كان الحد من تدفق الطاقة أو تعطيله، طوال معظم العصر الحديث، أداة فعَّالة للغاية من أدواتِ القوة العالمية. أعلن الأدميرال ريجينالد بيكون (Reginald Bacon) من البحرية الملكية في عام 1923 أنَّ حصار النفط الذي فرضته المملكة المتحدة على ألمانيا في الحرب العالمية الأولى كان السلاح الاقتصادي القوي الذي «أدّى إلى الانهيار النهائي لتلك الأمة وجيوشها في المقام الأول». وعزا الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية بعد جيلٍ إلى نجاح الجيش الأحمر في منع هتلر من الوصول إلى حقول النفط في القوقاز. ثم كان هناك حظر النفط العربي عام 1973، والذي تسبب في ارتفاع بنسبة 300 في المئة تقريبًا في سعر البنزين في الولايات المتحدة وطوابير طويلة من السيارات في محطات الوقود، وهي تجربة ظلت محفورة في الذاكرة الوطنية الأميركية.
غير أنّه تراجع استخدام الطاقة بوصفها أداة ضغط سياسي إلى حد كبير خلال معظم السنوات الخمسين التالية. وقد دفعت الآثار الكارثية لحظر النفط العربي على الاقتصاد العالمي كلًا من الدول المنتجة والمستهلكة إلى التفكير على نحوٍ مختلف. وعلى مدار السنوات التي تلت ذلك، سعت الدول المستهلكة إلى جعل تدفقات الطاقة لديها أكثر مرونة وبناء أسواق دولية أقوى وأكثر شفافية، بينما كبح المنتجون ميلهم إلى استخدام براعتهم في مجال الطاقة كأداة جيوسياسية. وقد عززت نهاية الحرب الباردة وما تلاها من تسارع العولمة الإصلاحات التي زادت من تكامل أسواق النفط وتنويع إمدادات الطاقة. وفي السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، أثبتت حتى الأسعار المرتفعة والمخاوف بشأن ذروة النفط —وهي فكرة أن إنتاج النفط العالمي كان قريبًا من ذروته وسيبدأ قريبًا في انخفاض لا هوادة فيه— أنها قصيرة الأجل حيث جلبت ثورة حفر الصخر الزيتي الأميركية كميات جديدة غير مسبوقة من النفط إلى السوق. استمرت أسعار النفط في التذبذب خلال نزاعات كبرى، مثل حرب الخليج الأولى والحرب الأهلية الليبية، وأزمات عالمية كالركود الاقتصادي الكبير وجائحة كوڤيد-19. ولكن طوال هذه الحقبة، ازدادت ثقة المستهلكين، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة، بأن الأسواق ستوفر لهم الطاقة التي يحتاجونها. ومع مرور الوقت، تهاونت العديد من الدول بشأن أمن الطاقة.
انقلب هذا الاطمئنان الذاتيّ اليوم رأسًا على عقب. فبعد غزوها لأوكرانيا عام 2022، ألحقت روسيا ضررًا اقتصاديًا هائلًا بأوروبا بخفض إمداداتها من الغاز الطبيعي إلى القارة، مما أثار أزمة طاقة ذات تداعيات عالمية. وكجزء من مواجهتها التجارية الأوسع مع الولايات المتحدة، فرضت الصين قيودًا دورية على تصدير المعادن الأساسية والعناصر الأرضية النادرة —وهي أجزاء من سلسلة توريد بالغة الأهمية لأشباه الموصلات والتطبيقات العسكرية والبطاريات والطاقة المتجددة.
كما قامت الولايات المتحدة نفسها بتسييس تدفق الطاقة، مطالبةً أوروبا بشراء المزيد من الطاقة الأميركية لتخفيف وطأة التهديد بالتعريفات الجمركية. حتى دول مثل كندا دخلت في المعركة، حيث فرضت أونتاريو رسومًا إضافية على صادرات الكهرباء إلى الولايات المتحدة ردًّا على التعريفات الجمركية الجديدة الشاملة التي فرضها دونالد ترامب على السلع الكندية. وفي الوقت الذي يستخدم فيه المنتجون سلاح الطاقة الذي كان غائبًا إلى حدٍّ كبير على مدى العقود القليلة الماضية، تعمل الولايات المتحدة وغيرها من الدول أيضًا على إعادة استخدام نفوذها على إنتاج وشراء الطاقة، كما يتضح من التحركات الأخيرة التي اتخذتها واشنطن لمنع معظم شركات النفط والغاز الأميركية من العمل في فنزويلا والنظر في فرض عقوبات أكثر صرامة على الدول التي تشتري صادرات النفط الروسية والإيرانية.
في عالم اعتاد على أسواقَ طاقةٍ مستقرة وآمنة نسبيًّا، وكان يعيش تحت الوهم بأن التحول إلى الطاقة النظيفة من شأنه أن يحيد جيوبولتيكيا الطاقة، فإن عودة سلاح الطاقة كان بمثابة مفاجأة للكثيرين. ومِن غير المرجح أن ينتهي هذا الاتجاه قريبًا لسببين رئيسيين. أولًا، في وقتٍ تتجدّدِ فيه المنافسة بين القوى العظمى وحالة التفتت الاقتصادي، صارت الطاقة مرة أخرى أداة جذابة للإكراه الجيواقتصادي. وثانيًا، تخلقُ التطورات الهامة التي يشهدها قطاع الطاقة فرصًا جديدة للتسليح، حتى في الوقت الذي تعمل فيه على التخفيف من حدّة بعض الفرص الأخرى.
