مقدّمة المترجم
نُشرت هذه المقالة في موقع فورين أفيرز في 3 شباط/فبراير 2025، أي قبل شهر تقريبًا من بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ويحاول فيها أستاذ الشؤون الدولية في جامعة هارفرد، ستيفن والت، شرح نهج إدارة ترامب في السياسة الخارجية خلال ولايته الثانية، ويُبيّن أنها تسعى فقط إلى استخدام القوة البحتة لأخذ ما يزيد من رصيدها، بغض النظر عمّا إذا كانت تتعامل مع حليف أو خصم. وهو ما يُفسّر عدم احترامها للقواعد والأعراف الدولية؛ إذ تنظر الإدارة الأميركية الحالية إليها على أنها قواعد بالية تُقيّد قدرة أميركا على الربح/الانتصار. ويُفسّر هذا النهج أيضًا، إلى جانب انسحاب ترامب من عدد كبير من الاتفاقات الدولية، وهجماتها في الكاريبي، واختطاف الرئيس الفنزويلي، والآن الحرب العدوانية على إيران، إذ تنظر أميركا إلى نفسها على أنها قوّة عالمية مهيمنة تتصرف دون شرط أو قيد، أو بوصفها مفترسًا أعلى (Apex Predator)، يسعى إلى تحقيق أهدافه هو أولًا، بغض النظر عن تبعات قراره على باقي الشركاء والحلفاء وما بقي من النظام الدولي.
سعى المعلّقون والمحلّلون جاهدين، منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة عام 2017، لإيجاد وصف دقيق لنهجه في العلاقات الخارجية الأميركية. أشار عالم السياسة باري پوسن (Barry Posen) عام 2018، مثلًا، ضمن مجلة فورين أفيرز، إلى أن إستراتيجية ترامب الكبرى هي «الهيمنة غير الليبرالية»، بينما حاجّ المحلّل أورين كاس (Oren Cass)، في خريف العام الماضي، بأن جوهر نهجه يكمن في المطالبة بـ«المعاملة بالمثل». وقد وُصف ترامب بأوصاف عدّة: الواقعي، والوطني، والتاجر التقليدي، والإمبريالي، والانعزالي. يعكس كل من هذه المصطلحات جوانب من نهجه، لكن ربما يكون الوصف الأنسب لإستراتيجيته الكبرى في ولايته الرئاسية الثانية هو «الهيمنة الافتراسية»، التي تهدف رأسًا إلى استغلال موقع واشنطن المتميّز لانتزاع تنازلات وإتاوات ومظاهر خضوع من الحلفاء والخصوم على حد سواء، سعيًا وراء مكاسب قصيرة الأجل في عالم تعتبره واشنطن قائمًا على مبدأ الربح والخسارة.
وبالنظر إلى ما تملكه أميركا من موارد كبيرة ومزايا جغرافية، قد تنجح الهيمنة الافتراسية لفترة من الزمن، إلا أنها محكومة بالفشل على المدى البعيد؛ فهي غير ملائمة لعالم تتنافس فيه قوى عظمى متعددة، لا سيما في ظل وجود الصين بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية ندًّا لها، ولأن تعدد الأقطاب يتيح للدول الأخرى سبلًا لتقليل اعتمادها على أميركا. وإذا استمرت الهيمنة الافتراسية في تثبيت الإستراتيجية الأميركية في السنوات القادمة، فستُضعف الولايات المتحدة وحلفاءها على حد سواء، وتولّد استياءً عالميًا متزايدًا، وتخلق فرصًا مغرية لمنافسي واشنطن المباشرين، وتجعل الأميركيين أقل أمانًا وازدهارًا ونفوذًا.
المفترس الأعلى
تحوّل الهيكل العام للقوى العالمية على مدى السنوات الثمانين الماضية من ثنائية القطبية إلى أحادية القطبية، وصولًا إلى التعددية القطبية غير المتوازنة التي نشهدها اليوم، وتغيّرت الإستراتيجية الأميركية الكبرى تبعًا لهذه التغييرات. ففي عالم الحرب الباردة ثنائي القطبية، تصرّفت الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة داعمة لحلفائها المقرّبين في أوروبا وآسيا، وذلك لاعتقاد القادة الأميركيين أن عافية حلفائهم ضرورية لاحتواء الاتحاد السوفيتي. وقد استخدموا التفوق الاقتصادي والعسكري الأميركي بحرية، ولجأوا أحيانًا إلى أساليب قاسية مع شركاء أساسيين، كما فعل الرئيس دوايت أيزنهاور عندما هاجمت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر عام 1956، أو كما فعل الرئيس ريتشارد نيكسون عندما ألغى ارتباط الولايات المتحدة بمعيار الذهب عام 1971. غير أنّ واشنطن ساعدت حلفاءها أيضًا على التعافي الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، ووضعت قواعد تهدف إلى تعزيز الازدهار المتبادل، والتزمت بها في معظم الأحيان، وتعاونت مع دول أخرى لإدارة أزمات العملة والاضطرابات الاقتصادية الأخرى؛ ومنحت الدول الأضعف مقعدًا على طاولة المفاوضات وصوتًا في القرارات الجماعية. قاد المسؤولون الأميركيون العالم واستمعوا أيضًا، ونادرًا ما حاولوا إضعاف شركائهم أو استغلالهم.
