ماذا تكشف الحملة العنصرية المصرية ضد النوبيين عن نظام السيسي

ماذا تكشف الحملة العنصرية المصرية ضد النوبيين عن نظام السيسي
أرشيفية

مع إعادة انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر، شن الإعلام الذي تسيطر عليه الدولة موجة تحريضية غير مسبوقة على أعضاء الأقلية النوبية، وعلى أبحاثي في هذا الموضوع. (ينحدر النوبيون من الحضارة الأفريقية القديمة، وهم سكان أصليون لكل من مصر والسودان) فقد ظهرت على الأقل ١٠ مقالات في نفس اليوم تتضمن ذات المحتوى، وهي في الغالب من تعليمات صادرة عن الوكالات الاستخباراتية. احتوت المقالات على صور وأسماء كاملة لمدافعين عن حقوق الإنسان والذين وصفوا بلغة مهينة بـ"عناصر نوبية"، بالرغم من كونهم مواطنين مصريين. حيث اتهموا بـ "تدويل" القضية النوبية وبالتالي تشويه سمعة السيسي. كباحث أميركي أجرى أبحاثه على المجتمع النوبي، تم ذكر اسمي في ستة مقالات على الأقل. وفي برنامج حواري يقدمه تامر عبد المنعم، وفي مقطع ادعى فيه الكشف عن "أسرار المتلاعبين"، وصف رحلة بحثية قمت بها إلى نصر النوبة، وهي قرية أُجبر النوبيون على الرحيل منها في عهد جمال عبد الناصر. ويبدو أنه تم استخدام اسم باحث أميركي كدليل على مؤامرة دولية.

تعبر هذه الحملة الإعلامية المدبرة عن استعداد النظام لاستخدام العنصرية ضد الأقلية النوبية المصرية من أجل تشويه سمعة المعارضة السلمية. كما تتضمن بعضا من رهاب الأجانب، أي في الهجوم على الأقلية النوبية عبر الإشارة إلى وجود أعضاء يتواصلون مع أجانب مثلي أنا.

عاش النوبيون في مصر منذ آلاف السنين. وفي القرن العشرين، تم ترحيلهم أربع مرات بسبب بناء السدود على طول نهر النيل. إن الترحيل القصري المندمج مع النزعة القومية وقمع لغتهم -حيث لا تدرس أي مدرسة أو جامعة في مصر اللغة النوبية- قد ساهم في تهميشهم.

بالنسبة للنوبيين الشباب الذين بلغوا الرشد في عهد الثورة، لم يعد تهميشهم أمرا مقبولا. ونجحوا في تحصيل تمثيل النوبيين في عملية صياغة الدستور الحالي الذي كُتب في عام 2014. وبسبب جهودهم، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديث، تم الاعتراف بمنطقة النوبة في الدستور. وبشكل أكثر تحديدا في المادة رقم 236، والتي تعطي النوبيين "حق العودة" لبعض الأراضي التي تم ترحيلهم عنها. والآن هم يطالبون بحقوقهم في الوجود في واقعهم، لا على الورق فحسب.

في شهر سبتمبر 2017، انطلق النوبيون في مظاهرة سلمية بالكامل، مطالبين بتطبيق المادة رقم 236 من الدستور. غنوا أغاني نوبية وعزفوا بأدوات موسيقية تقليدية بينما هم يسيرون على الكورنيش. تم وضع دبابات وعربات مدرعة لمواجهتهم، وتم اعتقال العشرات وتم سجنهم في منشأة تديرها القوات الأمنية المركزية المصرية سيئة السمعة. بقوا هناك لأكثر من شهرين حيث لم يصحلوا على سرير للنوم حتى. مات أحد المعتقلين، جمال سرور، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، بسبب وجود "إهمال طبي". حيث دخل في غيبوبة مرض السكري لأكثر من مرة. كان السرور الرئيس السابق للاتحاد النوبي العام في فرنسا، وهي مؤسسة شبيهة بالجمعية الوطنية للنهوض بالملونين NAACP. كان جمال سرور يُعرف بمطالبه السلمية وإحسانه. وبعد إعادة انتخاب السيسي، تم نشر أسماء وصور رؤساء الاتحاد النوبي العام في النمسا ومصر. بعد موت السرور، تم إطلاق سراح المعتقلين، ولكنهم لم يحصلوا على براءة. يتردد المعتقلون الـ 23 الباقين إلى محكمة أمن الدولة تحت قانون الطوارئ. طالت قضيتهم لثمانية أشهر وأصبحت قضية جدلية لدرجة تنحي أحد القضاة مؤخراعنها. تم وضع موعد المحاكمة الآخر في 20 أيار/ مايو. قد يكون الهدف من الحملة الإعلامية الحالية إثارة العداء نحو الأقلية النوبية وخلق جو مساعد لإصدار حكم قد يعيدهم مرةً أخرى إلى السجن.

كانت الهجمات ضد أعمالي عن النوبيين آخر المحاولات لتجريم البحث العلمي في ظل حكم نظام السيسي. لقد كنت في الجامعة الأميركية في القاهرة منذ أيلول/ سبتمبر 2008 وأنا الآن بروفيسور في علم الاجتماع. لقد نشرت العديد من المقالات حول حملة فرض النظام المستمرة على المجتمع المدني. لكن ما أشعل الحملة الإعلامية هي زياراتي إلى بعض القرى النوبية. دفع باحثون آخرون في مصر مبالغ طائلة لأبحاثهم. في عام 2015، تم الحكم على زميلي في الجامعة الأميركية في القاهرة، عماد شاهين، بالإعدام ضمن محاكمة هزلية. وقد اختفى جوليو ريجي، وهو طالب دكتوراه زائر في الجامعة الأميركية، في تاريخ 25 كانون الثاني/ يناير 2016، وبعد ذلك بأسبوع، وُجِدت جثته خارج القاهرة وهي تحمل آثار التعذيب. تقول النيابة العامة الإيطالية أن ريجي كان تحت المراقبة إلى أن اختفى وتم قتله بسبب بحثه المتعلق بالاتحادات العمالية المصرية، وبالرغم من ذلك لم يتم اتهام أحد بمقتله.

إن النوبيين هم مواطنون مصريون يُطالبون بالحقوق التي ضمنها الدستور المصري. إنهم ليسوا انفصاليين، وليسوا جزءا من مؤامرة أجنبية، ولا أنا أيضا. إن اللغة التحريضية المستخدمة من قبل إعلام الدولة ضد النوبيين هو شكل من التحريض العنصري الذي ينبغي أن يُدان. إن حقيقة انطلاق هذه الحملة مباشرةً بعد إعادة انتخاب السيسي هو مؤشر على أنه بالرغم من نسبة الفوز المزعومة المقدرة بـ 97% من الأصوات، إلى أن نظام السيسي في الواقع غير محل ثقة.