في 21 حزيران/ يونيو 2023، اندلعت مواجهات عنيفة بين سكان هضبة الجولان العربي السوري المحتلة والشرطة الإسرائيلية، احتجاجا على مشروع لبناء عَنَفات "توربينات" هوائية على أراضيهم، سرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مناطق أخرى في الجليل، ما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى إعلان تأجيل مؤقت لأعمال البناء.
في المقابل، صعّد وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، لهجته معلنا أن "القانون لا يمكن أخذه عنوة"، مؤكدا أن المشروع سيستمر رغم الاعتراضات.
يستهدف المشروع مساحة تقارب 3800 دونم من الأراضي الزراعية، وكان في بدايته يشمل 52 مروحة، قبل أن تخفض الشركة العدد إلى 25 توربينة حصلت على تراخيص لإقامتها في المرحلة الأولى.
وبعد الاحتجاجات الواسعة، حاولت الشركة تسويق "تسوية" تقضي بإقامة 8 مراوح فقط في المناطق القريبة من خط وقف إطلاق النار، إلا أن الأهالي رفضوا المقترح رفضا قاطعا، معتبرين أن أي قبول جزئي يعني إقرارا بالمشروع الاستعماري بكامله.
إعادة السيطرة الإسرائيلية على الأرض والإنسان في الجولان
تقف وراء تنفيذ المشروع مجموعة "إنرجيكس"، وهي شركة إسرائيلية للطاقة المتجددة، تعمل في الولايات المتحدة الأميركية وبولندا وليتوانيا وإسرائيل. بلغت قيمتها السوقية في منتصف عام 2023 نحو 1.1 مليار دولار، وتعمل في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية والتوربينات الهوائية داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة.
وتجسد "إنرجيكس" نموذجا واضحا لما يمكن تسميته خصخصة الاستعمار الاستيطاني، إذ تتقاطع مصالحها الاقتصادية مع أهداف الدولة الاستيطانية.
المشروع الذي منحت الشركة امتياز تنفيذه، نحو 25 توربينة هوائية في الجولان، يتوقع أن يدر أرباحا سنوية تصل إلى 90 مليون شيكل، لكنه في الوقت ذاته يؤدي وظيفة سياسية وأمنية عميقة.
تساهم الشركة، بشكل غير مباشر، في مساعدة الدولة على تحقيق هدفين متكاملين: أولا، الاستحواذ على المزيد من الأراضي تحت غطاء مشاريع التنمية والطاقة النظيفة، وثانيا، التغلغل في المجتمع المحلي للسكان الأصلانيين، ومحاولة احتوائهم أو قمع مقاومتهم لفقدان أرضهم.
بهذا، يتحول مشروع الطاقة إلى أداة مزدوجة، اقتصادية في ظاهرها، واستعمارية استيطانية في جوهرها، تعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الأرض والإنسان في الجولان العربي السوري المحتل.
يعيش اليوم نحو 30 ألف مستوطن في الجولان، يقيمون 35 مستوطنة، ويسيطرون مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي على 96% من الأرض، إضافة لذلك هناك ما لا يقل عن 167 شركة استيطانية "غير قانونية" تعمل في الجولان.
يتميز الجولان المحتل بخصوصية نابعة من جغرافيته وعدد سكانه القليل، إذ لا يتجاوز 27 ألف نسمة موزعين على خمس قرى رئيسية: مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية، والغجر، إذ بلغ عدد سكان هذه القرى قبل حرب الأيام الستة 8322 نسمة.
تبلغ مساحة الجولان 1860 كيلومترا مربعا، احتلت إسرائيل خلال حرب حزيران/ يونيو 1967 الجزء الأكبر منها، أي نحو 1260 كيلومترا مربعا. ومنذ ذلك الحين، عمدت إلى تدمير المشهد الديمغرافي والعمراني، حيث هدمت 341 قرية وبلدة ومزرعة، وهجرت أكثر من 138 ألفا من سكانها إلى العمق السوري، ولم تبق سوى القرى الخمس في شمالي الجولان.
صراع طويل الأمد على الأرض والهوية
في حديث الناشط الاجتماعي والسياسي المزارع إميل مسعود، من قرية مسعدة في الجولان السوري المحتل، تتجلى ملامح صراع طويل الأمد على الأرض والهوية، إذ يرى أن مشروع المراوح الهوائية ليس سوى وجه جديد لسياسات السيطرة الإسرائيلية على أراضي الجولان، تحت غطاء "الطاقة النظيفة" والتنمية البيئية.
يؤكد مسعود أن مخطط المراوح ما زال قائماً، وإن بدا متجمداً مؤقتاً. ويقول لـ"عرب 48": "نعيش اليوم حالة هدوء ما قبل العاصفة، فالمؤسسة الإسرائيلية تحرك المشروع من وراء الكواليس، وتواصل دفع بدل الإيجارات لأصحاب الأراضي المستهدفة، ما يعني أن التنفيذ مسألة وقت فقط".
