28/03/2026 - 12:27

خطة إيران طويلة الأمد: عقود من التحضير تؤتي أُكلها

تتمحور العقيدة الاستراتيجية الإيرانية حول عبارة أساسية: مواصلة المقاومة وإرهاق العدو. لا يكمن الهدف في هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل بالمعنى التقليدي، بل في إظهار أن تكلفة مواجهة إيران غير مستدامة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا...

خطة إيران طويلة الأمد: عقود من التحضير تؤتي أُكلها

صاروخ باليستي إيراني في سماء الخليل (Getty)

إذا ما قيست معايير الصراع التقليدي، فإن إيران لا تبلي بلاءً حسنًا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن المعلوم أن خصومها يدمّرون أهدافًا حيوية لديها، ويقتلون قادتها، ويضعفون قدراتها العسكرية، إلا أن هذه المعايير خاطئة لتقييم موقف إيران في الحرب. والمعيار الصحيح ليس حتى تقييم مدى قدرة إيران على تحمّل الخسائر، وهو ما تفعله بالفعل. السؤال الذي سيُحسم الأمر عند انتهاء القتال هو ما إذا كانت طهران تحقق أهدافها الاستراتيجية. وفي هذا الصدد، إيران هي المنتصرة.

لم تكن هذه النتيجة وليدة الصدفة. فقد دأبت طهران على الاستعداد لهذه الحرب لما يقارب أربعة عقود، منذ أن واجهت الحكومة الثورية الجديدة أول اختبار عسكري كبير لها في الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت من عام 1980 إلى 1988. وتنفّذ الآن استراتيجية نجحت في تحييد بطاريات الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية الرئيسة، وإلحاق أضرار جسيمة بالقواعد العسكرية الأميركية في الخليج العربي، وإلحاق خسائر اقتصادية فادحة، وزرع الشقاق بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج. بعبارة أخرى، لا يكتفي النظام الإيراني بالنجاة من القصف الأميركي والإسرائيلي، بل إن المشكلات الاقتصادية والسياسية الخطيرة التي يخلقها لخصومه تمنح إيران، على المستوى الاستراتيجي، اليد العليا.

تعاليم القائد الأعلى

أشرف المرشد الأعلى علي خامنئي على التخطيط الاستراتيجي الذي يخدم النظام الإيراني إشرافًا جيدًا في هذه الحرب. لم يكن خامنئي، الذي قُتل في الغارات الجوية الأميركية الإسرائيلية الأولى في 28 شباط/فبراير، الخيار الأمثل لقيادة الجمهورية الإسلامية بعد وفاة آية الله روح الله الخميني عام 1989؛ فلم يكن شخصية ذات سلطة دينية بارزة، وكانت مؤهلاته الدينية متواضعة مقارنةً بالعديد من أقرانه. لكن خدمته رئيسًا لإيران خلال الحرب الإيرانية العراقية منحته خبرة سياسية واستراتيجية أثبتت أنها أكثر أهمية من أي منصب ديني.

لا تُذكر الحرب مع العراق في إيران على أنها كانت نزاعًا ثنائيًا. فقد رأت طهران فيها، عن حق، حربًا بالوكالة: حملة دعمت فيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وجزء كبير من العالم العربي عراق صدام حسين بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والغطاء الدبلوماسي، بينما خاضت إيران، التي كانت قد خرجت تَوًّا من ثورتها عام 1979، الحرب بمفردها إلى حد كبير. وقد خرج خامنئي وجيل القادة العسكريين الذين خاضوا تلك الحرب بفكرة أساسية مفادها أنه، طالما أصرّت إيران على سيادتها واستقلالها، فإنها ستواجه ضغطًا مستمرًا ومنسقًا من الولايات المتحدة، وهو ضغط قد يتحول في أي لحظة إلى حرب.

