في أعقاب «الهجوم الإرهابي» الذي شنته حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي قتلت فيه نحو 1200 شخص واحتجزت 251 آخرين رهائن، بدأت إسرائيل حملة عسكرية «للنصر المُطلق» ضد «الحركة الإرهابية» التي كانت قد دعمتها في السابق من خلال تسهيل التمويل القطري لها من أجل إضعاف السلطة الفلسطينية وبالتالي تخفيف الضغط على إسرائيل للسماح بإنشاء دولة فلسطينية حقيقية. وقد أدت هذه الحملة منذ ذلك الحين إلى مقتل ما يزيد على 50 ألف شخص من سكان قطاع غزّة، أغلبهم من النساء والأطفال.
رأت إسرائيل خلال هجماتها أن من المناسب قطع إمدادات المياه والكهرباء والغذاء عن سكان قطاع غزّة، ودمرت الكثير من البنية التحتية المادية، وتركت سكانها يعانون مما وصفه الصليب الأحمر البريطاني بأنه «أزمة إنسانية يائسة». وكأن ذلك لم يكن كافيا، فبالإضافة إلى الحرب على القطاع، شنّ الجيش الإسرائيلي مؤخرًا هجمات متعددة في الضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وإيران، مع إمكانية قوية لشن هجوم أكبر بكثير على المنشآت النووية الإيرانية في وقت لاحق من هذا العام.
في الوقت نفسه، تحاول حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، التي تعاني من عدم الشعبية والفضائح، والتي تضم شخصًا عنصريًا بوضوح وكارهًا للمثليين ومؤيدًا منذ فترة طويلة للإرهاب اليهودي المعادي للعرب، تدمير الديمقراطية في البلاد من الداخل، حيث تعطي الأولوية للهجمات العسكرية على حياة الرهائن المتبقين في القطاع.
وقد أدّت الحرب إلى تفاقم الصراع الناشئ بين الدولة التي تتحول إليها إسرائيل وقيم أغلبية اليهود الأميركيين. ولكي نعبّر عن الأمر بمصطلحات مألوفة، فقد أصبحت إسرائيل ذات صبغة سياسية حمراء زاهية [يمين محافظ]، في حين يظل اليهود الأميركيون، وهم الوحيدون بين العرقيات التي يتم تصنيفها على أنها «بيضاء»، فخورين بتمسكهم بالصبغة الزرقاء العميقة [ليبراليون وديمقراطيون]. أفاد ثلثا الإسرائيليين الذين شملهم الاستطلاع بأنهم يفضلون دونالد ترامب على كامالا هاريس، بينما كان العكس تمامًا بين اليهود الأميركيين. (قالت لي داليا شيندلين، خبيرة استطلاعات الرأي والمحللة السياسية المقيمة في تل أبيب: «لا ينال ترامب هنا سوى الثناء»).
ورغم هذا، اختار زعماء المنظمات اليهودية الأميركية الكبيرة «التقليدية»، دون استثناء، الوقوف إلى جانب نتنياهو، والدفاع عن إسرائيل ضد كل المنتقدين، وتشويه سمعة أي شخص —وخاصة اليهود الآخرين— يعتقدون أنه يهددها باعتباره «معاديًا للسامية». ولكنهم في هذا يواجهون مشكلة ليس فقط معارضة آراء الغالبية العظمى من اليهود الأميركيين، بل وأيضًا الانضمام إلى رئيس أميركي وحركة سياسية تسعى إلى تدمير الركائز الديمقراطية والمؤسسات التعليمية التي ساعدت في جعل اليهود آمنين وناجحين في الولايات المتحدة، وهي حركة مليئة بالنازيين الجدد وكارهي اليهود من كل الأنواع.
والنتيجة النهائية هي أننا في المراحل الأولى من حرب أهلية يهودية لا مثيل لها منذ المعارك المبكرة حول الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. في جوهر الأمر، عرض ترامب والقوى التي تقف خلفه، أي المنظمات التقليدية، ووسائل الإعلام اليهودية اليمينية الجديدة الممولة جيدًا، والعالم الإنجيلي المسيحي الذي يدعم إسرائيل وبنيامين نتنياهو بشكل أعمى، على اليهود الأميركيين صفقة مع الشيطان: الانضمام إلينا ضد الجامعات المعادية للسامية ومثيري الشغب في الحرم الجامعي، وفي الوقت نفسه لا يجب أن تكترثوا بينما نقوم بتفكيك التقاليد والمؤسسات التي يقدرها اليهود والتي وفرت الأساس لكل ما تمكنوا من إنجازه كأميركيين. من يوافق على هذه الصفقة؟
معاداة السامية المؤيدة لإسرائيل لدى دونالد ترامب
ظهر دونالد ترامب في سبتمبر/أيلول 2024 في فعالية حول معاداة السامية برفقة ميريام أديلسون (Miriam Adelson)، المتبرعة الكبرى المؤيدة لإسرائيل، ووعد الحضور: «سأكون المدافع عنكم وحاميكم، وسأكون أفضل صديق يمكن أن يحظى به اليهود الأميركيون في البيت الأبيض على الإطلاق». على سبيل الصدمة: كانت هذه كذبة. إن معاداة ترامب للسامية ليست سرًا بالنسبة لأي شخص يهتم بالبحث. ونحن نعلم من رئيس أركانه السابق أنه يعتقد أن «هتلر فعل الكثير من الأشياء الجيدة». ونعلم أنه، وفقًا لزوجته السابقة إيڤانا، كان يحتفظ بكتاب لخطابات هتلر بجانب سريره. ولا يقل إثارة للقلق التعاطف الذي أبداه باستمرار تجاه النازيين الجدد المعاصرين. وكان هذا واضحًا للغاية عندما أشار إلى المتظاهرين في شارلوتسڤيل الذين هتفوا «لن يحل اليهود محلنا» باعتبارهم «أشخاص طيبين للغاية». ثم جاء العشاء رفيع المستوى الذي تناوله في مارالاغو مع منكر الهولوكوست نيك فوينتس ومغني الراب المحب لهتلر يي (كاني ويست سابقًا).
يستغل ترامب معاداة السامية علاوة على ذلك بوصفها سلاحًا سياسيًا. غرّد في عام 2016 على سبيل المثال بصورة تظهر هيلاري كلينتون في الخلفية مع أوراق نقدية من فئة مئة دولار إلى جانب نجمة داوود. وقد تضمنت حملته إعلانًا يستهدف المليارديرات «العولميين» غير الأوفياء لأميركا، وقد حمل الإعلان، بالمصادفة، وجوه ثلاثة يهود: جانيت يلين (Janet Yellen)، وجورج سوروس (George Soros)، ولويد بلانكفين (Lloyd Blankfein). وهو يتبنى أيضًا الرواية الكاذبة المعادية للسامية التي تقول إن الولاء الأساسي لليهود الأميركيين يكمن في إسرائيل وليس في بلدهم. «أي شخص يهودي يصوت للديمقراطيين يكره دينه... إنهم يكرهون كل شيء يتعلق بإسرائيل، ويجب أن يخجلوا من أنفسهم»، كما أعلن.
وما يثير الاستياء بنفس القدر هو ادعاء ترامب السخيف بأن زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر «لم يعد يهوديًا» وأصبح بدلًا من ذلك «فلسطينيًا». من خلال افتراض الحق في تحديد من هو يهودي شرعي ومن ليس كذلك، فإن ترامب يحاكي بطله فلاديمير بوتن، الذي يقول الشيء نفسه تقريبا عن فولوديمير زيلينسكي وغيره من «اليهود العرقيين»، وكذلك عمدة فيينا المعادي للسامية، كارل لويغر، الذي أكد في أواخر القرن التاسع عشر: «أنا أقرر من هو اليهودي»، وهو الادعاء الذي التقطه لاحقًا هيرمان غورينغ.
ولكن ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو حرص ترامب على إلقاء اللوم على اليهود عندما لا تسير الأمور في طريقه. وفي نفس الحدث الذي ذكرناه آنفًا، حذر أديلسون قائلًا: «إذا لم أفز في هذه الانتخابات... فإن الشعب اليهودي سيكون مسؤولًا إلى حد كبير عن الخسارة». لقد كان يعد أتباعه لهجوم تقليدي معادٍ للسامية على اليهود الليبراليين. وهذا ليس تهديدًا فارغًا، نظرًا لحقيقة أن ترامب يقود حركة لا يعارض أعضاؤها العنف السياسي، والتي تشمل النازيين الجدد الفعليين.
