

القطاع المالي يستخدم الذكاء الاصطناعي منذ سنوات في كشف الاحتيال وتقييم الائتمان وإدارة المحافظ والمخاطر، لكن الموجة الجديدة من النماذج التوليدية و"الوكلاء" المستقلين تنقل التقنية من دور المساعد إلى دور قد يشمل اتخاذ القرار والتنفيذ. وهنا يتحول الخطأ من إجابة غير دقيقة على شاشة إلى تحويل أموال أو بيع أصول أو تغيير مراكز استثمارية في أجزاء من الثانية.

أحدث جرس إنذار جاء في أيلول/سبتمبر 2026، عندما حذرت بنوك عالمية، بينها "نات ويست" و"بنك أوف أميركا" و"آي إن جي" و"كابيتال وان"، من أن وكلاء الذكاء الاصطناعي المستخدمين في التسوق والدفع يتطورون بوتيرة أسرع من قواعد حماية المستهلك، والقلق لا يتعلق فقط بأن يختار الروبوت سلعة غير مناسبة، بل بأن يتعامل مع بيانات مصرفية حساسة، أو يوجه المدفوعات إلى مسارات أقل أمانًا، أو يقع هو نفسه في فخ عملية احتيال.

ويزداد هذا الخطر مع وجود طلب فعلي على هذه الخدمات. فقد أظهر بحث لهيئة السلوك المالي البريطانية، نُشر في تموز/يوليو 2026، أن نحو خمس البالغين في بريطانيا، أي قرابة 11 مليون شخص، مرشحون لاستخدام ذكاء اصطناعي يستطيع التصرف بصورة مستقلة ضمن أهداف يحددها المستخدم.

هذا الانتقال إلى "الوكيل المالي" يخلق أيضًا مشكلة مسؤولية حسب خبراء. فإذا طلب عميل من مساعد ذكي خفض مصاريفه، ثم اتخذ المساعد قرارًا ماليًا أضر به، فمن يتحمل المسؤولية: المستخدم، أم البنك، أم الشركة المطورة للنموذج، أم الجهة التي زودته بالبيانات؟ وفي المدفوعات تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن البنى المالية التقليدية تحتاج إلى نتائج واضحة وقابلة للتتبع، بينما تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي على أساس احتمالي، وقد تتغير قراراتها بتغير السياق أو المعلومات المتاحة.

وحذر صندوق النقد الدولي في تقرير الاستقرار المالي العالمي لعام 2024 من أن انتشار التداول المدفوع بالذكاء الاصطناعي قد يجعل الأسواق أكثر كفاءة في الظروف العادية، لكنه قد يزيد أحجام التداول والتقلبات خلال أوقات الضغط.

وتشير بيانات الصندوق إلى أن حصة المحتوى المرتبط بالذكاء الاصطناعي في طلبات براءات الاختراع الخاصة بالتداول الخوارزمي ارتفعت من 19% عام 2017 إلى أكثر من 50% سنويًا منذ 2020.

المشكلة هنا ليست أن نموذجًا واحدًا سيتخذ قرارًا خاطئًا فحسب، بل أن عددًا كبيرًا من المؤسسات قد يستخدم نماذج متشابهة ومدربة على مجموعات بيانات متقاربة، حسب تقارير عديدة. فإذا فسرت تلك النماذج صدمة ما بالطريقة نفسها، يمكن أن تصل جميعها تقريبًا إلى القرار ذاته، وهو البيع. وعندها يصبح القرار الذي يبدو عقلانيًا بالنسبة إلى كل مؤسسة على حدة سببًا لحركة جماعية تضخم الهبوط، وربما بسرعة تسبق قدرة البشر أو الجهات المنظمة على التدخل.

وفي أيار/مايو 2026، نشر البنك المركزي الأوروبي نتائج تجارب محاكاة قارن فيها بين نوعين من الوكلاء المستقلين الذين يتصرفون كمستثمرين. وأظهرت خوارزميات "كيو ليرننغ"، وهي من أساليب التعلم المعزز المستخدمة في التداول الخوارزمي، درجة مرتفعة من التنسيق، لكنها كانت أكثر عرضة لديناميكيات شبيهة بالتهافت على استرداد الأموال من الصناديق.