استخلصت طهران من الحرب الإيرانية العراقية أسلوبًا في الحرب غير المتكافئة، نابعًا من الضرورة. فقد انقطعت إمدادات الأسلحة التقليدية عن البلاد خلال النزاع. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت حظرًا شاملًا على إيران في عام 1979، ولم تعد معظم دول العالم تزوّدها بالأسلحة التقليدية، في حين كان بإمكان العراق الاعتماد على الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية الغربية والمعدات السوفياتية والتمويل الخليجي. وفي مواجهة عدو متفوق تقليديًا، وفي ظل الحصار، اضطرت إيران إلى الارتجال. فطورت تكتيكات مثل حرب الألغام المرتجلة، واستخدام مقاتلين غير نظاميين متحمسين، لا يعتمدون على معدات باهظة الثمن أو سلاسل إمداد دولية.

تطور ما بدأ عملًا ارتجاليًا وقتها إلى عقيدة متماسكة. أصبح الحرس الثوري الإسلامي، الذي تأسس في بدايات الثورة الإيرانية وخاض معارك ضارية في حرب العراق، الحاضنة المؤسسية لاستراتيجية الردع غير المتكافئ: إنشاء بنية تحتية عسكرية صناعية ضخمة، وتنمية متعمدة لحلفاء دون الدول، ودفاع استباقي خارج حدود إيران، واستعراض للقوة يتجنب تعريض إيران لرد مباشر. على مدى العقود اللاحقة، صُقلت هذه العقيدة وتوسع نطاقها. ازداد انخراط إيران في لبنان، حيث ساعد الحرس الثوري في بناء حزب الله ليصبح قوة عسكرية حقيقية. وبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، طورت الميليشيات المدعومة من إيران أساليب جديدة لمواجهة أقوى جيش نظامي في العالم، بما في ذلك شبكات متطورة من القنابل المزروعة على جوانب الطرق، واستهداف الأفراد الأميركيين بناءً على معلومات استخباراتية، واستخدام ميليشيات شريكة للحفاظ على إمكانية الإنكار. خلال الحرب الأهلية السورية، التي بدأت في عام 2011، شارك مستشارو الحرس الثوري الإيراني والميليشيات المتحالفة معه، بما في ذلك حزب الله في لبنان، في صراع معقد ضد مجموعة من قوى المعارضة والجماعات الجهادية والفصائل المدعومة من الغرب، مما أدى إلى ظهور جيل جديد من القادة ذوي الخبرة العملياتية المتقدمة.

بحلول وقت اندلاع الحرب الحالية، كانت إيران قد أمضت 35 عامًا في تعلم فنون القتال، وكيفية البقاء، في مواجهة خصوم أقوى بكثير. وتتجلى هذه الدروس بوضوح في سلوك إيران اليوم. فالشبكات اللوجستية اللامركزية نفسها التي بنتها إيران لنقل المقاتلين والعتاد عبر العراق وسورية تُستخدم الآن للحفاظ على سلاسل الإمداد تحت وطأة القصف. والمرونة العقائدية نفسها التي جعلت القوات المدعومة من إيران فعالة ضد القوات الأميركية في العراق، متمثلة في قدرتها على امتصاص الضربات والتفرق وإعادة التشكيل، هي ما سمح للحرس الثوري الإيراني بالاستمرار في العمل رغم اغتيال كبار قادته. لقد حققت عقود من الاستعداد غايتها.

السلاح الاقتصادي

كانت إيران تستعد على الدوام لخوض حرب اقتصادية. فعلى مدى عقود، واجهت إيران نظام عقوبات، وضعته الولايات المتحدة في المقام الأول، عزلها عن الأسواق المالية الدولية، وجمّد أصولها، وقلّص عائداتها النفطية، وأقصاها من النظام التجاري العالمي. وقد ولّد هذا الإقصاء منطقًا استراتيجيًا خاصًا به. فالدولة المطرودة من النظام الرأسمالي العالمي لا تملك مصلحة تُذكر في الحفاظ على بنية هذا النظام، بل لديها حافز قوي لتهديده. وإيران تفعل ذلك الآن تحديدًا. فاستهدافها للبنية التحتية للطاقة، وضغطها على مضيق هرمز، وضرباتها على الموانئ والبنوك وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء الخليج، ليست أعمال تصعيد عشوائية، بل هي حملة ممنهجة ضد الأسس الاقتصادية للنظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو نظام بُني، إلى حد كبير، لاحتواء إيران.