ولحسن الحظ، تتوفر الآن مجموعة متنوعة من أدوات السياسة لمعالجة هذه التهديدات —ومعظمها متوافق مع التحول إلى الطاقة النظيفة ومعزز من خلاله. في الواقع، من خلال التحول السريع نحو مصادر الطاقة الخالية من الكربون، يمكن للدول في نهاية المطاف بناء شكل قوي من المرونة ضد تسليح الطاقة، وخاصة إذا اقترنت هذه الجهود بجهودٍ لتنويع سلاسل توريد الطاقة النظيفة. ولكن من أجل إعداد استجابة فعالة، يتعين على صناع السياسات أن يدركوا القوى الدّافعة للتسليح والمخاطر الأوسع التي تشكلها على الأمن القومي والاقتصاد العالمي. ومع تزايد عدد البلدان التي تهدد بالاستخدام القسري لأنواع مختلفة من تدفقات الطاقة، فإن العالم قد يكون على أعتاب عصر جديد من تسليح الطاقة.
الدخول العالمي
اعتُبر التحكم في تدفق النفط طوال معظم القرن العشرين عنصرًا أساسيًا في السياسة الخارجية والإستراتيجية العسكرية. استخدمت الدول الغنية بثروات الطاقة تلك الموارد وسيلةً لتحقيق أهداف خارج نطاق الطاقة. وغالبًا ما اعتبرت الدول التي تفتقر إلى الجيولوجيا الحاجة إلى الطاقة غايةً —سببًا لتسخير القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في سعيها. لعقود من الزمن بعد أن أصبح النفط مصدر الطاقة العالمي المهيمن، كان المنتجون في وضع قوي. وبحلول سبعينيات القرن الماضي، وفّر النفط حوالي نصف احتياجات العالم من الطاقة. ونظرًا لأنه كان يُباع عادةً بعقود طويلة الأجل بأسعار مُدارة من قِبل عدد قليل من الحكومات، فقد استطاع المنتجون فرض سيطرتهم على كل من العرض والسعر. وباستخدام هذه الروافع، يمكن للدول التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة أن تسعى إلى التأثير على السياسات الدولية في مجال السياسة. في عام 1973، وبعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وجيرانها، فرضت الدول العربية الأعضاء في أوبك قيودًا على صادرات النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل، وقلصت تدريجيًا الإمدادات العالمية لإجبار الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى على وقف دعمها لإسرائيل وإجبارها على الانسحاب من الأراضي المحتلة. وقد أثارت هذه الخطوة ما وصفه أحد مستشاري الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بـ «هجوم بيرل هاربر على الطاقة». وبحلول نهاية العام، وصل سعر برميل النفط، الذي كان قبلها بثلاث سنوات 1.80 دولارًا، إلى 11.65 دولارًا، أي ما يعادل أكثر من 80 دولارًا اليوم.
ومع ذلك، أثبت حظر النفط العربي أنه نقطة تحول. فقد أنتج مجموعة واسعة من العواقب السلبية، بما في ذلك الركود التضخمي في الاقتصادات المتقدمة وعبء ديون هائل في العالم النامي. كما فشل في إجبار الغرب على التخلي عن إسرائيل. ومع ذلك، فقد دفع العديد من الدول إلى إطلاق جهد مكثف للحفاظ على الطاقة، وزيادة إنتاج النفط خارج أوبك، وخفض الواردات، وإعطاء الأولوية لأمن الطاقة. اجتمعت الاقتصادات المتقدمة في عام 1974 لتشكيل وكالة الطاقة الدولية (IEA)، وكان محورها اتفاقية لبناء احتياطيات نفطية إستراتيجية للإفراج المنسق في أوقات الطوارئ. وعندما أصبح من الواضح أن ضوابط الأسعار وترشيد الطاقة قد فاقم آثار الحظر، أدرك القادة وصانعو السياسات الأميركيون أيضًا أن أسواق النفط العالمية الأكثر مرونة وتكاملًا وفعالية يمكن أن تبدد تأثير انقطاعات الإمدادات —مما حفز الجهود لتحرير تجارة النفط. سعت الحكومات في أوائل ثمانينيات القرن الماضي إلى تحسين جودة بيانات الطاقة وشفافيتها وتحرير أسعار النفط مما مهد الطريق لإدراج عقود النفط الخام الآجلة في بورصة نايمكس للسلع الآجلة. بعد ذلك، تحول النفط التداول على نطاق واسع في عقود طويلة الأجل بأسعار ثابتة —وهو نهج صعّب على المشترين إيجاد مصادر إمداد بديلة خلال فترات انقطاع الإمدادات، وبالتالي جعله عرضة لضغوط المنتجين— إلى السلعة الأكثر تداولًا في العالم.
على الرغم من أن العملية كانت أبطأ وبدت مختلفة تمامًا، إلا أن أسواق الغاز الطبيعي أصبحت أيضًا أكثر تكاملًا عالميًا. بعد أن أبحرت أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال من لويزيانا إلى المملكة المتحدة في عام 1959، أدت موجات متتالية من نمو العرض —بما في ذلك من الجزائر في الثمانينيات، وقطر في التسعينيات، والولايات المتحدة في العقد الماضي— إلى تحويل تجارة الغاز الطبيعي. ساهمت تلك الدول في إنشاء سوق للغاز الطبيعي المسال أكثر تكاملًا ومرونة ويمكنه الاستجابة على نحوٍ أفضل للتغيرات في العرض والطلب من خطوط أنابيب الغاز الثابتة، حيث يمكن للناقلات التسليم إلى وجهات عديدة ويمكن إعادة توجيهها بسهولة. بدءًا من الثمانينيات، وعلى الرغم من اعتماد أوروبا المتزايد على الغاز السوفيتي —ثم الروسي لاحقًا— أصبح صانعو السياسات والمشترون أكثر ثقة في أن الأسواق التنافسية والاعتماد المتبادل من شأنهما حماية القارة من الضعف الجيوسياسي. في الواقع، خلال معظم فترة الحرب الباردة، اعتبر العديد من القادة أن تجارة الطاقة بين أوروبا الغربية والاتحاد السوفيتي لها تأثير معتدل على التنافس الجيوسياسي الأكبر.
