انتُخب حسن روحاني في شهر حزيران/ يونيو 2013 رئيسًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية. كان روحاني مُرشّحًا إصلاحيًا، وقد فسَّر الكثيرون فوزه على أنه بشيرٌ بتحرير أو ترشيد محتمل للسياسة الداخلية والخارجية الإيرانية. غير أنّ هذا التفسير يغفل طبيعة النظام السياسي الإيراني، حيث لا يحتلّ رئيس الجمهورية الموقع الحاسم في صنع القرار. فالشخصية المركزية في بنية الحكم الإيراني هي المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي؛ إذ يمنح الدستور الإيراني المرشد الأعلى سلطة هائلة على جميع مؤسسات الدولة الرئيسة، وقد وجد خامنئي، الذي يشغل هذا المنصب منذ عام 1989، العديد من الطرق الأخرى لزيادة نفوذه. سواء كان ذلك رَسْميًا أم لا، فإن السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للحكومة تعمل جميعها تحت سيادته المطلقة: خامنئي هو رئيس الدولة الإيرانية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وكبير منظريها. إن آراءه هي التي تُشكّل في نهاية المطاف السياسة الإيرانية، ولذلك يجدر استكشافها بالتفصيل.
ولد خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد الواقعة شمال شرق إيران. ونشأ في أسرة دينية متواضعة الدخل؛ إذ كان والده عالمًا دينيًا، وسار خامنئي، الثاني بين ثمانية أبناء، على خطى والده، فالتحق بالحوزة الدينية (اثنان من إخوته أيضًا من رجال الدين). درس في مدينة قُمْ من عام 1958 إلى عام 1964، وانخرط خلال تلك الفترة في حركة المعارضة الدينية التي قادها آية الله روح الله الخميني عام 1962. وأدّى دورًا بارزًا في الثورة الإيرانية عام 1979، ثم تولى رئاسة إيران بين عاميّ 1981 و1989، ثم خلف الخميني مرشدًا أعلى للثورة الإسلامية.
طالما كان خامنئي على اتصال بعالم المثقفين الإيرانيين، وقد تبلورت الخطوط العريضة الأساسية لأفكاره في شبابه وبداية مرحلة البلوغ، خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. كانت إيران آنذاك دولة مَلَكيّة وحليفة للولايات المتحدة، ورأت قوى المعارضة الإيرانية إلى الشاه حاكمًا تابعًا ودمية بيد الأميركيين. وكان خامنئي قبل الثورة، على عكس العديد من الإسلاميين الآخرين، على اتصال بأهم المثقفين العلمانيين المعارضين واستوعب خطابهم. لكنه كان أيضًا طالبًا في معهد ديني، وكان تركيزه الرئيس على تعلم الشريعة الإسلامية. لقد تعرّف على منظري جماعة الإخوان المسلمين وتأثر بأعمال سيد قطب، والتي قام خامنئي نفسه بترجمة بعضها إلى اللغة الفارسية.
تكوَّن لدى خامنئي في شبابه تصوُّر قائم على وجود توتر بنيوي بين الغرب والعالم الثالث، وأخذت هذه الآراء شكلها النهائي خلال تعاملاته مع الولايات المتحدة بعد الثورة الإيرانية. وخلص إلى أن واشنطن مُصمّمة على الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وأن جميع القضايا الأخرى التي أثارها المسؤولون الأميركيون لا تعدو كونها ستار دخاني. وحتى اليوم، يعتقد خامنئي أن الحكومة الأميركية مصممة على تغيير النظام في إيران، سواء عبر دفعهِ للانهيار الداخلي أو تشجيع ثورة ديمقراطية أو الضغط الاقتصادي أو الغزو العسكري.
دأب خامنئي على انتقاد الديمقراطية الليبرالية، ويعتقد أن الرأسمالية والغرب في انحدار حتمي طويل الأمد. كما يرى أن واشنطن معادية للإسلام بطبيعتها. غير أنّ هذا الموقف لا يعني عنده رفضًا مطلقًا للغرب أو للولايات المتحدة من جميع الوجوه. فهو لا يحمّل الغرب مسؤولية جميع أزمات العالم الإسلامي، ولا يرى أنّ تدميرهما هدفٌ مشروع أو ممكن، كما لا يعتقد أنّ القرآن والشريعة وحدهما كافيان، في صورتهما المجردة، لتلبية متطلبات العالم الحديث. بل يعتبر العلم والتقدم «حقيقة الحضارة الغربية»، ويريد أن يتعلم الشعب الإيراني هذه الحقيقة. خامنئي ليس مُتعصّبًا مجنونًا أو غير عقلاني أو فاعلٍ متهوّر يسعى إلى المواجهة من أجل المواجهة. غير أنَّ آراءه الأصولية وتعنتّه السياسي يجعلان أي مفاوضات مع الغرب شاقة ومطولة، وأي تحسن جاد في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة يجب أن يكون جزءًا من اتفاق شامل كبير يتضمن تنازلات كبيرة من كلا الجانبين.
صورة للزعيم الأعلى في شبابه
لفهم رؤية خامنئي للعالم، من المفيد البدء بالنظر إلى تاريخ التدخل الأميركي في إيران. ساعدت إدارة أيزنهاور عام 1953 في تدبير انقلاب ضد حكومة محمد مصدّق المنتخبة ديمقراطيًا، وكانت واشنطن الداعم الرئيس لنظام محمد رضا شاه بهلوي الاستبدادي، حتى الإطاحة به في عام 1979. وقد ساهم ذلك في تشكيل خطاب جميع معارضي النظام: وُضِعت معارضة الشاه جنبًا إلى جنب مع معارضة الولايات المتحدة، لأن الشاه كان يعتبر بمثابة شرطيّ واشنطن.
كان خامنئي يبلغ من العمر 40 عامًا عندما اندلعت الثورة، وقبل ذلك، كان طالبًا في معهد ديني ورجل دين، ولكنه كان منخرطًا في العالم الأوسع بالإضافة إلى دوائره الدينية الضيقة. وكما قال في اجتماع مع علماء مسلمين ورجال دين شباب في أيار/ مايو 2012: «لقد شاركت في دوائر فكرية قبل الثورة وكانت لي علاقات وثيقة مع الجماعات السياسية. لقد تعرفت عليهم جميعًا، ودخلت في نقاشات وجدالات مع العديد منهم». كان رجلًا مولعًا بالموسيقى والشعر والروايات، فضلًا عن كونه خبيرًا في الشريعة الإسلامية. لا يوجد مرجع ديني (آية الله) أو فقيه إسلامي بارز آخر في الوقت الحاضر له مثل هذا الماضي الكوزموبوليتاني.
أدّت علاقات خامنئي الواسعة مع المثقفين العلمانيين في إيران إلى تطرف آرائه حول الولايات المتحدة، حيث أصبحت هذه الدوائر معادية لأميركا على نحوٍ متزايد بعد انقلاب عام 1953 وبعد دعم الولايات المتحدة للشاه وقمع المعارضين اللاحق. وكما قال صديق خامنئي، الشاعر مهدي أخوان ثالث، في إحدى قصائده: «لن أنسى: أننا كنا شعلة، فأطفأونا بالماء». تحدّث خامنئي عدة مرات عن دور الولايات المتحدة في انقلاب عام 1953، ولا تزال هذه الذكرى حاضرة في ذهنه حتى اليوم. كما قال في العام الماضي خلال اجتماع مع طلاب جامعيين في طهران:
«من المثير للاهتمام أن ندرك أن أميركا أطاحت بحكومته على الرغم من أن مصدّق لم يُظهر أي عداء تجاههم. لقد وقف في وجه البريطانيين ووثِقَ بالأميركيين. كان يأمل أن يساعده الأميركيون، إذ كانت تربطه بهم علاقات ودية، وأبدى اهتمامًا بهم، ولعله أبدى [حتّى] تواضعًا تجاههم. و[مع ذلك]، [أسقط] الأميركيون مثل هذه الحكومة. لم يكن الأمر كما لو أن الحكومة التي كانت في السلطة في طهران كانت معادية لأميركا. لا، بل كانت ودودة تجاههم. لكن مصالح الغطرسة [مصطلح يستخدمه خامنئي غالبًا للدلالة على الولايات المتحدة] تطلبت أن يتحالف الأميركيون مع البريطانيين. جمعوا المال وأحضروه إلى هنا وقاموا بعملهم. ثم، عندما نجحوا في تنفيذ انقلابهم وأعادوا الشاه الذي كان قد فرّ، سيطروا على البلاد».