يرتكز جوهر هذه الحملة على مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره ما يقارب خُمس نفط العالم وثلث أسمدته. لا تستطيع إيران إغلاق الممر المائي بالكامل، ولكنها ليست بحاجة إلى ذلك. يكفي التهديد الحقيقي بتعطيله لزعزعة أسواق الطاقة، ورفع تكاليف تأمين الشحن، وإجبار الولايات المتحدة على تخصيص موارد عسكرية هائلة للمهمة الدفاعية المتمثلة في إبقاء خطوط التجارة مفتوحة، وهي موارد كان من الممكن استخدامها لأغراض هجومية. منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حدد منتجو الخليج أسعار معظم صادرات النفط بالدولار الأميركي مقابل الحماية العسكرية الأميركية. إيران، المستبعدة من نظام البترودولار نفسه، تُحكم قبضتها على هذا النظام فعليًا. ولن تقتصر العواقب على القتال الحالي. فكل شهر تبقى فيه أسواق الطاقة متقلبة، وتكاليف الشحن مرتفعة، والمستثمرون الخليجيون في حالة غيابٍ لليقين، تتضاءل فيه فرص تسوية أسعار النفط بالدولار. لا تستطيع إيران بمفردها تفكيك النظام، لكن بإمكانها السعي وراء صفقات نفطية بالرنمينبي [العملة الصينية] وتسريع المحادثات الجارية بالفعل في بكين وموسكو والرياض حول البدائل. كل هذا بتكلفة استراتيجية منخفضة بالنسبة إلى طهران. أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن تكلفة الدفاع عن المضيق والبنية الاقتصادية التي يدعمها أعلى بكثير.

زرع الشقاق

غير أن العنصر الأكثر تأثيرًا في استراتيجية إيران، والذي قد تكون له عواقب وخيمة طويلة الأمد، هو زرع الشقاق بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج. فمنذ عام 1979، أنشأت واشنطن شبكة أمنية في منطقة الخليج، صُممت أساسًا لاحتواء إيران، وحافظت عليها. وتحولت القواعد العسكرية التي أنشأتها واشنطن في البداية، على نحوٍ مؤقت، في البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة خلال حرب الخليج 1990-1991 وبعدها، تدريجيًا إلى قواعد دائمة. وكانت الصفقة التي أبرمتها الولايات المتحدة مع هذه الدول واضحة: ستلتزم دول الخليج بموقف واشنطن في مسائل الأمن الإقليمي، بما في ذلك، لاحقًا، تطبيع العلاقات الأمنية الأميركية الإسرائيلية، أو على الأقل التسامح معها. وفي المقابل، ستحصل هذه الدول على ضمانات أمنية أميركية وفرصة للازدهار في ظل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.

لم تفسر طهران هذه العلاقات على أنها مجرد دفاع جماعي، بل كتحالف هجومي سيُستخدم في نهاية المطاف ضد النظام الإيراني. فقد خشيت من أن يُقلب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد إيران، في حال نشوب صراع، ما سيؤدي إلى قطع التجارة الإيرانية، وخنق اقتصادها، وتوفير القاعدة اللوجستية لحملة عسكرية تهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية. كما أدركت طهران أن نقطة ضعف هذا التحالف تكمن في اعتماده على دعم دول الخليج، وهو دعم مشروط بوفاء الولايات المتحدة بوعودها الأمنية. مع ذلك، ولسنوات، كان أي خلاف طفيفًا للغاية بحيث لا تستطيع إيران استغلاله. ربما كانت لدى دول الخليج مخاوف بشأن بعض السياسات الأميركية، لكنها كانت واثقة من الاتفاق الأساسي الذي أبرمته.