وينبغي أن تكون مثل هذه التهديدات بمثابة جرس إنذار بين اليهود. وبعد كل شيء، فإن الغالبية العظمى من الهجمات العنيفة على اليهود في الولايات المتحدة منذ ظهور ترامب على الساحة السياسية جاءت من اليمين. وتشمل هذه الجرائم جرائم قتل في كنيس يهودي في بيتسبرغ وباواي بولاية كاليفورنيا، وزرع عبوة ناسفة في منزل جورج سوروس. وكما هو الحال مع المتظاهرين النازيين الجدد في شارلوتسڤيل، فإن العديد من أنصار ترامب يشرحون نظرية «الاستبدال العظيم» العنصرية والمعادية للسامية والتي يبدو أنها تلهم هذه الهجمات.
وأخيرًا، هناك احتضان الإدارة لليمين المتطرف في أوروبا وأميركا اللاتينية. أخبرني الحاخام ريك جاكوبس (Rick Jacobs)، الذي يرأس اتحاد اليهودية الإصلاحية (Union for Reform Judaism)، «أن نرى نائب الرئيس في مؤتمر ميونيخ يقول إننا يجب أن نعطي استراحة لحزب البديل من أجل ألمانيا وألا نتحدث عن ماضيه النازي، لهو أمرٌ غير معقول أن تفكر فيه إدارة كهذه، ناهيك عن قوله». غُرِّم أحد قادة حزب البديل من أجل ألمانيا مرتين لاستخدامه المتكرر شعارًا نازيًا محظورًا في بلاده. (وليس من قبيل الصدفة أن خطاب جيه دي فانس في فبراير/شباط جاء بعد يوم واحد من زيارته إلى داكاو).
إن التناقض الواضح بين الولاء للحكومة الإسرائيلية والعداء لليهود في الشتات هو دليل على ظاهرة أطلقت عليها عالمة السياسة في جامعة ولاية جورجيا يلينا سوبوتيتش (Jelena Subotić) اسم «معاداة السامية المؤيدة لإسرائيل». ويمكن رؤية ذلك اليوم في الأحزاب الحاكمة في روسيا والمجر وبولندا، وفي أيديولوجيات حزب البديل لألمانيا والتجمع الوطني في فرنسا. وتشكل أحزابهم ما يطلق عليه في كثير من الأحيان «الأممية اللاليبرالية» وتجتذب الدعم من خلال الميمات (Memes) والموضوعات المعادية للسامية، وبالتالي تضع الأساس لإلقاء اللوم على اليهود عندما تسوء الأمور. لكنهم يدعمون إسرائيل لأنهم يقدرون نموذجها للدولة الوطنية العرقية، ولأنهم يحتقرون المسلمين أكثر مما يحتقرون اليهود.
وبالمناسبة، يمكن تطبيق كل هذه المخاوف على صديق ترامب المقرب، إيلون ماسك، وأكثر من ذلك. عندما اشترى أغنى رجل في العالم موقع X (الذي كان يُعرف سابقًا باسم تويتر)، فتحه عمدًا أمام ما وجده تقرير صادر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية من زيادة في خطاب الكراهية، بما في ذلك المحتوى المعادي للسامية والعنصري الأبيض. وكان الكثير من محتواه المعادي للسامية موضع تشجيع من ماسك نفسه. على سبيل المثال، عندما رد شخص يطلق على نفسه اسم «إريك» على إعلان عام حول معاداة السامية بقوله: «لقد كانت المجتمعات اليهودية […] تدفع بنفس النوع من الكراهية الجدلية ضد البيض والتي يزعمون أنهم يريدون من الناس التوقف عن استخدامها ضدهم»، ردّ ماسك، «لقد قلت الحقيقة بعينها».
عندما قرر ماسك في عام 2022 إعادة حساب ترامب إلى الموقع، شاركت رابطة مكافحة التشهير (Anti-Defamation League) في قيادة حملة لمقاطعة الإعلانات. (كان الرئيس التنفيذي للرابطة، جوناثان غرينبلات، في البداية من أشد المعجبين بشراء ماسك للموقع، واصفًا إياه بأنه «رجل أعمال مذهل ومبتكر استثنائي وهنري فورد عصرنا»، على ما يبدو غير مدرك أن فورد كان أحد أبرز المعادين للسامية في التاريخ الأميركي، لكنه سرعان ما أعاد النظر في قراره بعد رد فعل عنيف). في هذه الأثناء، لا تزال معاداة السامية السامة تتدفق بحرية على موقع X.
وبالطبع، كان هناك المشهد الصاعق لماسك، يوم التنصيب، وهو يرفع ذراعه في الهواء خلال حفل تنصيب ترامب، فيما كان كل شخص متعلم وذكي في العالم الغربي سيعتبره تحية نازية. (أنكر ماسك هذه التهمة بشدة). على الفور تقريبًا، مُنح ماسك بطاقة إعفاء من السجن من شخصين كان ينبغي، نظريًا على الأقل، أن يكونا آخر شخصين على وجه الأرض يقدمانها: رئيس وزراء إسرائيل ورئيس رابطة مكافحة التشهير. سارع نتنياهو إلى X ليعلن أن ماسك «صديق عظيم لإسرائيل» وأن «سمعته تتعرض للتشهير زورًا» من خلال هذه الاتهامات النازية. وليس أقل إثارة للدهشة أن رابطة مكافحة التشهير —التي يُعد رئيسها التنفيذي، غرينبلات (Jonathan Greenblatt)، كارثة وطامّة لكل طالب جامعي هتف «فلسطين حرة»— وصفت التحية، التي يعرفها موقع المجموعة على الإنترنت بأنها «إشارة اليد الأكثر شيوعًا للعنصريين البيض في العالم»، بأنها مجرد «حركة غريبة»، وقالت إن الرجل الذي أطلقها «يجب أن يُمنح فرصة الشك». وأشار الممثل اليهودي جوش مالينا (Josh Malina) إلى أنه استُفز ليقوم «بالإبلاغ عن رابطة مكافحة التشهير إلى رابطة مكافحة التشهير».
المجموعات القديمة ومشهد الإعلام الجديد
إن العالم السياسي لليهود الأميركيين كبير وفوضوي في آن واحد إلى درجة أنه قد يكون من الصعب حتى على المشاركين فيه أن يتصوروه بالكامل. في حين أن عدد اليهود لا يزيد على 2% من سكان الولايات المتحدة، هناك 54 منظمة تشكل ما يسمى بمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى (Conference of Presidents of Major Jewish Organizations)، فضلًا عن العديد من المجموعات خارج المؤتمر. يمكن تقسيم هذه المجموعات إلى ثلاثة تصنيفات تقريبًا. أولا، هناك المجموعات «التقليدية»، وهي الأكثر شهرة والأفضل تمويلًا، ولا شك أنها الأكثر نفوذًا. ومن العادل أن نقول إنهم يرون أنفسهم كمظهر معاصر للـ «شتادلانيم» (الشفعاء) التاريخيين، هؤلاء اليهود المعينين لتمثيل المجتمع بأكمله أمام أي قوى حاكمة سيطرت على المنطقة التي وجدوا أنفسهم فيها. ومن بين أشهر هذه المنظمات رابطة مكافحة التشهير، ولجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية أيباك (American Israel Public Affairs Committee)، واللجنة اليهودية الأميركية (American Jewish Committee)، ومكتب الرئيس التنفيذي لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى نفسه. اقتربت جميعها في السنوات الأخيرة، من الموقف التقليدي للاتحاد الأرثوذكسي (Orthodox Union) والذي يمثل فئة الناخبين اليهود الذين صوتوا بقوة لصالح ترامب ويمثل حوالي 10% من اليهود الأميركيين اليوم.