لقد أدت نهاية الحرب الباردة إلى تسريع هذه الاتجاهات الإيجابية؛ فمهّد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 الطريق لمعاهدة ميثاق الطاقة لعام 1994، التي أنشأت إطارًا قانونيًا متعدد الأطراف للتعاون في مجال الطاقة. كان الهدف في البداية توفير هيكل قانوني لتجارة الطاقة والعبور والاستثمار بين أوروبا الغربية ودول ما بعد الاتحاد السوفيتي، وتوسعت المعاهدة لاحقًا لتشمل دولًا من مناطق أخرى. بدأت الاستثمارات تتدفق إلى روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق من شركات الطاقة الغربية مثل إكسون وبي پي وتوتال، مما زاد من الترابط واتساع وعمق الأسواق العالمية. أنشأت الولايات المتحدة وروسيا في هذا العصر الجديد من التعاون برنامجًا لتحويل ميغا طن إلى ميغا واط، حيث اشترت الولايات المتحدة فائض اليورانيوم عالي التخصيب من قطاع الدفاع الروسي وحولته إلى يورانيوم منخفض التخصيب للمفاعلات المدنية؛ وبدا صناع القرار لسنوات غير منزعجين من اعتماد الولايات المتحدة على الوقود الروسي لتشغيل محطات طاقتها النووية.
حصل تكامل أسواق الطاقة العالمية على دفعة هائلة بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. ولتغذية توسعها الصناعي والتصنيعي المذهل على مدى العقد الذي تلا ذلك، اضطرت الصين إلى مضاعفة وارداتها النفطية أربع مرات، مما أجبرها على الاعتماد على نحوٍ كبير على أسواق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وبمرور الوقت، ابتعدت بيجين عن إستراتيجية «الخروج» التي ركزت على السيطرة المادية على موارد الطاقة في إفريقيا وخارجها إلى نهج سعى إلى ضمان الوصول إلى الطاقة من مجموعة متنوعة من الموردين. وفي وقت لاحق، من خلال مبادرة الحزام والطريق، موّلت الحكومة الصينية خطوط الأنابيب والموانئ والمصافي ومحطات الطاقة في الخارج، مستثمرة في شبكة يمكن أن تساعدها في الحصول على إمدادات ثابتة من الطاقة من نقاط متعددة حول العالم.
ومع تزايد عولمة العلاقات الاقتصادية وزيادة ترابط أسواق الطاقة، وضع المصدرون إلى حد كبير سلاح الطاقة جانبًا. بالتأكيد، كانت هناك استثناءات ملحوظة، كما حدث عندما قطعت روسيا صادرات الغاز إلى أوكرانيا في عامي 2006 و2009. غير أن الجدل الأوروبي الذي أعقب ذلك حول ما إذا كانت التخفيضات تجارية أم سياسية بطبيعتها أضعف الاستجابة الأوروبية الجماعية للإكراه. في ذلك الوقت، وبدا أن معظم المنتجين يدركون أن أسواق الطاقة العالمية المتكاملة جيدًا تحدّ من تأثير حجب أو رفض تسليم الطاقة إلى بلد أو منطقة معينة —مما يجعل الحسابات المتعلقة بالحظر غير جذابة. ومع تضخم الميزانيات المالية في الخليج ودول أوبك الأخرى، تردد المنتجون في اتخاذ إجراءات قد تعرض تدفقات إيراداتهم للخطر، وتلاشى خطر فرض حظر نفطي آخر من الدول المُنتجة. وكانت النتيجة الصافية أنه بحلول السنوات الأولى من هذا القرن، سادَ شعور عام بين الاقتصادات المتقدمة بأن أمن الطاقة قد تحسن على نحوٍ كبير منذ سبعينيات القرن الماضي، حتى مع استمرار الاعتماد على واردات النفط في النمو.
من المؤكد أن تسليح الطاقة لم ينتهِ تمامًا خلال هذه الحقبة من الاستقرار النسبي، على الرغم من أن النوع الذي مورس في العقود التي تلت الحرب الباردة كان من نوع مختلف. ففي حين أن الاقتصاد المعولم والأسواق المتكاملة قلّلا من فعالية العقوبات التجارية على منتجي النفط، فإن الترابط الاقتصادي وهيمنة الدولار الأميركي جعلا النظام المالي مهيئًا للتسليح. قامت الدول المستهلكة، وخاصة الولايات المتحدة، بتسييس استهلاكها وفرضت عقوبات مالية على بعض أكبر منتجي النفط في العالم، مثل إيران. وهكذا، ظلت الطاقة وسيلةً لدفع السياسة الخارجية بهذه الطريقة المفاجئة.
