13/03/2026 - 12:51

ماذا حلّ بمُثُلِ الحداثة العربية متعددة الديانات؟

هدَّد نجاح الصهيونية أُسس الوحدة والهوية العربية العلمانية لأنها، أي الصهيونية، اختارت القوميّة العرقية الدينية في منطقة غنية بالتعددية الدينية...

ماذا حلّ بمُثُلِ الحداثة العربية متعددة الديانات؟

مجموعة من الطلاب في الجامعة الأميركية في (1898 و1914)

قبل الصهيونية، تخيل جيل جدّي في عام 1900 عَالَمًا عربيًا حديثًا ومتقدِّمًا ومتعدد الأديان. فما الذي حدث؟

وُلِد جدّي لأبي -أنيس- ضمن رعايا الدولة العثمانية عام 1885، غير أنّه تُوفِّي عام 1977مواطنًا عربيًا عن عمر يناهز 92 عامًا، أي بعد عامين من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. نشأ أنيس الخوري المقدسي في طرابلس عندما كانت كل منطقة الشرق العربي تحت السيادة العثمانية، وتلقَّى تعليمه في المدارس الأميركية التبشيرية التي كانت منتشرة في أرجاء الإمبراطورية في قرنها الأخير، وأصبح أستاذًا متميزًا للغة العربية في الجامعة الأميركية في بيروت. اشتهر بأعماله في الأدب العربي، وكان يُعرف بـ «الأستاذ أنيس»، وهو معلم لأجيال من طلاب اللغة العربية في أشهر جامعة حديثة في الشرق الأوسط. وكان أيضًا عضوًا فخريًا في معاهد اللغة العربية في القاهرة ودمشق، وهي مؤسسات جسَّدت عصرًا حديثًا من التعايش الذي شكَّل حياةَ العرب المسلمين والمسيحيين واليهود من جيل جدي.

جد المؤلف أنيس الخوري المقدسي (يسار) في الصورة إلى جانب حافظ إبراهيم (وسط) وخليل مطران (يمين) حوالي عام 1920. من مذكراته «في صحبة الزمن» وبإذن من المؤلف.

تشارك جيله أكثر من مجرد لغة وحضارة؛ إذ اعتقدوا أنهم قادرون على النهوض وعلى قيادة عالمهم نحوَ مُستقبلٍ عربي حديثٍ. شكَّل الاختلاف الديني لأنيس، كما هو الحال بالنسبة للعديد من مُجايليه، معضلة طائفية، لكنهم رفضوا اعتباره حاجِزًا لا يمكن التغلب عليه أمام التضامن الوطني. حيث كانت الطائفية مشكلة واحدة من بين العديد من المشاكل الأخرى، ومن بينها الجهل والفساد والحكومة الاستبدادية، وكلّها مثَّلت بالنسبة لجيله من المثقفين العرب في مطلع القرن أخطارًا ماحِقة، ولكنها لا تحكم بالضرورة على مصيرهم.

كان جدّي بحلول الوقت الذي ولدتُ فيه عام 1968 أستاذًا فخريًا وركيزة أساسية في المجتمع البروتستانتي الصغير وذي التعليم العالي في رأس بيروت. غير أنه وبحلول ذلك الوقت، كان التفاؤل الذي ساد النصف الأول من القرن العشرين قد تراجعَ إلى حدٍّ كبير؛ فقد قسَّمت الإمبراطوريات الأوروبية منذ زمن طويل الإمبراطورية العثمانية انتهازيًا وأنشأت عدة دول جديدة، منها لبنان. وشهد الشرق العربي، الذي كانت الدولة المتوسطية الصغيرة جزءًا لا يتجزأ منه، تراجع السياسات الرنّانة المُناهضةِ للاستعمار في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تحت وطأة مجموعة متنوعة من الأنظمة العربية القمعية خلال الحرب الباردة. وكان لبنان قد شهد بالفعل حربًا أهلية قصيرة في عام 1958.

غير أنَّ الكارثة الحقيقية في الشّرقِ العربي قد وقعت قبل ذلك بعقدٍ، عندما مزَّق الصهاينة فلسطين وعقدوا نيّتهم على إقامةِ دولةٍ يهوديةٍ خالصة. وفي سعيهم لتحقيق هذه الخيالات العِرقية-الدينية، أغرقوا المنطقة في حالة من عدم الاستقرار والحرب. طردَ الصهاينة معظم الفلسطينيين الأصليين من أراضيهم ومنازلهم في عام 1948 وصادروا ممتلكاتهم. وردًّا على ذلك، وجدت المجتمعات اليهودية الراسخة في جميع أنحاء الشرق العربي نفسها كبشَ فداٍء ومعرَّضةٍ للخطر. وصُوِّرَ العرب واليهود مُنذئذ، بوصفهم أعداء وجوديين أبديين كما لو أن صراعاتهم السياسية المعاصرة المريرة كانت بمثابة تكرارًا لصراعات دينية قديمة مزعومة. وكم كان مثير للاهتمام لاحقًا قراءة قصيدة بعنوان «درسٌ من الحركة الصهيونية» من تأليف جدِّي أنيس ونُشرت في مارس 1914 في مجلة الكلية التابعة للكلية البروتستانتية السورية، والمعروفة اليوم بالجامعة الأميركية في بيروت.