استسلمت الولايات المتحدة خلال حقبة القطب الواحد للغطرسة، وأصبحت قوة مهيمنة متهورة ومتسرعة. ففي غياب خصوم أقوياء، واقتناعًا منها بأن معظم الدول تتوق إلى قبول القيادة الأميركية وتبني قيمها الليبرالية، لم يُعر المسؤولون الأميركيون اهتمامًا يُذكر لمخاوف الدول الأخرى، وانخرطوا في حملات [عسكرية] مكلفة ومضللة في أفغانستان والعراق وعدة دول أخرى، وتبنوا سياسات تصادمية دفعت الصين وروسيا إلى التقارب، وضغطوا لفتح الأسواق العالمية بطرق سرّعت صعود الصين، وزادت من عدم الاستقرار المالي العالمي، وأثارت في نهاية المطاف رد فعل داخليًا ساهم في وصول ترامب إلى البيت الأبيض. للتأكيد، سعت واشنطن إلى عزل ومعاقبة وتقويض العديد من الأنظمة المعادية خلال هذه الفترة، وأحيانًا لم تُعر اهتمامًا يُذكر لمخاوف الدول الأخرى الأمنية في سعيها هذا، غير أن المسؤولين الديمقراطيين والجمهوريين، على حد سواء، اعتقدوا أن استخدام القوة الأميركية لخلق نظام ليبرالي عالمي سيكون في مصلحة الولايات المتحدة والعالم، وأن المعارضة الجادة ستقتصر على حفنة من الدول المارقة الصغيرة. ولم يمانعوا في استخدام السلطة المتاحة لهم لإكراه الحكومات الأخرى أو استمالتها أو حتى الإطاحة بها، لكن خبثهم هذا كان موجهًا وقتها نحو الخصوم المعروفين، وليس نحو شركاء أميركا.
تحولت الولايات المتحدة في عهد ترامب إلى قوة مهيمنة افتراسية. ليست هذه الإستراتيجية ردًّا متماسكًا ومدروسًا جيدًا على عودة التعددية القطبية، بل هي في الواقع الطريقة الخاطئة تمامًا للتصرف في عالم تتعدد فيه القوى العظمى. وهي بالأحرى انعكاس مباشر لنهج ترامب النفعي في جميع العلاقات، وإيمانه بأن الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ هائل ودائم على جميع دول العالم تقريبًا. قال ترامب في نيسان/أبريل 2025 إن الولايات المتحدة أشبه بـ«متجر كبير وجميل»، و«الجميع يريد نصيبًا منه». أو كما قال في بيان نشرته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (Karoline Leavitt)، إن المستهلك الأميركي هو «ما تتمناه كل دولة مما نملكه»، مضيفًا: «بعبارة أخرى، إنهم بحاجة إلى أموالنا».
خلال ولاية ترامب الأولى، كبح مستشارون أكثر خبرة ومعرفة، مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس (James Mattis)، ووزير الخزانة ستيفن منوشين (Steven Mnuchin)، ورئيس موظفي البيت الأبيض جون كيلي (John Kelly)، ومستشار الأمن القومي هربرت رايموند ماكماستر (H. R. McMaster)، نزعات ترامب الافتراسية. لكن في ولايته الثانية، أُطلق العنان لرغبته في استغلال نقاط ضعف الدول الأخرى، مدعومًا بمجموعة من الأفراد حديثي التعيين، الذين اختيروا لولائهم الشخصي، وبثقة ترامب المتزايدة، وإن كانت في غير محلها، في فهمه للشؤون العالمية.
الهيمنة والخضوع
القوة المهيمنة الافتراسية هي قوة عظمى مهيمنة تسعى إلى تنظيم تعاملاتها مع الآخرين وفقًا لمبدأ المحصلة الصفرية، بحيث تُوزّع المنافع دائمًا لصالحها. ليس هدفها الأساسي بناء علاقات مستقرة ومتبادلة المنفعة تُحسّن أوضاع جميع الأطراف، بل ضمان حصولها على مكاسب أكبر من غيرها في كل تفاعل. وبالتالي، فإن أي سيناريو يسمح للمهيمن بالاستفادة مع الإضرار بالشركاء يُعد مفضلًا على سيناريو تستفيد فيه كل الأطراف مع مكاسب أكبر للشركاء، حتى لو كان هذا السيناريو له فوائد أكبر على المدى البعيد لكلا الطرفين. تسعى القوة المهيمنة الافتراسية دائمًا إلى الاستحواذ على الحصة الأكبر.
تمارس جميع القوى العظمى دائمًا، بلا شك، أفعالًا افتراسية، وتتنافس دائمًا على تحقيق ميزة نسبية. وتسعى جميع الدول، عند التعامل مع المنافسين، إلى تحقيق مكاسب أكبر في أي صفقة. إلا أن ما يميز الهيمنة الافتراسية عن سلوك القوى العظمى المعتاد هو استعداد الدولة لانتزاع تنازلات ومنافع غير متكافئة من حلفائها وخصومها على حد سواء. فالقوة المهيمنة الحميدة لا تفرض أعباءً غير عادلة على حلفائها إلا عند الضرورة، لأنها تؤمن بأن أمنها وثروتها يتعززان بازدهار شركائها. وهي تُدرك قيمة القواعد والمؤسسات التي تُسهّل التعاون المتبادل المنفعة، والتي يُنظر إليها الآخرون على أنها شرعية، والتي تتمتع بالاستدامة الكافية التي تُمكّن الدول من الافتراض بأمان أن هذه القواعد لن تتغير كثيرًا أو دون سابق إنذار. وترحب القوة المهيمنة الحميدة بالشراكات ذات المنفعة المتبادلة مع الدول التي تتشارك معها المصالح، مثل كبح جماح عدو مشترك، وقد تسمح للآخرين بتحقيق مكاسب غير متناسبة إذا كان ذلك سيُحسّن أوضاع جميع الأطراف. وبعبارة أخرى، لا تسعى القوة المهيمنة الحميدة إلى تعزيز مكانتها فحسب، بل تسعى أيضًا إلى توفير ما أسماه الاقتصادي أرنولد وولفرز (Arnold Wolfers) «أهداف البيئة»: فهي تسعى إلى تشكيل البيئة الدولية بطرق تجعل الممارسة الفعلية للقوة أقل ضرورة.