لعبة القوة
بدأت الظروف التي مهدت الطريق لهذه الفترة الاستثنائية من التعاون في مجال الطاقة تتغير في السنوات القليلة الماضية. ولعل الأهم من ذلك، أنه بحلول عام 2020، كان عصر التعاون الوثيق بين القوى العظمى، والتجارة الحرة، والثقة بالأسواق على وشك الانتهاء. لم يعد تكامل الأسواق العالمية، الذي كان محوريًا لأمن الطاقة في العديد من البلدان، مضمونًا؛ إذ أدت القوى الجيوسياسية المتغيرة إلى تفكك اقتصادي، وبدأت الحكومات تتدخل في المشاريع الخاصة بطرق أوسع نطاقًا. تتجه القوى الكبرى الآن نحو رأسمالية الدولة، مستخدمة القيود التجارية والسياسات الصناعية لتحقيق أهداف اقتصادية وأمن قومي. بدأ هذا التحول في الولايات المتحدة، خلال ولاية ترامب الأولى، واستمر في ظل إدارة بايدن، وتوسع أكثر في ظل إدارة ترامب الثانية، حيث استخدمت الحكومة التعريفات الجمركية بوصفها شكل من أشكال الإكراه الاقتصادي وبطرق أكثر عدوانية. أما الصين، التي لطالما انخرطت في رأسمالية الدولة، فهي تسحب من الأسواق العالمية العديد من السلع، وتصقل قدرتها على استخدام العقوبات وغيرها من التدخلات الحكومية لتعزيز مصالحها. في ظل هذه البيئة الجيواقتصادية التي تتزايد فيها حالة عدم اليقين، تجد البلدان في أوروبا وأجزاء أخرى من آسيا صعوبة أكبر في افتراض أن الأسواق وحدها قادرة على توفير إمدادات الطاقة التي تحتاج إليها.
من المفارقات، ربما، أن التراجع عن الأسواق العالمية المتكاملة التي لطالما ساهمت في استقرار تدفقات الطاقة كان مدفوعًا جزئيًا بمخاوف صانعي السياسات المتزايدة بشأن أمن الطاقة. ففي العديد من البلدان، ساهمت التهديدات الجيوسياسية المتصاعدة، والتنافس بين القوى العظمى، وارتفاع فواتير الطاقة، ومخاطر نقص الإمدادات الناجم عن نقص الاستثمار في النفط والغاز، والتنافس على القيادة في مجال الذكاء الاصطناعي المتعطش للطاقة، وتفاقم الآثار المناخية، في الشعور بأن أمن الطاقة على المحك. وبدلًا من الانخراط في الأسواق العالمية، قد تكون الحكومات أكثر ميلًا لتقليص تجارتها في الطاقة والحد من تعرضها للقوى الدولية المتقلبة. وتسعى الدول المستهلكة على نحوٍ متزايد إلى إنتاج المزيد من الطاقة المحلية وتقليل الواردات، وقد تميل الدول المنتجة إلى تقليص الصادرات لإعطاء الأولوية لاحتياجاتها الخاصة. تعهد الحزبان الحاكمان في النرويج في أوائل عام 2025 بخفض صادرات الطاقة إلى أوروبا وسط مخاوف من ارتفاع أسعار الكهرباء محليًا. وقد تظهر ضغوط مماثلة قريبًا في الولايات المتحدة. قد يضغط الناخبون الذين يواجهون ارتفاع أسعار الخدمات العامة على الحكومة لتقييد صادرات البلاد المتنامية من الغاز الطبيعي، اعتقادًا منهم أن ذلك سيخفض فواتيرهم. في الواقع، قد تُقوّض أي خطوات من هذا القبيل التكاملَ ذاته الذي ساعد في ترويض تسليح الطاقة في العقود الأخيرة.
إلى جانب تجزئة الاقتصاد العالمي، ستشجع التغيرات في مشهد الطاقة على الاستخدام المتجدد لسلاح الطاقة، حتى لو كانت التطورات الأخرى ستقطع الطريق الآخر. ولنأخذ قطاع النفط على سبيل المثال، حيث يمكن أن يظهر اثنان من الشروط الرئيسة للتسليح السابق في السنوات القادمة: تشديد الأسواق وتركيز العرض. تُستبدل المناقشات حول آثار ذروة الطلب العالمي على النفط تدريجيًا بأسئلة حول عواقب انتهاء طفرة النفط الصخري. أقرت شركة النفط العملاقة بي پي في أيلول/ سبتمبر 2025، بأن الطلب على النفط، الذي توقعت سابقًا أنه سيصل إلى ذروته هذا العام، سيستمر في الارتفاع لبقية العقد. وفقًا لتقرير نشرته بلومبرغ، في مسودة توقعات الطاقة العالمية لعام 2025 القادمة لوكالة الطاقة الدولية، تقدم الوكالة سيناريو يعتمد على السياسة الحالية إلى جانب سيناريو يعكس السياسات والتدابير التي أُعلنَ عنها رسميًا أو قيد التطوير. توقع السيناريو الأخير في تقارير وكالة الطاقة الدولية السابقة أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروته بحلول نهاية هذا العقد؛ يُظهر السيناريو الأول في المسودة استمرار نموه حتى عام 2050. في الوقت نفسه، يُبدي المسؤولون التنفيذيون والمحللون في قطاع النفط شكوكًا بشأن استمرار ارتفاع إنتاج النفط الصخري الأميركي، الذي لبى معظم نمو الطلب العالمي خلال العقد الماضي. وتوقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاض إنتاج النفط الأميركي العام المقبل. كما قلصت شركات النفط الكبرى جهود الاستكشاف في جميع أنحاء العالم، حيث من المتوقع أن ينخفض الاستثمار في النفط والغاز في المنبع في عام 2025 إلى أدنى مستوى له منذ الجائحة. ومع زيادة الطلب على الطاقة الإنتاجية الحالية لتلبية الطلب المتزايد، سينكمش حجم الطاقة الاحتياطية في النظام العالمي، مما يترك احتياطيًا أقل لمواجهة صدمات الأسعار. ونتيجة لذلك، قد يشهد سوق النفط تضييقًا كبيرًا مع نهاية هذا العقد، مما يخلق المزيد من الفرص للدول لاستهداف إمدادات النفط —من خلال هجمات على البنية التحتية أو قيود على التصدير أو عقوبات أو خطوات أخرى— بطرق تسبب ضررًا اقتصاديًا.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تجدد تركيز الإمدادات في أيدي عدد أقل من الدول سيؤدي إلى تفاقم خطر الإكراه. بحلول عام 1985، انخفضت حصة أوبك من إنتاج النفط العالمي من حوالي النصف قبل حظر النفط العربي إلى 27% فقط، حيث وصلت كميات هائلة من النفط من خارج أوبك إلى السوق من بحر الشمال ومناطق أخرى. لكن مع تباطؤ طفرة النفط الصخري الأميركي، ومع تباطؤ نمو العرض لدى المنتجين الآخرين من خارج أوبك، تتوقع وكالة الطاقة الدولية الآن أن ترتفع حصة الأوبك في السوق العالمية إلى 40% على الأقل بحلول عام 2050، وهو مستوى لم نشهده منذ سبعينيات القرن الماضي. وإذا استمر الطلب قويًا، فإن هذا التركيز في العرض سيزيد من نفوذ دول أوبك الجيوسياسي.