بدأت تلك الثقة بالتزعزع عام 2019، عندما لم تدافع الولايات المتحدة عن السعودية ضد الهجمات الإيرانية على منشآتها النفطية. وتفاقمت هذه التصدعات عندما لم تمنع الولايات المتحدة إسرائيل من شن هجوم على مفاوضي حماس في الدوحة، قطر، عام 2025. وقد زادت الحرب الحالية من الضغط على الاتفاق الأميركي الخليجي، وكشفت عن خلل في الالتزامات الأميركية: فقد نُشرت أنظمة الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية لحماية إسرائيل في المقام الأول، بينما شاهدت دول الخليج بنيتها التحتية تحترق دون حماية مماثلة. والرسالة التي وصلت إلى أبو ظبي والدوحة ومدينة الكويت والمنامة والرياض هي أن الولايات المتحدة ستعطي الأولوية لأمن إسرائيل على أمن الخليج إذا ما اضطرت إلى الاختيار. وقد حاولت إيران، بنجاح محدود، إيصال هذه الرسالة لعقود من الزمن من خلال إصدار أوامر بشن ضربات مستهدفة لاختبار رد واشنطن، وتحذير الرأي العام الخليجي من عدم موثوقية الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليط الضوء على الفجوة بين التزامات واشنطن المعلنة وسلوكها الفعلي خلال حربي العراق وغزة. ولكن الآن، تؤكد الحرب الأميركية مع إيران رسالة طهران بقوة.

دول الخليج ليست موالية لإيران؛ بل تخشى إيران وتغضب من استهدافها أصولها الاقتصادية وبنيتها التحتية. لكنها أيضًا، ولأول مرة منذ جيل، تشكك جديًا في جدوى تحالفها مع واشنطن. هذا الشك هو تحديدًا ما تسعى إيران إلى تحقيقه. فالخليج الذي يفقد ثقته الكاملة في ضمانات واشنطن الأمنية هو خليج أقل استعدادًا لاستضافة قواعد أميركية، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو تمويل العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة. لا يعتمد أمن إيران على المدى البعيد على هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، بل على جعل تكلفة الوجود الأميركي في الخليج باهظة سياسيًا لدرجة يصعب على الدول العربية المضيفة تحمّلها.

مفارقة قطع الرأس

تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل، في غضون ذلك، مكاسب تكتيكية، لكنهما تكافحان لتحقيق أهدافهما الاستراتيجية المتمثلة في تقويض القدرات العسكرية الإيرانية التي تهدد النظام الإقليمي، وإجبار إيران على تغيير النظام، وهو ما لا تزال بعض الأطراف في كلا الحكومتين تأمل في تحقيقه. وقد اعتمدتا، على نحوٍ كبير، على عمليات الاغتيال المستهدفة لتحقيق أهدافهما، انطلاقًا من اعتقادهما بأن تصفية القادة السياسيين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري ستضعف القدرات الإيرانية وتردع أي تحرك إيراني، إلا أن هذه النظرية لم تصمد أمام الواقع.

توقعت إيران أن تكون مثل هذه الضربات الاستباقية جزءًا من أي صراع جاد مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. فقد راقبت طهران ما فعلته الولايات المتحدة وإسرائيل بخصومهما في العقود الأخيرة، من استهداف قيادة صدام حسين، والاغتيال الممنهج لقادة حزب الله في لبنان، إلى مقتل القيادي في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، عام 2020. وفي وقت سابق، خلال الحرب الإيرانية العراقية، أدى فقدان القادة إلى خلق نقاط ضعف خطيرة لطهران. ولتجنب النتيجة نفسها خلال حملة أميركية أو إسرائيلية، عمل النظام على مدى العقود الأربعة الماضية على لامركزية قيادته العسكرية، وتوزيع السلطة السياسية على مراكز إقليمية قادرة على العمل باستقلالية، ورعاية العديد من الخلفاء المحتملين على جميع مستويات الحرس الثوري والمؤسسة الحاكمة. وحتى الآن، مكّنت هذه الاستراتيجية النظام الإيراني من الصمود أمام اغتيال العديد من القادة رفيعي المستوى في الحرب الحالية.