كان لخامنئي علاقات قوية مع جلال آل أحمد[1] وعلي شريعتي، وهما من أكثر المفكرين تأثيرًا في فترة ما قبل الثورة. لقد كانوا مساهمين مهمين في نظرية «التسمم بالغرب» (Westoxication). ويبدو من هذا التاريخ أن مناهضة الإمبريالية كانت هي التيار الفكري العلماني الذي شكَّل شخصية خامنئي أكثر من غيره.
لم تكن الثقافة والحضارة الغربية، في الأوساط الفكرية للمعارضة الإيرانية قبل الثورة، تُحتقر بوصفها أنموذجًا غربيًا فحسب، بل كانت تُعتبر أيضًا في أزمة وانحدار. كان العالم الثالث بديلها الصاعد؛ وكما قال الكاتب الإيراني داريوش آشوري (داریوش آشوری)، وهو معاصر لخامنئي: «يتكون العالم الثالث من الدول الفقيرة والمُستَعْمَرة، والتي هي في الوقت نفسه ثورية». كانت إيران مستقلة ظاهريًا، لكن كان يُنظر إلى أن الاستعمار فيها يتخذ شكلًا جديدًا، حيث عملت النخب السياسية الحاكمة المحلية عَمِيلةً للإمبريالية وَسَعَت إلى تأمين مصالحها. وقد كان يُعتقد أيضًا أن العالم الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، يُمهِّد الطريق لتوسعه السياسي والاقتصادي من خلال تدمير الثقافات الأصلية. في ظل هذه الظروف، كان من السهل النظر إلى الإسلام ليس فقط بوصفهِ دينًا، بل أيضًا بوصفهِ سلاحًا ثقافيًا وأيديولوجيًا في النّضال ضد الإمبريالية.
كان خامنئي في شبابه مولعًا بالروايات. قرأ أعمال كتاب إيرانيين مثل محمد علي جمالزاده، وصادق تشوبك (صادق چوبک)، وصادق هدايت، غير أنّه انتهى إلى اعتبار إنتاجهم أقلّ شأنًا، في نظره، أمام الكتاب الغربيين الكلاسيكيين من فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة. لقد أشاد بليو تولستوي وميخائيل شولوخوف، ويحب أونوريه دي بلزاك وميشيل زيفاكو، لكنه اعتبر فيكتور هوغو الأفضل. كما صرّح لبعض مسؤولي هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية الإيرانية في عام 2004:
«في رأيي، رواية البؤساء لفيكتور هوغو هي أفضل رواية كُتبت في التاريخ. بلا شك، فأنا لم أقرأ جميع الروايات التي كُتبت عبر التاريخ، غير أني قرأت العديد منها، مما يتصل بأحداث قرون مختلفة. وقرأت بعض الروايات القديمة جدًا. فقد قرأت على سبيل المثال الكوميديا الإلهية وأسطورة الأمير أرسلان وألف ليلة وليلة... [غير أنّ] رواية البؤساء معجزة في عالم كتابة الروايات... لقد قلت مرارًا وتكرارًا، اذهبوا واقرؤوا رواية البؤساء مرة واحدة على الأقل. فهذه الرواية كتابٌ في علم الاجتماع والتاريخ والنقد وفي اللاهوت وفي الحب والمشاعر».
شعر خامنئي أن الروايات منحته نظرة ثاقبة على الحقائق الأعمق للحياة في الغرب. «اقرؤوا روايات بعض المؤلفين ذوي الميول اليسارية، مثل هوارد فاست»، هكذا نصح جمعٌ من الكتاب والفنانين في عام 1996. «اقرؤوا كتاب عناقيد الغضب الشهير، الذي كتبه جون شتاينبك ... وانظروا ماذا يقول عن وضع اليسار وكيف عاملهم رأسماليو ما يسمى بمركز الديمقراطية». وهو أيضًا من محبي رواية كوخ العم توم، التي أوصى بها في مارس 2002 لكبار مسؤولي الدولة لما تسلطه من ضوء على تاريخ الولايات المتحدة: «أليست هذه هي الحكومة التي ارتكبت مذبحة بحق السكان الأصليين لأرض أميركا؟ والتي أدت إلى إبادة الهنود الأميركيين؟ ألم يكن هذا النظام وعملاؤه هم من اختطفوا ملايين الأفارقة من منازلهم وساقوهم إلى العبودية، واختطفوا أبناءهم وبناتهم الصغار ليصبحوا عبيدًا، وألحقوا بهم لسنوات طويلة أشد المآسي؟ اليوم، تُعتبر رواية كوخ العم توم واحدة من أكثر الأعمال الفنية مأساوية... لا يزال هذا الكتاب حيًّا ومُعبِّرًا حتى بعد مرور ما يقرب من 200 عام».
الإسلاميّ الناشئ
وبرغم تردد خامنئي على الأوساط الفكرية العلمانية قبل الثورة وبرغمِ دراسته للثقافة الغربية عمومًا، فقد كان في المقام الأول طالبًا في معهد ديني، ومُكرسًا لتحقيق التغيير الاجتماعي وفقًا لتعاليم الدين. وفي هذا الصدد، كان قطب، المفكر المصري والناشط والمنظر الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين، هو من أسر قلب خامنئي في شبابه.
نَشَرَ قطب، الذي أعدمه نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1966، فكرة الدولة الإسلامية. كما كتب في كتابه المعركة بين الإسلام والرأسمالية (1908):
«إذا أُريدَ للإسلام أن يعمل، فلا بدّ للإسلام أن يحكم، فما جاء هذا الدين لينزوي في الصوامع والمعابد، أو يستكن في القلوب والضمائر، إنما جاء ليحكم الحياة ويصرفها، ويصوغ المجتمع وفق فكرته الكاملة عن الحياة[2] [...] وأخيرًا يجب أن يحكم الإسلام، لأن الإسلام كان أعرف بطبيعته وطبيعة الحياة وهو يقرر: أن لا إسلام بلا حكم، ولا مسلمين بلا إسلام[3]».
كانت ركائز فكرة قطب عن الحكم الإسلامي هي العدل والمساواة وإعادة توزيع الثروة. وكتب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام: الإسلام الحقيقي هو حركة تحرير تحرر قلوب الأفراد، ومن ثم قلوب المجتمعات البشرية، من الخوف من قيود الأقوياء[4].
ستصبح أفكار قطب فيما بعد المرجع الفكري الأساسي للحركة السلفية الحديثة، وكان لها أثر بالغ في تشكيل تصوّرات عدد من التيارات الإسلامية المتشددة، بما في ذلك شخصيات مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. كما لقيت هذه الأفكار رواجًا ملحوظًا بين طلاب المدارس الدينية الإيرانية. قرأ خامنئي هذه الكتب، وانجذب إلى شخصية قطب وبعض أفكاره، وذهب إلى حد ترجمة بعض أعماله إلى اللغة الفارسية بنفسه. كما كتب خامنئي في مقدمة ترجمته عام 1967 لكتاب قطب المستقبل لهذا الدين: «لقد حاول هذا المؤلف العظيم والسامي، في فصول هذا الكتاب، ... أن يقدم أولًا جوهر الدين كما هو، ثم بعد أن بيَّن أنه برنامج للحياة ... [يؤكد] بكلماته البليغة ونظرته الخاصة للعالم أن الحكم العالمي سيكون في نهاية المطاف في أيدي مدرستنا وأن "المستقبل للإسلام"».
أعاد قطب إحياء المفاهيم الإسلامية الكلاسيكية لدار الإسلام ودار الحرب، لكنه أعطاها معنى جديدًا: «لا يوجد إلا دار واحدة للإسلام، وهي تحديدًا الدار التي تأسست فيها الدولة الإسلامية، والتي تُحكّم فيها شريعة الله، وتُطبق فيها العقوبات الإلهية، والتي يتضامن فيها المسلمون فيما بينهم. وأي أمرٍ غير السَّابق، فهي دار للحرب، وعلاقة المسلم به إما حرب أو سلام بناءً على معاهدة معه» [لعل الإشارة إلى كتاب الظلال].