ويكشف مسعود أن الشركة المسؤولة عن المشروع بدأت تضغط على الحكومة الإسرائيلية بدعوى تكبدها خسائر مالية بسبب تأخر التنفيذ، بل طالبت بتعويضات، في محاولة لانتزاع الضوء الأخضر للبدء بأعمال البناء فوق أراضي القرى.
لكن خلف هذا المشهد الاقتصادي، يرى مسعود بعدا سياسيا واستيطانيا أعمق، إذ يربط مشروع المراوح بسياسة إسرائيلية متسارعة لـ"وضع اليد" على الأراضي العربية، سورية ولبنانية وفلسطينية، تحت ذرائع "المشاريع الوطنية" والبنى التحتية.
ويقول: "كل هذه المخططات هدفها واحد، السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وتجميع السكان العرب في أصغر مساحة. الخوف الحقيقي أن نفقد الأرض، ثم المسكن، ثم الهوية".
وأشار مسعود إلى أن الأضرار البيئية والصحية للمشروع تطال جميع سكان الجولان، وليس فقط أصحاب الأراضي الزراعية. فالمراوح العملاقة، بارتفاعاتها التي تصل إلى أكثر من مئة متر، ستحدث ضجيجا دائما وتلوثا بيئيا، وتحول الأراضي الخصبة إلى مناطق غير صالحة للعيش أو الزراعة.
كل مشروع يسوق كتنموي يخفي أطماعا استيطانية
يستحضر مسعود تاريخ العلاقة بين المؤسسة الإسرائيلية والمشاريع التي ترفع شعار "التنمية"، قائلا: "تجاربنا مع إسرائيل علمتنا أن كل مشروع يسوّق كتنموي يخفي أطماعا استيطانية. في النهاية، يحوّل أصحاب الأراضي إلى عمالة رخيصة في مشاريع لمصلحة المستوطنات."
يملك مسعود وعائلته 15 دونما زراعيا، كانت تزرع قديما بالحبوب والبقوليات، ثم تحولت إلى بساتين كرز ولوز وتفاح. ويقول إن هذه الأرض ليست مجرد مصدر دخل، بل رمز للانتماء والاستمرارية: "في الجولان، مهما كانت مهنة الشخص، يبقى مزارعا. الأرض هي هويتنا، ونحن نفلحها، حتى لو لم تحقق ربحا ماديا، لأن تركها يعني السماح لإسرائيل بمصادرتها بحجة عدم الاستعمال".
وبحسب القانون الإسرائيلي، يمكن وضع اليد على أي أرض لا تستعمل لفترة طويلة، ولهذا يصر السكان على فلاحتها بشكل دائم، كنوع من المقاومة الصامتة ضد المصادرة.
ويرى أن إسرائيل تستخدم مشروع المراوح ومخطط تسوية الأراضي معا كأداتين متكاملتين للسيطرة على الجولان. فمشروع التسوية الذي بدأ في قرية عين قنية، يهدف إلى إلزام الأهالي بتسجيل الأراضي في دائرة الطابو الإسرائيلية، ما يعني إضفاء طابع "قانوني" على السيطرة الإسرائيلية مستقبلاً.
دفاع عن الوجود العربي السوري في الجولان المحتل
يقول مسعود إن سكان الجولان يعيشون حالة من القلق والخوف الحقيقي من هذه المشاريع المتشابكة، التي تُدار عبر مؤسسات إسرائيلية مختلفة تتقاسم الأدوار، من الوزارات المدنية إلى الأجهزة الأمنية والقضائية، لتكريس السيطرة على الأرض.
وأضاف: "لا نثق بالمؤسسة الإسرائيلية ولا بقضائها. قرار المحكمة العليا بعودة أهالي إقرث وكفر برعم إلى أراضيهم بقي حبرا على ورق منذ عقود. وهذا ما سيحدث معنا إن صدقنا الوعود الإسرائيلية".
ويكشف أن السلطات الإسرائيلية استدعت العديد من الأهالي للتحقيق لدى الشرطة وجهاز الأمن العام "الشاباك" في محاولة لترهيبهم وثنيهم عن التصدي للمخطط، خاصة الجيل الشاب الذي تراهن عليه المؤسسة الإسرائيلية لإضعاف النضال الشعبي. لكنه يشدد على أن الأهالي مستعدون لمواجهة أي محاولة لتنفيذ المشروع.
ويؤكد: "نحن أصحاب الأرض، وسنواصل النضال بكل الوسائل لمنع هذا المخطط. مشروع المراوح ليس طاقة نظيفة، بل تهجير مقنّع، ونحن نخوض اليوم معركة بقاء ووجود هي الأخطر منذ احتلال الجولان".