على النقيض من ذلك، فإن احتمال استغلال الدولة المهيمنة الافتراسية لشركائها لا يقل عن احتمال استغلالها لمنافسيها. وقد تلجأ إلى الحصار والعقوبات المالية وسياسات التجارة القائمة على الإضرار بالدول المجاورة والتلاعب بالعملة وغيرها من أدوات الضغط الاقتصادي لإجبار الآخرين على قبول شروط تجارية تصب في مصلحة اقتصادها، أو لتعديل سلوكهم في قضايا غير اقتصادية تهمها. وستربط الدولة المهيمنة توفير الحماية العسكرية بمطالبها الاقتصادية، وتتوقع من حلفائها دعم مبادراتها الأوسع في السياسة الخارجية. وستتسامح الدول الأضعف مع هذه الضغوط القسرية إذا كانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الوصول إلى سوق الدولة المهيمنة الأوسع، أو إذا كانت تواجه تهديدات أكبر من دول أخرى، وبالتالي يجب عليها الاعتماد على حماية الدولة المهيمنة، حتى وإن كانت هذه الحماية مشروطة.
ونظرًا لاعتماد القوة القسرية للدولة المهيمنة الافتراسية على إبقاء الدول الأخرى في حالة خضوع دائم، فإن قادتها يتوقعون من الدول الخاضعة لهم الاعتراف بتبعيتهم من خلال أفعال خضوع متكررة، غالبًا ما تكون رمزية. وقد يُطلب منهم دفع إتاوات رسمية أو الإشادة علنًا بفضائل الدولة المهيمنة. تُثبّط هذه المظاهر الطقسية للتبجيل المعارضة، إذ توحي بأن الدولة المهيمنة أقوى من أن تُقاوم، وتُظهرها على أنها أكثر حكمة من تابعيها، وبالتالي يحق لها أن تملي عليهم ما تريده.
ليست الهيمنة الافتراسية بظاهرة جديدة. فقد كانت أساس علاقات أثينا مع المدن-الدول الأضعف في إمبراطوريتها، وهي هيمنة وصفها پيريكليس (Pericles)[1] نفسه، الزعيم الأثيني الأبرز في عصره، بأنها «طغيان». واستند النظام الصيني المركزي في شرق آسيا في العصور ما قبل الحديثة إلى علاقات تبعية مماثلة، بما في ذلك دفع الإتاوات والخضوع الطقوسي، على الرغم من اختلاف الباحثين حول ما إذا كانت تلك الهيمنة افتراسية دائمًا. وكانت الرغبة في استخلاص الثروة من الممتلكات الاستعمارية عنصرًا أساسيًا في الإمبراطوريات الاستعمارية البلجيكية والبريطانية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية، وأثّرت دوافع مماثلة على العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة لألمانيا النازية مع شركائها التجاريين في وسط وشرق أوروبا، وعلاقات الاتحاد السوفيتي مع حلفائه في حلف وارسو. وعلى الرغم من اختلاف هذه الحالات في جوانب مهمة، فقد سعت كل قوة مهيمنة في كل منها إلى استغلال شركائها الأضعف لتأمين منافع غير متكافئة لنفسها، حتى وإن لم تنجح جهودها دائمًا، وحتى وإن كانت تكلفة اكتساب بعض العملاء والدفاع عنهم تفوق ما يقدمونه من ثروة أو إتاوة.
تنظر القوى المهيمنة الافتراسية، باختصار، إلى جميع العلاقات الثنائية على أنها علاقات محصلتها صفر، وتسعى إلى استخلاص أكبر قدر ممكن من المكاسب من كل منها. وشعارها الأساسي هو: «ما هو لي، فهو لي، وما هو لك قابل للتفاوض». لا تتمتع الاتفاقيات القائمة بأي قيمة أو شرعية جوهرية، وستُتجاهل وتُلغى إذا لم تُحقق مكاسب غير متكافئة كافية. قد تفشل بعض المساعي الافتراسية، بالطبع، وثمّة حدود لما يمكن حتى لأقوى الدول استخلاصه من غيرها. مع ذلك، فإن الهدف الأسمى للقوى المهيمنة الافتراسية هو دفع تلك الحدود إلى أقصى حد ممكن.
رفع مستوى التحدي
تتجلى الطبيعة الاستغلالية لسياسة ترامب الخارجية بوضوح في هوسه بالعجز التجاري (Trade Deficit)[2] ومحاولاته استخدام الرسوم (التعريفات) الجمركية لإعادة توزيع المكاسب الاقتصادية لصالح واشنطن. وقد صرّح ترامب مرارًا وتكرارًا بأن العجز التجاري «استغلال» ونهب؛ ففي رأيه، الدول التي تحقق فوائض تجارية «رابحة»، تحققها لأن الولايات المتحدة تدفع لها أكثر مما تدفعه هي لواشنطن. وبناءً على ذلك، فرض ترامب رسومًا جمركية على تلك الدول، ظاهريًا لحماية المصنّعين الأميركيين برفع أسعار السلع الأجنبية (مع أن تكلفة الرسوم الجمركية يتحملها في الغالب الأميركيون الذين يشترون السلع المستوردة)، أو لوّح بفرض هذه الرسوم لإجبار الحكومات والشركات الأجنبية على الاستثمار في الولايات المتحدة مقابل تخفيف الأعباء عنها.
استخدم ترامب الرسوم الجمركية أيضًا لإجبار الآخرين على تغيير سياسات غير اقتصادية يعارضها. ففي تموز/يوليو 2025، فرض رسومًا جمركية بنسبة 40% على البرازيل في محاولة فاشلة للضغط على حكومتها للعفو عن الرئيس السابق جايير بولسونارو (Jair Bolsonaro)، أحد حلفاء ترامب. (وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ألغى بعضًا من تلك الرسوم، التي ساهمت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية للمستهلكين الأميركيين). وبرّر رفع الرسوم الجمركية على كندا والمكسيك بادّعاء أنهما لا تبذلان جهودًا كافية لوقف تهريب [مخدّر] الفنتانيل. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، هدّد كولومبيا بفرض رسوم جمركية أعلى بعد أن انتقد رئيسها الضربات المثيرة للجدل التي شنتها البحرية الأميركية على أكثر من 20 قاربًا في منطقة البحر الكاريبي، والتي استُهدفت، بحسب إدارة ترامب، لتهريبها المخدرات.