كما قدَّم قطب لخامنئي منظورًا حول الولايات المتحدة باعتبارها مجتمعًا فاسقًا إلى حد ما، وهي أفكار اكتسبها قطب خلال إقامته هناك في أواخر الأربعينيات. وصل قطب إلى قناعة بأن الأميركيين مستعدون لقبول الإسلام، ولكن ليس في صورته الحقيقية غير الخاضعة:
«بدأ الأميركيون في هذه الأيام يفكرون في الإسلام مرة أخرى. فهم بحاجة إلى الإسلام لمحاربة الشيوعية في الشرق الأوسط والدول الإسلامية في آسيا وأفريقيا... بالطبع، الإسلام الذي تريده أميركا والإمبرياليون الغربيون وحلفاؤهم في الشرق الأوسط ليس هو الإسلام نفسه الذي يحارب الإمبريالية ويناضل ضد الاستبداد، بل هو الإسلام الذي يناضل ضد الشيوعيين. لذا، فهم لا يريدون الإسلام الحاكم، وبالتأكيد لا يريدون حكومة إسلامية، لأنه عندما يحكم الإسلام، فإنه يؤسس أمة أخرى [مجتمع إسلامي] ويُعلِّم الأمم أن من الواجب أن تصبح قوية، وأن رفض الإمبريالية ضرورة، وأن الشيوعيين أيضًا مثل الآفات الإمبريالية، وكلاهما عدوَّان وعدوانيان».
بعد الثورة
في الأيام الأولى للثورة الإيرانية، وبعد أن أعلنت واشنطن أنها ستسمح للشاه المريض بالدخول إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج الطبي، استولت مجموعة من الطلاب الإيرانيين المتشددين على السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا مَن فيها رهائنًا، مما أدى إلى أزمة جديدة في العلاقات الأميركية الإيرانية. لم يكن جميع أعضاء النخبة الحاكمة الجديدة على علم بالخطة أو موافقين عليها. بحسب الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، لم يؤيد هو ولا خامنئي هذه الخطوة:
«كنت أنا وآية الله خامنئي في مكة عندما سمعنا نبأ الاستيلاء على السفارة الأميركية عبر الراديو ليلًا، بينما كنا على سطح منزلنا نستعد للنوم. لقد صُدمنا، إذ لم نكن نتوقع حدوث مثل هذا الأمر. لم يكن الأمر متعلقًا بسياساتنا. حتى في وقت مبكر من انتصار الثورة، عندما كانت الجماعات السياسية تهتف بشعارات متطرفة للغاية معادية لأميركا، ساعد المسؤولون الأميركيين الذين كانوا في إيران على العودة إلى بلادهم سالمين، بل إن العديد منهم حملوا ممتلكاتهم معهم. في إحدى المرات، عندما هاجمت جماعة مسلحة السفارة الأميركية واحتلتها، جاء ممثل عن الحكومة المؤقتة وقام بتسوية المشكلة. وهكذا، يتضح أن لا المجلس الثوري ولا الحكومة المؤقتة كانا يميلان إلى اتخاذ مثل هذه الإجراءات».
لكن بعد أن أعلن الخميني دعمه لعملية الاستيلاء على السفارة، حذا حذوه بقية حكام الجمهورية الإسلامية. وكما قال خامنئي في أبريل 1999:
«لقد التقيت أنا والسيد هاشمي وشخص آخر بالإمام [الخميني] بعد سفرنا من طهران إلى قم لنسأل: "ماذا سنفعل في النهاية بهؤلاء الجواسيس؟" هل يجب أن يبقوا، أم يجب ألّا نبقيهم، خاصة وأن هناك اضطرابًا هائلًا في الحكومة المؤقتة حول ما يجب أن نفعله بهم؟" عندما دخلنا على الإمام وشرح لنا أصدقاؤنا الوضع وقالوا ما كانت تقوله محطات الإذاعة [الأجنبية]، وما كانت تقوله أميركا، وما كان يقوله المسؤولون الحكوميون، فكر ثم أجاب في شكل سؤال: "هل أنتم خائفون من أميركا؟" قلنا: "لا". فقال: "إذن احتفظوا بهم"».
خلال فترة توليه منصب المرشد الأعلى، دافع خامنئي دائمًا عن عملية الاستيلاء على السفارة. ويجادل بأن الأنظمة الثورية غالبًا ما تحافظ على علاقاتها مع القوى الاستعمارية السابقة وتعاني نتيجة لذلك. وفي الحالة الإيرانية، ساعد الاستيلاء على السفارة في جعل ذلك مستحيلًا: «إن مسألة وكر الجواسيس [مصطلح الثوريين للسفارة الأميركية] قطعت آخر خيط ممكن يربط الثورة بأميركا»، كما أشار في خطاب ألقاه عام 1993. وقال إن الاستيلاء على السفارة «كان خدمة عظيمة وقيمة قُدِّمَت لثورتنا».
عَيَّن الخميني خامنئي عضوًا في مجلس الثورة الإسلامية، وقبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية في عام 1981، شغل منصب نائب وزير الدفاع، ورئيسًا بالنيابة للحرس الثوري الإسلامي، وممثل الخميني في المجلس الأعلى للدفاع [مجلس الدفاع الوطني]. أدَّى عمله في قضايا الأمن إلى احتكاكه المباشر بالسياسة الواقعية الباردة في واشنطن. شنَّ صدام حسين، في آب/ أغسطس 1980، هجومًا عسكريًا على إيران، محاولًا استغلال حالة الفوضى التي يعيشها النظام الجديد. كانت الولايات المتحدة ما تزال تعاني من آثار سقوط الشاه وأزمة الرهائن المستمرة، وقد رفضت انتقاد تصرفات العراق، فقامت أولًا بحماية العراق من اللوم في الأمم المتحدة، ثم دعمت فعليًا المجهود الحربي العراقي ضد إيران. بحلول أواخر الثمانينيات، كان الجيش الأميركي ينخرط على نحوٍ متزايد ضدّ إيران بصورة مباشرة، بما في ذلك مهاجمة منصات النفط الإيرانية في الخليج العربي عام 1987 وإسقاط طائرة ركاب إيرانية عام 1988.
قام خامنئي في عام 1987 برحلته الوحيدة حتى الآن إلى الولايات المتحدة، وذلك للمشاركة بوصفهِ رئيسًا لإيران في جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة. وتطرق في خطابه إلى العلاقة بين إيران والولايات المتحدة:
«إن تاريخ أمتنا يمرّ بفصل أسود مرير ودموي، ممزوج بأشكالٍ مختلفة من العداء والحقد من النظام الأميركي. [هذا النظام] مسؤول عن 25 عامًا من دعم دكتاتورية بهلوي، بكل الجرائم التي ارتكبها ضد شعبنا. إن نهب ثروات هذه الأمة بمساعدة الشاه، والمواجهة الشديدة مع الثورة خلال الأشهر الأخيرة من حكم الشاه، وتشجيعه على قمع مظاهرات الملايين من الناس، وتخريبه للثورة بوسائل مختلفة في السنوات الأولى من انتصارها، واتصالات السفارة الأميركية في طهران الاستفزازية مع العناصر المعادية للثورة، وتقديم المساعدة لمدبري الانقلاب والعناصر الإرهابية والمعادية للثورة خارج البلاد، وحصار الأموال والممتلكات الإيرانية ورفض تحويل البضائع التي استُلم ثمنها منذ فترة طويلة أو الأصول التي استولى عليها الشاه من الثروة الوطنية وأودعها باسمه في البنوك الأميركية، والسعي لفرض حصار اقتصادي وإنشاء جبهة غربية موحدة ضد أمتنا، والدعم العلني والفعال للعراق في حربه ضدنا، وأخيرًا، غزو غير عقلاني ووحشي للخليج العربي هدد بشكل خطير أمن المنطقة وهدوئها، كل هذا ليس سوى جزء من لائحة الاتهام التي توجهها أمتنا ضد النظام في الولايات المتحدة الأميركية.
وفي خطاب عامٍّ في العام التالي، روى تجربة مر بها أثناء إقامته في نيويورك: «جاء مسؤول رفيع المستوى من دولة أوروبية لمقابلتي وقال: "يجب عليك أخيرًا حل مشكلتك مع أميركا!" لقد اعتقدوا أنه [بوجودي] في نيويورك ووجودي في أميركا، قد يتمكنون من الحصول على تنازلات مختلفة. قلت: "مستحيل". أما مسألة الأمم المتحدة فهي قصة أخرى. لقد جئت إلى الأمم المتحدة لأتحدث مع شعوب العالم، وهذا لا علاقة له بأميركا. أما أميركا فهي قصة أخرى».
من الخميني إلى خامنئي
منذ أن أصبح المرشد الأعلى في عام 1989، طوَّر خامنئي وجهات نظره بشأن السياسة الأميركية. موقفه الآن واضح وبسيط: الحكومات الغربية، بقيادة واشنطن، ترغب في الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وتدمير الثورة الإسلامية، تمامًا كما فعلت بالاتحاد السوفيتي.
