12/12/2025 - 21:33

كذبة إبادة المسيحيين الجماعية في نيجيريا

إن محاولة استخدام الدين بوصفهِ عاملًا حاسمًا رئيسًا في الأزمات الأمنية النيجيرية تفشل تمامًا نظرًا لأن المسلمين في نيجيريا ليسوا بمنأى عن انعدام الأمن المتصاعد في البلاد، بل هم أنفسهم ضحايا متكررة وغالبًا على نحوٍ وحشيٍ لنفس العنف...

كذبة إبادة المسيحيين الجماعية في نيجيريا

تفجير بالقرب من كنيسة القديسة تيريزا في العاصمة النيجيريّة أبوجا (getty)

أكد نائب الرئيس النيجري، كاشيم شتيما في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة تضامن نيجيريا مع الشعب الفلسطيني، الذي عانى على مدى 24 شهرًا من حملة إبادة جماعية شملت قصفًا متواصلًا وغزوًا بريًا شنّها الجيش الإسرائيلي. وصوّت الوفد النيجيري خلال الرحلة نفسها لصالح إعلان نيويورك الذي دعا إلى اتخاذ خطوات ملموسة نحو تطبيق حل الدولتين بوصفهِ حلًّا سلميًا للقضية الفلسطينية.

ظلّ موقف نيجيريا من حملة الإرهاب المستمرة منذ عقود التي فرضتها إسرائيل وداعموها الغربيون على الشعب الفلسطيني متسقًا منذ اعترافها لأول مرة بالدولة الفلسطينية في عام 1988. أدّت نيجيريا دورًا رئيسًا أدّى إلى إنشاء بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن غزة في عام 2009، التي عُرفت باسم لجنة غولدستون. ترأس المجلس الدكتور مارتن أوهيوبيهي، الذي كان وقتئذ الممثل الدائم لنيجيريا لدى الأمم المتحدة في جنيف. وصوتت نيجيريا في عام 2012 لصالح منح الجمعية العامة فلسطين وضع دولة مراقبة غير عضو (A/RES/67/19 - القرار المعتمد 138-9-41). وصوتت نيجيريا في عام 2017 خلال جلسة الطوارئ «وضع القدس» (A/RES/ES-10/19، 21 ديسمبر 2017) لصالح قرار الجمعية العامة الذي يعلن أن اعتراف الولايات المتحدة ودونالد ترامب من جانب واحد بالقدس عاصمة لإسرائيل «باطل ولاغٍ».

تباينت ردود الفعل المحلية كالعادة حول خطاب السيد شتيما في الجمعية العامة، حيث رحّب النيجيريون الواعون ترحيبًا حارًّا بالموقف الدبلوماسي لبلادهم على الساحة الدولية رغم تحدياتها الداخلية. ففي النهاية، لم يُخفِ السيد شتيما كلماته عندما أقرّ بأن نيجيريا خاضت «صراعًا طويلًا وصعبًا مع التطرف العنيف» وثقافة التمرد. كما عارضه منتقدوه، مشددين على أن تعليق السيد شتيما على الساحة الدولية لا يعكس حقيقة حكومته التي يُعاني الشعب في ظلها من حملة إرهاب متواصلة تُعرّض الفئات الضعيفة، بما في ذلك الأقليات العرقية والمجتمعات المسيحية، للخطر على نحوٍ خاص، بينما يرزح عامة الناس تحت وطأة انعدام الأمن.

