عندما أعلن دونالد ترامب، ملك الولايات المتحدة المجنون، «أننا سنقوم بأمر ما حيال غرينلاند سواء أعجبهم ذلك أم لا»، لأن «ملكيتها مهمة نفسيًا بالنسبة لي»، كان رد الفعل فوريًا ومتوقعًا. انفجرت مؤسسات السياسة الخارجية [الغربية]، التي أطلق عليها كاتب خطابات أوباما السابق بن رودس اسم «الفقاعة»، غضبًا. كان ترامب يدوس على ما يسمى بالنظام الدولي القائم على القواعد. وقالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية: «إن وحدة الأراضي الإقليمية والسيادة مبادئ أساسية في القانون الدولي». كان ترامب يُعرّض للخطر ما أسماه بطل حرب العراق بيل كريستول «نظامنا الحميد نسبيًا»، وهو النظام الذي، كما زعم روبرت كاغان، أحد كبار المحافظين الجدد، كان متماسكًا جزئيًا بفضل «سمعة أميركا في الأخلاق واحترام المعايير الدولية».
لا شكّ أن سياسات ترامب العالمية المتقلبة، بل والمجنونة، من قبيل «رسوم يوم التحرير الجمركية»، ووصف حلفاء الناتو بأنهم «العدو الداخلي»، والتذمر من تجاهل جائزة نوبل للسلام له في أثناء قصفه لسبع دول، بالإضافة إلى قوارب الصيد في منطقة البحر الكاريبي، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والانسحاب من المنظمات الدولية، وغيرها، قد كشفت النقاب عن وحشية أميركا.
لكن لا ينبغي لاضطرابات ترامب الهستيرية أن تغذي الحنين الرومانسي إلى «النظام القائم على القواعد». فنفس القادة الأوروبيين وأعضاء النخبة الذين أعربوا عن غضبهم بشأن غرينلاند التزموا الصمت أو أبدوا الدعم عندما قصف ترامب إيران ونيجيريا، واختطف مادورو، واستمر في مساعدة إسرائيل والتحريض على الإبادة الجماعية في قطاع غزّة. لا ينبغي أن تمحو حماقات ترامب تاريخ النظام القائم على القواعد. قد لا تكون شروره مخفية، لكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة عملت على الدوام على وضع القواعد، وعملت شرطيًا وقاضيًا وهيئة محلفين وجلادًا للعالم أجمع.
دخلت أميركا، بعد الحرب العالمية الثانية، في حالة حرب شبه متواصلة، حيث تدخلت عسكريًا أكثر من 200 مرة منذ عام 1950. وشنّت حروبًا ضد أفغانستان والعراق وليبيا، من بين دول أخرى. وأدار باراك أوباما، الحائز على جائزة نوبل للسلام والمدافع عن الديمقراطية، مكتبًا للاغتيالات من البيت الأبيض في قصفه لسبع دول في أثناء رئاسته.
زوّدت الولايات المتحدة، في عام 2015، في عهد أوباما، 36 دولة من أصل 49 دولة صنفتها مؤسسة "فريدوم هاوس" البحثية المؤيدة للديمقراطية على أنها دول ديكتاتورية بالأسلحة. وفرضت الولايات المتحدة، على مدى العقد الماضي، عقوبات أحادية الجانب على أكثر من 60 دولة، معظمها في الجنوب العالمي. وشنّت، منذ الحرب العالمية الثانية، عمليات تغيير أنظمة، علنية وسرية، في جميع أنحاء العالم، من إندونيسيا إلى إيران وغواتيمالا وتشيلي وبنما ونيكاراغوا وهندوراس، على سبيل المثال لا الحصر.
لقد أدى النظام القائم على القواعد إلى إنشاء شبكة كثيفة من المؤسسات لتنظيم الاقتصاد العالمي، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وقد خدمت هذه الإجراءات، إلى حد كبير، مصالح الشركات والبنوك متعددة الجنسيات الغربية، حيث فرضت التدفق الحر لرأس المال ووفرت الحماية للممتلكات، ولكن ليس للعمال.