تتحدث الأبيات الافتتاحية عن زمن لم تكن فيه كلمة «الصهيونية» في اللغة العربية قد تلوثت تمامًا بأفعال الحركة الصهيونية اللاحقة. تُقرّ القصيدة باجتهاد المستوطنين الصهاينة الذين وصلوا إلى فلسطين من أوروبا في لحظة من انحطاط العرب. كان الدّرس الذي استخلصه جدي من الحركة الصهيونية ذي شقّين: الأول هو أن تصميم الصهاينة وقدرتهم على إحياء أنفسهم قد يحفز العرب على «مضاهاتهم في مسعاهم ومشاريعهم». لعل هذه الدَّعوة إلى التقدم عكست الحداثة العربية البروتستانتية المُميَّزة لجدّي، والتي تأثرت بشدة بالمؤسسات والثقافة التبشيرية الأميركية.

غير أنَّ الدعوة المُلحّة للعرب للانضمام إلى قافلة الحداثة عكست أيضًا استعارة شائعة للنهضة الفكرية والثقافية العربية الجامعة والمعروفة باسم النهضة العربية. لأن تلك العزيمة الصهيونية نفسها —وهنا كان الدرس الأهم الذي استخلصه جدي— هدَّدت في نهاية المطاف بإخضاع العرب الذين كان عليهم التوقف عن التباكي على ماضيهم المجيد والتغلّب على وضعهم الحالي البائس. فكتب: «هل مَن عجبٍ أن أمة موسى قد استقرت على شواطئنا، تحرثُ الأرض بجدٍّ واجتهاد؟» لقد رأى جدّي أن اليهود الأوروبيين قد حفَّزوا صحوة يهودية، ثم حركة صهيونية منظَّمة. وأشار أيضًا إلى الخطر الذي يشكله المستوطنون الممولون جيدًا على عرب سوريا الذين ما زالوا «نائمين». كان مُصرًّا أنّ الله قد أنعم على العربِ بأرضٍ خرج منها رجال شجعان ولغة جميلة تتجاوز الاختلافات الدينية. وكان على العرب الاختيار بين ما إذا كانوا سيخضعون في نهاية المطاف لهؤلاء الغرباء المتحمسين، أم سيدركون أن لديهم القدرة على بناء مستقبل حُرٍّ وكريم. واختتم حديثه مخاطبًا شعبه العربي قائلًا: «إذا تعرضتم في النهاية للإهانة، فلا تقولوا إنها قضاء وقدر تخفيَّا بثوبِ مرور الزمن».

ساهم جدّي في أرشيف عربي مبكر غير متجانس كان لا يزال يحاول فهم الصهيونية وعلاقتها بالعالم العثماني المُتلاشي. لم يكن مِن سبب يُذكر لجدّي، أو للمسلمين والمسيحيين في جميع أنحاء بلاد الشام، للاعتراض على الديانة اليهودية نفسها، أو الرغبة في إحياء التضامن الثقافي أو الروحي اليهودي. كان التعايش، في نهاية المطاف، متأصلًا بعمق في الشرق العربي. لم تُرسّخ أربعة قرون من الحكم العثماني عالمًا مشتركًا بين المسلمين وغير المسلمين، بل أدَّت إلى تعقيدٍ تقليدٍ كانَ قائمًا منذ ظهور الإسلام.

وبرغمِ منح الشريعة الإسلامية المسلمين امتيازات على غير المسلمين في إمبراطورية يحكمها سلاطين عثمانيون مسلمون، إلّا أن المجتمعات المسيحية واليهودية كانت جزءًا لا يتجزأ من نسيج حضري متنوع. فكانوا موجودين في كل ركن من أركان الإمبراطورية، وفي الشّرق العربي، كان اليهود الشرقيون والمسيحيون في الإمبراطورية يتحدثون اللغة العربية. وعلى النقيض من أوروبا، لم يُستهدف اليهود بالاضطهاد في الإمبراطورية العثمانية، التي لمْ تسعَ إلى جعل جميع رعاياها يمارسون الدين ذاته أو حتى التحدث بالّلغةِ ذاتها أو حمل ثقافةٍ بعينها. في نهاية الإمبراطورية، طَرَدَ قادتها الأرمن واضطهدوهم وذبحوهم ولاحقوا القوميين العرب. لكن لم تكن هناك «مسألة يهودية» في الإمبراطورية العثمانية، ولم تكن هناك معاداة للساميّة ذات طابع عُنصريٍ مماثلٍ لما كان يحصل في الغرب.