لكن ردود الفعل المحلية سرعان ما تبعتها موجةٌ مُدبَّرةٌ بعناية من الغضب الدولي المُزيَّف بسبب مزاعم القتل المُمنهج للمسيحيين، الذي يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في نيجيريا. وقد انحاز العديد من مُشكِّلي الرأي العام اليميني المتطرف [في الولايات المُتحدة] على منصات التواصل الاجتماعي، بمن فيهم المسيحي الصهيوني إيال ياكوبي، إلى مزاعم الإبادة الجماعية للمسيحيين في نيجيريا، مُروِّجين هذه الرواية بالحماسة نفسها التي روَّجت بها جماعات اليمين المتطرف مرارًا وتكرارًا لروايةٍ مُلفَّقةٍ مشابهة عن «الإبادة الجماعية لبيض البشرة» في جنوب أفريقيا. وقد روَّجت أصواتٌ أخرى، بما في ذلك السيناتور الأميركي الصهيوني تيد كروز، هذه الرواية. وقد أعاد تغريدها آلاف المستخدمين، وأكثر من 100 ألف بوت، وحققت أعلى نسبة مشاهدة باستخدام خوارزمية منصة X (تويتر سابقًا). في سياقٍ سلبيٍّ مماثل، قدّم مُقدّم البرامج الحوارية بيل ماهر صوته لأهداف الدعاية الإسرائيلية، مُكرّرًا ادعاءاتٍ مُريعة، دحضتها الصحف الرائدة لاحقًا، عن عمليات اغتصاب وقطع رؤوس وحرق أطفال أحياء في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. يُصرّ ماهر على أنه «شاهد الفيديوهات»، ولكن كغيره من مُروّجي هذه الرواية، لم يُقدّم أيّ دليلٍ يُذكر عليها، لأنها كذبة.

بالإضافة إلى تعاطفهم الجديد تجاه المسيحيين المُتألمين في نيجيريا، فإنّ القاسم المشترك الغريب بين هؤلاء المُعلّقين هو ولائهم الأصيل لإسرائيل. ولا يمكن حتى إخفاء سينيكية هؤلاء الممثلين؛ الهدف الواضح هو استغلال وتشويه المحادثات والحوادث التي تحدث في بلدان أخرى بوصفها مُجرّد أدواتٍ لتعزيز أهدافهم الإعلامية والدعائية الإستراتيجية.

هذا لا ينفي العنف المُفجع الذي لا يزال يُشكل جزءًا من الحياة اليومية في أجزاء من نيجيريا. تواصل وكالات الأنباء الإبلاغ عن هجمات مُدمّرة ضدّ العديد من المجتمعات، مسيحية ومسلمة، دون أيّ اهتمام يُذكر من جهات السلطة الحكومية وغير الحكومية، سواءً داخل نيجيريا أو خارجها. حتى القادة الدينيون المسيحيون، مثل القسّ إينوك أديبوي من كنيسة الرب المسيحية المُخلّصة (RCCG) وأقرانه، تعرّضوا لانتقادات لاذعة لإهمالهم المُستمرّ لمحنة المسيحيين الذين يواجهون القتل والتشريد في مجتمعاتهم، بينما يُخالطون سياسيين يُؤدّي عجزهم المُريع وتقصيرهم في أداء واجبهم إلى وقوع الحوادث التي يواجهها أبناء كنائسهم. يعكس هذا «الاستدعاء» إلى حدّ ما ضعف قبضة الدولة على مسؤولياتها الحاسمة تجاه المواطنين في نيجيريا، مما يتركهم يعتمدون على هياكل السلطة القائمة على الدين أو المُشكّلة طائفيًا أو على رجال السلطة الأقوياء في تمثيل مصالحهم وضمان كرامتهم الأساسية في الحياة والأمن. وهذا يظهر في محادثاتنا الاجتماعية من وقت لآخر، ولا ينبغي الخلط بينه وبين العدد المتزايد من الحركات المسيحية التي تقاوم ما تعتبره «إبادة جماعية» منهجية لأتباعها.

اختبأت عدة جماعات متمردة في نيجيريا تحت عباءة الإسلام لتمرير أيديولوجياتها المتطرفة والعنيفة، وبفعل هذا القناع الديني، نظر الأفراد والمؤسسات المحلية إلى أفعالها من منظور ديني صرف، وكثيرًا ما أشاروا، مُثيرين للانقسام، إلى أن عنفهم متأصل لدى المسلمين. ولا شكّ أنّ لنشاط هذه الجماعات صبغةً دينية لا يمكن إنكارها، غير أنّ دوافعها في الغالب سياسية أو جنائية. فجرائمها تصبو عادةً إلى هزّ أو تقويض النظام السياسي والاقتصادي في الدول المستهدفة أو إلى جني الأرباح من الخطف وتهريب السلاح والابتزاز.