وبينما يحتفل المدافعون عن النظام القائم على القواعد بارتفاع مستويات المعيشة في العالم الأقل نموًا، فإن المصدر الرئيس لهذا الارتفاع هو نظام الدولة الرأسمالية في الصين، الذي لعب وفقًا لمجموعة قواعده الخاصة. يتجلى الازدهار الاقتصادي لبقية العالم على نحو أفضل في تقرير عدم المساواة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة "أوكسفام"، والذي كشف أن أقل من 60 ألف شخص، أي 0.001% من سكان العالم، يمتلكون ثلاثة أضعاف ثروة النصف الأفقر من البشرية.
إن صعود ترامب إلى السلطة هو، إلى حد كبير، نتيجة لتزايد فشل هذا النظام في إفادة الطبقة العاملة في الولايات المتحدة. أدت «صدمة الوظائف» الناجمة عن نظام التجارة العالمي إلى القضاء على المدن الصناعية في جميع أنحاء أميركا، وفشلت النخب الحاكمة في تعويض الضحايا. لقد مكّنت العولمة الشركات متعددة الجنسيات من تقويض الأجور في الولايات المتحدة وفي الخارج. وأدت الحروب التي لا نهاية لها والتي لا طائل منها إلى إثارة معارضة متزايدة. جاءت عمليات الشرطة العالمية على حساب الاستثمارات والإصلاحات التي كانت ضرورية في الداخل. وعلى نحو متزايد، أصبحت تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم وأمن التقاعد أقل قدرة على التحمل بالنسبة إلى الشعب الأميركي.
حظي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، المصرفي الدولي السابق، في المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير في دافوس، بتصفيق حار من الحضور لتقديمه بعض الحقائق البسيطة. واعترف بأن الكنديين ازدهروا لعقود من الزمن وهم يتبنون «قصة النظام الدولي القائم على القواعد»، والتي كانوا يعلمون أنها «خاطئة جزئيًا». حيث إن الأقوى «سيُعفي نفسه عندما يكون ذلك مناسبًا». طُبقت قواعد التجارة «تطبيقًا غير متكافئ». وطُبق القانون الدولي «بصرامة متفاوتة تبعًا لهوية المتهم أو الضحية».
وصف كارني النظام القائم على القواعد بأنه «خيال ممتع»، وهي عبارة تشبه إلى حد كبير استهزاء نائب رئيس أركان البيت الأبيض ستيفن ميلر بالقانون الدولي والمعاهدات ووصفها بأنها «مجرد كماليات دولية». وتابع كارني قائلًا إن العالم الآن يمر بـ«قطيعة» مع النظام القديم، وهي قطيعة لا تنبع من فوضى غير مسبوقة بقدر ما تنبع من تخلي ترامب الصارخ عن ذلك الخيال الممتع، بينما يستهدف ليس فقط الخصوم أو الدول النامية، بل الحلفاء الأساسيين أنفسهم.
وكما أشار كارني، فإن التحرك نحو مزيد من الافتراس سبق ترامب: «على مدى العقدين الماضيين، كشفت سلسلة من الأزمات في مجالات التمويل والصحة والطاقة والجيوسياسة عن أخطار المبالغة في التكامل العالمي. لكن في الآونة الأخيرة، بدأت القوى العظمى في استخدام تسليح التكامل الاقتصادي والتعريفات الجمركية بوصفها وسيلة ضغط، وفي استخدام البنية التحتية المالية بوصفها أداة إكراه، وسلاسل التوريد بوصفها نقاط ضعف يمكن استغلالها. لا يمكنك العيش في ظل كذبة المنفعة المتبادلة من خلال الاندماج، عندما يصبح الاندماج مصدرًا لتبعيتك».
ومن اللافت للنظر أن كارني قارن بين تراجع النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة والأيام الأخيرة للشيوعية، مستشهدًا بمثل فاتسلاف هافيل الشهير عن صاحب المتجر التشيكي الذي استسلم لـ«الكذبة» واستمر في عرض شعار معتمد في نافذته لا يصدقه أحد. جادل كارني بأنه قد حان الوقت «للشركات والدول لإزالة لافتاتها». تنطبق هذه النصيحة، التي وجهها رئيس الوزراء الكندي إلى «القوى المتوسطة»، على نحو مضاعف على الأميركيين. حان الوقت للتوقف عن العيش في ظل الكذبة. لقد خذل النظام القديم الأميركيين. لقد حان الوقت للولايات المتحدة لتطوير أسلوب حياة جديد في العالم. ولن يكون هذا سهلًا.