وتسعى مجموعة ثانية من المنظمات بدلًا من ذلك إلى التحدث باسم الأغلبية اليهودية التي تصوت باستمرار لصالح الديمقراطيين وتظل ملتزمة بالدفاع عن الديمقراطية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة. ويعملون بموارد أقل بكثير من المجموعات التقليدية، وهم يسيرون على حبل مشدود سياسيًا، ويوازنون بين التزاماتهم المتزامنة تجاه الصهيونية والأجندة الليبرالية اليهودية التقليدية، ويجدون أنفسهم باستمرار يدافعون عن أنفسهم ضد الهجمات من اليمين واليسار على حد سواء، وخاصة عندما تنطوي هذه الهجمات على محاولات من اليمين لتسليح معاداة السامية ومن اليسار لتجاهلها. وتشمل هذه المجموعات منظمة جيه ستريت (J Street) «المؤيدة للسلام والمؤيدة لإسرائيل»، ومركز العمل الديني لليهودية الإصلاحية، وترواه (T’ruah)، وهي مجموعة من الحاخامات والمرتلين الليبراليين، ومشروع نكسس (The Nexus Project)، وهي مجموعة مراقبة معاداة السامية، والسردية اليهودية الجديدة (New Jewish Narrative)، وهي نتاج اندماج بين الأميركيين من أجل السلام الآن (Americans for Peace Now) وأمينو (Ameinu)، وصندوق إسرائيل الجديد (New Israel Fund)، الذي يدعم المجتمع المدني والتعاون العربي الإسرائيلي في إسرائيل، وبيند ذا آرك (Bend the Arc)، وهي مجموعة مكرسة لمحاربة تفوق العرق الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية، والمجلس الديمقراطي اليهودي في أميركا (Jewish Democratic Council of America)، الذي يحشد اليهود لدعم المرشحين الديمقراطيين، والمجلس اليهودي للشؤون العامة (Jewish Council for Public Affairs) الذي نَشِطَ مؤخرًا، تحت قيادة إيمي سبيتالنيك (Amy Spitalnick). يمكننا أن نطلق على هذه المنظمات اسم «الجيل القادم» من المنظمات اليهودية.
في الفراغِ خلف كلتا المجموعتين يوجد أولئك الموجودون في أقصى اليمين واليسار. لقد ارتفع نفوذ اليمين المتطرف على نحوٍ صاروخي في الآونة الأخيرة، وذلك بسبب ما يسميه الدبلوماسي الأميركي السابق آرون ديفيد ميلر (Aaron David Miller) «الاندماج العقلي الغريب بين ترامب ونتنياهو في تقويض استقلال المحاكم ومحاربة «اليسار المتيقّظ» (Woke Left). تروج هذه المجموعات لضم إسرائيل لكل من الضفة الغربية وقطاع غزّة، وهي متحمسة لفكرة ترامب المجنونة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل يمكن أن تخلقا «نكبة» ثانية لتحويل قطاع غزّة إلى منتجع يشبه مارالاغو في الشرق الأوسط («رائع وشجاع»، كما وصفه مورتون كلاين من المنظمة الصهيونية الأميركية). وقد رسخت منظمة كناري ميشن (Canary Mission) التي تتلقى تمويلًا مجهولًا، والتي تتجسس على الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، ومنظمة بيتار (Betar)، التي تتخصص في التهديدات العنيفة ضد اليهود الذين لا تحبهم المجموعة، أرضًا أيديولوجية مماثلة. وبالتعاون مع موقع stopantisemitism.com، الذي يوجد تقريبًا لهذا الغرض حصريًا، فإنهم ينسبون الفضل إلى أنفسهم في الإبلاغ عن الطلاب وأعضاء هيئة التدريس المولودين في الخارج إلى إدارة الهجرة والجمارك الأميركية على أمل ترحيلهم.
وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي هناك مجموعات يهيمن عليها الشباب وتميل إلى الاحتجاج مثل الصوت اليهودي من أجل السلام (Jewish Voice for Peace)، وإذا ليس الآن، فمتى؟ (IfNotNow)، واليهود من أجل العدالة العرقية والاقتصادية (Jews for Racial and Economic Justice). وتحظى هذه المجموعات بشعبية كبيرة في المدن الجامعية وعدد قليل من المدن حيث يتجمع الشباب اليهود، وتصر على أن التزامها بالقيم اليهودية والتعاليم الدينية هو أساس سياساتها المعادية لإسرائيل. وقد زادت عضويتهم في السنوات الأخيرة إلى الحد الذي جعل منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام تدعي بشكل موثوق أنها أكبر منظمة يهودية تقدمية مناهضة للصهيونية في العالم. ومن المرجح أن يكون پيتر بينارت (Peter Beinart)، وهو يهودي ملتزم ورئيس تحرير سابق لهذه المجلة في أيامها الصهيونية المهووسة، هو الأكثر بلاغة في شرح وجهة النظر هذه، والذي يطلق على نفسه الآن لقب «الصهيوني الثقافي» ويدعم إنشاء دولة واحدة ثنائية القومية فيما يعرف اليوم بإسرائيل والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة. وإجابة على سؤال الحد الذي يتمتعون فيه بأي نفوذ في واشنطن، فإن نفوذهم يقتصر على أعضاء «الفرقة» الذين يشكلون الجناح الأيسر للحزب الديمقراطي.
تتمتع المجموعات التقليدية بميزتين هائلتين على منافسيها. السبب الأول هو أن السياسيين الجمهوريين سعداء بالسير في خطوات موحدة لصالح مطالب الحكومة الإسرائيلية. وبحسب استطلاع رأي أجراه معهد غالوب مؤخرًا، فإن 83% من الجمهوريين المسجلين يقولون إن لديهم رأيًا إيجابيًا بشأن إسرائيل. وبينما يظل معظم أعضاء الكونغرس الديمقراطيين ملتزمين بدعم إسرائيل، فإن نسبة الديمقراطيين الذين شملهم استطلاع غالوب والذين لديهم وجهة نظر إيجابية تجاه إسرائيل انخفضت إلى 33% فقط. وأعرب 59% عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، و21% فقط مع الإسرائيليين.
ثانيًا، وهو أمر لا يقل أهمية نظرًا لكوننا في أميركا، هو قوة المال. تتمتع رابطة مكافحة التشهير وحدها بأصول تبلغ قيمتها نحو 250 مليون دولار (وقد أطلقت مؤخرًا ما وصفته بأنه «أول صندوق استثماري على الإطلاق للمناصرة اليهودية»). مع توقيت رهيب ومضحك، كانت شركة تيسلا التابعة لإيلون ماسك من بين أفضل توصياتها، حيث انخفض سهمها، حتى كتابة هذه السطور، بأكثر من 40% على مدار العام. كما يلعب التحالف اليهودي الجمهوري (The Republican Jewish Coalition)، الذي ينفذ ما يطلق عليه المحترفون السياسيون «الانتخابات التمهيدية لأديلسون»، والتي تبلغ قيمتها عشرات أو حتى مئات الملايين للمرشح المناسب، أيضًا في هذا الفريق. (ساهمت ميريام أديلسون وحدها بأكثر من 148 مليون دولار لترامب والجمهوريين في عام 2024). على النقيض من ذلك، تمتعت منظمة جيه ستريت، وهي الأكثر تمويلًا من بين مجموعات الجيل القادم ذات التوجه السياسي، بأصول تبلغ قيمتها حوالي 4.45 مليون دولار، مع 4.6 مليون دولار أخرى في «صندوق التعليم»، وفقًا لأحدث ملفاتها.
إن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، التي تعتبر بمثابة الأقوى بين المنظمات التقليدية في السياسة اليهودية، تتمتع بالنفوذ لأسباب عديدة إلى جانب المال: فهي تجنّد المرشحين للكونغرس وتساعد في توفير الموظفين لمكاتبهم إذا فازوا، وتكتب التشريعات وتنظم الرحلات السياحية وتلطخ سمعة أولئك الذين لا يتفقون معها. إن قوة ونفوذ أيباك خلقا أجواء في الكونغرس حيث لم يكن على موظفيها حتى أن يتصرفوا من أجل الحصول على ما تريد، لأنها كانت تتمتع بما أطلق عليه ويليام كواندت (William Quandt)، الخبير في شؤون الشرق الأوسط ومستشار البيت الأبيض السابق الذي عمل على اتفاقيات كامب ديفيد، «قانون رد الفعل المتوقع»، والذي بموجبه تُرفض بعض الخيارات السياسية «في كثير من الأحيان بسبب توقع رد فعل سلبي» من أيباك وحلفائها.
