أصدرت إدارة ترامب في كانون الأول/ ديسمبر 2025 إستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي (NSS). ولا تُعدّ هذه الوثائق، في العادة، مؤشّرات موثوقة لما قد يحدث في العالم الواقعي، بل أقرب إلى أدوات تسويقية تنقل مواقف إدارة بعينها، بينما نادرًا ما تقدم صورة مفصلة أو دقيقة لسياساتها المحتملة.
ويكمن السبب وراء محدودية أهمية وثائق من قبيل إستراتيجية الأمن القومي في أمرٍ بسيط: فالسياسات الخارجية والعسكرية لا تُصاغ بالوثائق، بل بالقوّة والأيديولوجيا. وغالبًا ما ينبع النهج الأميركي السائد تجاه العالم من صراعات بين ممثّلي جماعات مصالح متنافسة، يتمتّع بعضها—مثل المجمع الصناعي العسكري—بأفضلية واضحة في هذا الصراع. إذ تمتلك صناعة الأسلحة وحلفاؤها في البنتاغون والكونغرس طيفًا واسعًا من أدوات النفوذ، من بينها عشرات الملايين من الدولارات في تمويل الحملات الانتخابية، وأكثر من ألف جماعة ضغط، إضافة إلى الوظائف المرتبطة بالمنشآت العسكرية في ولايات ومناطق أعضاء الكونغرس المؤثّرين. كما أنّ للمجمع الصناعي العسكري —الذي أشرتُ إليه أنا وزميلي بن فريمان في كتابنا الجديد بوصفه «آلة الحرب التي تبلغ قيمتها تريليون دولار»— تأثيرًا بالغًا في المؤسّسات التي تشكّل رؤيتنا للعالم، بدءًا من وسائل الإعلام، مرورًا بمراكز الفكر في واشنطن العاصمة، وصولًا إلى هوليوود وصناعة الألعاب وجامعاتنا.
غير أنّ قوّة «آلة الحرب» ونفوذها لا يمران من دون تحدٍّ. إذ تواجه قبضة النزعة العسكرية والمؤسّسات المستفيدة منها اعتراضات متنامية من منظمات عدّة، من بينها حملة الفقراء: دعوة لإحياء القيم الأخلاقية (The Poor People’s Campaign: A Call for Moral Revival)، ومنظمة المعارضين (Dissenters)، وهي جماعة شبابية مناهِضة للعسكرة مقرّها شيكاغو، ومنظمات المحاربين القدامى المناهضة للحرب، مثل أباوت فيس (About Face)، وكومون ديفنس (Common Defense)، ومحاربون قدامى من أجل السلام (Veterans for Peace)، فضلًا عن جماعات سلام عريقة، كـلجنة الأصدقاء للتشريعات الوطنية (Friends Committee on National Legislation) ومنظمة العمل من أجل السلام (Peace Action)؛ ويُضاف إلى ذلك شبكات مثل الشعب فوق البنتاغون (People Over Pentagon) وتفكيك المجمع الصناعي العسكري (Dismantle the Military-Industrial Complex)، إلى جانب حركات وقف إطلاق النار والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الجامعات الأميركية وخارجها، وجماعات تعمل من أجل العدالة العرقية والاقتصادية، وحقوق المثليين والمتحوّلين جنسيًا، وإصلاح قوانين الهجرة، ونزع سلاح الشرطة، والتعويض عن الأضرار البيئية الناجمة عن تجارب الأسلحة النووية وغيرها من الأنشطة العسكرية. ومع توحّد هذه المنظمات، وقدرتها على حشد عشرات الملايين ممّن تتأثّر حياتهم وآفاقهم بآلة الحرب المتنامية باستمرار في هذا البلد، يمكن الأمل بإمكان بناء القوّة اللازمة لخلق عالمٍ أفضل، أكثر تسامحًا وسلامًا—عالم يلبّي احتياجات غالبيّة سكّانه، بدلًا من إهدار الموارد الثمينة بلا نهاية على الحرب والاستعداد لمزيدٍ منها.
فلماذا نولي اهتمامًا لوثيقة الإستراتيجية الجديدة تلك، إذا كان ما يحدّد سلامتنا وأمننا يكمن في مكانٍ آخر؟ ثمّة أسباب عدّة تبرّر ذلك.