قد يشهد سوق الغاز العالمي تغيرات قريبًا، بما في ذلك مزيد من التركيز، مما يزيد من احتمالية التسييس. صحيح أنه على مدى العقود الأخيرة، أدى صعود الغاز الطبيعي المسال وظهور سوق غاز أكثر تكاملًا عالميًا إلى الحد على نحوٍ كبير من فرص الإكراه. على سبيل المثال، عندما أوقفت روسيا معظم صادراتها من الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا في عام 2022، تمكنت الدول الأوروبية من تخفيف الخسارة من خلال تأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال المتداول عالميًا، وإن كان ذلك بأسعار أعلى بكثير. ومع ذلك، تشير الديناميكيات المتغيرة في أسواق الغاز العالمية إلى أن مخاطر جديدة قد تنتظرنا. ستكون الإمدادات في السنوات القادمة أكثر تركزًا بين يديّ حفنة من المنتجين، حتى لو لم تتحقق خطة روسيا لمضاعفة طاقتها التصديرية من الغاز الطبيعي المسال ثلاث مرات بحلول عام 2030. إن النمو الحاد في صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر والولايات المتحدة —إلى جانب الاعتماد الأوروبي والآسيوي المتزايد على الغاز الطبيعي المسال— يعني أن المزيد من الغاز سيمر عبر مضيق هرمز ومن ساحل الخليج الأميركي، مما يخلق أهدافًا جيوسياسية جديدة. وعلاوة على ذلك، ورغم أن صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى في مجال الغاز الطبيعي المسال كان يُنظر إليه في السابق باعتباره بلسمًا للمخاطر الجيوسياسية، فإن استخدام إدارة ترامب للإكراه الاقتصادي ضد الحلفاء والخصوم أثار مخاوف بين مستوردي الطاقة من أن الولايات المتحدة ربما لم تعد موردًا موثوقًا به وغير سياسي.
أصبح تزايد استخدام الطاقة النظيفة حول العالم في غضون ذلك سلاحًا ذا حدين فيما يتعلق بأمن الطاقة. فقد ساعد ازدياد استخدام طاقة الرياح والطاقة الشمسية ومصادر الطاقة الجديدة الأخرى العالم على تلبية الطلب المتزايد، وتنويع مزيج الطاقة في الاقتصادات الكبرى، ولا سيما الصين. إلا أن التحول إلى الطاقة النظيفة قد يُثير تهديدات جديدة، لا سيما فيما يتعلق بالتوجه نحو الكهرباء. فبفضل احتياجات الطاقة الهائلة لمراكز البيانات التي تُمكّن الذكاء الاصطناعي، والاستخدام المتزايد لتكييف الهواء والمركبات الكهربائية، وتزايد النشاط الصناعي حول العالم، سترتفع حصة الكهرباء من استخدام الطاقة العالمي من 20% حاليًا إلى 25% في عام 2035، وفقًا لتوقعات وكالة الطاقة الدولية.
سيساعد عالم أكثر اعتمادًا على الكهرباء، إلى حد ما، في الحد من خطر فرض قيود على الطاقة، إذ تستطيع معظم الدول إنتاج جزء كبير من كهربائها من مصادر محلية. ولكن أينما عبرت الكهرباء الحدود، تحمل معها أخطار جديدة. ويُعتبر مستوردو الكهرباء أكثر عرضة للخطر من مستوردي النفط، إذ تميل هذه الدول إلى قلة مصادر الإمداد البديلة، إن وجدت، كما أن الاحتفاظ بالكهرباء في مخزونات إستراتيجية أصعب بكثير من النفط. واليوم، لا يُتداول سوى جزء ضئيل من إمدادات الكهرباء العالمية عبر الحدود. ومع ذلك، فإن خطط تطوير المزيد من خطوط النقل طويلة المدى لربط الدول في أجزاء كثيرة من العالم، بما في ذلك منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا وشمال إفريقيا، قد تزيد من حدة هذا القلق.