وفي الآونة الأخيرة، دخلت أيباك على نحوٍ مباشر في معركة المال، بعد عقود من التظاهر بخلاف ذلك، من خلال لجنة عمل سياسية خاصة بها: لجنة متخصصة في جمع الأموال من الجمهوريين الأثرياء وتوجيهها إلى الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لضمان فوز المرشح «الأكثر تأييدًا لإسرائيل» في السباق. وسجلت في عامي 2022 و2024 أرقامًا قياسية غير مسبوقة في مساهماتها الأولية، ولكن من المفارقات أن إعلاناتها نادرًا ما ذكرت إسرائيل. يتفاخر موقع أيباك على الإنترنت بأن المجموعة أنفقت 70 مليون دولار للمساعدة في هزيمة 24 مرشحًا لم يكن دعمهم لإسرائيل كافيًا لتلبية معاييرها الصارمة. ونتيجة لهذا، وكما أوضح مات داس (Matt Duss)، المستشار الأعلى السابق للسياسة الخارجية لبرني ساندرز، فإن «أيباك تخيف أعضاء الكونغرس بشدة». إذا صوتّ ضد إسرائيل أو حتى تحدثت عنها بصورة انتقادية مفرطة في منصة عامّة، كما أوضح داس، فإن «أيباك سوف تسقطك»، ولديها «عدد لا يحصى من الوسائل تحت تصرفها». في حين تقوم منظمة جيه ستريت بجمع الأموال لصالح مرشحين أكثر تقدمية، وإن لم يكن ذلك بقدر ما تقوم به أيباك، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على حماية أولئك الذين يتعرضون للهجوم تحت مظلتها «المؤيدة للسلام والمؤيدة لإسرائيل».
أدت هجمات رابطة مكافحة التشهير المتواصلة في الآونة الأخيرة على منتقدي إسرائيل إلى خلق تصور بين المطلعين على بواطن الأمور بأنها تفوقت على أيباك لتصبح العضو الأكثر نفوذًا في مؤتمر الرؤساء. بعد أن ارتبط اسمها بنضالات الحقوق المدنية والنضال من أجل الحفاظ على فصل الدين عن الدولة، تراجعت تقريبًا كل جهودها، باستثناء تلك المتعلقة بمهاجمة منتقدي إسرائيل أينما ظهروا. (يصرّ غرينبلات على أن «معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية، نقطة على السطر»). في الماضي، كانت مهمة أيباك هي اقتلاع كل من يعارض إسرائيل في أي مكان في البيروقراطية الرئاسية. ولكن في شهر مارس/آذار 2025، عندما شعرت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية في إدارة ترامب، بأنها مضطرة إلى حرمان الناقد لإسرائيل دانيال ديفيس (Daniel Davis) من منصب مهم كان من شأنه أن يجعله مسؤولًا عن إدارة الإحاطات الإعلامية للرئيس، أشادت صحيفة نيويورك تايمز في تقريرها عن القتال الداخلي الذي تقوم بهِ رابطة مكافحة التشهير، التي وصفت التعيين بأنه «خطير للغاية». (كان ديفيس قد وصف الدعم الأميركي لحرب إسرائيل على قطاع غزّة بأنه «وصمة عار على شخصيتنا كأمة»).
ورغم أن اختلال التوازن في القوة داخل جماعات الضغط اليهودية هائل، فإنه أعظم داخل وسائل الإعلام اليهودية. ويهيمن هنا اليمين أيضًا. وقال بن رودس (Ben Rhodes)، نائب مستشار الأمن القومي للرئيس أوباما، إن ما رآه «أمرًا مذهلًا» خلال فترة وجوده في البيت الأبيض هو «أن ما يُحرّك الرأي العام بشأن السياسة الخارجية يأتي بالكامل تقريبًا من اليمين». لقد استثمر المليارديرات والملايين من اليهود اليمينيين مبالغ ضخمة في المواقع الإلكترونية والرسائل الإلكترونية اليومية والمجلات السياسية. قد يستنفد سرد عناوين هذه المواقع مساحة كبيرة، ولكن من بين أهمها موقع Jewish Insider، الذي يعمل كطبل قبلي لليهود اليمينيين، وغالبًا ما يوجه ضرباته إلى نفس الأهداف التي توجهها صحيفة نيويورك بوست المملوكة لروبرت مردوخ ولكن بعمق أكبر وألعاب نارية أقل. يستخدم بريت ستيفنز (Bret Stephens) عموده في صحيفة نيويورك تايمز للدفاع عن كل ما تفعله إسرائيل، كما أنه محظوظ بامتلاك مجلة سياسية يهودية خاصة به، تدعى ساپير (Sapir)، والتي تمولها مؤسسة ذات أموال مظلمة تسمى صندوق موسى بن ميمون، والتي ترفض الكشف عن هوية مانحيها. إنها حالة مثيرة للدهشة بالنسبة لصحيفة تسعى إلى تجنب حتى «مظهر تضارب المصالح». ومن الواضح أن صحيفة فري برس (The Free Press) التي أسّستها باري فايس (Bari Weiss)، التلميذة السابقة لستيفنز، تدعم إسرائيل بكل قوتها. أما تابلت (Tablet)، فهي منفذ يمينيّ آخر ممول على نحوٍ جيد للغاية ويروج بصورةٍ متكررة لنظريات المؤامرة على غرار ترامب والهجمات الشخصية على هؤلاء اليهود الذين يقاومونها. الشيء نفسه ينطبق على صحيفة The Algemeiner، وهي صحيفة نيويوركية يقرأها على نطاق واسع اليهود الحسيديون.
المزيد: بدأت ميريام وشيلدون أديلسون خدمة إخبارية خاصة بهما خصيصًا لهذا الغرض، وأطلقوا عليها اسم نقابة الأخبار اليهودية (Jewish News Syndicate)، ويقوم بتحريرها مدون مجلة كومينتاري (Commentary) السابق جوناثان توبين (Jonathan S. Tobin). وتنشر مجلة المراجعة اليهودية للكتب (Jewish Review of Books) انتقادات شفافة للكُتّاب ذوي التوجهات السلمية حول القضايا المتعلقة بإسرائيل إلى جانب التحقيقات الفكرية المحترمة (مثل هذه المجلة في الأيام التي كان فيها مارتن بيريتز مالكًا ورئيس تحرير). وهي تتنافس في هذه الفئة مع مجلة موزاييك (Mosaic) اليمينية التي تصدرها مؤسسة تيكفا (Tikvah) اليمينية المتطرفة. لقد ضاعفت مجلة كومينتاري التي حررها جون بودوريتز (John Podhoretz)، من حقدها السام الموجه نحو أي شخص وكل شيء لا يلتزم بالخط الإسرائيلي اليميني المتطرف على غرار والده، نورمان بودوريتز (Norman Podhoretz)، وإن كان ذلك بقدر أقل من الحماسة مقارنة بعهد والده. على سبيل المثال، من بين سلسلة تغريداته التي أعقبت فوز الفيلم الإسرائيلي/الفلسطيني لا أرض أخرى (No Other Land) بجائزة الأوسكار هذا العام في فئة أفضل فيلم وثائقي، كانت هذه التغريدة: «تهانينا لحماس على فوزها بجائزة الأوسكار. والآن دعونا نراهم مدمرين»، إلى جانب «اذهبوا إلى الجحيم أيتها القذارة الهوليوودية المعادية للسامية والمعادية لإسرائيل».
وتحتل صحيفة فوروارد (The Forward) والنسخة الإنجليزية من صحيفة هآرتس الإسرائيلية منطقة الوسط في وسائل الإعلام اليهودية. كلاهما يميلان إلى اليسار من الناحية التحريرية ولكنهما منفتحان على جميع وجهات النظر (غير النازية) تقريبًا في أقسام الرأي الخاصة بهما. إن وكالة الأنباء اليهودية (The Jewish Telegraphic Agency)، التي كانت بمثابة نظير لوكالة أسوشيتد برس منذ عام 1917، هي أيضًا وكالة موثوقة من الناحية الصحفية ومنفتحة على جميع الأطراف. ينتمي اليسار المتطرف في وسائل الإعلام اليهودية إلى مجلة التيارات اليهودية (Jewish Currents)، حيث ينشر باينارت على نحوٍ متكرر. ورغم أنه يمكن الاعتماد عليها في تقديم صحافة متطورة وموثقة جيدًا، فإن آراءها —مثل آراء المنشورات الأخرى المناهضة للصهيونية— تعتبر متطرفة للغاية بحيث لا تؤثر على السياسة السائدة. لقد صُدمت أنا على الأقل عندما لم يتمكن محررو الصحيفة حتى من إقناع أنفسهم بإدانة الهجمات المروعة التي وقعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
كولومبيا: نقطة الصفر للرد العنيف
في عالم السياسة اليهودي اليوم، هناك كلمة واحدة من المرجح أن تهيمن على أي محادثة تقريبًا: «معاداة السامية». يمكننا جميعًا أن نتفق على أن تعبيرات الكراهية لليهود يجب مقاومتها كلّما أمكن ذلك وإدانتها كلما كان ذلك ضروريًا، كما هو الحال مع جميع أشكال الجهل والتحيز. المشكلة مع معاداة السامية هي أننا نفتقر إلى أي تفاهم متفق عليه حول كيفية تعريفها، ناهيك عن كيفية مكافحتها بنجاح.