إن محاولة استخدام الدين بوصفهِ عاملًا حاسمًا رئيسًا في الأزمات الأمنية النيجيرية تفشل تمامًا نظرًا لأن المسلمين في نيجيريا ليسوا بمنأى عن انعدام الأمن المتصاعد في البلاد، بل هم أنفسهم ضحايا متكررة وغالبًا على نحوٍ وحشيٍ لنفس العنف ودورة إراقة الدماء القاتمة التي تُصوّر في أماكن أخرى على أنها تستهدف المجتمعات المسيحية فقط. وعلى نحوٍ منصف، يدرك كثيرٌ من النيجيريين أنّ مرتكبي الجرائم وضحاياها في أزمات البلاد الأمنية يمتدّون عبر جميع المجموعات العرقية والدينية. على سبيل المثال، في 11 آب/أغسطس 2025، تعرضت أبرشية القديس بولس، أيي-توار في مقاطعة كاتسينا-ألا (محور سانكيرا، ولاية بينوي) لهجوم شنته ميليشيات الفولاني. أُحرِق مبنى الكنيسة، إلى جانب جميع دور العبادة تقريبًا في تلك المنطقة. كما أُحرقت المنازل والمباني الملحقة مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات بجروح خطيرة. وفي حادثة منفصلة وقعت في 19 آب/أغسطس 2025، هاجم مسلحون مسجدًا في قرية أونغوان مانتاو، بمنطقة مالومفاشي الحكومية المحلية، بولاية كاتسينا، في أثناء صلاة الفجر. ووفقًا لمصادر حكومية، قُتل ما لا يقل عن 17 مصليًا، لكن مصادر محلية قدرت العدد بنحو 27، وتشير بعض التقارير إلى أن عدد القتلى قد يصل إلى 50. وأُحرقت منازل، ونزح الناس أو اختُطف العديد من الأشخاص.

قُتل أكثر من 50 شخصًا في أبرشية ماكوردي بولاية بينوي، في وقت سابق من شهر يونيو، وأُجبرت 15 أبرشية كاثوليكية على الإغلاق خلال شهر واحد بسبب هجمات رُعاة مسلحين [رُعاة مواشي]. في تمّوز/يوليو، داهم مسلحون يُعتقد أنهم أعضاء في جماعة لاكورافا (التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل) قرية كوالاجيا في منطقة الحكم المحلي تانجازا بولاية سوكوتو. كان العديد من السكان في وقت الصلاة أو بالقرب من مكان الصلاة أو يعملون في مزارعهم. ذُبح أكثر من عشرين مسلمًا وأصيب العشرات. أُحرقت المساجد والمنازل والأراضي الزراعية ودُمرت.

ومن المهمّ التأكيد على أنّ المسيحيين يصبحون في أحيانٍ معيّنة الهدف المختار لهجماتٍ بعينها. هوجمت الكنائس في أوقات العبادة، واختُطف الكهنة، ودُمرت قرى مسيحية بأكملها في بلاتو وبينوي وجنوب كادونا. وهذه الوقائع ليست منفصلة عن الأزمة العامة ولكنها بالأحرى لحظات تُسلّح فيها الهوية المسيحية لوصم مجتمعٍ ما وجعله هدفًا لإرهابٍ منظّم. بهذا المعنى، يتحمل المسيحيون وطأة انعدام الأمن التي يعاني منها جميع النيجيريين، بالإضافة إلى الصدمة الأشد وطأة الناجمة عن استهدافهم لأسباب دينية في بعض الهجمات. إن الإقرار بهذا الواقع لا يمحو معاناة المسلمين ولا يُغذي رواية «الإبادة الجماعية» الزائفة التي تُروّج في الخارج، بل يُرسّخ النقاش في تعقيد كيفية انتشار العنف في المشهد النيجيري الممزق.