أولًا، أثارت إستراتيجية الأمن القومي نقاشًا في وسائل الإعلام الرئيسة وفي الأوساط النخبوية حول ما ينبغي، في الواقع، أن تكون عليه أولويات الولايات المتحدة في العالم، وهو نقاشٌ ينبغي توسيعه ليشمل أيضًا وجهات نظر الأفراد والمنظّمات التي تتحمّل فعليًا تبعات سياساتنا العسكرية، داخليًا وخارجيًا ثانيًا، تعكس هذه الإستراتيجية نياتٍ مقلقة ورؤيةً عالمية للإدارة الحالية، وهي إدارة تمتلك، بلا شك، القدرة على تقرير ما إذا كان هذا البلد في حالة حرب أم في حالة سلام. وأخيرًا، تشير الإستراتيجية إلى الصورة التي ترغب إدارة ترامب في أن تُعرَف بها. ومن ثمّ، ينبغي النظر إليها بوصفها أداةً—أو سلاحًا—في النقاش الدائر حول طبيعة الدولة التي ينبغي أن تكون عليها الولايات المتحدة.
الترويج لـ «رئيس السلام»
منذ البداية، عكست رسالة التقديم المرفقة بوثيقة الإستراتيجية الجديدة أسلوب دونالد ترامب تمامًا. وكما هو معلوم، يريد شاغل المكتب البيضاوي الحالي أن نعتقد أنّ كلّ ما يفعله أكبر وأفضل وأجمل ممّا سبقه. وينطبق ذلك، بلا شك، في السنة الأولى من ولايته الثانية، على رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه سياسات الأمن القومي لهذا البلد في الواقع. وكما ورد في الرسالة:
«على مدى الأشهر التسعة الماضية، أنقذنا أمتنا، والعالم، من حافة الكارثة والهلاك. وبعد أربع سنوات من الضعف والتطرّف والإخفاقات المميتة، تحرّكت إدارتي بسرعة تاريخية وبإلحاح بالغ لاستعادة القوّة الأميركية في الداخل والخارج، وجلب السلام والاستقرار إلى عالمنا.
لم تشهد أيّ إدارة في التاريخ تحوّلًا جذريًا كهذا في مثل هذه الفترة القصيرة».
وغنيّ عن القول إنّه يُفترض بنا أن نعزو هذا الانتعاش الأميركي المزعوم إلى براعة الرئيس وفريقه ومواقفهم المتشدّدة. غير أنّ أيّ أميركي عاقل ينبغي أن يشكّ في ذلك فورًا. ففي نهاية المطاف، كان أحد أبرز إنجازات إدارة ترامب، كما تذكر الوثيقة الجديدة، هو التخلّص من «الأيديولوجية الجندرية المتطرفة وجنون الووك [Woke] في جيشنا». وبعبارة أخرى، وتحت ستار حملة ضدّ التنوع والإنصاف والشمول، عمدت الإدارة فعليًا إلى تفكيك البرامج المصمّمة للحدّ من العنصرية وكراهية النساء والعنف ضدّ المثليين والمتحوّلين جنسيًا داخل صفوف الجيش.
ولا شكّ في أنّ مدى كفاية هذه البرامج في معالجة التمييز المتجذّر في تلك المؤسّسة مسألة قابلة للنقاش، غير أنّ معالجة التمييز في الجيش كانت، ولا تزال، ضرورة لا تقبل الجدل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أظهرت دراسة أجرتها عالمة الجغرافيا السياسية جينيفر غرينبيرغ عام 2024 لصالح مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون أنّ عدد حالات الاعتداء الجنسي في الجيش الأميركي تجاوز 70 ألف حالة خلال عامي 2021 و2023، وهما العامان اللذان شملهما تحليلها. كما أشار تقريرها إلى أنّه «في المتوسّط، وعلى امتداد الحرب في أفغانستان، تعرّضت 24 بالمئة من النساء العاملات في الخدمة الفعلية و1.9 بالمئة من الرجال العاملين في الخدمة الفعلية لاعتداءات جنسية». إن التظاهر بأن العنف الجنسي واسع النطاق غير موجود في الجيش الأميركي أو رفضه بوصفهِ مُجرد مظهرٍ من مظاهر «الأيديولوجية الجندرية الراديكالية وجنون الووك» ينبغي اعتباره، في أحسن الأحوال، سياسةً ترقى إلى مستوى الإهمال الجنائي. وبالتأكيد، لا يمثّل ذلك صورةً مشرّفة لشخص يتوق بشدّة إلى أن يُعرَف بلقب «رئيس السلام».