وفي ختام حديثه، يؤكد المزارع مسعود أن الأرض بالنسبة للجولانيين هي الحياة نفسها، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن الوجود العربي السوري في الجولان المحتل: "لن نسمح بأن تتحول أرضنا إلى منطقة صناعية للمستعمر. نؤمن أن التنمية الحقيقية تأتي من أهل الأرض، لا من مشاريع استعمارية تفرض علينا باسم البيئة والطاقة".
الوضع القانوني للمشروع معقد ومليء بالثغرات
في استعراض لقراءة الناشط الاجتماعي والحقوقي في ملف مشروع المراوح الهوائية في الجولان السوري المحتل، المحامي كرامة أبو صالح، تتضح ملامح معركة مركبة يخوضها أهالي الجولان على أكثر من جبهة، جماهيرية، قانونية، وبيئية، ضد ما يصفونه بـ"وحش المراوح" الذي يهدد وجودهم في أرضهم وهويتهم المتجذرة فيها.
يقول أبو صالح لـ"عرب 48" إن "النضال ضد المشروع يسير في مسارين متوازيين، الأول شعبي وجماهيري، عبر الاحتجاجات والتصدي الميداني لمحاولات الشركة دخول الأراضي، والثاني قضائي، حيث يخوض الأهالي معركة قانونية منذ أكثر من عامين ونصف ضد الشركة الإسرائيلية إنرجيكس الموكلة بتنفيذ المشروع".
ويشير إلى أن الشركة حاولت، مؤخرا، استئناف أعمالها عبر تشغيل مقاولين عرب دروز من الجليل للدخول إلى الأراضي، لكنها اصطدمت بمقاومة أصحاب الأراضي الذين تصدوا لتلك المحاولات ومنعوها من البدء بالعمل. وعلى الرغم من أن الشركة لوّحت بالاقتحام ووجهت تهديدات مباشرة لأصحاب الأراضي، إلا أن صمود السكان وإصرارهم على الدفاع عن أرضهم أجبرها على التراجع مؤقتا.
ويضيف أبو صالح أن الوضع القانوني للمشروع معقد ومليء بالثغرات، إذ أن إجراءات الترخيص التي حصلت عليها الشركة "مشكوك في شرعيتها"، وتم الطعن فيها أمام المحاكم الإسرائيلية، بما في ذلك أمام المحكمة العليا، نظرا لتجاوزات واضحة في استصدار التراخيص وشق الطرق دون موافقة أصحاب الأراضي.
المراوح مشروع تهجير ناعم تحت لافتة الطاقة المتجددة
من الناحية التقنية، يوضح أبو صالح أن كل مروحة يتراوح ارتفاعها بين 80 و120 مترا، فيما تصل طول الشفرة الواحدة إلى 80 مترا، ما يجعلها أشبه بـ"برج ضخم يسبب ضجيجا دائما ومكاره بيئية وصحية"، قد تؤدي إلى أمراض مزمنة للسكان في القرى القريبة.
كما أن الشركة تسعى لتأجير الأراضي بعقود تمتد 25 عاما قابلة للتمديد، مقابل 40 ألف شيكل فقط للمروحة الواحدة سنويا، وهو ما يعتبره الأهالي شكلا من أشكال المصادرة غير المباشرة للأراضي.
ويشدد أبو صالح على أن الأراضي في الجولان ليست مجرد مصدر رزق، بل هي الامتداد الطبيعي للحياة الاجتماعية والثقافية للسكان. فهي "الحديقة الخلفية لكل منزل، والمتنفس الوحيد في ظل الاكتظاظ السكني"، كما يقول إن الأرض بالنسبة للجولانيين ليست ملكية عقارية فحسب، بل عنصر هوية وكرامة ووجود.
لهذا، فإن مشروع المراوح، بحسب وصفه، "يهدد بقطع شريان الحياة"، إذ سيحوّل الأراضي الزراعية إلى منطقة ملوثة ومحرمة بيئيا وصحيا بفعل الضجيج، والخرسانة، والمخلفات الصناعية. كما أن العقود التي تطرحها الشركة تلزم المزارعين بقيود صارمة تحد من دخول الأراضي المجاورة للمراوح، ما يعني عمليا خنق النشاط الزراعي والحياة الريفية برمتها.
ويختم المحامي أبو صالح بالقول إن إجماع أهالي الجولان واضح وصارم: "لن نسمح بمرور هذا المشروع، لا على أرضنا ولا فوق رؤوسنا. الأرض هي حياتنا، ومشروع المراوح هو مشروع تهجير ناعم تحت لافتة الطاقة المتجددة. سنواصل نضالنا بكل الوسائل حتى إسقاطه نهائيا".