من المرجح أن يلجأ ترامب إلى إكراه حلفاء الولايات المتحدة التقليديين كما يلجأ إلى إكراه خصومها المعروفين، ويؤكد تذبذب تهديداته رغبته في انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات. يؤمن ترامب بأن عدم القدرة على التنبؤ أداة تفاوضية قوية، ويهدف من خلال سلسلة تهديداته ومطالبه المتغيرة باستمرار إلى إجبار الآخرين على البحث عن سبل جديدة للتوافق معه. لا يكلف التهديد بفرض رسوم جمركية واشنطن الكثير إذا استجاب الطرف المستهدف بسرعة، ولكن إذا تمسك الطرف المستهدف بموقفه أو إذا توترت الأسواق، فبإمكان ترامب تأجيل الإجراء. كما أن هذا النهج يُبقي الأنظار مسلّطة على ترامب نفسه، ويساعد الإدارة على تصوير أي اتفاق لاحق على أنه انتصار، بغض النظر عن بنوده الدقيقة، ويخلق فرصًا واضحة للفساد تفيد ترامب ودائرته المقرّبة.
ربط ترامب مطالبه الاقتصادية مرارًا وتكرارًا باعتماد الحلفاء على الدعم العسكري الأميركي لتعظيم نفوذ الولايات المتحدة، وذلك من خلال إثارة الشكوك حول التزامه بتعهدات التحالف. وأصرّ على ضرورة أن يدفع الحلفاء مقابل الحماية الأميركية، وألمح إلى إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو، أو رفضها المساعدة في الدفاع عن تايوان، أو تخليها التام عن أوكرانيا. غير أن هدفه ليس تعزيز فعالية الشراكات الأميركية عبر حث الحلفاء على بذل المزيد من الجهود للدفاع عن أنفسهم، بل على العكس، فإن رفع الرسوم الجمركية ارتفاعًا كبيرًا سيضر باقتصادات الشركاء ويُصعّب عليهم تحقيق أهداف الإنفاق الدفاعي الأعلى. بل يستخدم ترامب التهديد بفك الارتباط الأميركي لانتزاع تنازلات اقتصادية. وقد حققت هذه الإستراتيجية بعض المكاسب قصيرة الأجل، على الأقل نظريًا. ففي تموز/يوليو 2025، وافق قادة الاتحاد الأوروبي على اتفاقية تجارية أحادية الجانب على أمل إقناع ترامب بمواصلة دعم أوكرانيا، كما خُفّضت الرسوم الجمركية على اليابان وكوريا الجنوبية، بموجب اتفاقيتين وُقّعتا في تموز/يوليو وتشرين الثاني/نوفمبر 2025 على التوالي، مقابل تعهدهما بالاستثمار في الاقتصاد الأميركي. وسعت أستراليا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان وأوكرانيا إلى توطيد الدعم الأميركي من خلال منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الحيوية الموجودة في أراضيها أو امتلاكها جزئيًا.
يُفضّل المهيمن المفترس عالمًا تكون له فيه السيادة، كما قال ثوسيديدس (Thucydides) في عبارته الشهيرة: «يفعل الأقوياء ما في وسعهم، ويعاني الضعفاء ما يجب عليهم تحمله». ولذلك، فإن مثل هذه الدولة ستضيق ذرعًا بالأعراف والقواعد والمؤسسات التي قد تحدّ من قدرتها على استغلال الآخرين. فليس من المستغرب أن ترامب لا يكترث كثيرًا بالأمم المتحدة، فقد كان سعيدًا بتمزيق الاتفاقيات التي تفاوض عليها أسلافه، مثل اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، بل إنه نكث حتى باتفاقيات تفاوض عليها بنفسه. وهو يفضل إجراء محادثات تجارية ثنائية بدلًا من التعامل مع مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي أو منظمة التجارة العالمية القائمة على القواعد، لأن التعامل المباشر مع الدول يعزز نفوذ الولايات المتحدة. كما فرض ترامب عقوبات على كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، وشنّ هجومًا شرسًا على نظام تسعير الانبعاثات الذي وضعته المنظمة البحرية الدولية (International Maritime Organization). سعى اقتراح المنظمة البحرية الدولية إلى إبطاء تغير المناخ من خلال تشجيع شركات الشحن على استخدام أنواع وقود أنظف، لكن ترامب ندّد به ووصفه بأنه «خدعة» وتعمد تخريبه، بعد أن هددت إدارته بفرض رسوم جمركية وعقوبات وإجراءات أخرى ضد مؤيدي القرار، وأجّل التصويت على الموافقة الرسمية عليه لمدة عام. وصف أحد مندوبي المنظمة البحرية الدولية الوفد الأميركي بأنه «يتصرف كعصابات إجرامية»، وأوضح: «لم أسمع بمثل هذا التصرف في أي اجتماع للمنظمة البحرية الدولية من قبل».
ولا يكتمل أي نقاش حول هيمنة واشنطن الافتراسية دون التطرق إلى اهتمام ترامب المعلن بأراض تابعة لدول أخرى، واستعداده للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى في انتهاك للقانون الدولي. ويُعد تكرار رغبته في ضم غرينلاند، وتهديداته بفرض رسوم جمركية باهظة على الدول الأوروبية المعارضة لهذا الإجراء، أبرز مثال على هذه النزعة. وكما حذّرت المخابرات العسكرية الدنماركية في تقييمها السنوي للتهديدات، الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025، فإن «الولايات المتحدة تستخدم القوة الاقتصادية، بما في ذلك التهديد بفرض رسوم جمركية عالية، لفرض إرادتها، ولم تعد تستبعد استخدام القوة العسكرية، حتى ضد حلفائها». وتشير تلميحات ترامب بشأن جعل كندا الولاية الحادية والخمسين أو إعادة احتلال منطقة قناة بنما إلى درجة مماثلة من الجشع الجيوسياسي والانتهازية. أما قراره باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو عمل يُشكّل سابقة خطيرة للقوى العظمى الأخرى، فيكشف عن استهتار المفترس بالأعراف القائمة، واستعداده لاستغلال نقاط ضعف الآخرين. بل تمتد النزعة الافتراسية لتشمل قضايا ثقافية، إذ أعلنت إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب أن أوروبا تواجه «محوًا حضاريًا»، وأن سياسة الولايات المتحدة تجاه القارة يجب أن تتضمن «تعزيز المقاومة للمسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية». بعبارة أخرى، ستُجبَر الدول الأوروبية على تبني التزام إدارة ترامب بالقومية العرقية وعدائها للثقافات أو الأديان غير البيضاء وغير المسيحية. بالنسبة إلى قوة مهيمنة افتراسية، لا توجد خطوط حمراء.