وفي اجتماع مع مسؤولين حكوميين إيرانيين في عام 2000، قال ذلك على النحو التالي: «وُضِعت خطة أميركية شاملة لإسقاط النظام الجمهوري الإسلامي، ودُرِست جميع جوانبها. أُعيدَ بناء هذه الخطة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي... لقد أعادوا، في مخيلتهم الخاصة، إحياء خطة انهيار الاتحاد السوفيتي بما يتناسب مع الظروف في إيران». وأشار خامنئي إلى وجود عوامل داخلية مسؤولة عن انهيار الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك الفقر والقمع والفساد والتوترات العرقية والقومية. لكن الأميركيين استغلوا هذه الأمور، كما قال، لدفع الدولة السوفيتية إلى الانهيار، جزئيًا عن طريق التلاعب بوسائل الإعلام وشن «غزو ثقافي»، وجزئيًا عن طريق استخدام الضغط السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، جادل بأن مثل هذه الجهود لن تنجح في إيران، لأن الجمهورية الإسلامية لم تكن مثل الاتحاد السوفيتي، ليس أقلها لأن الإسلام، على عكس الشيوعية، لم يكن أيديولوجية جديدة تم تبنيها وفرضها حزب حاكم بعد الفوز في حرب أهلية. كما أن لإيران تاريخ طويل من الدولة الموحدة، ولم ترتبط عناصرها المكونة معًا من خلال التوسع الإمبريالي وحروب الغزو على مدى القرون الأخيرة، كما كان الحال مع الإمبراطورية الروسية التي ورثها النظام السوفيتي. وأشار أيضًا إلى أن الجمهورية الإسلامية كانت نتاج ثورة شعبية وتتمتع بشرعية دينية كبيرة.
يعتقد خامنئي أن هناك عدة إجراءات يمكن أن تضمن عدم ملاقاة الجمهورية الإسلامية مصير الاتحاد السوفيتي. أولًا، يجب تحديد وفحص المتمردين السياسيين المحتملين، أي النُّسخ الإيرانية المحلية لبوريس يلتسين. ثانيًا، يجب الإعلان عن الإصلاحات المعقولة بوضوح، حتى لا يساء فهمها أو تحريفها. يجب أن تكون إجراءات الإصلاح، كما وصفها، «بقيادة مركز قوي وضابط حتى لا تخرج عن السيطرة». ثالثًا، يجب عدم السماح لوسائل الإعلام بتقويض الحكومة. ورابعًا، يجب إبعاد التدخل من قبل القوى الخارجية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويعتقد خامنئي أيضًا أن الولايات المتحدة والغرب بشكل عام وإسرائيل يريدون استخدام الانتخابات لمختلف المناصب الإيرانية (مجالس المدن والهيئة التشريعية والسلطة القضائية ومجلس الخبراء) لخلق وضع «سيادة مزدوجة» من خلال «حلفائها الداخليين». والهدف، بحسب خامنئي، هو إحداث انقسام بين المرشد الأعلى والمسؤولين المنتخبين في الحكومة. وكما حوّل البريطانيون، الذين كان لديهم حكام مطلقون في السابق، منصب ملكهم في نهاية المطاف إلى مجرد منصب شرفي، كذلك يعتقد خامنئي أن أعداء إيران يريدون تحويل الحكم المطلق للفقيه، أو «ولاية الفقيه»، إلى مجرد هيكل لا معنى له. استخدم سعيد حجاريان، كبير الاستراتيجيين الإصلاحيين في إيران، مفهوم السيادة المزدوجة كأداة تحليلية لوصف تغير موازين القوى في إيران في أعقاب فوز محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في أيار/ مايو 1997. وردًّا على ذلك، حاول الموالون لخامنئي اغتيال حجاريان في مارس 1999. لقد نجا، لكنه أصيب بالشلل منذ ذلك الحين. أشار خامنئي إلى مفهوم السيادة المزدوجة بوصفه فكرة تخريبية في خطاب عامٍّ في عام 2004، بينما كانت إدارة خاتمي تتعثر في عامها الأخير في السلطة: «لقد سمعتم شعار 'السيادة المزدوجة'! بل إن عددًا من الأشخاص غير العقلانيين قد ردّدوا هذه الكلمات داخل البلاد... السيادة المزدوجة ليست مرغوبة بل ضارة وسمّ قاتل! هذا ما يريده [أعداء إيران]».
بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/ يونيو 2009، خرج مئات الآلاف من الناس إلى شوارع طهران ونظموا مظاهرات سلمية ضد النتيجة المزورة. ومع انتشار المظاهرات، قارن خامنئي، في خطاب صلاة الجمعة، الاحتجاجات بـ «الثورات الملونة»، وخاصة تلك التي اندلعت في جورجيا، والتي زعم أن الأميركيين والبريطانيين هم من أطلقوها. أكد خامنئي أن خطابات رجال الدولة الأميركيين والأوروبيين أصبحت أكثر حدّة خلال الأسابيع الماضية، وأنهم بعد احتجاجات طهران، خلعوا «أقنعتهم» وأظهروا «ملامحهم الحقيقية».
في خطاب علني ألقاه في حزيران/ يونيو 2011، وصف خامنئي الاحتجاجات، التي أصبحت تُعرف باسم الحركة الخضراء، بأنها استمرار لسياسة تغيير الأنظمة التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وقارنها بثورة حقيقية، مثل تلك التي أدت إلى تأسيس الجمهورية الإسلامية: «الثورة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها في عصر الفتنة، ضد مختلف محاولات الانقلاب السياسي أو العسكري وغيرها من الأعمال المماثلة، ليست حية. هذه الثورة حية، لأنها تدافع عن نفسها، بل وتنتصر وتفوز. هذا أمر مؤكد، كما رأيتم [بعد الاحتجاجات] في عام 2009».
من المواضيع المتكررة التي يطرحها خامنئي هو التواجد المستمر للتهديدات الخارجية للجمهورية الإسلامية وقدرة النظام على الصمود أمامها. ويزعم أن الولايات المتحدة والكتلة الغربية تريدان الإطاحة بالنظام في إيران، وقد شنّتا مجموعة متنوعة من المحاولات للقيام بذلك، بما في ذلك الغزو العسكري العراقي عام 1980، والتلاعب بالتوترات العرقية والعقوبات الاقتصادية. وكما قال في خطاب عام آخر في أغسطس 2010:
«يريدون إسقاط الثورة. ومن أهم الوسائل التي استخدموها كانت العقوبات الاقتصادية. يقولون إن [العقوبات] لا تستهدف الشعب الإيراني، لكنهم يكذبون! تهدف العقوبات إلى شلّ الأمة الإيرانية. صُممت هذه الإجراءات لإرهاق الشعب الإيراني وجعله يقول: "نحن تحت ضغط العقوبات بسبب سياسات الدولة الجمهورية الإسلامية". إنهم يريدون قطع العلاقات بين الشعب والنظام الجمهوري الإسلامي. هذا هو الهدف الحقيقي للعقوبات. إنهم يمارسون ضغوطًا اقتصادية عن طريق العقوبات».
ويزعم مرارًا وتكرارًا أن المبررات المعلنة للسياسات الأميركية تهدف إلى إخفاء دوافع أكثر شرًا. وكما قال في خطاب عام آخر في آب/ أغسطس 2011: «على الرغم من أن ذريعة العقوبات هي قضية الطاقة النووية، إلا أنهم يكذبون.... لعلكم تتذكرون أن العقوبات الأولى المفروضة على هذا البلد قد سُنّت في وقت لم تكن فيه القضية النووية موجودة على الإطلاق... وبالتالي، فإن هدف العدو هو إسقاط الجمهورية الإسلامية أرضًا».
يستند خامنئي في هذه الحجج جزئيًا إلى ما يعتبره محاولتين فاشلتين من جانب إيران للتوصل إلى حل وسطٍ مع الولايات المتحدة. كانت الأولى خلال فترة حكم خاتمي رئيسًا، عندما علّقت الحكومة تخصيب اليورانيوم لمدة عامين لبناء الثقة. يعتقد خامنئي أن الحكومات الغربية لم تكن مهتمة ببناء الثقة، بل فقط بجعل وقف التخصيب دائمًا. لم يُسفِر تعليق العقوبات لمدة عامين عن أي إنجازات لإيران، لا برفع العقوبات، ولا بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة، ولا أي مكافأة أخرى. أشار خامنئي في خطاب ألقاه في كانون الثاني/ يناير 2008 إلى ما يلي:
«اليوم، لكل من يأتي إلينا ويقول: "سيدي، توقفوا مؤقتًا"، نقول: "لقد توقفنا مؤقتًا بالفعل لمدة عامين!" توقفنا مؤقتًا لمدة عامين؛ فكيف أفادنا ذلك؟ ... نحن، من جانبنا، فقد تخيلنا أنه أمر مؤقت وتخيلنا أنه أمر طوعي. ثم، عندما تحدثنا عن استئناف العمل، بدأوا هذه الضجة الإعلامية والاضطراب في الأوساط السياسية، قائلين: "للأسف! إيران تريد إنهاء توقفها المؤقت! أصبح التوقف المؤقت قضية مقدسة لا يحق لإيران الخوض فيها على الإطلاق... وأخيرًا قالوا: "هذا التعليق المؤقت غير كافٍ؛ يجب عليك إنهاء المشروع الذري بالكامل". كان هذا بمثابة انتكاسة لنا. [حكومة خاتمي] قبلت بالتراجع. لكن هذه الخطوة كان لها أثر إيجابي علينا. لقد تعلمنا درسًا من تلك التجربة. لقد استفاد الرأي العام العالمي من هذه التجربة أيضًا... قلتُ إن استمرّت عملية إضافة مطالب جديدة، فسأتدخل. وقد فعلت ذلك. قلت... يجب أن ننتقل إلى الهجوم [ونستأنف التخصيب].