وثمّة سببٌ لظهور الصهيونية في أوروبا وليس في العالم العثماني. كان كل زعيم صهيوني كبير أوروبيًا، لأنه في المدن والبلدات الأوروبية دفع المزيج الضار من القومية ومعاداة السامية بعض اليهود إلى الحُلمِ بتأسيس دولة قومية منفصلة. لم يكن هناك أي دافع حتمي يهدّد اليهود العثمانيين أو الشرقيين أو العرب نحو مخطط لإعادة تشكيل فلسطين متعددة الأديان إلى دولة قومية يهودية عرقية دينية. لا شكّ أن كون أقلية من اليهود الأوروبيين قد حلموا بهذه الأحلام في ذروة الحقبة الغربية للعنصرية والاستعمار قد شكَّل طريقة تفكيرهم في تحقيقها.

استقر ثيودور هرتزل، النمساوي والأب المؤسس للصهيونية السياسية، في نهاية المطاف على فلسطين بوصفها موقعًا لدولته اليهودية ليس فقط لأنها شَهِدَت القصص والرموز العظيمة للعقيدة والتّاريخ اليهودي، بل اختارها أيضًا لأنه كان ينتمي إلى عالمٍ أوروبيّ كان يُعتقد فيه أن وجود السكان الأصليين غير ذي صلةٍ بالتاريخ والمصير المُهمّين. كتب هرتزل في رسالته الصهيونية الدولة اليهودية (1896): «ينبغي لنا أن نكونَ هناك جزءًا من سُوُرِ أوروبا في مواجهة آسيا، معقلًا للحضارة في مواجهة البربرية». وبقدرِ ما فكَّر هرتزل وغيره من كبار المنظرين الصهاينة في العرب الأصليين، فقد اعتبروهم عاجزين تمامًا عن تطوير أنفسهم، وبالتأكيد غير جديرين بفلسطين نفسها. لقد اعتبروهم فلَّاحين بُسطاء وغير سياسيين ووغير فاعلين، واقترحوا أنه من خلال التعاون الاقتصادي، سيتصالح هؤلاء العرب عاجلًا أم آجلًا مع الصهيونية الاستعمارية في فلسطين.

كانت تخيلات هرتزل في صميم قصة معروفة عن الصهيونية الحديثة، والتي أدخلت نفسها في مشهد عثماني وعربي متعدد الأصوات. وقليلٌ ما يُتحدث عن سُبل تعامل العديد من العرب المسلمين والمسيحيين واليهود في البداية مع الصهيونية، محاولين فهمها واستيعابها، وأحيانًا بعد لقائهم مع ممثلين صهاينة تحدَّثوا عن الحاجة إلى الصداقة والتعاون بين «العرب» و«اليهود» دون الكشف عن الهدف النهائي لمنظمة الحركة الصهيونية التي تقودها أوروبا في فلسطين. ومثل جدّي أنيس، انبهر بعض العرب المتعلمين في البداية بالأساليب الحديثة ظاهريًا للصهيونيين، ولكنّهم، مثله، سرعان ما أدركوا تداعيات ذلك على عرب فلسطين. أرسل يوسف ضياء الخالدي، وهو مسلم مقدسيّ وعربيّ عثمانيّ، رسالة إلى الحاخام الأكبر لفرنسا عام 1899، يطلب منه إحالة الرسالة إلى هرتزل، والتي أقرَّ فيها بأن الفكرة الكامنة وراء الصهيونية كانت «نظريًا فكرة طبيعية وعادلة تمامًا» لمكافحة معاداة السامية الأوروبية، لكن تطبيقها في فلسطين متعددة الأديان لم يكن كذلك. أعرب الخالدي عن قلقه المتزايد مِنَ البُعدِ الاستعماريّ للصهيونية في فلسطين.

وطالما بقيت الإمبراطورية العثمانية قائمة، بَدَت فكرة قيام دولة يهودية فعليًا بعيدة المنال. ناقشَ الصهاينة فيما بينهم جدوى وضرورة وشكل وتداعيات قيام دولة يهودية في فلسطين، خاصة وأن أولئك الذين سافروا إلى فلسطين أدركوا أن واقع وجود عدد كبير من السكان العرب الأصليين يُشكِّل معضلة واضحة للمشروع القومي لإقامة دولة يهودية. بدأ ظهور المزيد والمزيد من المستوطنات اليهودية، التي بُنيت أحيانًا على أراضٍ اُشتُريت من ملّاكِ أراضٍ عرب غائبين، في إثارة شكوك مستمرة لدى الفلسطينيين. وكلّما ازداد اطّلاع العرب على الصهيونية، زاد قلقهم.