يستغل ترامب أيضًا مكانة الولايات المتحدة الدولية المتميزة لتحقيق مكاسب شخصية له ولعائلته. فقد أهدته قطر طائرة، ستكلف دافعي الضرائب الأميركيين مئات الملايين من الدولارات لتجديدها، وقد ينتهي بها المطاف في مكتبته الرئاسية بعد انتهاء ولايته. ووقّعت مؤسسة ترامب صفقات تطوير فنادق بملايين الدولارات مع حكومات تسعى إلى كسب ود الإدارة، واشترت شخصيات نافذة في الإمارات العربية المتحدة وغيرها مليارات الدولارات من الرموز الرقمية الصادرة عن شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» التابعة لترامب والمتخصصة في العملات المشفرة، وذلك في الفترة نفسها التي حصلت فيها الإمارات على امتيازات خاصة للحصول على رقائق إلكترونية متطورة تخضع عادةً لضوابط تصدير أميركية صارمة. لم يسبق لأي رئيس في تاريخ أميركا أن استغل منصبه الرئاسي لتحقيق مكاسب مالية بهذا القدر أو بهذا التجاهل الواضح لتضارب المصالح المحتمل.
يتوقع ترامب، بوصفه زعيم مافيا أو حاكمًا مستبدًا، من القادة الأجانب الساعين لنيل رضاه أن ينخرطوا في مظاهر مهينة من التملّق وأشكال بشعة من الإطراء، تمامًا كما يفعل أعضاء حكومته. كيف يمكن تفسير السلوك المثير للاشمئزاز للأمين العام لحلف الناتو، مارك روته (Mark Rutte)، الذي أخبر ترامب أنه «يستحق كل الثناء» لحثّه أعضاء الناتو على زيادة إنفاقهم الدفاعي، على الرغم من أن هذه الزيادات كانت جارية بالفعل قبل إعادة انتخاب ترامب، وأنّ غزو روسيا لأوكرانيا كان، على الأقل، بنفس أهمية تحفيز هذا التحول؟ كما صرّح روته، في آذار/مارس 2025، أن ترامب «كسر الجمود» مع روسيا بشأن أوكرانيا (وهو أمر عارٍ عن الصحة تمامًا)، وأشاد بالغارات الجوية الأميركية على إيران في حزيران/يونيو 2025 باعتبارها تحرّكًا «لم يجرؤ أحد آخر على فعله»؛ وشبّه جهود ترامب للسلام في الشرق الأوسط بأفعال «أب» حكيم ورحيم.
لم يكن روته وحيدًا في موقفه هذا، فقد أيّد قادة عالميون آخرون، بمن فيهم قادة إسرائيل وغينيا بيساو وموريتانيا والسنغال، منح ترامب جائزة نوبل للسلام، بل وأشاد رئيس السنغال بمهارة ترامب في لعبة الغولف. ولم يكتفِ بذلك، بل أهدى الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (Lee Jae Myung) ترامب تاجًا ذهبيًا ضخمًا خلال زيارته الأخيرة إلى سيول، واختتم مأدبة عشاء رسمية بتقديم طبق أُطلق عليه اسم «حلوى صانع السلام». حتى جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، انضم إلى هذه الجوقة، وأنشأ «جائزة فيفا للسلام» عديمة الجدوى، واختار ترامب ليكون أول من يحصل عليها في حفل باذخ في كانون الأول/ديسمبر 2025.
ليست المطالبة بإظهار الولاء نتاجًا لحاجة ترامب، التي لا تنضب على ما يبدو، إلى الاهتمام والثناء فحسب، بل إنها تُسهِم أيضًا في تعزيز الامتثال وتثبيط حتى أبسط أعمال المقاومة. فالقادة الذين يتحدّون ترامب يتلقّون توبيخًا وتهديدات بمعاملة أشد قسوة، كما حدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أكثر من مناسبة، بينما يحظى القادة الذين يُجاملون ترامب بلا خجل بمعاملة أكثر تساهلًا، على الأقل في الوقت الراهن. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، على سبيل المثال، مددت وزارة الخزانة الأميركية خط مقايضة عملات بقيمة 20 مليار دولار لدعم البيزو الأرجنتيني، على الرغم من أن الأرجنتين ليست شريكًا تجاريًا مهمًا للولايات المتحدة، وكانت تُحلّ محل صادرات فول الصويا الأميركية إلى الصين (التي كانت تُقدّر بمليارات الدولارات قبل أن يشن ترامب حربه التجارية). ولكن لأن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي زعيم يشارك ترامب التوجهات نفسها ويُشيد به علنًا قدوةً له، فقد حصل على دعم بدلًا من قائمة مطالب. حتى تجار المخدرات المدانين، بمن فيهم الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز (Juan Orlando Hernández)، يمكنهم الحصول على عفو رئاسي إذا بدا أنهم متوافقون مع أجندة ترامب.
إن محاولات استمالة ترامب عبر مدحه أشبه بسباق تسلح، حيث يتنافس القادة الأجانب على من يُغدق عليه المديح في أقل وقت ممكن. كما لا يتردد ترامب في الردّ على القادة الذين يخالفون نهجه. وقد أدرك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (Narendra Modi) ذلك عندما فُرضت على الهند رسوم جمركية بنسبة 25% (ارتفعت لاحقًا إلى 50%) بعد أسابيع من رفضه ادّعاء ترامب بوقف الاشتباكات الحدودية بين الهند وباكستان، وذلك لمعاقبة الهند على شراء النفط الروسي. وبعد أن بثّت حكومة مقاطعة أونتاريو إعلانًا تلفزيونيًا ينتقد سياسة ترامب الجمركية، سارع ترامب إلى رفع الرسوم الجمركية على كندا بنسبة 10% أخرى. وسرعان ما اعتذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (Mark Carney)، واختفى الإعلان من البث فورًا. ولتجنب مثل هذه الإهانات، اختار العديد من القادة التنازل استباقيًا، على الأقل في الوقت الراهن.