ثم واصل خامنئي تذكير جمهوره بأنه على الرغم من استعداد خاتمي للتسوية، وكلماته الطيبة للأميركيين، وتعاونه في إسقاط طالبان وفي مفاوضات بون اللاحقة لتنصيب حكومة موالية لأميركا في أفغانستان، إلا أن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش تمسكّ بفكرته لإدراج إيران ضمن «محور الشر» الخاص به.
أما التجربة الثانية التي يستند إليها فهي قرار ليبيا عام 2003 بالتخلي عن طموحاتها النووية، والذي لم يمنع مع ذلك الإطاحة العنيفة بمعمر القذافي من خلال التدخل العسكري لحلف الناتو. قال خامنئي في خطابه السنوي بمناسبة رأس السنة الإيرانية في آذار/ مارس 2011: «في ليبيا، على الرغم من أن القذافي أظهر نزعة معادية للغرب خلال سنواته الأولى في السلطة، إلا أنه في السنوات اللاحقة، قدم خدمة عظيمة للغرب.... جمع هذا الرجل برنامجه النووي، ... وسلمه للغربيين، وقال: «خذوه!» ... [ومع ذلك أُطيح به]». يشتبه خامنئي في أنه حتى لو أُغلِقت جميع المنشآت النووية الإيرانية، أو فتحها للتفتيش والمراقبة، فإن الحكومات الغربية ستحتفظ ببساطة بالتنازلات وتثير قضايا أخرى، مثل الإرهاب أو حقوق الإنسان أو إسرائيل، ذريعةً لمواصلة ضغوطها والسعي لتغيير النظام. بالنسبة لخامنئي، عندما يتعلق الأمر بالأسلحة النووية، فإن الحالتين العراقية والليبية تعلمان الدرس نفسه. فتح صدّام والقذافي منشآتهما أمام عمليات التفتيش من قبل الغرب، وانتهى بهما الأمر إلى عدم امتلاك أسلحة نووية، وفي النهاية تعرَّضا للهجوم والإطاحة بهما وقتلا. ويعتقد أن التنازلات الكبيرة التي تقدمها إيران على الجبهة النووية دون تنازلات كبيرة من الغرب قد تؤدي في النهاية إلى عواقب مماثلة للنظام الإيراني.
المقدسات
ومن القضايا المهمة الأخرى بالنسبة لخامنئي ما يعتبره أفعالًا ترقى إلى مستوى الإساءة للإسلام. بعد إعلان قس في فلوريدا عام 2010 عن احتمال حرق المصحف، تساءل في أحد خطاباته العامة: «ما الذي يقف وراء هذه الأعمال الشريرة ومن يقف وراءها؟» وتابع قائلًا: «إن دراسة متأنية لهذا الحدث الشرير، الذي تزامن مع أعمال إجرامية في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان وباكستان، لا تدع مجالًا للشك في أن التخطيط والقيادة العملياتية لهذه الأعمال تقع في أيدي نظام الهيمنة ومراكز التخطيط الصهيونية، التي تتمتع بأكبر قدر من النفوذ على الحكومة الأميركية وأجهزتها الأمنية والعسكرية، فضلًا عن الحكومات البريطانية وبعض الحكومات الأوروبية». وبالمثل، بعد إصدار فيلم براءة المسلمين (Innocence of Muslims) في عام 2012، نشر بيانًا أشار فيه إلى الحكومتين الأميركية والإسرائيلية باعتبارهما «المشتبه بهما الرئيسيين في هذه الجريمة». وقال: «لو لم يدعموا الأجزاء السابقة في هذه السلسلة الفاسدة، أي سلمان رشدي ورسام الكاريكاتير الدنماركي والقس الأميركي الذي يحرق القرآن، ولو لم يطلبوا عشرات الأفلام المعادية للإسلام من الزمر المرتبطة بالرأسماليين الصهاينة، لما وصلت الأمور إلى هذه الجريمة الكبرى التي لا تغتفر».
وفي الوقت نفسه، يبذل خامنئي قصارى جهده لتجنب تصوير هذه القضية على أنها صراع بين الإسلام والمسيحية. «إن الهدف من هذه الإجراءات المثيرة للغضب [حرق المصاحف]،» كما قال في خطاب عام في أيلول/ سبتمبر 2010، «هو إدخال المواجهة مع الإسلام والمسلمين في صلب المجتمعات المسيحية وإضفاء طابع ديني وحماسي عليها». لكنه قال: «يجب أن ندرك جميعًا أن هذا "لا علاقة له بالكنائس أو المسيحية، ولا يجب إلقاء اللوم على المسيحيين ورجال دينهم في الأعمال التي يقوم بها عدد قليل من رجال الدين الحمقى والمرتزقة. لن نرتكب نحن المسلمين أعمالًا مماثلة فيما يتعلق بمقدسات الأديان الأخرى. إن الصراع بين المسلمين والمسيحيين على المستوى العام هو ما يريده أعداء هذه المظاهر المجنونة والمتآمرون عليها، والقرآن الكريم يأمرنا باتخاذ الموقف المعاكس».
انحدار الغرب
لا ينكر خامنئي التقدم المذهل الذي حققه الغرب خلال القرن الماضي. وكما قال في خطاب عامٍّ في حزيران/ يونيو 2004: «في أميركا، ترى ذروة صعود الحضارة المادية من منظور العلم والثروة والقوة العسكرية والجهود السياسية والدبلوماسية. أميركا دولة تتمتع بثروة أسطورية وقوة عسكرية هائلة وحراك سياسي استثنائي». وهو يتقبل العلوم والتكنولوجيا الغربية، ويأسف لحقيقة أن الأنظمة الاستبدادية في إيران [مثل نظام الشاه] وأماكن أخرى في العالم النامي مسؤولة عن تخلف هذه البلدان. يُعجب خامنئي ببعض جوانب المجتمعات الغربية. فعلى سبيل المثال، لاحظ خلال لقائه مع العاملين في شؤون الشباب والثقافة في مدينة رشت المطلة على بحر قزوين عام 2001 أن «إحدى الصفات الجيدة لدى الأوروبيين هي استعدادهم لتحمل المخاطر. هذا هو المصدر الرئيس لنجاحاتهم... ومن صفاتهم الجيدة الأخرى المثابرة والاستمرار في العمل الجاد... إن أعظم المخترعين والعلماء الغربيين وأكثرهم موهبة هم أولئك الذين يعيشون حياة قاسية لسنوات طويلة وهم يجلسون في غرفة علوية ويكتشفون شيئًا ما. عندما يقرأ المرء سيرهم الذاتية، يرى مدى صعوبة الحياة التي عاشوها... هذه هي الجوانب الإيجابية للثقافة الغربية».
وأشار في نقاش مع الشباب الإيراني في شباط/ فبراير 1999، في ذكرى الثورة، إلى أن «الثقافة الغربية مزيج من الأمور الحسنةِ والقبيحة. لا يمكن لأحد أن يقول إن الثقافة الغربية قبيحة تمامًا. لا، مثل أي ثقافة أخرى، لها بالتأكيد مظاهر حسنة... ستأخذ الأمة العاقلة والشعوب العاقلة الحسن منه ويضيفونه إلى ثقافتهم، وبالتالي يثرونها، ويرفضون الشر. غير أنه يعتقد أيضًا أن الحضارة الإسلامية متفوقة، لأن الحضارة الغربية مادية على نحوٍ مفرط. وقال خلال اجتماع عُقِدَ مؤخرًا مع الشباب المهتمين بموضوع التنمية الاجتماعية والاقتصادية: «إن الغرب ينظر إلى بُعد واحد فقط، إلى سمة واحدة فقط، وهي السمة المادية». وأضاف أن النظرة الغربية تعتبر «التقدم أولًا وقبل كل شيء، هو التقدم في الثروة والعلوم والشؤون العسكرية والتكنولوجيا... لكن في المنطق الإسلامي، للتقدم أبعاد أخرى: التقدم في العلوم وفي العدالة وفي الرفاه العام وفي الاقتصاد وفي المكانة الدولية وفي الاستقلال السياسي وفي الصلاة والتقرب إلى الله تعالى، وبعبارة أخرى، له جانب روحي، وجانب لاهوتيّ».