بعد عام 1904، رَفَضَت مَوجة جديدة من المستوطنين المُتحمسين من أوروبا الشرقية وروسيا اللغة العربية ولم يسعوْا إلّا قليلًا للاندماج في المجتمع المحلي. كتب نجيب نصار، مالك وناشر صحيفة الكرمل العربية في حيفا (الذي صادقه جدي عندما كانا طالبين في بيروت) في عام 1911، رسالة قصيرة عن الصهيونية، حذَّر فيها قُرَّاءه من المنظمة الحديثة ودوافع، وجدية البرنامج السياسي للصهيونية. وأصرَّ على أنه ما كان ليعارض الهجرة اليهودية لو كانت الصهيونية بدون طموحات سياسية. كما أقرَّ نصَّار بجهودِ هرتزل الحثيثة لإلهام اليهود من جميع أنحاء العالم لتبنِّي الصهيونية، لكنه قال إن الصهاينة لم يرغبوا حقًا في «في الاندماج مع العثمانية»، بل أرادوا بناء دولتهم القومية المنفصلة في فلسطين، ولذلك كان لا بدّ من مقاومتهم على نحوٍ عاجل.

وفي عام 1911 أيضًا، ألقى روحي الخالدي، ابن شقيق يوسف ضياء، خطابًا في البرلمان العثماني في إسطنبول أشادَ فيه باليهود لكنه حذَّر من أنَّ الصهيونية ستؤدي إلى انهيار وشيك للعلاقات بين العرب واليهود. كما زارَ الصحفي والكاتب المقيم في القاهرة، جُرجي زيدان، فلسطين في عام 1913 وفهِم الأمر بوضوح. وفي تعليق له في مجلته الثقافية الهلال، ردَّد زيدان تحذير نصَّار الشديد للعرب بشأن خطر الاستعمار الصهيوني لفلسطين.

كانت الصهيونية بالنسبة للعرب المسلمين والمسيحيين من جميع الطبقات والأماكن، بلا شك بحاجة إلى ترجمة. كل أمرٍ مرتبطٍ بالصهيونية تقريبًا كان صارخُ الغرابةِ عن مُحيطه: اللغات التي تحدث بها المستعمرون والمهاجرون، وأيديولوجيتهم القومية وملابسهم ومستوطناتهم والجهود الدؤوبة لقادتها الأوروبيين، مثل عالم الاجتماع الألماني والدارويني الاجتماعي آرثر روبين الذي عمل مع المنظمة الصهيونية العالمية والصندوق القومي اليهودي للتخطيط للاستعمار «العلمي» لفلسطين لفصل «اليهود» عن «العرب». ولهذه الأسباب، ترك العرب المتعلمون سجِّلًا مُهمًّا من الملاحظات والأفكار التي غالبًا ما ميزَّت بين الصهاينة واليهود الأصليين. وبطريقةٍ رفضت الصهيونية الاستعمارية القيام بها، استطاع روحي الخالدي وجدي، والعديد من الآخرين مثل المُربي المقدسي خليل السكاكيني، التمييز بين دين كبيرٍ يُشكّل الأساس المشترك للأديان التوحيدية الثلاثة الكبرى وحركة سياسيةٍ انبثقت من جانب واحد من التجربةِ اليهوديّةٍ في المناخات القومية المريرة في وسط وشرق أوروبا.

وواجه اليهود العرب صعوبة أكبر في التعامل الفكري مع النسخ المبكرة من الحركة الصهيونية في فلسطين. تحدث الصهاينة بإصرار عن تمثيل الشعب اليهودي بأكمله. وعلى خِلافِ العرب المسيحيين والمسلمين، كافح اليهود العرب بشدّة مع الصهيونية بوصفها شكلًا من أشكال الهوية الذاتية، وليس بوصفها بديلًا عن تجديدهم الحديث الطموح. رأى بعض اليهود الأصليين في فكرة إحياء اليهودية في فلسطين سبيلًا مهمًا للتعبير الذاتي الجماعي اليهودي داخل الإمبراطورية العثمانية التي طالما قدّرت التنوع الديني. ورأى آخرون في ذلك تدخلًا غريبًا يعزلهم عن إخوانهم المسلمين والمسيحيين الناطقين بالعربية.

