سيارات الإجرة والمصاعد أماكن للتلاقي الاجتماعي بلا تكلّف

سيارات الإجرة والمصاعد أماكن للتلاقي الاجتماعي بلا تكلّف

لكل امرئ فقّاعة يعيش في داخلها، فقّاعة كالتي رسمها الفنان الفرنسي جان ميشال فولون، وترمز إلى حيّز الخصوصية. وهي تكشف بعداً خفيّاً تحدّث عنه عالم الإناسة الأميركي إدوارد هال في كتابه «البعد الخفي» (1996). ويحاول فيه سبر أغوار العلاقات بين البشر من خلال استخدامهم المكان، كل بحسب ثقافته.

والفقّاعة إذا جمدت وعصت على التفاعل، أغرقت الإنسان في الوحدة، علماً أن الإنسان في تفاعله مع الآخرين لا يفقدها. ولعلّها تتغيّر شكلاً ومضموناً، مع مساحة المكان.

وقد وجد هال تعريفاً للأماكن (أو الفضاءات) العامة أو الخاصة التي تحيط بالأفراد، منها: المكان الحميم، وهي الفقّاعة المباشرة حول المرء، ودخولها متاح لأقرب الأصدقاء. أماكن اللقاء والتشاور، ويشعر فيها الناس بالراحة في التعاطي الاجتماعي الروتيني مع معارفهم أو مع الأغراب. الأماكن العامة، والعلاقات فيها تبقى مجهولة ومغفلة.

والتأثيرات الثقافية في تلك الفضاءات تتفاوت كثيراً. في الولايات المتحدة، مثلاً، يتبادل الناس أطراف الحديث على مسافة «اجتماعية» تتراوح بين 1,5 و2.5 متر، بينما تنخفض إلى النصف في أجزاء من أوروبا. ولذلك يجد الأميركي نفسه مضطراً إلى الابتعاد عن شريكه الأوروبي في الحديث، إذ يشعر بأنه أقرب مما اعتاد الأول عليه. وعلى أساس هذا التعريف راح هال يصف الأثاث والمباني والمدن، ولكل ثقافة تدخّلاتها في تنظيم تلك المساحات.

وأثّرت أعمال هال في علوم كثيرة، منها علم الإناسة والاتصالات والتواصل والجغرافيا... وتقترح نظريته في «المجاورة» أن الناس يحافظون على مسافة «شخصية» مع الآخرين، وفقاً للوضع الاجتماعي والخلفية الثقافية. وعلى سبيل المثال، يرى هال أن الغرباء الذين ينتظرون في محطة القطارات، يحاول كل منهم الحفاظ على فضاء شخصي يقدّر بنحو 45 سنتيمتراً.

والمساحة الدنيا بين أشخاص في مناطق كبيروت ومصر داخل سيارات الإجرة والمصاعد، تنطلق فيها أحاديث بين غرباء تماماً، من دون استئذان أو «نحنحة» أو إشارة إلى أن «الطقس جميل». أحاديث تصب في عمق مأساة أو معاناة، فيها الكثير من الخصوصية، وتتخلّلها أحياناً مواقف سياسية حادة تفضي إلى خلاف حاد لا يلبث أن يتبدد مع نزول «الطرف» عند مقصده، وأحياناً أخرى تنم تلك التفاعلات عن شعور بهمٍّ مشترك، تختفي مع وصول المتحدّث إلى طابقه في المستشفى، حيث يقبع مريضه. لكأن «فقاعات» الأفراد في تلك «الأماكن المتنقّلة» (بين الشوارع أو بين الطوابق) غير موجودة أصلاً.

أما في القطار الفرنسي فلم يجد الحديث طريقاً إلى أفواه الزملاء في الترحال، إلاّ بعد وقوع المصيبة.

"الحياة"

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019