ليس خامنئي من أنصار الديمقراطية الليبرالية. ويجادل بأن شرعيتها المفترضة القائمة على الأغلبية تقوضها حقيقة أن الحكومات الفعلية في الغرب لم تحصل إلا على أصوات جزء صغير من إجمالي الناخبين المحتملين. ويزعم كذلك أن الديمقراطيات الليبرالية، مثل الولايات المتحدة، انتهكت مبادئها مرارًا وتكرارًا من خلال دعم الحكومات الاستبدادية في أماكن أخرى، بل وعملت على الإطاحة بالأنظمة الديمقراطية (كما حدث مع انقلاب عام 1953 في إيران). ويرى أن الحكومات الديمقراطية الليبرالية مهتمة بحكم العالم بأسره، ودفع عجلة العولمة نحو الأمركة (تماهي العالم مع أميركا)، ومهاجمة الدول الأخرى حسب الرغبة (مثل أفغانستان والعراق).
يعتقد خامنئي أن الجمهورية الإسلامية لديها شكلها الخاص من الديمقراطية، وهو شكل متجذر في الدين. «تختلف أسس الديمقراطية الدينية عن أسس الديمقراطية الغربية»، هكذا قال في خطاب ألقاه في حزيران/ يونيو 2005 في ذكرى وفاة الخميني. «إن الديمقراطية الدينية، التي صوَّتنا من أجلها في الأساس، والتي تنشأ من الحقوق والواجبات الإلهية للإنسان، ليست مجرد عقد. لكل البشر الحق في التصويت والحق في تقرير المصير. هذا ما يضفي معنىً على الانتخابات في الجمهورية الإسلامية. [ما لدينا هنا] أكثر تقدمًا وأهميةً ورسوخًا بكثير مما هو موجود اليوم في الديمقراطية الليبرالية الغربية».
في الواقع، يعتقد خامنئي أن الديمقراطية الليبرالية لا تؤدي إلى الحرية بل إلى الهيمنة والعدوان والإمبريالية، وهذا ما يجعلها غير مقبولة. وقال في اجتماع مع أعضاء من قوات الباسيج في شمال غرب إيران في تشرين الأول/ أكتوبر 2011: «نحن نؤمن بالديمقراطية. نحن نؤمن بالحرية أيضًا. لكننا لا نقبل الديمقراطية الليبرالية... لا نريد استخدام هذا الاسم لمعنانا النقي والصالح والنظيف. نقول الديمقراطية الإسلامية، أو الجمهورية الإسلامية». وعلى الرغم من كل انتقاداته لليبرالية، فإنه لم يمنع ترجمة أعمال المؤلفين الليبراليين إلى اللغة الفارسية ونشرها خلال فترة ولايته، مثل كارل بوبر وميلتون فريدمان ورونالد دوركين وإزايا برلين وجون رولز وريتشارد رورتي ومارثا نوسباوم وروبرت بوتنام وأمارتيا سين، وغيرهم الكثير.
يعتقد خامنئي أن الحكومات الغربية والرأسمالية عمومًا تعاني من مشاكل بنيوية مستعصية وتواجه انحدارًا حتميًا. قال في حزيران/ يونيو 1992 في رسالة إلى حجاج مكة المكرمة:
«إن النظام الرأسمالي الغربي غارق حتى عنقه في المشاكل الإنسانية. على الرغم من الثروة الهائلة التي تحت تصرفه، إلا أنه عاجز تمامًا عن إرساء العدالة الاجتماعية. أظهرت أعمال الشغب الأخيرة التي قام بها السود في أميركا أن النظام الأميركي لا يعامل دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بالظلم فحسب، بل يعامل شعبه أيضًا بالظلم، ويرد على الاحتجاجات بالعنف والقمع تمامًا كما هو الحال في تلك البلدان الأخرى. صحيح أن المعسكر الشيوعي انهار واختفى، لكن منافسه، المعسكر الرأسمالي، ... الذي يعاني على نحوٍ خاص من الغطرسة التي أصابته بعد اختفاء منافسه القوي، سيختفي هو الآخر عاجلًا أم آجلًا».
وقد زعم أن الأزمة المالية التي بدأت في عام 2008 هي دليل يدعم وجهة نظره المتشائمة بشأن آفاق الغرب. لقد رأى احتجاجات احتلوا وول ستريت (Occupy Wall Street) بمثابة بداية لأزمة كبيرة في النظام الرأسمالي. وأشار في تجمع حاشد في مدينة كرمانشاه في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، إلى أن «الناس في هذه الاجتماعات والمظاهرات التي شارك فيها آلاف الأشخاص في نيويورك، رفعوا لافتة كُتب عليها: "نحن الـ 99 بالمئة". بعبارة أخرى، 99 بالمئة من الشعب الأميركي، أغلبية الشعب الأميركي، يحكمهم واحد بالمئة مهيمن... اليوم، وصل النظام الرأسمالي إلى طريق مسدود تمامًا. ربما سيستغرق الأمر سنوات حتى تصل عواقب هذا الطريق المسدود إلى نهايتها النهائية. لكن أزمة الغرب قد بدأت بالفعل».
بالنسبة لخامنئي، فإن التاريخ العالمي «يمر بمرحلة تحول»، و«عصر جديد في العالم بأسره» قد بدأ؛ إذ فقدت المذاهب الماركسية والليبرالية والقومية جاذبيتها، ولم يحتفظ بها إلا الإسلام. إن الربيع العربي، أو كما يسميه «الصحوة الإسلامية»، هو مقدمة لانتفاضة عالمية ضد الولايات المتحدة والصهيونية الدولية. من وجهة نظره، فإن حقيقة أن الحسابات المادية الروتينية تجعل مثل هذه النتيجة غير محتملة لا تعتبر مهمة، لأن العناية الإلهية ستؤدي إلى حدوثها. ويرى أن بقاء الجمهورية الإسلامية في مواجهة أكثر من ثلاثة عقود من المعارضة الدولية دليل على هذا الدعم السماوي، ويتوقع استمراره في المستقبل. يعتقد خامنئي أن التحول التاريخي الذي يتوقعه سيؤدي إلى انتصار القيم الروحية والإلهية في العالم. على عكس تشخيص ماكس فيبر بأن العلم الحديث قد أزال السحر عن العالم ومجال السلطة، لا يزال خامنئي يعتمد على المفاهيم الباطنية والكائنات الإلهية في نهجه السياسي. إنه يعيد السحر إلى العالم.
الحديث عن المحادثات
في آب/ أغسطس 1989، وبعد شهرين من انتخابه مرشدًا أعلى، أعلن خامنئي للولايات المتحدة:
«لم يتفاوض معكم أحدٌ من الجمهورية الإسلامية قط، ولن يفعلوا ذلك... طالما أن السياسة الأميركية مبنية على الأكاذيب والخداع والازدواجية ودعم الأنظمة الفاسدة، مثل نظام إسرائيل، وتديم القمع ضد الدول الضعيفة والفقيرة، وطالما أن جرائم وتجاوزات الحكام الأميركيين، مثل إسقاط الطائرة المدنية ومصادرة ممتلكات إيران، لا تزال راسخة في ذاكرة أمتنا، فلا توجد إمكانية لإجراء مفاوضات مع الحكومة الأميركية أو إقامة علاقات دبلوماسية معها. نرفض تمامًا أي علاقة بيننا وبينهم».