وبفعل التمردات المسلحة، تراجعت بشدة الاقتصادات الزراعية المزدهرة سابقًا في الولايات الشمالية ذات الأغلبية المسلمة، وتراجعت المكاسب التي تحققت في التعليم ومكافحة الفقر في تلك الولايات، فيما جعل الثقل السكاني الكبير المسلمين—بحكم الأرقام وحدها—الطرفَ الأكثر تلقّيًا لعبء الكارثة الإنسانية. بل وأكثر من ذلك، لننظر إلى سياق القتل الوحشي والاغتيالات الموجهة لعشرات من رجال الدين المسلمين البارزين في الشمال، الذين عبّروا عن معارضتهم للتشدد وإهمال الدولة والظروف السياسية والاقتصادية المزرية التي سمحت بازدهار التمرد. وقد قُتل بعضهم مع عائلاتهم.

هذا موضوع شائع في المناطق التي اجتاحتها الجماعات المسلحة، حيث يكون الضحايا الأوائل هم أولئك الذين يشتركون في دين أو عرق مع المسلحين. يُقتلون لأن إخوانهم في الدين المفترض الذين يعتنقون العنف يعتبرونهم كفارًا أو أقل نبلًا من أن يلتزموا بنفس المُثُل والأساليب التي يؤمنون بها. ولنأخذ في الحسبان تفجيرات العديد من المواقع التراثية اليهودية في جميع أنحاء الشرق الأوسط التي سبقت تأسيس دولة إسرائيل. تُظهر السجلات أن هذه الهجمات نفذتها عصابات يهودية إرهابية سعت إلى بث الخوف في المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء المنطقة وزرع الفتنة بينها وبين جيرانها بهدف إجبارهم على التخلي عن جذورهم في العديد من دول الشرق الأوسط والانتقال إلى إسرائيل لتعزيز أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية. وكثير من تلك الجماعات المسلحة — ذات السجلّ الحافل بالجرائم — أصبح لاحقًا جزءًا مما يُعرف اليوم بـالجيش الإسرائيلي.

ولعلّ الخبر الأبرز من الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الشهر الماضي هو اعتراف المملكة المتحدة وفرنسا وأستراليا وكندا والبرتغال بدولة فلسطين. ويُعدّ هذا تحوَّلا هائلًا في مواقف حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل، الذين يظل معظمهم متواطئًا في الإبادة الجماعية المستمرة، لكنهم لم يعودوا يطيقون النرجسية القاتلة والإجرام واللاإنسانية التي تتحلّى بها إسرائيل، وفساد قادتها، وسادية جيشها المُطلقة وسوء نيّتها المُتجذّر في تجويع الفلسطينيين المستمر. وفي أعقاب هذه الخطوة التاريخية، من المُقرّر أن تُعلن بلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وسان مارينو أيضًا اعترافها ودعمها للدولة الفلسطينية. إضافةً إلى ذلك، عقدت فرنسا فعاليةً جانبيةً مع المملكة العربية السعودية خلال الجلسة التي عُرفت بقمة الدولتين، سعيًا لتعزيز العمل الجماعي لتحقيق وقف الأعمال العدائية وتمهيد الطريق نحو الدولة الفلسطينية. وقد تحقّق هذا الإنجاز التاريخي رغم الضغوط الهائلة من إسرائيل والولايات المتحدة. وعلى وقعِ هذه الهزيمة الدبلوماسية التي مُنيت بها إسرائيل، بدأت وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لها تركز بشكل محموم على إبادة جماعية خيالية تأتي في حد ذاتها بعد عدة محاولات إسرائيلية فاشلة لكسب الدعم الدبلوماسي ودعم الرأي العام من نيجيريا والنيجيريين.