لقد خلقت حملة استئصال القيادات ما لم تتوقعه واشنطن على ما يبدو: فالقادة الإيرانيون الذين حلّوا محل القتلى، من نواحٍ عديدة، أكثر خطورة من أسلافهم. فهم أصغر سنًا، وقاتلوا الأميركيين في العراق، وقاتلوا الإسرائيليين في لبنان وسورية إلى جانب حزب الله. وهم يعتقدون، ولهم في ذلك ما يبرر، أنهم ساهموا في هزيمة أقوى الجيوش على وجه الأرض في تلك الجبهات. ولا يتحلون بحذر الجيل الأكبر من القادة، الذين تذكروا الخسائر البشرية الفادحة للحرب العراقية الإيرانية. كما أنهم يواجهون الضغط المؤسسي الذي يواجهه القادة الجدد في كل مكان: ضرورة إثبات جدارتهم.

والنتيجة المتوقعة هي أن الجيش الإيراني، بدلًا من أن يُردع، سيصبح أكثر عدوانية. وقد يؤدي قتل القيادات إلى تسريع التصعيد الذي كان من المفترض أن يمنعه. وإذا نجت الجمهورية الإسلامية من هذه الحرب، فسيقودها قادة شباب متمرسون في القتال، يعتقدون أنهم هزموا الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم التكلفة الباهظة. وستكون إيران ما بعد الحرب، بقيادة كهذه، إيران أكثر ميلًا إلى التوسعية، لا أكثر اعتدالًا.

مواصلة المقاومة وإرهاق العدو

تتمحور العقيدة الاستراتيجية الإيرانية حول عبارة أساسية: مواصلة المقاومة وإرهاق العدو. لا يكمن الهدف في هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل بالمعنى التقليدي، بل في إظهار أن تكلفة مواجهة إيران غير مستدامة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا. مهمة طهران هي الصمود أمام العقاب لفترة كافية، وإلحاق ضرر بالغ بالولايات المتحدة وإسرائيل، ما يؤدي إلى انهيار رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في استمرار الصراع.

وتنجح هذه الاستراتيجية في الوقت الراهن؛ فإيران تستوعب الضربات وتواصل عملها. قيادتها العسكرية لا مركزية، بجيلٍ جديد من القادة أكثر استعدادًا للقتال من سابقه. حملتها الاقتصادية تهدد النظام الخليجي الذي أمضت واشنطن عقودًا في بنائه. تتسع الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، حتى مع تفكير هؤلاء الحلفاء، على مضض، في الانضمام إلى واشنطن في الحرب. إذا استمرت هذه التوجهات في صالح طهران، فقد تنتهي الحرب بجمهورية إسلامية منهكة لكنها متماسكة، بينما يتفكك التحالف الأميركي الخليجي، مما يهدد بتقييد نفوذ الولايات المتحدة الإقليمي لسنوات قادمة. ستخرج إيران أضعف في قدراتها التقليدية، لكنها أقوى في العملة الأهم بالنسبة إليها: قدرتها المثبتة على الدفاع عن سيادتها ضد أقوى الجيوش في العالم. قد تكون الولايات المتحدة وإسرائيل، بقوتهما النارية الهائلة، هما من ينتصران في المعارك. أما إيران، بخبرتها الممتدة لخمسة وثلاثين عامًا واستراتيجيتها المصممة للصمود لا للتفوق العددي، فقد تكون هي من ينتصر في الحرب.


نُشر المقال في موقع مجلة "فورين أفيرز"