يكاد يكون من المستحيل تصور الولايات المتحدة على أنها أي شيء آخر غير كونها قوة مهيمنة عالمية. لأصحاب المصالح الراسخة مصالح عميقة في الحفاظ على أساطير الإمبراطورية. تتعرض سياسات ترامب «أميركا أولًا» لانتقادات باعتبارها انعزالية جديدة، حتى مع استمراره في الحفاظ على التزام الولايات المتحدة تجاه حلف الناتو، وتوسيع وجودها في الشرق الأوسط، والتعهد بمراقبة بحر الصين الجنوبي، والدعوة إلى زيادة الميزانية العسكرية الأميركية، التي تعد بالفعل الأكبر في العالم، وأكبر من مجموع الميزانيات العسكرية التسع التالية بمقدار الثلث، واستهداف فنزويلا وكوبا وإيران وقطاع غزّة وغرينلاند والقطب الشمالي، على سبيل المثال لا الحصر.
إن الطريقة المعقولة للبدء هي التخلي عن المسلّمات الراسخة وتطبيق المنطق السليم لإعادة التفكير في الغرض من سياستنا للأمن القومي. من الواضح أن مثل هذه السياسة يجب أن تهدف إلى حماية الأميركيين وديمقراطيتهم من التهديدات الفعلية لأمنهم. إذن، ما التهديدات الأمنية الحقيقية التي يواجهها الأميركيون؟ من الواضح أن عدم المساواة الفاحشة والمتزايدة داخل البلد وتراجع الطبقة الوسطى يدفعان إلى انعدام الأمن الأميركي. كما أن هذا التفاوت يهدد ديمقراطيتها نفسها، حيث إن الأموال الطائلة تقوض الانتخابات الحرة.
يستدعي هذا الواقع سياسة خارجية تسمح بالتركيز على الإصلاح الداخلي، وكذلك على الموارد اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية العامة الحيوية والاستثمار في رفاهية الشعب. أشارت «السياسة الخارجية للطبقة الوسطى» التي طرحها جو بايدن إبان رئاسته إلى هذا الوعد، ولكن سرعان ما أُخضعت لجهود الولايات المتحدة في فرض النظام العالمي، ومواجهة الصين وروسيا، وتقديم المساعدة والتحريض والتسليح لإسرائيل في ارتكاب الإبادة الجماعية في قطاع غزّة. إن المؤسسة السياسية الخارجية، التي تجسدها جماعات مثل مجلس العلاقات الخارجية، تقدم تحية طقسية لضرورة وجود اقتصاد محلي قوي لدعم أميركا في العالم. لكن هذا يقلب المسألة رأسًا على عقب.
ما تحتاجه أميركا بشدة هو سياسة خارجية تعزز ديمقراطيتها في الداخل، وليس اقتصادًا يدعم مزاعمها الإمبريالية في الخارج. وهذا يعني تقليص، وليس تعزيز، بصمتها العالمية، وخاصة إمبراطوريتها التي تضم أكثر من 750 قاعدة عسكرية في حوالي 80 دولة، وإعلاء شأن الدبلوماسية على التدخل العسكري. أحد مقاييس التقدم هو ما إذا كانت ستعود إلى امتلاك عدد سفارات يفوق عدد قواعدها العسكرية حول العالم.
من بين التهديدات الخارجية التي تؤثر فعليًا على أمن الأميركيين، يجب أن يكون تغير المناخ الكارثي، الذي يشكل تهديدًا وجوديًا بينما يتسبب في المزيد من الدمار كل عام، على رأس القائمة. وبالمثل، تشكل الجائحات العالمية تهديدات مباشرة ومتزايدة للحياة، كما يتضح من فقدان أكثر من مليون أميركي بسبب كوفيد-19. إن الجمع بين الذكاء الاصطناعي غير المقيد وسباق التسلح النووي غير المقيد يهدد بتوسيع نطاق الأخطار المتزايدة باستمرار في عصر التنافس بين القوى العظمى. في كانون الثاني/يناير 2026، حركت نشرة علماء الذرة ساعة نهاية العالم لديها باتجاه منتصف الليل أكثر من أي وقت مضى في تاريخها، مما يعكس سباق التسلح النووي المتصاعد، وانهيار اتفاقيات الحد من التسلح، والعنف وعدم الاستقرار المتتالي الذي يسيطر على جزء كبير من العالم.