وفي العام التالي، وفي اجتماع مع مجموعة من الطلاب بمناسبة ذكرى الاستيلاء على السفارة، شرح أفكاره في هذا الشأن:
«أولئك الذين يعتقدون أنه يجب علينا التفاوض مع أميركا إما أنهم بسطاء التفكير أو خائفون... ماذا تعني المفاوضات؟ هل ستُحل جميع المشاكل إذا ذهبتَ وجلستَ مع أميركا وتحدثتَ وتفاوضتَ معها؟ هذا ليس هو الحال. المفاوضات مع أميركا تعني التجارة مع أميركا. التبادل يعني أنك تحصل على شيء ما وتعطي شيئًا آخر. ما الذي سنقدّمه لأميركا من الثورة الإسلامية لتحصل أنت على مقابله أمرًا آخر؟ هل تعرف ماذا يريدون؟ والله، أميركا ليست مستاءة من الأمة الإيرانية لأي سبب آخر سوى كونها مسلمة، ووقوفها بثبات مع الإسلام النقي الذي دعا إليه محمد. أميركا تريدكم أن تتوقفوا عن كونكم حازمين جدًا، وتريدكم ألا تكونوا فخورين بأمتكم. هل أنتم مستعدون لذلك؟»
بعد سبعة عشر عامًا، في كانون الأول/ ديسمبر 2007، وفي تجمع للطلاب في مدينة يزد بوسط البلاد، عاد إلى الموضوع:
«إحدى سياساتنا الأساسية هي قطع العلاقات مع أميركا. لكننا لم نقل قط أننا سنقطع هذه العلاقات إلى الأبد. لا، ليس هناك سبب لقطع العلاقات نهائيًا مع أي دولة... [لكن] العلاقات مع أميركا تضر بنا. أولًا، إن إقامة العلاقات لن يقلل من الخطر الذي تشكله أميركا. هاجمت أميركا العراق بينما كانت تربط البلدين علاقات دبلوماسية... ثانيًا، إن إقامة علاقات مع الأميركيين هي وسيلة لهم لزيادة نفوذهم داخل طبقات معينة ... في إيران ... إنهم بحاجة إلى قاعدة لا يملكونها الآن. هذا ما يريدونه. يريدون أن يتمكن ضباط مخابراتهم من السفر إلى إيران دون قيود... يتباهى بعض الناس بالضرر الناتج عن غياب العلاقات [الدبلوماسية]. لا يا سادة! إن عدم إقامة علاقات مع أميركا أمر جيد بالنسبة لنا. في اليوم الذي تصبح فيه العلاقات مع أميركا مفيدة، سأكون أول من يقول إنه يجب إقامة هذه العلاقات.
في آب/ أغسطس 2010، وفي اجتماع مع مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، قدم خامنئي تفسيره لـ «حالتين حديثتين من المفاوضات مع الولايات المتحدة، إحداهما تتعلق بالمشاكل في العراق». جاء ذلك في وقت كان أحمدي نجاد قد صرح فيه بأنه مستعد للتفاوض مع الولايات المتحدة. وصف خامنئي فهمه لأسلوب التفاوض الأميركي:
«عندما لا يمتلك الأميركيون حججًا قوية، وعندما لا يستطيعون تقديم حجة مقبولة ومنطقية، فإنهم يلجؤون إلى التنمر. وبما أن الترهيب لا يؤثر على الجمهورية الإسلامية، فإنهم يعلنون من جانب واحد نهاية المفاوضات! حسنًا، أي نوع من المفاوضات هذا؟ هذه هي تجربتنا في كلتا الحالتين. لذلك، عندما يقول أشخاص مثل السيد الرئيس [أحمدي نجاد] إننا مستعدون للتفاوض، أقول نعم، نحن مستعدون للتفاوض، ولكن ليس مع الولايات المتحدة. والسبب هو أن أميركا لا تدخل المفاوضات بنزاهة، مثل أي مفاوض عادي؛ بل تدخل المفاوضات كقوة عظمى... فليتخلوا عن التهديدات، وليتخلوا عن العقوبات، وليتوقفوا عن الإصرار على أن تنتهي المفاوضات بنتيجة محددة. [حينها يمكن أن تبدأ المفاوضات]».
في شباط/ فبراير 2013، وخلال حضوره مؤتمرًا أمنيًا في ميونيخ، قال نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إن الولايات المتحدة، في جهودها لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، فرضت «أقوى العقوبات في التاريخ» وأن قادة إيران يعاقبون شعبهم من خلال الحرمان الاقتصادي والعزلة الدولية. أشار بايدن إلى أن الدبلوماسية لا تزال لديها فرصة، لكن المحادثات المباشرة لن تكون ممكنة إلا «عندما تكون القيادة الإيرانية، أي المرشد الأعلى، جادة».
استجاب خامنئي بسرعة ومباشرة. وفي خطاب ألقاه أمام قادة القوات الجوية الإيرانية، قال إنه منذ انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في عام 2008، أعلن أن القيادة الإيرانية ستلقي نظرة غير متحيزة على سلوك الحكومة الجديدة ثم تتخذ قرارًا. لكن ما هي نتائج ولاية أوباما الأولى؟ لقد دعمت واشنطن «التمرد الداخلي» (الحركة الخضراء)، وفرضت عقوبات مشددة، زُعِم أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قالت إنها تهدف إلى إثارة انتفاضة شعبية ضد الجمهورية الإسلامية، وغضت الطرف عن اغتيالات إسرائيل لعلماء إيران النوويين، وربما دعمتهم، ودعمت نفس الإرهابيين في سوريا الذين أطاحت بهم في أفغانستان عام 2001. ثم تطرق إلى دعوة بايدن لإجراء محادثات:
«من الذي تريد أن تشلّه [بالعقوبات]؟ هل كنت تريد شلّ الشعب الإيراني؟ هل يوجد أي حسن نية في هذا؟ ... أنا لست دبلوماسيًا. أنا ثوري وأتحدث بأسلوب واضح وصريح...
يقول الدبلوماسيون شيئًا، ويقصدون شيئًا آخر. نتحدث بصدق ووضوح... تكون المفاوضات ذات مغزى عندما يُظهر الطرف الآخر حسن نيته. عندما لا يُظهر الطرف الآخر أي حسن نية، وعندما تقولون أنتم أنفسكم الضغط والمفاوضات، فإن هذين الأمرين لا يجتمعان. تريد أن توجه مسدسًا إلى الشعب الإيراني وتقول: "تفاوضوا، وإلا سأطلق النار". ... يجب أن تعلموا أن الشعب الإيراني لن يرهب نتيجة لمثل هذه الأعمال».
زعم خامنئي أن الجمهورية الإسلامية مستعدة لإجراء مفاوضات مباشرة مع واشنطن، لكن هناك عدة شروط مسبقة ضرورية. يريد من الولايات المتحدة أن تتخلى عما يعتبره محاولاتها للإطاحة بالجمهورية الإسلامية، وأن تدخل في مفاوضات بروح من الاحترام المتبادل والمساواة، وأن تتخلى عن جهودها المتزامنة للضغط على إيران، مثل التهديدات العسكرية والعقوبات الاقتصادية. ويجادل بأنه في هذه المسائل، وخلافًا لما قاله بايدن في ميونيخ، فإن الكرة في ملعب واشنطن وليس في ملعب طهران.
يرفض خامنئي فكرة أن الخلافات بين إيران والولايات المتحدة تتمحور حول البرنامج النووي. وقال في اجتماع عام مع وفد من العلماء وعائلات الشهداء من منطقة أذربيجان الإيرانية في شباط/ فبراير 2013: «إذا أردنا صنع أسلحة نووية،
كيف يمكنكم منع ذلك؟ إذا كانت إيران مصممة على امتلاك أسلحة نووية، فلن تستطيع أميركا منعها بأي شكل من الأشكال. لا نريد صنع أسلحة نووية. ليس لأن أميركا مستاءة من هذا، بل لأنه اعتقادنا نحن. نحن نؤمن بأن الأسلحة النووية جريمة ضد الإنسانية ويجب عدم إنتاجها، وأن تلك الموجودة بالفعل في العالم يجب القضاء عليها. هذا ما نعتقده. الأمر لا علاقة لكم به. لو لم يكن لدينا هذا الاعتقاد وقررنا صنع أسلحة نووية، لما استطاعت أي قوة منعنا، تمامًا كما لم تستطع منع ذلك في أماكن أخرى، لا في الهند، ولا في باكستان، ولا في كوريا الشمالية».
ويزعم أن مفتاح المفاوضات الناجحة يكمن في أن تغير واشنطن موقفها وشعورها بالاستحقاق. «يجب على الأميركيين أن يؤكدوا نواياهم الحسنة وأن يظهروا أنهم غير مهتمين بالتنمر. إذا أثبتوا ذلك، فسوف يرون أن الشعب الإيراني سيرد بالمثل. دعهم لا يثيروا المشاكل، دعهم لا يتدخلوا، دعهم لا يمارسوا البلطجة، دعهم يعترفوا بحقوق الشعب الإيراني. ثم سيتلقون ردًا مماثلًا من إيران».