من دواعي القلق الأكبر على المستوى العالمي الدور المهيمن الذي تؤدّيه الصين وعدد قليل من الدول الأخرى في توفير المدخلات اللازمة للكهرباء على نطاق واسع. تعتمد خطوط النقل والألواح الشمسية وتوربينات الرياح وبطاريات السيارات والشاحنات والشبكة الكهربائية، جميعها على معادن أساسية، مثل النحاس والنيكل والليثيوم والغرافيت والمعادن الأرضية النادرة. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على هذه المعادن ارتفاعًا كبير في السنوات القادمة، مع زيادة استخدام الليثيوم خمسة أضعاف، وتضاعف استخدام الغرافيت والنيكل بحلول عام 2040. تُعد الصين أكبر منتج لـ 19 معدنًا من المعادن الأساسية العشرين التي تُقيّمها وكالة الطاقة الدولية على أنها أساسية لقطاع الطاقة، وتمثل أكثر من 70% من طاقة التكرير العالمية لهذه المعادن. كما تهيمن على إمدادات المعادن العالمية دول أخرى، مثل إندونيسيا للنيكل، وجمهورية الكونغو الديمقراطية للكوبالت، وروسيا لليورانيوم المخصب. في الواقع، يُعد تعدين بعض المعادن أكثر تركيزًا من إنتاج النفط. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، عندما نستبعد المنتج الأساسي لكل من المعادن الرئيسة المستخدمة في صناعة البطاريات والمعادن النادرة، فإن الموردين الآخرين المتبقين لن يتمكنوا، في المتوسط، من تلبية نصف الطلب العالمي المتبقي فقط في عام 2035.
تشهد تدفقات الطاقة بفضل التحول نحو الطاقة النظيفة تحولًا ملحوظًا، حيث لا يقتصر الأمر على نقل السلع الأساسية —النفط والغاز والفحم والمعادن الأساسية— بل يشمل أيضًا تجارة السلع المصنعة مثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات وأجهزة التحليل الكهربائي. وتُهيمن الصين بقوة على إنتاج هذه السلع، حيث تُمثل الآن أكثر من 80% من طاقة تصنيع الطاقة الشمسية، ونسبة مماثلة تقريبًا من أجزاء رئيسة من سلسلة توريد طاقة الرياح. أما في مجال البطاريات، فيزداد دور الصين، حيث تُمثل أكثر من 85% من جميع مراحل سلسلة قيمة البطاريات، وما يصل إلى 95% من الأنودات —وهي الجزء من البطارية الذي يُخزن الطاقة في أثناء الشحن. كل هذا يُثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السلع قد تُصبح رهينة للسياسة أو الصراعات في المستقبل.
تُعطينا التطورات الواقعية مبررًا لأخذ هذه المخاوف على محمل الجد. ففي عام 2010، وخلال المواجهة حول جزر دياويو/سينكاكو في بحر الصين الشرقي، علّقت بيجين مؤقتًا تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان، مما أثار قلقًا بالغًا في صناعات التكنولوجيا الفائقة اليابانية. وفي أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، وفي ظل التوترات مع الولايات المتحدة بشأن تدفق التكنولوجيا، فرضت الصين قيودًا على تصدير الغرافيت وبعض المعادن الأساسية والمعادن الأرضية النادرة، مما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار واضطرابات في سلسلة التوريد، مما فرض قيودًا كبيرة على الشركات المصنعة الأميركية. فعلى سبيل المثال، اضطرت شركة فورد للسيارات إلى إيقاف بعض مصانعها الأميركية مؤقتًا بسبب نقص مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة التي توفرها الصين.
إن إمكانية استخدام الصين للطاقة النظيفة سلاحًا، بالنظر إلى هيمنة بيجين على إنتاج المعادن والألواح الشمسية والبطاريات، تُعدّ عنصرًا أساسيًا في هذا العصر الجديد من التنافس الجيوسياسي الشديد. ولا سيما في ضوء السيناريوهات المستقبلية التي تختلف فيها واشنطن وبيجين حول مستقبل تايوان، يجب على صانعي السياسات مراعاة قدرة الصين على إغراق السوق بالمعادن الأساسية، أو المعادن النادرة، أو منتجات الطاقة النظيفة، وتقويض المنافسة، أو تقييد الصادرات لردع أو كبح ردود الفعل الغربية، واستبعاد حلفاء الولايات المتحدة المعتمدين اقتصاديًا على المدخلات الصينية. وقد تؤدي هذه الخطوة إلى ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في المعروض، ليس فقط في سلاسل توريد الطاقة، ولكن أيضًا في المواد اللازمة للاستعداد الدفاعي وإنتاج الأسلحة.
تمتد المخاوف بشأن تسليح الكهرباء إلى البنية التحتية للطاقة أيضًا. حذّر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في عام 2024 من أن قراصنة صينيين مدعومين من الدولة قد اخترقوا شبكات حيوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة، فيما وصفه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي آنذاك، كريستوفر راي، بأنه تهديد «واسع النطاق ومتواصل». تُعدّ شبكات الطاقة هدفًا جذابًا على نحوٍ خاص للتسليح. ونظرًا لأن الكهرباء تُعدّ المدخل الرئيس للطاقة في القطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى، مثل التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي، فإن انقطاع التيار الكهربائي قد يُسبب أضرارًا اقتصادية جسيمة. وستتطلب زيادة الاعتماد على الكهرباء، ومصادر الطاقة المتجددة، والاحتياجات الشديدة للتدفئة والتبريد، من الشبكات التعامل مع فترات ذروة الطلب على الكهرباء بشكل أكثر تكرارًا، مما يُتيح المزيد من فرص مهاجمة الشبكات في أوقات الضغط الشديد والضعف.