ويعتمد معظم أعضاء وسائل الإعلام السائدة، وبالتالي العديد من الأشخاص الذين يستهلكون منتجاتها، على رابطة مكافحة التشهير لإخبارهم بما يجري في هذا المجال، حيث يُفهم أنها بمثابة المرجعية لهذا الإرث العريق. لكن إحصائيات رابطة مكافحة التشهير لا يُوثق بها بسبب أيديولوجيتها. تُعرّف المجموعة تقريبًا على سبيل المثال كل مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في أي حرم جامعي بما في ذلك تلك التي يشارك فيها اليهود بصورة كبيرة على أنها معادية للسامية (تزعم رابطة مكافحة التشهير أنها في عام 2024 رصدت أكثر من 5000 احتجاج مناهض لإسرائيل، وحددت محتوى معاديًا للسامية في نصفها تقريبًا). وأشارت جودي رودورين (Jodi Rudoren)، التي كانت حتى وقت قريب محررة صحيفة فوروارد، إلى أن رابطة مكافحة التشهير تُرسل كل يوم تقريبًا من أيام الأسبوع رسالة بريد إلكتروني «مُرهقة ومُربكة» للتنبيه حول أزمة الحرم الجامعي إلى حوالي 200 ألف مشترك (تتضمن رمزًا تعبيريًا لصفارة إنذار حمراء). تتمتع هذه الرسائل بأعلى «معدل فتح»، وفقًا لرابطة مكافحة التشهير، من بين جميع رسائل البريد الإلكتروني المتدفقة باستمرار. لقد هدأت الصراعات في الحرم الجامعي في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ولكن رسائل البريد الإلكتروني الطارئة التي ترسلها رابطة مكافحة التشهير لم تهدأ بعد.
ومهما كان تعريف معاداة السامية أو لم يكن، فمن الواضح أنها لا تتجلى في كل مظاهرة طلابية من أجل حقوق الفلسطينيين. وكما قال لي الحاخام الجليل حاييم سيدلر فيلر (Chaim Seidler-Feller)، الذي قضى أربعة عقود مديرًا تنفيذيًا لمركز إسحاق رابين هيلل للحياة اليهودية (Yitzhak Rabin Hillel Center for Jewish Life) في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس: «إحدى التعريفات قضية سياسية تتعلق بسياسة إسرائيل، والأخرى تتعلق بكراهية اليهود».
ويؤكد عدد كبير من الطلاب المتظاهرين أنهم يهود ويصرّون على أن التزاماتهم الدينية هي التي تدفعهم إلى الاحتجاج على معاملة إسرائيل للفلسطينيين. على سبيل المثال، في العام الماضي، أقام المشاركون في المعسكر في جامعة كولومبيا «سيدر تضامني». هل هم معادون للسامية؟ يمكننا أن نتفق أيضًا على أن هناك الكثير من الأسباب التي تدفعنا إلى الاعتراض على تصرفات إسرائيل في قطاع غزّة، واحتلالاتها العسكرية المتعددة، ومعاملتها للفلسطينيين داخل حدودها وخارجها، من دون أن نكره أيضًا، على سبيل المثال، الناس المتواجدين على الإنترنت عند أكشاك بيع السلمون المدخن في مطعمي زابار وبارني غرين غراس. إن العدد المتزايد من الحاخامات المناهضين للصهيونية، وخاصة الطلاب الحاخاميين، يقدم دليلًا إضافيًا على كذب هذه المعادلة البسيطة.
في حين أن شعبية إسرائيل لا تزال بعيدة عن المستويات القياسية بين المسيحيين المحافظين، فإنها تتراجع بسرعة بين اليهود الأميركيين. يبدو الأمر كما لو أن مجموعة من الأميركيين وقعت في حب إسرائيل بينما تفكر مجموعة أخرى في الطلاق. في استطلاع رأي صدم الكثير من الناس في عام 2021، وافق 34% من اليهود الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع على أن «معاملة إسرائيل للفلسطينيين تشبه العنصرية في الولايات المتحدة»، ووافق 38% من الذين تقل أعمارهم عن 40 عامًا على أن «إسرائيل دولة فصل عنصري». ومن المرجح أن تكون هذه الأعداد قد زادت خلال السنوات الأربع الماضية. في استطلاع للرأي أجراه مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية في مايو/أيار 2024، أيّد أكثر من نصف اليهود الأميركيين حجب بعض الأسلحة عن إسرائيل، ووافق ثلثهم على أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، ومرة أخرى، هذه أرقام من المرجح أن تكون قد نمت بمرور الوقت.
وكما يتبين من اختيار مايك هاكابي ليكون سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، فإن المسيحيين اليمينيين هم الذين يقودون الانحياز الحالي عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وإدارة ترامب. في حين حظي «مشروع إستر» التابع لمؤسسة التراث باهتمام أقل بكثير من «مشروع 2025»، فإنه يبدو أنه ليس أقل دقة في التنبؤ بخطة الهجوم التي تنتهجها إدارة ترامب. إن مؤلفيها المسيحيين المحافظين يعيشون في عالم حيث تُموَّل ما يسمى «شبكة دعم حماس» من قبل المليارديرات الليبراليين، وخاصة اليهود منهم مثل سوروس. وبحسب عرض تقديمي مرفق بالتقرير حصلت عليه صحيفة فوروارد، فإن الخطوة الأولى الضرورية لإنقاذ البشرية من هذا المصير كانت تحديد «أعضاء الشبكة الأجانب المعرضين للترحيل» ونشر قوات إنفاذ القانون «لتوليد ظروف غير مريحة» للمواطنين الأميركيين المتورطين في الأمر على نحو مماثل. واقترح العرض التقديمي تصنيف مجموعات ومنظمات معينة باعتبارها «كيانات داعمة للإرهاب»، وذلك للسماح لعملاء دائرة الهجرة والجمارك باعتقال المتظاهرين المؤيدين لفلسطين المولودين في الخارج والسعي إلى ترحيلهم من الحرم الجامعي. لقد بدأ ترامب في تنفيذ مشروع إستر على الفور تقريبًا عندما أصدر في 29 يناير/كانون الثاني أمرًا تنفيذيًا وعد فيه بترحيل غير المواطنين الذين انضموا إلى «الاحتجاجات المؤيدة للجهاديين» وإلغاء تأشيرات الطلاب لجميع المتعاطفين مع حماس. وقد رافق الأمر هتافات من معظم المجموعات اليهودية التقليدية.
لقد اختارت إدارة ترامب جامعة كولومبيا لبدء هجومها على مؤسسات التعليم العالي في أميركا، ومن وجهة نظر سياسية بحتة، كان هذا الأمر منطقيًا. لقد كانت كولومبيا بمثابة نقطة الصفر للاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين والمخيمات والاضطرابات والمضايقات والاستيلاء على المباني وتدمير الممتلكات وفي نهاية المطاف الاعتقالات الجماعية. وعندما استدعى ممثلو الحزب الجمهوري الباحثين عن الشهرة، والممولون اليهود الأثرياء، والمنظمات اليهودية العريقة مينوش شفيق، رئيسة الجامعة، آنذاك إلى السجادة الحمراء، هاجمت شفيق أعضاء هيئة التدريس في جامعتها أمام الكونغرس، وضغطت على أستاذ بارز مؤيد للفلسطينيين للتقاعد قبل أن تستقيل هي نفسها (إلى جانب رؤساء جامعات هارفارد، وكورنيل، وجامعة بنسلفانيا). علاوة على ذلك، فهي الجامعة التي تضم أكبر عدد من اليهود في رابطة جامعات النخبة (رابطة اللبلاب)، ما يقرب من 23 في المئة من طلابها الجامعيين، وتقع في مدينة حيث يعتبر 12 في المئة من المواطنين أنفسهم يهودًا، مما يجعلها في المرتبة الثانية بعد تل أبيب كأكبر مدينة يهودية في العالم (نيويورك).
أقدمت دائرة الهجرة والجمارك الأميركية في شهر مارس/آذار على عملية اعتقال مروع للمتظاهر المؤيد للفلسطينيين، وطالب الدراسات العليا، وحامل البطاقة الخضراء محمود خليل (في سكن جامعة كولومبيا، أمام زوجته المواطنة الأميركية الحامل آنذاك، والتي تعرضت للتهديد أيضًا). وقد يتم ترحيله. وفي الشهر نفسه، هدد ترامب جامعة كولومبيا بسحب 400 مليون دولار من أموال الأبحاث الفيدرالية. وقد رحب غرينبلات من رابطة مكافحة التشهير بالاعتقال والهجوم على الجامعة نفسها.