تعمل جماعات الضغط الإسرائيلية في نيجيريا، بعضها تحت غطاء العلاقات الدبلوماسية القوية بين نيجيريا والولايات المتحدة. ومن بين هذه الجماعات جماعة يقودها المواطن الأميركي جاك باركروفت، الذي دُفع له 20 ألف دولار للضغط على أعضاء الكونغرس الأميركي لضم نيجيريا إلى اتفاقيات أبراهام الإسرائيلية الأميركية. سيُمثل هذا تحولًا في مكانة نيجيريا من فاعل دولي مستقل وعضو بارز في كتلة عدم الانحياز إلى جزء من التابعين للولايات المتحدة وإسرائيل، الذين يتبعون إملاءات الإمبراطورية دون الرجوع إلى الرأي العام المحلي أو الالتزامات الدولية أو ضمائرهم. كما سيُقوّض هذا بشكل مباشر التزامات نيجيريا في السياسة الخارجية، والتي تشمل تحقيق الدولة الفلسطينية. وإلى جانب ذلك، فإن التطورات الأخيرة الأخرى، بما في ذلك الاجتماع بين وزير الدولة النيجيري للشؤون الخارجية ونائب وزير الخارجية الإسرائيلي الزائر، حيث قُدّمت تعهدات بتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والابتكار والتكنولوجيا، وهي القطاعات ذاتها التي يستخدمها المقاولون الإسرائيليون لتشديد قبضتهم الاستعمارية على الفلسطينيين، قد تشير إلى وجود محاولة لتحويل نيجيريا من فاعل مستقل إلى دولة تابعة تضم 200 مليون شخص تُستخدم حكومتها في تبرير دعم الإبادة، عبر استغلال حالة انعدام الأمن التي أسهمت السياسات الغربية والإسرائيلية في صنعها.

أمَّا المعلقون المؤيدون لإسرائيل الذين باتوا مهتمين فجأة بإبادة المسيحيين في نيجيريا، فقد أظهروا تناقضهم بأنفسهم؛ فبعد محاولات حشد اللغة وتصعيد المشاعر لدى الجمهور، كانوا كثيرًا ما ينهون تعليقاتهم بسؤال: «لماذا لا يتحدث الناس عن ذلك؟» — وهو اعتراف ضمني بأنّ السياق الحقيقي للنقاش هو موجة الغضب العالمي تجاه إسرائيل. في هجومها على قطاع غزّة وفقًا لدراسة أجرتها جامعة هارفارد، قتلت إسرائيل ما يقرب من 400 ألف شخص، أكثر من نصفهم من الأطفال. ويضع تقرير لانسيت الذي نُشر في كانون الثاني/يناير عدد الضحايا المباشرين من جراء القصف الإسرائيلي عند أكثر من 80 ألفًا، معظمهم من الأطفال. وقد وثقت التقارير والشهادات باستمرار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي، والتي تتراوح من الاستهداف المتعمد للأطفال والقصف العشوائي للعائلات ونهب الممتلكات الفلسطينية، إلى أعمال السخرية والإهانة ضد السكان. هذه الأنماط، التي استمرت لعقود، حُجبت بواسطة جهاز دعائي متطور مصمم لتضليل العالم، وكسب التعاطف، والحفاظ على صورة إسرائيل ككيان حضاري. إلا أن هذا القناع ينهار بسرعة. والنتيجة هي أن الاهتمام العالمي أصبح الآن مُركزًا بشكل متزايد على الفظائع التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل، وبدأ إجماع دولي متزايد يتبلور ضدها. يشعر العالم بالرعب من الاضطرار للعيش مع دولة تعتمد كليًا على القوة التعسفية والعنف وتدمير الأعراف والأخلاق والقواعد دون قيود قانونية، ولذلك تتراجع الدول عن دعمها المطلق لإسرائيل.

هذا السبب، فإنّ إسرائيل—في الأوساط التي ما زالت قادرة على التحكّم بخطابها—تمضي في تعزيز وإعادة بناء جهازها الدعائي، كما يتضح من نظام الرقابة الجديد في الولايات المتحدة والاستيلاء القسري على تطبيق تيك توك بقيادة خبير تكنولوجيا المراقبة الصهيوني لاري إليسون. أما نحن في الطرف الآخر من العالم، فيجب على إسرائيل والولايات المتحدة الاستفادة من نهجهما العالمي في إقامة شراكات انتقائية والحفاظ عليها عبر الانقسامات الداخلية في نيجيريا: على أسس إقليمية ودينية وعرقية، مع آثار بعيدة المدى على وحدة البلاد واستقلالها وسيادتها. إنهم يتطلعون إلى استغلال الانقسامات من أجل النفوذ، فيتسللون إلى الشقوق الداخلية كي يكونوا في موقع يسمح لهم بتأجيج التوترات وتشتيت الانتباه عن جرائمهم الدولية.