مزيد من الكفاءة = مزيد من الأمن
مع عودة سلاح الطاقة، سيحتاج صانعو السياسات إلى إعادة النظر في سياسات الطاقة، وكذلك في السياسة الخارجية والأمن القومي. فنظرًا للتحولات الجذرية في مشهد الطاقة، وتراجع العولمة، وعودة التنافس بين القوى العظمى، تتزايد فرص الدول في استخدام الطاقة وسيلةً لكسب النفوذ أو تحقيق أهداف سياستها الخارجية، وتتجاوز النفط بكثير. لا يزال الحل القديم المتمثل في الاندماج في أسواق عالمية مترابطة وفعّالة يُقدم فوائد، ولكنه قد يوفر حماية أقل مع تفكك الأسواق نفسها واستغلال الطاقة بطرق جديدة. سيحتاج صانعو السياسات وغيرهم إلى إيجاد سبل لحماية المواطنين والشركات من التقلبات التي سيجلبها تسليح الطاقة بلا شك.
هناك بعض الوصفات الواضحة، التي تنطبق على جميع البلدان، وهي تقليل التعرض لإمدادات الطاقة المتقلبة، وبناء احتياطيات ضد الصدمات المحتملة، وزيادة كفاءة الطاقة. قد يكون لدى بعض البلدان، بناءً على جيولوجيتها، خيار تعزيز الإمدادات المحلية من النفط والغاز للحد من اعتمادها على الطاقة المستوردة. قد يميل صانعو السياسات في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، إلى السعي إلى تحقيق اكتفاء ذاتي أكبر أو حتى كلي في مجال الطاقة للحد من خطر التسليح. لكن استقلال الطاقة بهذا المعنى هو خرافة. فاليوم، تنتج الولايات المتحدة طاقة أكثر مما تستهلك، لكنها لا تزال تستورد وتصدر كميات كبيرة من النفط، وبالتالي فهي متورطة في الأسواق العالمية وعرضة لأي تقلبات فيها. في عالم أكثر تسليحًا، سيتطلب أمن الطاقة الحقيقي ليس فقط إنتاج المزيد من النفط أو الغاز ولكن أيضًا، وخاصةً، استهلاكًا أقل.
يمكن لقادة الدول في أوروبا أو شرق آسيا التي اعتمدت لفترة طويلة على واردات النفط والغاز — حتى أكثر من الولايات المتحدة — حماية أنفسهم من تقلبات الأسواق من خلال تقليل تجارتهم في الطاقة، والتي تتكون كلها تقريبًا اليوم من الوقود الأحفوري. وعلى الرغم من أنه يمكن «استبدال» بعض هذه الواردات من خلال زيادة الكفاءة، فإن تقليص معظمها سيتطلب توليد مزيدٍ من الكهرباء محليًا، على سبيل المثال، من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة النووية أو الطاقة الحرارية الأرضية. (بالنسبة لبعض البلدان، على سبيل المثال في جنوب آسيا، يمكن أن يعني ذلك أيضًا الفحم المنتج محليًا). ونظرًا للأخطار التي تشكلها سلاسل توريد الطاقة النظيفة، قد يتساءل المرء عن مقدار الحماية التي يوفرها هذا التحول. وقد أعرب السيناتور الأميركي السابق جو مانشين (Joe Manchin) عن أسفه لمعضلة محاولة «استبدال سلسلة توريد أجنبية غير موثوقة بأخرى».
لكن المخاطر التي يشكلها قطاعا النفط والغاز تختلف عن مخاطر قطاع الطاقة النظيفة. فاحتمالية تسليح الصين لسلاسل توريد الطاقة النظيفة حقيقية، مما قد يحد من قدرة العديد من الدول على تداول سيارات كهربائية جديدة، أو ألواح شمسية، أو بطاريات تخزين للشبكة. لكن على عكس النفط والغاز، فإن هذه الأساليب لن تُعرّض تدفق الطاقة للخطر. ولن يُؤدي تسليح الصين لتركيز سلسلة التوريد إلى انقطاع الكهرباء، أو توقف السيارات عن العمل، أو تجمد المنازل بسرعة. بل سيؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتأخير المنتجات التي تُنتج وتُخزّن الطاقة. ورغم أن مخاطر سلسلة التوريد هذه قد تُخلّف آثارًا اقتصادية كبيرة، إلا أن معالجتها ستكون أسهل على معظم الدول بمرور الوقت. فعلى عكس إنتاج الوقود الأحفوري، الذي يعتمد على عوامل جيولوجية جيدة، يُمكن تعزيز القدرة التصنيعية في معظم الأماكن. ولهذه الأسباب، ولأسباب تتعلق بأمن الطاقة فقط، ينبغي على الولايات المتحدة إعادة النظر في تراجعها الحالي عن السياسات التي تسعى إلى تحديث وتوسيع الشبكة الكهربائية، وتطوير المزيد من توليد وتصنيع الطاقة النظيفة محليًا.
إن استخدام الطاقة النظيفة للحد من تسليح أسواق الوقود الأحفوري أمر منطقي لأسباب أخرى أيضًا. فمن خلال تقديم الدعم، وإلغاء القيود التنظيمية المفرطة، وتبسيط إجراءات التصاريح، يمكن للدول الغنية بالمعادن تشجيع المزيد من الإنتاج والاستثمار المحلي في التصنيع والتعدين وبناء الشبكات. كما يمكن لجميع الدول المستهلكة بناء قدراتها التصنيعية في مجالات مثل تكرير ومعالجة المعادن. ويمكنها أيضًا تقليل اعتمادها على سلاسل التوريد التي تهيمن عليها الصين من خلال الاستثمار في مشاريع الطاقة في مجموعة أكثر تنوعًا من المجالات، مثل تعدين وتكرير ومعالجة المعادن الحيوية في أفريقيا وأميركا اللاتينية. ويمكن للحكومات أيضًا جعل بنيتها التحتية الوطنية للطاقة أكثر مرونة في مواجهة الهجمات من خلال تقوية شبكات الكهرباء، وإدارة فترات ذروة الطلب بكفاءة أكبر، وتطبيق حماية أفضل من تهديدات الأمن السيبراني. وأخيرًا، وللتخفيف من وطأة الصدمات المستقبلية، سيحتاج صانعو السياسات إلى إنشاء وتوسيع مخزونات الطوارئ، مثل تلك المخصصة لبعض المعادن الحيوية والغاز الطبيعي، على غرار ما فعله الاحتياطي البترولي الإستراتيجي الأميركي للنفط.