حين يبلغ السيل الزبى
يرى ترامب ومؤيدوه في هذه المظاهر من الخضوع دليلًا على أن ممارسة السياسة الافتراسية تجلب للولايات المتحدة فوائد ملموسة وكبيرة. وكما صرّحت آنا كيلي (Anna Kelly)، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في آب/أغسطس 2025: «النتائج تتحدث عن نفسها: تُحقق اتفاقيات الرئيس التجارية تكافؤ الفرص لمزارعينا وعمّالنا، وتتدفق تريليونات الدولارات من الاستثمارات إلى بلادنا، وتنتهي حروب دامت عقودًا... ويتوق القادة الأجانب إلى علاقة إيجابية مع الرئيس ترامب، وإلى المشاركة في ازدهار اقتصاده». ويبدو أن الإدارة تعتقد أنها قادرة على استغلال الدول الأخرى إلى الأبد، وأن ذلك سيجعل الولايات المتحدة أقوى، ويزيد من نفوذها. إنهم مخطئون؛ إذ تحمل الهيمنة الافتراسية في طياتها بذور فنائها.
تكمن المشكلة الأولى في المبالغة في الفوائد التي روّجت لها الإدارة. فمعظم الحروب التي يدّعي ترامب إنهاءها لا تزال مستمرة. كما أن الاستثمارات الأجنبية الجديدة في الولايات المتحدة أقل بكثير من تريليونات الدولارات، ومن غير المرجح أن تتحقق بالكامل. وباستثناء مراكز البيانات التي يغذيها الهوس بالذكاء الاصطناعي، فإن الاقتصاد الأميركي لا يشهد ازدهارًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى التحديات التي فرضتها سياسات ترامب الاقتصادية. قد يستفيد ترامب وعائلته وحلفاؤه السياسيون من سياساته الاستغلالية، لكن معظم الشعب الأميركي لا يستفيد منها.
تكمن مشكلة أخرى في أن الاقتصاد الصيني بات ينافس الاقتصاد الأميركي في جوانب عديدة. صحيح أن الناتج المحلي الإجمالي للصين أصغر بالقيمة الاسمية، لكنه أكبر من حيث تعادل القوة الشرائية، ومعدل نموها أعلى، وهي تستورد الآن ما يقارب ما تستورده الولايات المتحدة. وقد ارتفعت حصتها من صادرات السلع العالمية من أقل من 1% عام 1950 إلى نحو 15% اليوم، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة من 16% عام 1950 إلى 8% فقط. وتسيطر الصين على سوق العناصر الأرضية النادرة المكررة التي يعتمد عليها الكثيرون، بمن فيهم الولايات المتحدة؛ وهي تُصبح بسرعة فاعلًا رائدًا في العديد من المجالات العلمية، ويرغب العديد من الفاعلين الآخرين، بمن فيهم المزارعون الأميركيون، في الوصول إلى أسواقها. وكما أظهرت قرارات ترامب الأخيرة بتعليق الحرب التجارية مع الصين وتجميد خطط فرض عقوبات على وزارة أمن الدولة الصينية بسبب حملة تجسس إلكتروني استهدفت مسؤولين أميركيين، فإنه لا يستطيع ممارسة الترهيب ضد القوى العظمى الأخرى كما يفعل مع الدول الأضعف.
ورغم أن دولًا أخرى لا تزال ترغب في الوصول إلى الاقتصاد الأميركي ومستهلكيه الأثرياء، إلا أن الولايات المتحدة لم تعد الخيار الوحيد المتاح. فبعد فترة وجيزة من رفع ترامب الرسوم الجمركية على البضائع الهندية إلى نسبة باهظة بلغت 50% في آب/أغسطس 2025، سافر مودي إلى بكين للمشاركة في قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، زار بوتين مودي في نيودلهي، حيث وصف رئيس الوزراء الهندي صداقة بلاده مع روسيا بأنها «كالنجم القطبي»، وحدد الزعيمان هدفًا لحجم تجارة ثنائية يبلغ 100 مليار دولار بحلول عام 2030. لم تكن الهند تُعلن رسميًا تحالفها مع موسكو، لكن مودي كان يُذكّر البيت الأبيض بأن أمام نيودلهي خيارات أخرى.
ونظرًا لأن إعادة تنظيم سلاسل التوريد والترتيبات التجارية مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، ولأن عادات التعاون والتبعية لا تزول بين عشية وضحاها، فقد اختارت بعض الدول استرضاء ترامب على المدى القصير. أقنعت اليابان وكوريا الجنوبية ترامب بخفض الرسوم الجمركية من خلال الموافقة على استثمار مليارات الدولارات في الاقتصاد الأميركي، لكن المدفوعات الموعودة ستُسدد على مدى سنوات عديدة وقد لا تُنفذ بالكامل أبدًا. وعقد مسؤولون صينيون ويابانيون وكوريون جنوبيون، في غضون ذلك، أول مفاوضات تجارية لهم منذ خمس سنوات في آذار/مارس 2025، وتدرس الدول الثلاث مقايضة عملات ثلاثية تهدف إلى «تعزيز شبكة الأمان المالي في المنطقة وتعميق التعاون الاقتصادي في ظل الحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب»، وفقًا لصحيفة ساوث تشاينا مورنينغ پوست. ووسّعت فيتنام، على مدار العام الماضي، علاقاتها العسكرية مع روسيا، متراجعة عن جهود سابقة للتقارب مع الولايات المتحدة. ونُقل عن أحد المحللين في صحيفة نيويورك تايمز قوله: «إن عدم القدرة على التنبؤ بسياسات ترامب جعل فيتنام متشككة للغاية حيال التعامل مع الولايات المتحدة. لا يقتصر الأمر على التجارة فحسب، بل يشمل أيضًا صعوبة فهم نواياه وتصرفاته». إن عدم القدرة على التنبؤ التي يتباهى بها ترامب لها جانب سلبي واضح: فهي تشجع الآخرين على البحث عن شركاء أكثر موثوقية.