وأدَّى التنظيم والتمويل والثقة الاستعمارية لدى العديد من الصهاينة الذين استقروا في فلسطين إلى إثارة صراع ثقافي ومؤسسي حول من يمثل المجتمع اليهودي في فلسطين حقًّا وكيف سيكون مستقبل الحياة اليهودية هناك. أدى هذا الصراع اليهودي الداخلي إلى انقسام معظم المستوطنين الأشكناز الأوروبيين الصهاينة الوافدين حديثًا عن اليهود السفارديم الذين استقروا منذ فترة طويلة في الإمبراطورية العثمانية، وبالطبع عن يهود الشرق الأوسط الآخرين الذين لم يكونوا أشكنازًا وليس بالضرورة سفارديم. لم تكن هذه الخطوط الفاصلة واضحة على الدّوام؛ إذ احتضنت فلسطين يهودًا عربًا أشكناز أصليين ولدوا في فلسطين ورفضوا الصهيونية الاستعمارية، تمامًا كما كان هناك العديد من اليهود السفارديم الذين اعتنقوها منذ البداية والذين عملوا أو تبرعوا لمؤسسات صهيونية مختلفة. ناقش اليهود الصهيونية في المجالس المجتمعية والمدارس، بما في ذلك مدارس التحالف الإسرائيلي العالمي الممول من فرنسا، وفي الصحافة اليهودية متعددة اللغات، وفي منازلهم. لقد أثر الصراع في نهاية المطاف على جميع المجتمعات اليهودية الشرقية عبر المغرب والمشرق وصولًا إلى سالونيك [اليونان] وغيرها من المدن الكُبرى في الإمبراطورية.

هل ينتمي اليهود إلى أمة عالميّة مع مواطنين من ديانات مختلفة، أم أنهم في الأساس ينتمون فقط إلى أمة سياسية مع يهود آخرين: هذا السؤال الأساسي هيمن على المسار السياسي للصهيونية في فلسطين. عرّف القادة الصهاينة الأوروبيون إجابتهم وعملوا، خاصة بعد المؤتمر الصهيوني العالمي الافتتاحي في بازل عام 1897، على الدعوة إلى السيادة اليهودية في فلسطين أو عليها. وعلى نحو مباشر، سعوا إلى هجرة غير معرقلة (وجماعية في نهاية المطاف) لليهود الأوروبيين إلى فلسطين على الرغم من رغبات العرب الأصليين، واشتروا أراضٍ هناك لوضعِ الأساس المادي لدولة يهودية في فلسطين.

بالنسبة لليهود العرب، لم تكن مسألة الصهيونية بهذه البساطة. عانت الصحفية النسوية إستر أزهري مويال وزوجها الصحفي شمعون مويال، بالإضافة إلى الصحفي نسيم معلول، من العلاقة بين العروبة والصهيونية. وعلى عكس الصهاينة الأوروبيين، كانوا يتحدثون العربية ويقدّرون الثقافة العربية. ومثل العديد من أخوتهم العرب اليهود في سوريا ومصر، رأى مالول ومويال، أو أقنعوا أنفسهم، أن الصهيونية تعبير ثقافي ووطني يمكن أن يتعايش مع الواقع متعدد الأديان في فلسطين العثمانية. تكريمًا لالتزامهم بعالم مشترك، أطلق الزوجان مويال اسم صديقهم عبد الله النَّديم، وهو كاتب قومي مصري لم ينجب أطفالًا، على ابنهم البكر. بالنسبة لهم، لم تكن المصالحة بين العروبة والصهيونية مجرد مناورة تضليلية لتهدئة القلق العربي المتزايد، كما كان الحال بالنسبة لكبار الصهاينة الأوروبيين. وشمل هؤلاء الأخيرين ناحوم سوكولوف، الذي زار بيروت ودمشق عام 1914 للقاء مثقفين وشخصيات عامّة عربية بارزة، وڤيكتور جاكوبسون، الذي سعى، بصفته مديرًا للبنك الصهيوني الأنجلو-فلسطيني في إسطنبول، إلى إقناع الصحفي العربي الشاب أسعد داغر بإمكانية التعاون بين «العرب» و«اليهود».

وكتب معلول، على سبيل المثال، في عام 1913 أنه «في دورنا كأمة ساميَّة، يجب أن نؤسس قوميتنا على الساميَّة وألّا نخلطها بالثقافة الأوروبية، ويُمكننا من خلال اللغة العربية التأسيس لثقافةٍ عبريةٍ حقيقية. وإذا أدخلنا في ثقافتنا أسسًا أوروبية، فإننا ننتحرُ ببساطة. ومع ذلك، فقد كرَّس معلول نفْسَه للعمل من أجل صهيونية يُهيمنُ عليها الأوروبيون؛ فانضم إلى المكتب الصهيوني في يافا عام 1911 في الوقت نفسه الذي كان فيه مراسلًا لصحيفة المقطَّم العربية التي تصدر في القاهرة. إلى جانب الزوجان مويال، سعى معلول باستمرار إلى دحض معاداة الصهيونية في الصحافة العربية وطمأنة القراء العرب بأن الصهيونية متوافقة بالفعل مع التطلعات القومية العربية. ومع ذلك، عشية الحرب العالمية الأولى، أصبحت اللغة العبرية المُعاد إحياؤها، وليس العربية أو التركية، اللغة السائدة بسرعة في المجتمع اليهودي متعدد اللغات في فلسطين، والذي كان بدوره يتشكل بسرعة حول هوية وطنية يهودية تستبعد الفلسطينيين على نحوٍ واضحٍ.