إلى جانب هذا الإجراء السياسي المباشر، سيحتاج صانعو القرار إلى التفكير على نحوٍ أكثر إبداعًا في تدخل الدولة في قطاع الطاقة. يدفع السعي لتحقيق أمن الطاقة في بيئة اليوم المضطربة الحكومات بالفعل إلى البحث عن حلول لمشاكل كانت ستُترك للسوق لحلها في عصر التعاون الدولي المتزايد. في بعض الحالات، ستكون هذه التدخلات، مثل استثمار إدارة ترامب الأخير في أسهم شركة محلية للعناصر الأرضية النادرة، منطقية بل وضرورية لجعل الولايات المتحدة ودول أخرى أقل عرضة للإكراه في مجال الطاقة. ومع ذلك، فإن مثل هذه التحركات نحو رأسمالية الدولة تنطوي على مخاطر كبيرة وتتطلب حواجز وقائية لمنع التدخل السياسي أو الأيديولوجي في صنع القرار في الشركات.
الدفاع الشامل
قد تبدو فكرة بدء حقبة جديدة من تسليح الطاقة غير منطقية في مواجهة سوق طاقة عالمي يبدو متوازنًا في الغالب. تعتمد العودة الشاملة لهذا الشكل القوي من الإكراه على مجموعة متنوعة من الاتجاهات التي تتجلى في الجغرافيا السياسية ونظام الطاقة العالمي. وبالنظر إلى حالة عدم اليقين المحيطة بهذه الاتجاهات، فإن المزيد من التسليح ليس أمرًا حتميًا. ولكن الواقع الناشئ المتمثل في المنافسة بين القوى العظمى، والتفتت الاقتصادي، وتضييق أسواق الطاقة، والتركيز المتزايد للوقود الأحفوري وإمدادات الطاقة النظيفة بين عدد صغير من البلدان يزيد من احتمالات استخدام سلاح الطاقة.
لحماية بلدانهم من المخاطر الجديدة، سيحتاج صانعو السياسات إلى استجماع الشجاعة السياسية والبراغماتية اللازمة للقيام باستثمارات رأسمالية ضخمة جديدة. وسيكون هذا الجهد صعبًا للغاية في ظل القيود المالية الشديدة وأزمات الديون المتفاقمة في العديد من الاقتصادات المتقدمة. وبدلًا من الاعتماد على قوى السوق لتطوير وتوفير أرخص تدفقات الطاقة، سيحتاج صانعو السياسات إلى البحث عن مصادر أكثر أمانًا، حتى لو كانت تكلفتها أعلى، وبناء بنية تحتية احتياطية وأكثر مرونة للحماية من أزمات الطاقة المحتملة والتعامل معها على نحوٍ أفضل. سيؤدي الإنفاق بهذا الحجم إلى ارتفاع أسعار الطاقة، لا سيما في عصر ارتفاع تكاليف رأس المال. كما سيؤدي إلى دور أكثر فاعلية للدولة في اقتصاد الطاقة، وهو تطور من شأنه أن يخلق المزيد من فرص الاستثمار، ولكنه سيزيد أيضًا من عدم اليقين بالنسبة لرأس المال الخاص. وإذا ما وظِّفت هذه الاستثمارات الحكومية بحكمة، فيمكنها تعزيز أمن الطاقة ودرءِ أسوأ أشكال الإكراه.
يمكن لهذه الاستجابات السياسية ذاتها، على عكس المتوقع، أن تُعطي دفعة قوية للطاقة النظيفة. يعني التهديد المتجدد بتسليح الطاقة وجود قضية مشتركة أكبر بين أنصار أجندة ترامب للهيمنة على الطاقة ودعاة الطاقة النظيفة الذين يسعون إلى تحول أسرع نحو اقتصاد أقل كثافة للكربون. لتحقيق أمن طاقي حقيقي، لا سيما في ظل الطلب المتزايد بسرعة، ينبغي على الولايات المتحدة ألا تستثمر فقط في قطاع النفط والغاز الخاص بها، بل أيضًا في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات والمركبات الكهربائية والمعادن الأساسية والوقود النووي، وغيرها من تقنيات الطاقة، مع تنويع سلاسل إمداد الطاقة بالتوازي. ونظرًا لأن النفط لا يزال يُسعر في سوق عالمية متقلبة، فإن تقليل تعرض البلاد لصدمات الطاقة وزيادة التسليح العلني لا يعني مجرد إنتاج المزيد، بل والأهم من ذلك، استخدام كميات أقل.
يمكن أن تكون ضرورة تعزيز أمن الطاقة في نهاية المطاف دافعًا أقوى لنشر الطاقة النظيفة وتقليل استخدام الوقود الأحفوري من خطر تغير المناخ نفسه. وبالتالي، قد يكون للحقبة القادمة من التسليح جانب إيجابي. وسوف يخلق ذلك حافزًا جديدًا قويًا، لأولئك المعنيين بالطاقة والمناخ على حد سواء، للاستثمار في استراتيجيات الطاقة وسلسلة التوريد المتعددة الأوجه التي ستكون ضرورية لمستقبل آمن.
التعليقات