ليست الانعزالية حلًا للتعامل مع هذه التهديدات. ولا خطاب ترامب «أميركا وحدها» الإمبريالي. فأميركا تحتاج إلى مشاركة دولية أكبر، لا أقل. في حين أن الحد من الآثار المدمرة لعدم المساواة يجب أن يبدأ من الداخل، من خلال الضرائب التصاعدية وإعادة تفعيل قوانين مكافحة الاحتكار وتنظيم الشؤون المالية وإزالة قبضة فاحشي الثراء على سياسييها، فإن تمكين العمال في جميع أنحاء العالم ضروري للتعامل مع المخاطر الحقيقية والراهنة التي نواجهها جميعًا.
تزيد تصرفات ترامب، على نحو غريب، من حدة كل هذه التحديات الأمنية. لقد قام بإلغاء البرامج الفيدرالية التي تعالج تغير المناخ، بينما انسحب من أي تعاون دولي حول هذه القضية الحاسمة. كما قلّص برامج الصحة العامة الأميركية وبرامج المساعدات العالمية غير الكافية أصلًا، بينما انسحب من منظمة الصحة العالمية التي تراقب وتنسق الاستجابات للجائحات. لقد صعّد سباق التسلح النووي، وأدار ظهره لتمديد معاهدة "ستارت الجديدة" (New START)، وهي آخر اتفاقية للحد من الأسلحة النووية مع روسيا، وأطلق مشروعه الخيالي للقبة الذهبية، والذي سيشعل سباق تسلح جديدًا في الفضاء. يبدو أن أجندته الاقتصادية، سواء في الداخل أو الخارج، مصممة لزيادة عدم المساواة بدلًا من تقليلها، بينما تبشر بعصر جديد من الفساد الصارخ. وبينما يسحب ترامب أميركا من 66 وكالة دولية، فإن مجلس السلام المثير للسخرية الذي عينه زعيمًا دائمًا للعالم قد يزيد من إضعاف الأمم المتحدة، لكنه لن يحل محلها.
إن تصحيح سوء إدارة ترامب أمر ضروري، ولكنه بالتأكيد غير كافٍ. إن إعادة ترتيب جذرية للأولويات والسياسات الأميركية وإعادة التفكير في الأمن القومي والاقتصاد السياسي أمر لا مفر منه إذا أراد الأميركيون التعامل مع الأزمة المتعددة التي يواجهونها الآن. هل يمكن لأميركا وضع قواعد للاقتصاد العالمي تخدم مصالح العمال، وليس مصالح رأس المال فقط؟ هل يمكن لأميركا إشراك الصينيين في جهد جماعي لمعالجة تغير المناخ الكارثي والانضمام إليهم وإلى الروس في البدء بتفكيك الترسانات النووية؟
لقد أدت سياسات ترامب المتقلبة، والتي أسماها كارني «قطيعة»، إلى إهانة حلفاء أميركا، ومزقت التزاماتها الدولية، وأضعفت الدولار، وكشفت زيف النظام القائم على القواعد. والسؤال هو ما إذا كانت هذه القطيعة ستلهم الولايات المتحدة للبدء في التحول إلى إطار أمني أكثر منطقية يعالج التهديدات الحقيقية التي تواجهها.
يجب إيقاف هجوم ترامب على ديمقراطية الولايات المتحدة، غير أن العودة إلى النظام القديم لا تقدم أي سبيل للمضي قدمًا. لن يأتي التغيير من مصالح راسخة أو أصوات معروفة، من السياسيين أو النخب. سيأتي ذلك من التفكير الإبداعي، ونأمل أن يكون ذلك من جيل جديد مستفز من الواقع الذي يواجهه، ولكن فقط إذا أجبرت الحركات الشعبية، بشأن المناخ والديمقراطية ومكافحة عدم المساواة وتمكين العمال وإعادة بناء أميركا، على إحداث التغيير.
إن احتمالات تحقق ذلك ضئيلة بقدر ما أن المصالح التي تعارضه قوية. لكن في أوقات «القطيعة» السابقة، مثل الحرب الأهلية والكساد الكبير والنضال ضد قوانين جيم كرو والحرب في فيتنام، مارست الحركات الشعبية ضغوطًا على قادة جريئين ثم مكّنتهم من تغيير المسار ورسم طريق أفضل. وهذا، على أقل تقدير، يوفر أساسًا لإبقاء الأمل حيًا.
نُشِر المقال في موقع "ذي نيشن"