لكنّ قائدنا الأعلى لا يكون شيئًا إن لم يكن مثابرًا (ويمكن التنبؤ به). ففي مقدّمته لوثيقة الإستراتيجية الجديدة، ولستُ بحاجة إلى القول إنّ الرئيس ترامب اغتنم الفرصة —كما هو متوقَّع— ليُشيد بنفسه بزعم إنهاء «ثمانية صراعات مستعرة» خلال الأشهر الثمانية الأولى من ولايته، بما في ذلك الصراعات بين كمبوديا وتايلاند، وكوسوفو وصربيا، وأرمينيا وأذربيجان، والهند وباكستان، وإسرائيل وإيران..
وبالطبع، يمكن تفهّم عجز سكّان العديد من تلك البلدان عن إدراك الدور المزعوم للرئيس ترامب في جلب سلام نسبي إلى مناطقهم، أو —في بعض الحالات— عن ملاحظة أنّ الأوضاع السلمية التي يدّعي تحقيقها غير موجودة أصلًا. ومن حقّهم، والحال كذلك، أن يكونوا متشكّكين. ففي نهاية المطاف، نحن إزاء الرئيس نفسه الذي دمّر السلك الدبلوماسي الأميركي، وفكّك أبرز مؤسّسات واشنطن في مجال المساعدات الاقتصادية والإنسانية، أي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية —وهي تصرّفات لا تليق برئيس يدّعي السعي إلى السلام العالمي.
ويتناقض خطاب ترامب في رسالته التمهيدية مع بعض المقاطع الأكثر رصانة في متن الوثيقة نفسها. غير أن أن هذيانه وتمجيده المتكرر لذاته يبدوان بلا شك أكثر دلالة حين يتعلق الأمر بفهم العالم الذي نعيش فيه فعليًا من الكلمات الواردة في صلب مخطط تلك الإستراتيجية. وإذا كان لوقته في منصبه أي دلالة، فهو أنّ سياسات إدارته تتشكّل إلى حدّ بعيد وفق رغباته الشخصية واستياءاته، سواء انسجمت مع القوانين والإجراءات أو مع الخطاب السياسي القائم، أم لم تنسجم.
مبدأ دونرو: إستراتيجية من القرن التاسع عشر لعالم القرن الحادي والعشرين
إنّ الجانب الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام في الإستراتيجية العسكرية المُعلَنة حديثًا—وربّما الأقرب إلى قلب الرئيس—هو تركيزها، لا على بقية العالم، بل على نصف الكرة الأرضية الغربي، بما في ذلك ما سمّاه الرئيس دونالد ترامب «ملحق ترامب» لمبدأ مونرو، أو ما بات يُعرَف باسم «مبدأ دونرو».
ويشمل هذا التركيز على نصف الكرة الأرضية الغربي الحملةَ الصارمة التي تشنّها الإدارة الأميركية على الهجرة. إذ باتت إدارة الهجرة والجمارك (ICE) تقوم، حرفيًا، باختطاف أشخاص من شوارع المدن الأميركية، وغالبًا من دون اعتبار لوضعهم القانوني الفعلي في ما يتّصل بالهجرة، ومن دون سجلات جنائية مُثبَتة تُستخدم لتبرير تلك الأنشطة. ويرى الرئيس ترامب هذه الموجة من القمع وسامَ شرف، قائلًا: «بدءًا من أوّل يوم لي في منصبي، استعدنا الحدود السيادية للولايات المتحدة، ونشرنا الجيش لوقف غزو بلادنا».
وقد تزامنت هذه العسكرة المفرطة للحدود مع موقفٍ أشدّ عدوانية في نصف الكرة الأرضية الغربي عمومًا، ولا سيّما عبر الهجمات المتكرّرة على قوارب يُشتبه في تهريبها للمخدّرات في البحر الكاريبي، وفي المياه قبالة السواحل الفنزويلية، بل وحتى في شرق المحيط الهادئ، فضلًا عن الاستعدادات لما قد يتحوّل إلى حرب لتغيير النظام ضدّ حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وذلك بصرف النظر عن حقيقة أنّ بلاده لا تشكّل أيّ تهديد مباشر للولايات المتحدة. ومع ذلك، تتواصل الدعوات الجمهورية إلى شنّ حرب شاملة ضدّ فنزويلا، على الرغم من النتائج الكارثية لسياسات تغيير الأنظمة التي انتهجتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها خلال هذا القرن.