وبغضِّ النظر عن إعجابهم المبكر بجوانب الحداثة الصهيونية، فقد نفى العرب المسلمون والمسيحيون ذلك من ذاكرتهم الجماعية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. كرّس وعد بلفور في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، والذي أعقبه فرض الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1920، مرحلة استعمارية صريحة من الصهيونية. لقد منحت كل من رسالة وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى الزعيم الصهيوني والتر روتشيلد والسياسة المعلنة لبريطانيا امتيازًا صريحًا للمشروع السياسي الأوروبي الأجنبي المتمثل في «وطن قومي» يهودي على حساب حق تقرير المصير للعرب الأصليين. على الرغم من أن المسؤولين الاستعماريين البريطانيين أعلنوا أنهم سيحافظون على ميزان العدالة، إلا أنهم فصلوا منهجيًا بين العرب واليهود في فلسطين. رفضت بريطانيا إمكانية وجود هوية وطنية فلسطينية علمانية، وتجاهلت أو قمعت كل حالة من حالات المقاومة الفلسطينية التي سعت إلى إظهار مثل هذه الهوية.

الأعلام البريطانية والصهيونية ترفرف فوق قرية عربية. صورة التقطت بين عامي 1898 و1930 (بإذن من مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس)

شنَّت الصهيونية الاستعمارية في الوقت ذاته حربًا غير معلنة ومفتوحة على فلسطين العربية. مارس الصهاينة ضغوطًا علنية على البريطانيين للسماح بالهجرة اليهودية غير المقيدة إلى فلسطين بغض النظر عن رغبات السكان الأصليين، وذلك لوضع الأساس الديموغرافي لدولتهم القومية العرقية الدينية الحصرية. أرادوا تحويل الأغلبية الأصلية إلى أقلية على أرضها. «الأعداد الهائلة تعمل ضدنا»، هكذا صرّح حاييم وايزمان، الزعيم الصهيوني المولود في روسيا، إلى بلفور عام 1918. تعبر رسائل وايزمان الخاصة عن ازدرائه العنصري لـ «العربي» وازدرائه لليهود الأصليين المناهضين للصهيونية: ثمّة عدد كبير جدًا من الفلسطينيين في فلسطين بما يعرق إنشاء دولة يهودية، ولم يكن هناك عدد كافٍ من اليهود الأصليين الملتزمين بالصهيونية الاستعمارية. أعرب وايزمان عن قلقه من أن «المشكلة العربية» قد تعرقل المشروع الصهيوني الإقليمي والسياسي في فلسطين. كان يعتقد أنه في حين أن «الصداقة» والتفاهم بين العرب واليهود أمر ممكن، إلا أنهما مشروطان وثانويان للغزو الصهيوني لفلسطين، وعلى الانفصال القومي الكامل بين «العرب» و«اليهود». أنشأ الصهاينة بفضل الحماية الاستعمارية البريطانية منظمات يهودية منفصلة في مجالات السياسة والهجرة والتعليم والعمل والاقتصاد والأراضي والشؤون الاجتماعية. مع كل دليل ملموس على نجاحها، أقفلت الصهيونية الاستعمارية البابَ أمامَ مستقبلٍ لليهود العرب بوصفهم جزء قابل للحياة في المجتمع السياسي العربي، بدءًا من فلسطين ولكن ليس انتهاءً فيها.

بدأ معلول العمل لصالح اللجنة الوطنية الصهيونية بعد قيام الانتداب البريطاني المؤيد للصهيونية الذي استمر حتى عام 1948. سعت القيادة الصهيونية في فلسطين إلى جمع معلومات عن عرب فلسطين ونشر الدعاية بينهم. ومثل عدد متزايد من اليهود العرب الآخرين، اختار معلول التحالف بصورة نهائية مع الصهيونية الاستعمارية. كأفراد، ربما كانوا على علاقة اجتماعية وثيقة مع عرب آخرين من ديانات مختلفة، بل وربما كانوا يحبون اللغة العربية. لكنهم تبنوا أيضًا الفرضية التاريخية المركزية للصهيونية الاستعمارية الجماعية: أن فلسطين هي الأرض القومية للشعب اليهودي. لقد وضعوا أنفسهم في تسلسل هرمي سياسي وعرقي وضع باستمرار اليهود الأشكناز الأوروبيين في القمة، يليهم اليهود السفارديم وغيرهم من يهود الشرق الأوسط الذين دُمجوا على نحوٍ ملتبس، وأخيرًا السكان الأصليون غير اليهود الذين لم يكن لهم مكان حقيقي داخل المشروع الصهيوني.