ولم يكن هناك نقص في الأصوات البارزة من الجيل القادم التي وقفت في وجه الهجوم. ومن بين أكثر هؤلاء بلاغة كان سبيتالنيك من المجلس اليهودي للشؤون العامة. وأوضح أن «إدارة ترامب تدعي إعطاء الأولوية لمحاربة معاداة السامية، لكنها في الواقع اتخذت خطوات متكررة لتجريد الأدوات التي نحتاجها لحماية الطلاب اليهود». في الواقع، أغلقت إدارة ترامب سبعة من المكاتب الإقليمية الاثني عشر التابعة لمكتب الحقوق المدنية التابع لوزارة التعليم، والذي يتعامل فعليًا مع الشكاوى المتعلقة بمعاداة السامية في جامعاتنا. لقد هدد بطبيعة الحال بإنهاء عمل القسم بأكمله. واتهم سبيتالنيك الإدارة «باستغلال المخاوف المشروعة لمجتمعنا بشأن معاداة السامية في الحرم الجامعي لتقويض الإجراءات القانونية الواجبة والحريات المدنية وسيادة القانون» والسعي إلى «إثارة المجتمع اليهودي ضد المؤسسات التعليمية القوية والديمقراطية الشاملة التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بتقدم مجتمعنا وحقوقه وسلامته».
وكما ذكر الصحفي اليهودي رون كامبياس (Ron Kampeas) مؤخرًا، اندلعت مواجهة مؤخرًا بين المجموعات التقليدية ومجموعات الجيل القادم. بدأ الأمر عندما بادر سبيتالنيك والمجلس اليهودي للشؤون العامة إلى كتابة رسالة وقَّع عليها في النهاية زعماء عشر منظمات، بما في ذلك زعماء الطوائف الثلاث غير الأرثوذكسية، وجاء فيها: «استخدمت الإجراءات الفيدرالية المتصاعدة غطاء مكافحة معاداة السامية لتبرير تجريد الطلاب من حقوق الإجراءات القانونية الواجبة عندما يواجهون الاعتقال و/أو الترحيل، فضلًا عن تهديد مليارات الدولارات في تمويل البحث الأكاديمي والتعليم». وقد رفض الموقعون بشكل قاطع «أي سياسات أو إجراءات» تهدف إلى استغلال القلق اليهودي بشأن معاداة السامية «لتقويض المعايير والحقوق الديمقراطية، بما في ذلك سيادة القانون، والحق في الإجراءات القانونية الواجبة، و/أو حريات التعبير والصحافة والاحتجاج السلمي».
وحث إريك فينغرهات (Eric Fingerhut)، عضو الكونغرس السابق الذي يرأس الاتحادات اليهودية في أميركا الشمالية (Jewish Federations of North America)، وهي منظمة شاملة تضم أصولًا تبلغ قيمتها نحو 300 مليون دولار و146 مجموعة عضو، أعضاءه على رفض رسالة المجلس اليهودي للشؤون العامة. يزعم، بطريقة ما، أن مَن تستهدفهم دائرة الهجرة والجمارك «تلقوا الإجراءات القانونية الواجبة، وكان معهم ممثلًا عنهم مستشار قانوني قادر». (قدم فينغرهات في وقت سابق لمسؤولي إدارة ترامب منصة للترويج لحملتهم القمعية في الحرم الجامعي).
لم يُحسم من هو الفائز النهائي في هذه المعركة، لكن يبدو أن فريق الجيل القادم هو الذي فاز حتى الآن. حتى غرينبلات شعر بأنه مضطر إلى التراجع. وفي أعقاب البيان الاحتفالي الذي أصدرته رابطة مكافحة التشهير في أعقاب اعتقال محمود خليل، قال غرينبلات إن اعتقاله «يشكل رادعًا للآخرين الذين قد يفكرون في انتهاك القانون في الحرم الجامعي أو في أي مكان». وفي وقت لاحق، يبدو أن غرينبلات شهد اكتشافًا في مجال الحريات المدنية: «إذا ضحينا بحرياتنا الدستورية في سبيل تحقيق الأمن، فإننا نقوض الأساس الحقيقي للمجتمع المتنوع والتعددي الذي نسعى إلى الدفاع عنه». ولم يمض وقت طويل حتى حذت اللجنة اليهودية الأميركية حذوه، حيث نددت متأخرا بـ «التهديد العميق لبقاء الجامعات الأميركية الرائدة» الذي مثلته تصرفات ترامب، ولكن دون إعادة النظر في دعمها لاعتقال خليل من قبل إدارة الهجرة والجمارك.
كل الطرق تؤدي إلى… المقاومة
خلال فترة كتابتي وبحثي لهذا المقال، أتيحت لي الفرصة للتحدث إلى العشرات من الزعماء اليهود الليبراليين والعلماء البارزين في التاريخ اليهودي الأميركي. ومن بين هؤلاء، كان الفارق الوحيد الذي استطعت تمييزه في وجهات نظرهم هو درجة قلقهم —أو ربما تكون الكلمة الأفضل في كثير من الحالات «ذعرهم» — بشأن ما يشكل التهديد الأكبر لليهود الأميركيين: هجوم ترامب على الجامعات ومعاملته غير الدستورية على ما يبدو للمحتجين المؤيدين للفلسطينيين باسم مكافحة «معاداة السامية»، أو التهديدات لبقاء الديمقراطية الأميركية المتأصلة في هذه الإجراءات.
ولكن كلا منهما يرتبط بمشكلة تحوّل إسرائيل إلى دولة يظل الملايين من اليهود الأميركيين الليبراليين ملتزمين بها عاطفيًا بشكل عميق، ولكن حكومتها تنتهك باستمرار أعمق قيمهم الراسخة. إن هذه التحديات مجتمعة تشكل بالنسبة لليهود الأميركيين ما وصفه رئيس منظمة جيه ستريت جيريمي بن عامي (Jeremy Ben-Ami) بالسؤال الأساسي: «ماذا يعني أن تكون يهوديًا في الولايات المتحدة في منتصف القرن الحادي والعشرين؟» الصراع الذي وصفه «يتعلق جزئيًا بترامب، ولكنه يتعلق أيضًا بإسرائيل وحول من يحق له تحديد معنى أن تكون يهوديًا في الولايات المتحدة». من ناحية أخرى، هناك «الولاء للهيمنة»، وهي رؤية يهودية خصوصية «قبلية وقومية وإقليمية». ومن ناحية أخرى هناك «القيم الليبرالية العالمية» التي حددت تاريخيًا سياسات وثقافة الحياة اليهودية الأميركية (غير الأرثوذكسية).
إن مشكلة إسرائيل معقدة بما فيه الكفاية. وكما أوضحت الحاخامة جيل جاكوبس (Jill Jacobs)، وهي صهيونية تقدمية فصيحة ترأس منظمة ترواه (التي كانت تعرف في السابق باسم حاخامات من أجل حقوق الإنسان): «اليهودية ليست مجرد دين، بل هي أيضا شعب، وهي رابط ومسؤولية تجاه اليهود الآخرين. ونصف اليهود في العالم يعيشون في دولة إسرائيل. نحن لسنا في مقهى في فيينا». وتوقع بن عامي أنه «إذا عادت إسرائيل إلى المركز وقامت بتطبيع العلاقات مع الدول المجاورة مع المساعدة في ظهور دولة فلسطين المستقرة والقابلة للحياة، فإنني أستطيع أن أرى إعادة اتصال طويلة الأمد بين المجتمع اليهودي ودولة إسرائيل، حتى بالنسبة لأولئك اليهود الأصغر سنًا الذين يشعرون اليوم بالبعد عنها». ومن المؤسف أن مجرد الإشارة إلى مثل هذا التحول في أي وقت قريب ستكون ضئيلة للغاية، إن وُجدت على الإطلاق. ولكن من المرجح أن يستمر احتضان إسرائيل اللاليبرالية والفساد، ونفس الازدراء العام لما أسماه توماس جيفرسون «الرأي الجيد للبشرية» الذي نراه في دونالد ترامب.