إنّ الهجمات على تلك السفن العاجزة عن الدفاع عن نفسها —والتي تستهدف أفرادًا لا يشكّلون تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة، ولم يُثبَت أصلًا تورّطهم في تهريب المخدّرات— تنتهك القانون الدولي، وتُنفَّذ من دون موافقة الكونغرس. ولا يقلّ ذلك صحّةً في ما يتعلّق بالاستيلاء الأخير على سفينة شحن فنزويلية كانت تنقل النفط إلى آسيا، وفرض عقوبات على ستّ سفن أخرى تحمل النفط.
لسوء الحظ، بات شنّ الحروب من دون استشارة الكونغرس هو القاعدة في التدخّلات العسكرية الأميركية خلال هذا القرن. وتشير البيانات التي جمعها مشروع التدخّل العسكري في جامعة تافتس إلى أنّ الولايات المتحدة استخدمت القوّة العسكرية أو انخرطت في حرب مباشرة ثلاثين مرّة منذ عام 2001، فيما ظلّ الكونغرس، إلى حدٍّ كبير، على الهامش. ونادرًا ما حقّقت تلك التدخّلات ما يقترب من أهدافها المُعلَنة، كما وثّق ذلك مشروع تكاليف الحرب، الذي أظهر أنّ حرب الولايات المتحدة على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر كلّفت ما لا يقلّ عن ثمانية تريليونات دولار، وتسبّبت في مقتل مئات الآلاف من المدنيين، وخلّفت أعدادًا كبيرة من المحاربين الأميركيين القدامى يعانون إصابات جسدية ونفسية —كلّ ذلك من دون تحقيق الأهداف المُعلَنة المتمثّلة في تعزيز الديمقراطية أو الاستقرار في البلدان المستهدفة.
هل تستطيع إدارة ترامب إنهاء الحروب التي لا تنتهي؟
على الرغم من تصاعد نزعتها العدوانية في نصف الكرة الغربي (وعلى الأراضي الأميركية)، يأمل بعض المحلّلين في أن تُقلِّص إدارة ترامب، في نهاية المطاف، وتيرة التدخّل العسكري الأميركي على الصعيد العالمي، وربما حتى أن «تُنهي الحروب التي لا نهاية لها». ثمّة خطاب في وثيقة الإستراتيجية الجديدة يمكن أن يُسند مثل هذا التصوّر، غير أنّ السؤال الجوهري يبقى ما إذا كان الرئيس سيتصرّف بناءً عليه فعليًا بأيّ شكل.
وإذا اقتصر النظر على الخطاب وحده، فإنّ وثيقة إستراتيجية الإدارة توحي، على الأقل، بانخفاضٍ ضمني في استخدام القوّة خارج البلاد، كما يتّضح من مناقشتها لمفهوم الإستراتيجية نفسه:
«يجب أن تقوم الإستراتيجية بالتقييم والفرز وتحديد الأولويات. لا يمكن أن تكون كل دولة أو منطقة أو قضية أو سبب —مهما كانت جديرة بالاهتمام— محورًا للإستراتيجية الأميركية... لقد فشلت الإستراتيجيات الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة —فقد كانت مجرد قوائم طويلة من الأمنيات أو الغايات المرجوة؛ ولم تحدد بوضوح ما نريده، بل اكتفت بعبارات عامة مبهمة».
ثم يذهب المستند إلى أبعد من ذلك، فيبدو وكأنه يدين آلة الحرب الأميركية والسعي إلى الهيمنة العسكرية الأميركية على مستوى العالم:
«بعد انتهاء الحرب الباردة، أقنعت النخب السياسية الخارجية الأميركية نفسها بأن الهيمنة الأميركية الدائمة على العالم بأسره تصبّ في مصلحة بلادنا... وقد أخطأت هذه النخب خطأً فادحًا في تقدير استعداد أميركا لتحمّل أعباء عالمية إلى الأبد، من دون أن يرى الشعب الأميركي أي صلة لها بالمصلحة الوطنية. كما بالغت في تقدير قدرة أميركا على تمويل دولةٍ ضخمة للرعاية الاجتماعية والتنظيم والإدارة، إلى جانب مجمّع عسكري ودبلوماسي واستخباراتي ومعونات خارجية متضخّمة».