فجَّرت منظمة الإرغون الصهيونية شبه العسكرية خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين الأسواق والمباني العامة ودور السينما ضمن حملة عملياتٍ إرهابيّة. كان أكثر أعمالها شهرة هو مذبحة المدنيين الفلسطينيين في دير ياسين في نيسان/ أبريل 1948. أنشأت منظمة الإرغون وحدة مؤلفة من العرب واليهود الشرقيين الناطقين بالعربية للتسلل إلى عرب فلسطين وترويعهم. استخدمت الصهيونية الاستعمارية اليهود العرب لدراسة ومراقبة وتحيل وإدارة وفي نهاية المطاف المساعدة في السيطرة على العرب الفلسطينيين. وفي الوقت نفسهِ قامت الصهيونية الاستعمارية، على نحو متناقض، على الرفض التام للوجود اليهودي العربي.

مدنيون عرب، تحت أنظار القوات الدولية، يغادرون عراق المنشية، بالقرب من كريات غات حاليًّا، في آذار/ مارس 1949 بعد نكبة عام 1948.

تكمن مأساة اليهود العرب في أن هويتهم العربية استُغلت من قبل الصهيونية الاستعمارية، التي أنكرت شرعية هويتهم العربية اليهودية. لقد حُوِّلوا –وجعلوا أنفسهم– مستوطنين استعماريين في بحر من الظروف المتناقضة. سعت الدولة التي يهيمن عليها الأشكناز، بعد نكبة عام 1948، إلى إزالة الطابع العربي عن كتلة المهاجرين اليهود العرب الذين وصلوا إلى دولة إسرائيل حديثة النشأة. ارتجف ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، من فكرة أن يحوّل اليهود العرب الدولة الجديدة إلى دولة «شامية» أخرى يسكنها ما اعتبره هو وكثير من المستعمرين الأوروبيين يهودًا شرقيين «بدائيين» أدنى شأنًا. قال بن غوريون عن هؤلاء اليهود الذين اعتبرهم أيضًا قريبين جدًا من الثقافة العربية: «نحن غرباء عنهم وهم غرباء عنا، وهم يهود فقط بمعنى أنهم ليسوا غير يهود».

على الرغم من أن الصهيونية الاستعمارية طالبت بالفصل القومي الجديد تاريخيًا بين «العرب» و«اليهود»، إلا أن قادتها أعلنوا علنًا أن هناك كل إمكانية للتقارب مع العرب خارج فلسطين، طالما أنهم يوافقون على التخلي عن فلسطين والفلسطينيين. كان وايزمان على سبيل المثال يأمل في التوصل إلى اتفاق مع «عرب الحجاز، الذين هم أكثر إثارة للاهتمام من البايستريوك [أبناء الزنا] المحليين [من كلمة байструк، وهي كلمة روسية تعني «النغل/ابن (بنت) الزنا/ابن (بنت) حرام»]. ومع ذلك، ومع ازدياد وضوح حجم وطموح الاستعمار الصهيوني في فلسطين، أصبحت قضية فلسطين عنصرًا أساسيًا في الهوية العربية الحديثة.

كان الأمير الهاشمي اليائس فيصل، في عام 1919، على استعداد لتوقيع معاهدة صداقة بين «العرب» و«اليهود» في لندن، والتي يبدو أن وايزمان قد صاغها. ربما انخدع فيصل بتأكيدات وايزمان بأنه لن يلحق أي ضرر بالسكان الفلسطينيين المحليين. كان يريد من الصهاينة على الأرجح دعم طموحاته السياسية في سوريا المجاورة. بعد عام، تحطمت فكرة هذا النوع من الصداقة، المنفصلة عن الواقع في فلسطين وعن المشاعر الجارفة التي عبر عنها السوريون بشكل عام في معارضتهم للصهيونية الاستعمارية، بسبب الاشتباكات العربية اليهودية في القدس التي أشعل فتيلها الاستعمار الصهيوني. بحلول الوقت الذي اندلعت فيه الثورة الكبرى المناهضة للاستعمار ضد الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1936، كانت المحاولات العربية للتمييز بين اليهود والصهاينة تتلاشى على نحوٍ متزايد أمام الحقائق على أرض الواقع. جعل إصرار الصهيونية المستمر على أن الشعب اليهودي المتنوع يشكل مجتمعًا سياسيًا عرقيًا دينيًا فريدًا هذا التمييز أمرًا حيويًا وصعبًا للغاية في الحفاظ عليه. أدت ردود الفعل العربية العنيفة المعادية لليهود على الصهيونية الاستعمارية العنيفة والإمبريالية الغربية إلى تفاقم هوة جديدة ومتنامية بين العرب واليهود. وتنكَّر التاريخ في زي القدر.

اليهود العراقيون الوافدون حديثًا إلى مطار اللد في إسرائيل، قبل نقلهم الأولي إلى المخيمات في مايو 1951.