تسعى دول أخرى أيضًا إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. وقد حذّر كارني مرارًا وتكرارًا من أن عهد التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة قد ولّى، وحدد هدفًا لمضاعفة صادرات كندا غير الأميركية خلال عقد من الزمن، ووقّع أول اتفاقية تجارية ثنائية لبلاده مع إندونيسيا، ويتفاوض حاليًا على اتفاقية تجارة حرة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وقام بزيارة إلى بكين في كانون الثاني/يناير 2026 بهدف تحسين العلاقات. وقد وقّع الاتحاد الأوروبي بالفعل اتفاقيات تجارية جديدة مع إندونيسيا والمكسيك وتكتل ميركوسور التجاري في أميركا الجنوبية، وكان على وشك إبرام اتفاقية تجارية جديدة مع الهند في أواخر كانون الثاني/يناير 2026. وإذا استمرت واشنطن في محاولة استغلال اعتماد الدول الأخرى، فستتسارع هذه الجهود.
اشتر الآن، ولا تدفع أبدًا؟
تغاضى حلفاء الولايات المتحدة في الماضي عن قدر من الترهيب نظرًا لاعتمادهم الكبير على الحماية الأميركية. لكن لهذا التغاضي حدود. كان مستوى التجاوزات التي مارسها ترامب خلال ولايته الأولى محدودًا، وكان لدى حلفاء الولايات المتحدة ما يدعوهم إلى التفاؤل بأن تكون فترة حكمه حالة استثنائية لن تتكرر. إلا أن هذا الأمل قد تبدد الآن، لا سيما في أوروبا. فإستراتيجية الأمن القومي للإدارة الأميركية، على سبيل المثال، تُظهر عداءً صريحًا تجاه العديد من الحكومات والمؤسسات الأوروبية. وقد أثار هذا، إلى جانب تهديدات ترامب المتجددة بالاستيلاء على غرينلاند، مزيدًا من الشكوك حول استدامة حلف الناتو على المدى الطويل، وأظهر فشل جهود القادة الأوروبيين في استمالة ترامب عبر التنازلات.
كما ستفقد التهديدات بسحب الحماية العسكرية الأميركية فعاليتها إن لم تُنفذ، ولا يمكن تنفيذها دون القضاء التام على نفوذ الولايات المتحدة. فإذا استمر ترامب في التهديد بالانسحاب دون أن يفعل ذلك، سينكشف زيف تهديداته وستفقد أميركا قدرتها على الإكراه. أما إذا سحبت الولايات المتحدة التزاماتها العسكرية، فإن النفوذ الذي كانت تتمتع به على حلفائها السابقين سيتلاشى. في كلتا الحالتين، فإن استخدام وعد الحماية الأميركية لانتزاع سلسلة لا تنتهي من التنازلات ليس إستراتيجية مستدامة.
كما لا يمكن الاعتماد على التنمر إستراتيجية طويلة المدى؛ فلا أحد يستمتع بإجباره على الانخراط في أفعال ولاء مهينة. قد يستمتع القادة الذين يتبنون رؤية ترامب للعالم بفرصة مدحه علنًا، لكن آخرين، بلا شك، يجدون التجربة مستفزة. لن نعرف أبدًا ما كان يدور في أذهان القادة الأجانب الذين أُجبروا على التملق لترامب وهم يردّدون عبارات منمّقة، لكن من المؤكد أن بعضهم استاء من التجربة وغادر آملًا بفرصة يستعيد فيها كرامته مستقبلًا. يجب على القادة الأجانب أيضًا أن يراعوا ردود فعل الرأي العام في بلادهم، فقد يكون الفخر الوطني قوة دافعة. يجدر التذكير بأن فوز كارني الانتخابي، في نيسان/أبريل 2025، كان إلى حد كبير بسبب حملته المناهضة لترامب، ولتصورات الناخبين بأن منافسه من الحزب المحافظ كان نسخة مخففة من ترامب. شهد رؤساء دول آخرون، مثل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ارتفاعًا كبيرًا في شعبيتهم عندما تحدّوا تهديدات ترامب. مع تزايد الشعور بالإذلال، قد يجد قادة العالم الآخرون أن الرد بالمثل يمكن أن يجعلهم أكثر شعبية بين ناخبيهم.
الهيمنة الافتراسية غير فعّالة؛ فهي تتجنب الاعتماد على القواعد والمعايير متعددة الأطراف، وتسعى بدلًا من ذلك إلى التعامل مع الدول الأخرى على أساس ثنائي. ولكن في عالم يضم ما يقارب 200 دولة، يُعد الاعتماد على المفاوضات الثنائية مضيعة للوقت، ومن المؤكد أنه سيؤدي إلى اتفاقيات متسرعة وضعيفة التصميم. كما يشجع فرض صفقات أحادية الجانب على عشرات الدول الأخرى على التهرب من الالتزامات، لأنها تعلم أنه سيكون من الصعب على الدولة المهيمنة مراقبة الامتثال وإنفاذ جميع الاتفاقيات التي أبرمتها. ويبدو أن إدارة ترامب قد أدركت متأخرة أن الصين لم تشترِ جميع الصادرات الأميركية التي وافقت على شرائها في المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري الذي وقّعته مع الولايات المتحدة عام 2020، خلال ولاية ترامب الأولى، وأطلقت تحقيقًا في الأمر في تشرين الأول/أكتوبر 2025. وإذا ما ضاعفنا مهمة مراقبة الامتثال في جميع الترتيبات التجارية الثنائية لواشنطن، فسيسهل علينا فهم كيف يمكن للدول الأخرى أن تعد بتقديم تنازلات الآن، ثم تتراجع عنها لاحقًا.