الهدف ساذج لكنه واضح: إذا كان الخطاب الرسمي يقول إنّ «المسلمين بطبيعتهم عنيفون، والمسيحيين مهدّدون في كل مكان»، فإنّ حرب إسرائيل على غزة تصبح مبرّرة. وإذا جرى شحن المشاعر ضد المسلمين في نيجيريا، فإنّ ذلك يهيّئ الأرضية لإثارة الكراهية تجاه الفلسطينيين ومقاومتهم المسلحة، التي تعتقد إسرائيل والولايات المتحدة أنّ العالم يراها كـ «إرهاب إسلامي». هذه تشويه فجّ للواقع، واستراتيجية مكرّرة ومعروفة ينبغي على المعلّقين النيجيريين فهمها كي لا يقعوا فريسة لها. إن آلاف الأرواح التي أزهقت بسبب الأزمات في مجتمعاتنا هنا، وآلام العائلات والمجتمعات الثكلى، لا تساوي عند إسرائيل والولايات المتحدة أكثر من أداةٍ دعائية: محض غطاء وتشتيت وإعادة توجيه للمسؤولية عن الجرائم وتعتيم وتحريف إستراتيجي، مادة تُقدّم للعالم ليشغل النقاش بعيدًا عن محاسبة إسرائيل على جرائمها.

أتفق على أنه بينما نتحدث عن الإبادة الجماعية للفلسطينيين، علينا أن نتحدث عن عمليات القتل في نيجيريا وفي الساحل وعن الإبادة الجماعية في السودان والمجازر في الكونغو وأجزاء من موزمبيق. فالقاسم المشترك الذي يربط هذه المسارح الدامية هو أن مصائرها متشابكة في شبكة المصالح الإمبريالية العالمية. فالفاعلون في تدمير هذه المناطق إمّا مدعومون مباشرةً بالسلاح والتمويل من القوى الغربية وحلفائها، أو أنّهم نتاج متوقّع لعملية تفكيك مُحسوبة لدول تجرّأ قادتها على الخروج عن الخطوط الحمراء المرسومة لحماية المصالح الإمبريالية. وفي هذه المناطق، يجري تثبيت قادة غير مبالين وفاشلين كشركاء، لأنهم عاجزون بطبيعتهم عن معالجة الشروط البنيوية والاجتماعية–الاقتصادية التي خلقت الأزمة. إن أدوات القمع والمراقبة والعنف المنظم المستخدمة ضد أهل قطاع غزة تُعاد توظيفها وتُسلّم إلى هذه الأنظمة العميلة لقمع المعارضة وسحق الحركات السياسية المعارضة. وتحت ستار «التعاون الأمني»، هناك نقل شامل للتكتيكات الحركية، التي هي في الأساس امتدادات للعقيدة العسكرية والشرطية الإسرائيلية والأميركية التي تُسلّح لإدامة السيطرة والفصل العنصري والعنف بدلًا من حماية الأرواح.

في الحقيقة، إن الحديث عن العنف في جزء من العالم دون غيره يُغفل الروابط البنيوية التي تربط بينهما: الحسابات الإمبريالية التي تعتبر تجويع وموت آلاف الأطفال في قطاع غزة تكتيكًا عسكريًا والتي تُسلح الأنظمة العميلة في الشرق الأوسط والطغاة في أفريقيا. تتحدث شعوب العالم عن قطاع غزة والسودان ومنطقة الساحل وعن جميع الأماكن في العالم التي تستمر فيها المعاناة الإنسانية والعنف. وينبغي للسعي الصادق لتحقيق العدالة يجب أن يواجه الجناة المباشرين وكذلك أنظمة القوة العابرة للحدود الوطنية التي تدعمهم. ما يجب ألا نسمح به هو أن يُملي مرتكبو الجريمة والإرهاب العالميون على العالم أين يُركز انتباهه.


المقال مُترجم عن موقع "africasacountry"، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي عرب٤٨.