كان جدي مسافرًا في الولايات المتحدة عام 1948 عندما وقعت النكبة. ليس من الواضح ما إذا كان الأستاذ أنيس قد تذكر قصيدته التي كتبها قبل عقود؛ فالمذكرات التي يروي فيها رحلته لا تذكرها. وبدلًا من ذلك، استذكر حيرته من مدى انتشار الدعاية الصهيونية في الولايات المتحدة بشأن قضية فلسطين. شعر بالصدمة أفي ثناء عودته إلى لبنان عندما سمع عن اغتيال الوسيط السويدي للأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت على يد «الصهيونيين». بالنسبة لجميع العرب تقريبًا في تلك اللحظة، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، سنة أو شيعة، فقراء أو أغنياء –سواء كانوا يعيشون في المغرب أو سوريا أو العراق أو اليمن أو السعودية– أصبحت الصهيونية مكروهة بالقدر مفسخ الذي أصبحت فيه «القضية الفلسطينية» فكرة مُوحِّدَة.

أشار جدي على سبيل المثال في كتابه الكلاسيكي الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث (الذي نُشر لأول مرة في 1952) إلى أن «فلسطين تعدّ قضيّة قوميّة عامّة ولذا ترى الأدب العربي في كل قطر يعطف عليها ويهتم بمصيرها». أما بالنسبة للأقلية من العرب اليهود الذين بقوا في العالم العربي بعد عام 1948، فقد تعقّد تعريف «فلسطين» على نحوٍ كبير بسبب الجهود الصهيونية لإقناعهم «بالعودة» إلى فلسطين، وبسبب الدعاية، وبسبب استهداف اليهود ككبش فداء والعنف في أماكن مثل العراق. لكن الأمر ظل واضحًا –خيطًا هشًّا يربط بين ماضٍ ومستقبل محتمل للتضامن يتجاوز القومية العرقية والدينية.

لم ينبع هذا الوعي العربي بكارثة الصهيونية من كراهية دينية متأصلة من جانب العرب ضد اليهود، بل من شعور مشترك عميق بظلم لا يطاق ولا يزال مستمرًا ويتطلب التعويض. لم يعد بإمكان القادة العرب بعد عام 1948 التفكير في تحالف علني مع الصهيونية كما فعل الأمير فيصل قبل 30 عامًا. اعترف بعض المثقفين العرب مثل قسطنطين زريق صراحة بالحداثة في المشروع الصهيوني في فلسطين، لكنه رأى فيه نظامًا شريرًا يجب دراسته وهزيمته.

لقد هدَّد نجاح الصهيونية أُسس الوحدة والهوية العربية العلمانية لأنها، أي الصهيونية، اختارت القوميّة العرقية الدينية في منطقة غنية بالتعددية الدينية. لم يمنع هذا التواطؤ السري بين الزعماء العرب مثل شقيق فيصل الملك عبد الله ملك الأردن والصهاينة، ولم يمنعه لاحقًا؛ إذ وتحت ضغط أميركي هائل وبعد عدة حروب أخرى كسرت شوكة الجيوش العربية، أُبرِمت معاهدات «سلام» بين حكّام عربٍ مناهضين للديمقراطية بشدة يعتمدون على الولايات المتحدة وبين قادةٍ إسرائيليين عنصريين على نحوٍ سافر. تزامن وفاة جدّي أنيس في عام 1977 مع زيارة الرئيس المصري أنور السادات المثيرة للجدل إلى القدس، حيث استقبله رئيس الوزراء الإسرائيلي (والعضو السابق، بفخرٍ، في منظمة الإرغون) مناحيم بيغن الذي رفض حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم رفضًا كاملًا. عندما اغتيل السادات بعد بضع سنوات في القاهرة، اندلع إطلاق نار احتفالي في بيروت حيث عاش جدي، وحيث مات.

لقد تعايش العرب لفترة طويلة مع أبناء وطنهم من أتباع الديانة اليهودية؛ لكن ذلك كان مختلفًا اختلافًا جوهريًا عن الرضوخ، ناهيك عن إجبارهم على قبول، دولة عرقية دينية مبنية بعنف على ما كان دائمًا، وما زال، أرضًا متعددة الأديان. مثل جميع العرب الآخرين تقريبًا، أدرك جدي أنيس فداحة الظلم الذي ارتكب في فلسطين عام 1948، لكنه تساءل أيضًا عما إذا كان العرب مستعدين بما فيه الكفاية، أو في وضع يسمح لهم بعكس هذا الظلم بنجاح. وكتب أن «فلسطين انتزعت من أيديهم. والآن يكافحون لاستعادة أجزاء منها. هل ينبغي لنا أن ندعو إلى حمل السلاح، أم نقول إن الزمن سيحكم في النهاية لصالح العدالة لأن الزمن هو أنصف القضاة؟».


نُشر المقال في موقع "أيون".