أخيرًا، سيسهّل التخلي عن المؤسسات والتقليل من شأن القيم المشتركة وممارسة الضغط على الدول الأضعف على خصوم الولايات المتحدة إعادة صياغة قواعد اللعبة العالمية بما يخدم مصالحهم. في عهد شي جين بينغ، سعت الصين مرارًا وتكرارًا إلى تصوير نفسها قوة عالمية مسؤولة وغير أنانية تسعى إلى تعزيز المؤسسات العالمية لصالح البشرية جمعاء. لقد ولّى عهد دبلوماسية «المحارب الذئب» القائمة على المواجهة، التي سادت قبل بضع سنوات، والتي شهدت قيام مسؤولين صينيين بإهانة الحكومات الأخرى والتنمر عليها روتينيًا دون أي جدوى. وباستثناءات نادرة، أصبح للدبلوماسيين الصينيين اليوم حضور متزايد الحيوية والنشاط والفعالية في المحافل الدولية.
من الواضح أن التصريحات العلنية للصين تخدم مصالحها، لكن بعض الدول ترى في هذا الموقف بديلًا جذابًا للولايات المتحدة التي تتزايد نزعتها الافتراسية. في استطلاع رأي شمل 24 دولة أساسية، ونشره مركز پيو للأبحاث في تموز/يوليو الماضي، أبدى أغلبية المشاركين في ثماني دول رأيًا أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة مقارنة بالصين، بينما نظر المشاركون من سبع دول إلى الصين بنظرة أكثر إيجابية. أما في الدول التسع المتبقية، فقد كانت النظرة إلى القوتين متقاربة. لكن هذه التوجهات تصب في مصلحة بكين. وكما يشير التقرير، «أصبحت النظرة إلى الولايات المتحدة أكثر سلبية، بينما أصبحت النظرة إلى الصين أكثر إيجابية». وليس من الصعب فهم السبب.
خلاصة القول: ستُضعف ممارسة الهيمنة الافتراسية شبكات القوة والنفوذ التي لطالما اعتمدت عليها الولايات المتحدة، والتي ولّدت النفوذ الذي يحاول ترامب استغلاله الآن. ستعمل بعض الدول على تقليل اعتمادها على واشنطن، وستعقد دول أخرى اتفاقيات جديدة مع منافسيها، وسيتوق الكثيرون إلى لحظة تتاح لهم فيها فرصة للثأر من الولايات المتحدة على سلوكها الأناني. ربما ليس اليوم، وربما ليس غدًا، لكن ردة الفعل قد تأتي بسرعة مفاجئة. وكما قال إرنست همنغواي في عبارته الشهيرة عن بداية الإفلاس، فإن سياسة الهيمنة الافتراسية المستمرة قد تتسبب في تراجع النفوذ العالمي للولايات المتحدة «تدريجيًا ثم على نحو مفاجئ».
إستراتيجية خاسرة
لا تزال القوة العسكرية هي العملة الأساسية في السياسة العالمية، لكن الأهداف التي تُستخدم من أجلها والأساليب التي تُوظَّف بها هي التي تحدد مدى فعاليتها في تعزيز مصالح الدول. وبفضل موقعها الجغرافي المتميز واقتصادها الضخم والمتطور وقوتها العسكرية التي لا تُضاهى وسيطرتها على عملة التحوط العالمية والمراكز المالية الحيوية، تمكّنت أميركا من بناء شبكة واسعة من العلاقات والتبعيات، واكتساب نفوذ كبير على العديد من الدول الأخرى خلال السنوات الـ75 الماضية.
ولأن استغلال هذا النفوذ علنًا كان سيقوضه، فقد حققت السياسة الخارجية الأميركية أكبر نجاحاتها عندما مارس القادة الأميركيون القوة المتاحة لهم بضبط النفس، وعندما عملوا مع الدول ذات التوجهات المماثلة لإرساء ترتيبات ذات منفعة متبادلة، مدركين أن الآخرين سيكونون أكثر ميلًا إلى التعاون مع الولايات المتحدة إذا لم يخشوا طموحاتها. لم يشك أحد في أن واشنطن تمتلك قوة هائلة. ولكن من خلال تغليفها بغطاء ناعم، أي معاملة الدول الأضعف باحترام وعدم محاولة استغلالها إلى أقصى حد ممكن، تمكّنت الولايات المتحدة من إقناع أهم دول العالم بأن التوافق مع سياستها الخارجية أفضل من الشراكة مع خصومها الواضحين.
تُهدِر الهيمنة الافتراسية هذه المزايا سعيًا وراء مكاسب قصيرة الأجل، متجاهلة العواقب السلبية طويلة الأمد. صحيح أن الولايات المتحدة ليست على وشك مواجهة تحالف مضاد واسع النطاق أو فقدان استقلالها، فهي أقوى من أن تُعاني هذا المصير، وتتمتع بموقع إستراتيجي قوي. إلا أنها ستصبح أفقر وأقل أمانًا وأقل نفوذًا مما كانت عليه طوال حياة معظم الأميركيين الأحياء. سيعمل قادة الولايات المتحدة المستقبليون من موقع أضعف، وسيواجهون معركة شاقة لاستعادة سمعة واشنطن بوصفها شريكًا يراعي مصالحه الشخصية ولكنه منصف للآخرين. إن الهيمنة الاستغلالية إستراتيجية خاسرة، وكلما أسرعت إدارة ترامب بالتخلي عنها، كان ذلك أفضل.
إحالات
[1] پيريكليس (429 - 495) سياسي يوناني حكم أثينا في فترات متقطعة خلال عصرها الذهبي (المترجم).
[2] وصلت قيمة العجز في ميزانية الولايات المتحدة في عام 2025 إلى 901.5 مليار دولار (للبضائع والخدمات)، أما العجز التجاري المرتبط بالبضائع، فقد وصلت قيمته إلى 1.25 تريليون دولار، وذلك بسبب ارتفاع الاستيراد من الصين المدفوع بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي (المترجم).