والواقع أن ترامب هو الذي يساعد في إزالة أي حدود كان نتنياهو وشركاؤه يحترمونها حتى وقت قريب. وكما لاحظ أحد المعلقين في صحيفة نيويورك تايمز مؤخرًا، فإن نتيجة استبدال أميركا لجو بايدن بدونالد ترامب هي «رئيس وزراء غير مقيد، مع عدد أقل من الحواجز التي تقيد أفعاله في غزة ولبنان وسوريا». وهذا صحيح على المستوى المحلي أيضًا. من المرجح أن ينجح نتنياهو في عهد ترامب في حملته لتدمير المؤسسات الديمقراطية الهشة في إسرائيل. (كما رُفع القيد عن المستوطنين الخارجين عن القانون في الضفة الغربية، الذين صعّدوا، بدعم من الجيش الإسرائيلي، حملتهم الإرهابية المصممة لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم وتمهيد الطريق للضم الإسرائيلي النهائي للمنطقة).
وفقًا لبينارت، سيحتاج اليهود الأميركيون الشباب خارج هذه المؤسسات الراسخة إلى إنشاء مؤسسات يهودية مستقلة عما يسميه «عبادة إسرائيل» أو الاندماج كليًا في الحياة الأميركية العلمانية. (ومن الجدير بالذكر أن استطلاعًا حديثًا أجرته مؤسسة غالوب أظهر أن ربع الأميركيين الذين نشأوا يهودًا لم يعودوا يُعرّفون أنفسهم يهودًا). ومثل بينارت، يتطلع الباحث المؤثر الحاخام شاؤول ماجد (Shaul Magid) إلى أن يُنشئ اليهود الشباب «شكلًا جديدًا من الشتات، مستوحى من الماضي القريب، ولكنه يتمتع بأصالته الخاصة»، شكلًا «عالمي الطموح» بدلًا من الاعتماد على الصهيونية بالطريقة التي عملت بها الهوية اليهودية الأميركية لنحو نصف القرن الذي أعقب حرب الأيام الستة عام 1967. ويتطلع ماجد إلى هذه التغييرات لأن «اليهود الإسرائيليين لا يهتمون حقًا بالشتات الأميركي إلا إذا دعموهم. إنها علاقة تعاقدية. وها هم يرون كيف تجري التضحية باليهود الأميركيين من خلال تحويلهم إلى أسلحة لمعاداة السامية وذلك لخدمة الأجندة الأميركية اليمينية المحافظة، ولا يقولون شيئًا لأنهم في الواقع يدعمون ذلك لأن ذلك يدعم أجندتهم. ويرى الشباب اليهود في أميركا ذلك ويردّون منذ البداية: «فليذهبوا إلى الجحيم!».
ولكي نكون منصفين، هناك آلاف عديدة من اليهود الإسرائيليين الذين ما زالوا ملتزمين بإيجاد حل سلمي وعادل للقضية الفلسطينية. وعدد قليل منهم أيضًا من اليهود الأرثوذكس. كنت حاضرًا في شهر مارس/آذار 2025 في اجتماع حضره عدد كبير للغاية من اليهود المتدينين الأميركيين والإسرائيليين الملتزمين بالسلام في كنيس بني جيشورون على الجانب الغربي العلوي من مانهاتن، والذي نظمته منظمة سمول إيموني (Smol Emuni)، وهي منظمة من اليهود المتدينين تسعى إلى تحقيق السلام مع الفلسطينيين وإنهاء الحرب في قطاع غزّة. ولكن عندما يتعلق الأمر بالانتخابات وصنع السياسات الإسرائيلية الفعلية تجاه الفلسطينيين، وخاصة فيما يتصل بالحرب في قطاع غزّة، فإن هذه السياسات، للأسف، غير مرئية تقريبًا.
إن هؤلاء اليهود مثل جيل جاكوبس، الذين يظلون ملتزمين بإيمان عميق بـ «الشعب اليهودي» واتصاله العميق الضمني باليهود الإسرائيليين، يشعرون بالقلق إزاء تأثير القيادة السياسية الإسرائيلية الحالية التي تدفع الشباب اليهود بعيدًا عن دينهم وتاريخهم، كما أنها تُلهِم في الوقت نفسه معاداة السامية من جانب أولئك الذين يلقون باللوم في أفعال إسرائيل على اليهود عمومًا. وفي كثير من النواحي، فإن الظاهرة الأخيرة هي بالضبط المشكلة التي يواجهها الطلاب اليهود في الحرم الجامعي، حيث يسيطر المتظاهرون المؤيدون للفلسطينيين على الشعبية، وقد أساءوا في بعض الأحيان لفظيا إلى اليهود الذين يفترضون ببساطة أنهم يدعمون إسرائيل. والآن، مع الإجراءات القاسية المناهضة للديمقراطية التي تُتخذ في العديد من الجامعات، تخشى جاكوبس من أنه إذا أصبح هذا الموقف واسع الانتشار، فسوف يؤدي إلى تصور أوسع نطاقًا بأن «القوة اليهودية» هي سبب كل المشاكل. وسوف يبدأ الأمر باتهام «اليهود هم الذين يقفون وراء سحب التمويل من الجامعات» ثم يتحول إلى هجمات أسوأ بكثير. وفي حديثه من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، قال لي الحاخام سيدلر فيلر (Seidler-Feller): «لقد سمعت بالفعل الاستياء ضد اليهود بناءً على هذه الادعاءات بالتحديد».
لكن الأزمة الأكثر إلحاحا هي تلك التي حددها سبيتالنيك في وقت سابق. إن ترامب، بدعم أو موافقة المجموعات التقليدية، والدعم المتحمس من البنية التحتية الإعلامية اليهودية اليمينية الجديدة، يعرض على اليهود الأميركيين الصفقة التالية: سوف يحصلون على فوز قصير الأجل في إغلاق حركة احتجاجية تركز على إسرائيل والتي تسبب لهم الإرباك، طالما أنهم على استعداد لغض الطرف عن التدمير المتعمد للمؤسسات التعليمية والديمقراطية التي سمحت لهم بأن يصبحوا السكان اليهود الأكثر أمانًا والأكثر نجاحًا اقتصاديًا في أي مكان، وفي أي وقت، وعلى الإطلاق.
والحقيقة أن الأزمتين تتطلبان الاستجابة نفسها تمامًا. وباعتباره رئيس اتحاد اليهودية الإصلاحية، أكبر مجموعة منظمة لليهود في الولايات المتحدة، أصر الحاخام ريك جاكوبس على أنه «من خلال حماية اليهود من معاداة السامية، سنكتشف أنه لا يوجد سفينة نوح تسمح لليهود الأميركيين بالبقاء على قيد الحياة في مواجهة الطوفان الناتج عن الظلم والكراهية». وقال إن الحقوق والمؤسسات المدنية التي سمحت لليهود بالازدهار في الولايات المتحدة «أصبحت في خطر بسبب بداية الانزلاق نحو الاستبداد الذي نشهده في أميركا وإسرائيل». ويشارك جاكوبس القلق مع آخرين من أن «ترامب والدعم المتحمس من اليمين المسيحي يدعمان إسرائيل على مسار من شأنه أن يعزلها إلى الأبد عن غالبية اليهود الأميركيين، وخاصة أولئك الذين نشأوا خلال أهوال حربها على قطاع غزّة». أصدر مشروع نكسس مؤخرًا تقريرًا بعنوان «مكافحة معاداة السامية وحماية الديمقراطية: إستراتيجية لعصر ترامب». وينصح مؤسس المجموعة، جوناثان جاكوبي (Jonathan Jacoby)، الزعماء والحاخامات اليهود بإبلاغ أنصار ترامب: «لا يمكنكم استغلال خوفنا لأغراضكم الشريرة. لن نسمح لكم بتدمير ديمقراطيتنا باسمنا. لن نسمح لكم بتعريض مجتمعنا، ومجتمعات المجموعات المحرومة والأقليات الأخرى، وفي نهاية المطاف، جميع الأميركيين، للخطر باسمنا».