وقد عزز وزير الدفاع/الحرب بيت هيغسيث هذه المضامين في خطاب ألقاه في السادس من كانون الأول/ ديسمبر 2025 خلال منتدى ريغان للدفاع الوطني، مع تسليط الضوء على إدانات الإدارة المعتادة للجهود المبذولة للحد من التمييز في الجيش أو في المجتمع الأميركي، وكذلك معالجة تغير المناخ. وكما لخص الأمر، «لن تنشغل وزارة الحرب ببناء الديمقراطية، أو التدخل، أو الحروب غير المحددة، أو تغيير الأنظمة، أو تغير المناخ، أو الوعظ الأخلاقي، أو بناء الدول غير المجدي».
إذا أُخذت هذه الملاحظات على محمل الجد، فإنها ستؤدي إلى انخفاض حاد في الوجود العسكري الأميركي العالمي الذي يشمل نحو 750 قاعدة في الخارج، وأكثر من 170 ألف جندي منتشرين خارج البلاد، وبحريةً مُصمَّمة لدعم القتال في أيّ مكان من العالم، فضلًا عن عشرات العمليات الجارية تحت عنوان «مكافحة الإرهاب» من الصومال إلى اليمن، وعلاقات توريد أسلحة مع أكثر من نصف دول العالم.
وغنيّ عن القول إنّ شيئًا من ذلك لم يحدث حتى الآن، سواء كان الجمهوريون أم الديمقراطيون على رأس الإدارة. غير أنّ الحال هنا لا يختلف عن تصريحات الرئيس دونالد ترامب عن كونه «صانع سلام»، أو عن انتقاداته الخطابية المتقطّعة لـ «تجّار الحرب» و«دعاة الحرب»؛ إذ تبدو اللغة المناهضة للتدخّل الواردة في بعض إستراتيجيات الأمن القومي الجديدة للإدارة موجّهةً بوضوح إلى شرائح من قاعدة الرئيس في الداخل، تلك التي سئمت الحروب وتشعر بالارتياب إزاء الشركات الكبرى و«الدولة العميقة».
وللأسف الشديد، يبدو أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووزير الحرب بيت هيغسيث، وبقيّة فريقه، مستعدّون تمامًا لإشعال حرب واسعة النطاق في نصف الكرة الأرضية الغربي، مع تجاهلٍ متزامن للأنشطة القتالية الأخرى التي يخوضها الجيش الأميركي في أنحاء العالم. (فعلى سبيل المثال، أكّدت القيادة الأميركية في أفريقيا مؤخرًا أنّها شنّت 111 غارة جوية على الصومال خلال عام 2025). ويبقى السؤال ما إذا كان أنصار ترامب في الداخل مستعدّين، أو قادرين أصلًا، على محاسبته على خطابه المناهض للحرب، والحدّ من ميله إلى استخدام القوّة العسكرية.
النضال من أجل السلام
تقتضي مقاومة عسكرة السياسة الخارجية الأميركية والسعي إلى عكس مسارها قول الحقيقة في وجه السلطة، والعمل على تفنيد الخرافات التي تُسوِّغ حالة الحرب الدائمة التي يعيشها هذا البلد. غير أنّ ذلك يتطلّب أيضًا مواجهة القوّة بالقوّة، من خلال بناء حركة شعبية واسعة مناهِضة للنزعة العسكرية بكلّ تجلّياتها، بما في ذلك عسكرة السياسة الخارجية، وإنفاذ قوانين الهجرة، وعمل الشرطة في الداخل، فضلًا عن دور الجيش في إنتاج كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري، وما يترتّب على ذلك من تسريع تغيّر المناخ وتهديد الصحّة العامة.
ثمّة أفراد ومنظّمات يناضلون بالفعل على جميع هذه الجبهات. غير أنّ بناء شبكة مقاومة تحترم أولويات كلّ فرد من أفرادها يتطلّب تنظيمًا دقيقًا، وإرساء علاقات متينة وطويلة الأمد. وقد بدأ قدرٌ كبير من هذا العمل فعلًا. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للمصلحة العامة أن تتغلّب على المصالح الخاصّة، وعلى الأيديولوجيات المفلسة التي لا تزال تجعل من الحرب —والتهديد بحروب أخرى— الواجهة التي تُعرَف بها أميركا في العالم؟ إنّه سؤال لا يمكن لأيٍّ منّا أن يقف حياله موقف الحياد.
التعليقات