واللافت أن جميع الوكلاء من هذا النوع اختاروا، في ظروف ضمن المحاكاة، الاسترداد حتى عندما كانت الأسس الاقتصادية قوية ولا تبرر الانسحاب. في المقابل، كان وكلاء النماذج اللغوية الكبيرة أقل ميلًا إلى هذا السلوك الجماعي عندما كانت الأسس قوية، إلا أن قراراتهم أصبحت أكثر تفاوتًا وصعوبة في التنبؤ في الحالات الاقتصادية الوسطية. أي أن نوع بنية الذكاء الاصطناعي نفسه قد يصبح متغيرًا في مستوى الاستقرار المالي.

وفي ورقة بحثية نشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة عام 2025، أظهرت تجارب باستخدام متداولين قائمين على التعلم المعزز أنهم استطاعوا الحفاظ بصورة ذاتية على أرباح تفوق المستوى التنافسي من دون اتفاق أو تواصل أو نية بشرية مباشرة للتواطؤ.

ولا تعني هذه النتيجة أن الأسواق تشهد حاليًا تواطؤًا آليًا واسع النطاق، لكنها تكشف تحديًا رقابيًا جديدًا. فقوانين المنافسة والتلاعب المالي صُممت أساسًا للتعامل مع بشر يتواصلون أو يتفقون أو ينسقون، بينما يمكن للخوارزميات الوصول إلى سلوك متقارب بمجرد مراقبة السوق والتعلم من ردود أفعال بعضها بعضًا.

أما الاحتيال، فهو المجال الذي انتقل فيه الخطر من المختبر إلى الخسائر الحقيقية بوضوح. فقد سجل مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي في 2025 نحو 22,364 شكوى تضمنت إشارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بخسائر تجاوزت 893 مليون دولار.

وبلغت الخسائر في شكاوى الاحتيال الاستثماري ذات الصلة المبلغ عنها بالذكاء الاصطناعي أكثر من 632 مليون دولار، فيما تجاوزت خسائر احتيال البريد الإلكتروني التجاري المرتبط به 30 مليون دولار.

وتسمح النماذج التوليدية للمحتالين بتوسيع عملياتهم إلى مستوى يصعب تحقيقه يدويًا. فيمكن إنشاء آلاف المحادثات المختلفة والمقنعة، وتقليد أصوات المديرين التنفيذيين أو المشاهير، وصناعة إعلانات أو اجتماعات مرئية تبدو احترافية، ثم تخصيص الرسائل لكل ضحية تقريبًا.

أحد أشهر الأمثلة وقع في هونغ كونغ عام 2024، حين انضم موظف إلى اجتماع مرئي ظن أن الحاضرين فيه المدير المالي وعدد من زملائه. كانت الوجوه والأصوات مزيفة بتقنيات "ديب فيك"، وانتهت العملية بتحويل أكثر من 25 مليون دولار إلى الوكلاء. وأظهرت الواقعة أن التحقق البصري والصوتي، الذي كان يمثل في السابق طبقة أمان مهمة، يمكن أن يتحول هو نفسه إلى أداة خداع.

الخطر الآخر، وربما الأكثر إلحاحًا حاليًا، هو الأمن السيبراني، إذ قال بنك إنجلترا في تقرير الاستقرار المالي الصادر في تموز/يوليو 2026 إن التطور السريع في قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة رفع المخاطر المرتبطة بالهجمات الإلكترونية والمرونة التشغيلية في القطاع المالي.

وأشار البنك إلى اختبارات أجراها معهد سلامة الذكاء الاصطناعي البريطاني على نماذج متقدمة، بينها "GPT-5.5" و"Mythos Preview" من "أنثروبيك"، أظهرت قفزة في القدرة على تنفيذ مهام هجومية متعددة المراحل داخل بيئات اختبار.

وفي أحد اختبارات الهندسة العكسية، أكمل "GPT-5.5" مهمة في 10 دقائق و22 ثانية، مقارنة بنحو 12 ساعة لخبير بشري. لكن بنك إنجلترا أكد في الوقت نفسه أن هذه التجارب لا تثبت أن النماذج الحالية قادرة بالفعل على شن هجمات مستقلة وموثوقة وغير مكتشفة ضد أنظمة حقيقية تتمتع بحماية قوية.