وبغض النظر عما يحمله المستقبل لليهود الأميركيين، أصر ديفيد مايرز (David Myers)، أستاذ التاريخ اليهودي الموقر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، على أنه مهما كانت معتقدات المرء بشأن معاداة السامية، «فالقضية المطروحة أكبر بكثير. حيث يُستغل اليهود، باسم معاداة السامية، كأدوات في معركة أكبر ذات أخطار أعلى بكثير. يريد ترامب وجماعته إسقاط الجامعة باعتبارها معقلًا للقيم الليبرالية التي تشكل عقبة أمام إصلاحهم للنظام السياسي الأميركي. إن هدفهم الأكبر هو نسخة من الاستبداد في القرن الحادي والعشرين حيث لا يوجد قانون عسكري أو جنود في كل زاوية شارع»، ولكنها مع ذلك تخنق المؤسسات التي تشكل شريان الحياة لأي ديمقراطية. واستشهد مايرز بتحذيرات الفيلسوفة اليهودية حنة أرندت بشأن أخطار التحالف العمودي بين اليهود والدولة، وقال: «يبدو أن هذه لحظة أخرى يجب على اليهود فيها أن يفكروا بجدية في مزايا الانضمام إلى نظام تتمثل قيمه في المناهضة للحقوق والمناهضة للإجراءات القانونية الواجبة، والمناهضة لحكم القانون، والمناهضة للجامعة، والتي تعد قيم مناقضة تمامًا لتلك القيم التي وفرت لهم أنجح وجود في الشتات في تاريخهم».
** المقال مُترجم عن موقع "نيو ريببلك" ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع عرب٤٨.
إحالات:
(1) ارتفع الرقم الآن إلى أكثر من 60 ألف شهيد، أي أكثر من 10 آلاف شهيد خلال فترة 4 أشهر تقريبًا (المُترجم).
(2) وهو ما حصل في الحرب الـ 12 يومًا، عندما هاجمت إسرائيل إيران فجر يوم الجمعة 13 حزيران/يونيو 2025، وقصفت ودمرت عشرات الأهداف، وقتلت ثلة من كِبار المسؤولين العسكريين والعلماء النويين الإيرانيين (المُترجم).
(3) ميريام أديلسون، طبيبة وباحثة إسرائيلية-أميركية، وُلدت عام 1945 في تل أبيب. تعد من أبرز الممولين للقضايا المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وكانت من أكبر المتبرعين للحزب الجمهوري الأمريكي. في عام 2018، حصلت على وسام الحرية الرئاسي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. أما زوجها شيلدون أديلسون (1933–2021) فكان رجل أعمال وملياردير أميركي، وأحد أبرز الشخصيات في صناعة الكازينوهات والفنادق حول العالم. أسس وامتلك شركة Las Vegas Sands Corp. التي تدير منتجعات ضخمة في لاس فيغاس وماكاو وسنغافورة. عُرف بنفوذه السياسي القوي في الولايات المتحدة، حيث كان من أكبر الممولين للحزب الجمهوري، وقدم دعمًا ماليًا كبيرًا للحملات المؤيدة لإسرائيل. لعب دورًا في تمويل مشاريع إعلامية وسياسية في إسرائيل، منها صحيفة إسرائيل اليوم. بلغت ثروته ذروتها قبل وفاته بأكثر من 30 مليار دولار، والتي ورثتها زوجته (المُترجم).
(4) مارالاغو هو منتجع وقصر تاريخي يقع في پالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية، بُني بين عامي 1924 و1927 على يد الوريثة والناشطة الاجتماعية مارجوري ميريويذر پوست (Marjorie Merriweather Post)، وصُمم ليكون من أكبر وأفخم العقارات الخاصة في الولايات المتحدة. بعد وفاة پوست، انتقل العقار إلى الحكومة الأميركية لفترة قبل بيعه. اشتراه دونالد ترامب في عام 1985 وحوّله إلى نادٍ خاص فاخر، مع احتفاظه بجناح سكني فيه. اكتسب مارالاغو منذ رئاسته شهرة سياسية وإعلامية واسعة وأصبح مركزًا للقاءات سياسية ومناسبات رفيعة المستوى (المُترجم).
(5) نيك فوينتس، ناشط سياسي أميركي يميني متطرف وُلد عام 1998، وعُرف بخطابه القومي الأبيض ومعاداته للهجرة وتبنيه مواقف إنكار الهولوكوست. يعتبر عضو نشيط في حركة «أميركا أولًا» (America First) التي تستقطب فئة من الشباب المحافظين عبر الإنترنت، والمرتبطة أيضًا بما يُعرف بـ «اليمين البديل» (Alt-Right). حُظر فوينتس من منصات اجتماعية كبرى بسبب خطاب الكراهية والتحريض، وشارك في تجمعات مثيرة للجدل، منها مسيرة «توحيد اليمين» عام 2017 في شارلوتسڤيل. يُعد شخصية مؤثرة في التيار القومي المتشدد في الولايات المتحدة (المُترجم).
(6) هيرمان غورينغ كان سياسيًا وقائدًا عسكريًا ألمانيًا بارزًا في الحقبة النازية، وُلد عام 1893 وأُعدم بعد الحرب العالمية الثانية. كان من أوائل المنتسبين إلى الحزب النازي، وقاد قوات العاصفة (SA) ثم أسّس قوات الشرطة السرية (Gestapo) قبل أن تنتقل إدارتها إلى هيملر. شغل منصب قائد سلاح الجو الألماني (Luftwaffe) ونائب هتلر المقرّب، ولعب دورًا أساسيًا في السياسة العسكرية والاقتصادية للرايخ الثالث. بعد هزيمة ألمانيا، حوكم في محكمة نورمبرغ وأدين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكنه انتحر بالسم قبل تنفيذ حكم الإعدام (المُترجم).
(7) نظرية الإحلال أو الاستبدال العظيم، خطاب مؤامرة يميني متطرف نشأ في فرنسا على يد الكاتب رونو كامو (Renaud Camus) في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتفترض أن هناك خطة ممنهجة لاستبدال السكان البيض في أوروبا وأمريكا الشمالية بمهاجرين من أصول غير أوروبية، خصوصًا المسلمين والأفارقة. يروّج هذا الخطاب لفكرة أن النخب السياسية والاقتصادية تدعم الهجرة الجماعية لتغيير الهوية الثقافية والديموغرافية، وغالبًا ما يرتبط بالعنصرية وكراهية الأجانب. تبنت مجموعات قومية متطرفة هذه النظرية لتبرير العنف، وكان لها صلة بعدة هجمات إرهابية في الغرب (المُترجم).
(8) الأممية اللاليبرالية (Illiberal International)، مصطلح يستخدم لوصف التعاون العابر للحدود بين الحكومات والحركات السياسية ذات التوجهات السلطوية أو الشعبوية اليمينية، التي تعارض القيم الليبرالية التقليدية (أو النظام العالمي الليبرالي) مثل الفصل بين السلطات، وحرية الصحافة، وحقوق الأقليات. يشير المفهوم إلى شبكات دعم سياسي وإعلامي واقتصادي بين قادة مثل فيكتور أوربان في المجر، وفلاديمير بوتين في روسيا، وزعماء يمينيين في أوروبا وأمريكا اللاتينية. هذه التحالفات تتبادل الخبرات والخطاب المناهض للهجرة والعولمة، مما يخلق جبهة دولية مضادة للمؤسسات الديمقراطية الليبرالية الغربية (المُترجم).
(9) ابتداءً من ديسمبر 2016، عُيّن إيلون ماسك في مجالس استشارية اقتصادية لدى دونالد ترامب بعد فوزه بالرئاسة، بهدف التأثير إيجابيًا على سياسات البيئة والهجرة. في 1 يونيو 2017، استقال ماسك من تلك المجالس احتجاجًا على قرار ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ. سرعان ما تجدد التعاون أثناء حملة 2024، حيث دعم ماسك ترامب ماليًا وشارك في إدارة حكومية. لكن بين 3 و5 يونيو 2025، توترت العلاقة بعدما انتقد ماسك مشروع قانون الإنفاق الأميركي ووصفه بأنه «كارثة»، ما أشعل مواجهة علنية. منذ 5 يونيو 2025، تصاعدت الهجمات الإعلامية والتهديدات، لينتهي بذلك ما كان يُنظر إليه كصداقة سياسية بين الرجلين (المُترجم).
(10) شتادلانيم، مصطلح يهودي تاريخي يشير إلى أفراد أو زعماء مجتمعيين يهود كانوا يعملون وسطاءً بين الجماعات اليهودية والسلطات السياسية أو الملكية، خصوصًا في أوروبا خلال العصور الوسطى والعصر الحديث المبكر (المُترجم).
(11) أُطلق سراحه في 20 يونيو، بعد اعتقال دام لأكثر من 100 يوم، وذلك بعدما قضى قاضٍ فيدرالي في نيوجيرسي بإطلاق سراحه، مُشيرًا إلى أن الحكومة الأميركية فشلت في إثبات أنه يُخطط للهرب أو أنه خطر على العامّة، كما أشار إلى أن اعتقاله يتعارض مع حقه في التعديل الأول من الدستور، أي الحق في حرية التعبير (المُترجم).