يلقي خامنئي كل عام أهم خطاباته في مشهد في اليوم الأول من فصل الربيع، بداية السنة الإيرانية الجديدة. لكن خطاب هذا العام [2013] كان لافتًا للنظر، لما بدا أنه تخفيف طفيف لموقفه بشأن المحادثات. ولأول مرة، حتى وهو يعرب عن عدم تفاؤله بشأن المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، قال صراحة: «لكنني لا أعارضها». وبينما أشار إلى أن واشنطن لا يبدو أنها تميل إلى إكمال المفاوضات النووية وحل القضية، إلا أنه قال إن حل النزاع «قريب جدًا وبسيط جدًا». وقال إن مطلب إيران الوحيد هو الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، وسيكون من "البسيط جدًا" إزالة مخاوف الأجانب. "بإمكانهم تطبيق اللوائح القانونية للوكالة النووية؛ ومنذ البداية، لم نعارض نحن، من جانبنا، تطبيق هذه الرقابة واللوائح"».
إن ما يلفت الانتباه في المسار الذي سلكه المُرشد الأعلى خلال العقود الثلاثة الماضية المضطربة هو التغيير في أسلوب خطابه. لقد ابتعد عن المفاهيم الأيديولوجية المطلقة لـ «الغرب» و«الغطرسة العالمية» والولايات المتحدة باعتبارها الآخر المتجانس تمامًا، واتجه نحو قبول مفهوم أكثر دقة للغرب باعتباره واقعًا اجتماعيًا معقدًا، واقعًا لا يقتصر على دافع متأصل نحو المنافسة السوقية الشرسة والاستغلال الرأسمالي وتوسع السياسة الخارجية فحسب، بل يشمل أيضًا المنتجات الفنية الديناميكية والأدب والعلوم والتكنولوجيا والمخاطرة والابتكارات المؤسسية والتنوع الديني والروحي. لقد أفسح الخطاب الذي يصور الولايات المتحدة بوصفها عدوًا مطلقًا، والذي سيكون من السخف والسذاجة حتى مجرد التفكير في التفاوض معه، المجال لخطاب حول الولايات المتحدة بوصفها طرفًا محتملًا يمكن مناقشة شروط التفاوض المقبولة معه بشأن قضايا مثل البرنامج النووي والأمن في العراق. يبدو أن الولايات المتحدة بالنسبة لخامنئي قد تحولت من كونها الآخر المطلق الوحشي إلى قوة إقليمية مؤثرة ذات نظام سياسي داخلي يعاني من العواقب المؤلمة لمغامرتين عسكريتين فاشلتين حديثتين في الشرق الأوسط.
ما التالي؟
بالنظر إلى سيطرة خامنئي على السياسة الإيرانية وشكوكه العميقة في نيات الولايات المتحدة تجاه الجمهورية الإسلامية، فإن تحسين العلاقة بين إيران والولايات المتحدة سيكون صعبًا، خاصة إذا استمرت السياسات الأميركية طويلة الأمد، مثل العقوبات المتصاعدة باستمرار. غير أنّ تحسين العلاقات ليس مستحيلًا، لأنه يمكن بالفعل استيعاب أهم مصالح كل من طهران وواشنطن في وقت واحد.
ما يحتاج خامنئي إلى معرفته هو أن واشنطن ليست مصممة على شل أو الإطاحة بالجمهورية الإسلامية، وما تحتاج الولايات المتحدة إلى معرفته هو أن المشروع النووي الإيراني سلمي، وأن إيران لن تعرقل الوصول الحر إلى موارد الطاقة والممرات البحرية الإقليمية، وأن إسرائيل يمكنها أن تنعم بالسلام والأمن داخل حدودها المعترف بها دوليًا (والتي لا يزال البعض يأمل في تحديدها في تسوية نهائية مع الفلسطينيين). بإمكان إيران أن تطمئن الحكومات الغربية بأن مشروعها النووي سلمي من خلال جعله شفافًا ومن خلال التصديق على البروتوكولات الإضافية للوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن ضمانات الانتشار وتنفيذها، وذلك مقابل حقها المضمون بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. وبدوره، يستطيع الغرب طمأنة إيران بأنه ليست عازمًا على تغيير النظام من خلال اتخاذ تدابير عملية ملموسة مقابل التزام إيران بالأمن والسلام في الخليج العربي والشرق الأوسط الأوسع نطاقًا، وسيتعيّن عليه القيام بذلك من أجل إحراز تقدم كبير على الجبهة النووية.
من الحكمة أن ترفع واشنطن العقوبات الاقتصادية، لأنه مهما كانت أهدافها، فإن العقوبات تلحق الضرر بالسكان عمومًا، وليس فقط أو حتى في المقام الأول بالمسؤولين الحكوميين الذين هم أهدافها الظاهرية. وهذا ينطبق على إيران كما ينطبق على أي مكان آخر، وهذا يعني أن القوى الخارجية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، مسؤولة حاليًا عن البطالة واسعة النطاق، والتضخم المتصاعد، والزيادة الهائلة في معدلات الفقر. في ظل هذه الظروف، ستنضم المزيد والمزيد من عائلات الطبقة المتوسطة إلى صفوف الفقراء، وسيقع المزيد من أطفال الفقراء ضحايا لسوء التغذية والمرض والعنف. ستصبح مشاكل البقاء اليومي هي الشغل الشاغل للجمهور، وستهمش قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيتدمر النسيج الاجتماعي الإيراني من الداخل، تمامًا كما حدث في العراق خلال التسعينيات. هذا ليس شيئًا ينبغي للولايات المتحدة أن ترغب في رؤيته لأسباب عديدة.
أما خامنئي، من جانبه، فيجب أن يتقبل أنه على المدى الطويل، فإن الطريقة الوحيدة لجعل الجمهورية الإسلامية قوية ومستدامة حقًا هي إضفاء الشرعية على نظامه من خلال أصوات الشعب الحرة. كان لدى الاتحاد السوفيتي أكبر جيش في العالم وجمع آلاف الأسلحة النووية، لكنه انهار في النهاية. حتى لو تخلت الحكومات الغربية عن أي نيات لتغيير النظام، فإن المشاكل الداخلية في إيران لن تُحل أبدًا بدون الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
إذا كانت إدارة أوباما جادة في السعي لإيجاد حل للمشاكل بين طهران وواشنطن، فسيكون من الحكمة وضع خارطة طريق تحدد القضايا التي لم تحل في الملف النووي الإيراني بطريقة واضحة وتحدد جدولًا زمنيًا للتحقيق في القضايا وحلها وإغلاقها واحدة تلو الأخرى. ينبغي ربط التقدم التدريجي على الجبهة النووية بالتقدم التدريجي في رفع العقوبات. كما تُنصح الإدارة باتخاذ نهج شامل تجاه المنطقة وإدراج مناقشات البرنامج النووي الإيراني في إطار أوسع للأمن الإقليمي، وإشراك حلفاء واشنطن وتقليل رغبة هؤلاء الحلفاء في لعب دور المُفسد. وهذا يعني بناء توافق في الآراء حول مجموعة من القواعد للسياسة الإقليمية، وضمان الحدود ونبذ تغيير النظام كسياسة، وتحقيق نتائج حقيقية في إنهاء المأزق في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، والعمل على الإزالة النهائية لأسلحة الدمار الشامل من المنطقة، ودعم حقوق الإنسان في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
من الواضح أن هذا أمر صعب للغاية، ولكن لا توجد طريقة أخرى لتجنب استمرار الصراعات القائمة في المنطقة، أو حتى تصعيدها. لم تسفر السياسات الصدامية التي انتهجتها جميع الأطراف خلال العقد الماضي إلا عن جمود ومعاناة. أظهر انتخاب روحاني رئيسًا رغبة الشعب الإيراني في وضع حد حاسم لعهد أحمدي نجاد، وقد خلق ذلك فرصة لكل من إيران والمجتمع الدولي للمضي قدمًا نحو علاقات أكثر بناءة. ينبغي اغتنام تلك الفرصة بدلًا من تجاهلها.
* نشرت هذه المقالة في مجلة "فورين أفيرز" في العام 2013.
إحالات:
[1] كاتب وناشط اجتماعي وسياسي إيراني بارز (1923 - 1969)، عُرِف بكتابة غربزدگی (1962)، والذي نشره بعد الانقلاب على مصدق (1953)، والذي يترجم عنوانه إلى «المسمومون بالغرب» أو «متسممون بالغرب» أو «عالقون في الغرب» أو «التسمم بالغرب»، ويتحدث عن كيفية تقليد دول الشرق لدول الغرب.
[2] سيد قطب، معركة الإسلام والرأسمالية، (القاهرة: دار الشروق، 1908)، 55.
[3] المراجع نفسه، 62.
[4] سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، (القاهرة، دار الشروق: 1995)، 32-40.
التعليقات