20/04/2026 - 20:37

الرجل الذي شكّل وجهة نظر واشنطن تجاه الشرق الأوسط

تحطّمت طموحات ماكغورك الدبلوماسية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما نفّذت حماس هجومها الفتّاك، مما أشعل هجومًا إسرائيليًا مضادًا كارثيًا أدّى إلى اتهامات واسعة النطاق بأن الولايات المتحدة مكّنت إسرائيل من ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين...

الرجل الذي شكّل وجهة نظر واشنطن تجاه الشرق الأوسط

بريت ماكغورك (Getty)

قدّم بريت ماكغورك المشورة لأربعة رؤساء بشأن منطقة حافلة بالنزاعات، ولكن لأيّ غاية؟

عندما كان مقدّم البرامج الحوارية ستيفن كولبيرت (Stephen Colbert) يبحث عن شخص يشرح الحرب الأميركية مع إيران لجمهور برنامجه "ليت شو" (Late Show) في أوائل آذار/مارس 2026، توجّه إلى بريت ماكغورك (Brett McGurk)، الذي شغل منصب مستشار أساسي لشؤون الشرق الأوسط لأربعة رؤساء أميركيين. وقال ماكغورك، المستثمر في رأس المال الجريء حاليًا والمحلل في شبكة "CNN"، لكولبيرت: "أظنّ أن قضية الحرب لم تُطرح بشكل مقنع للشعب الأميركي... قبل البدء بأي عملية عسكرية، يجب أن يكون ذهن الرئيس [الأميركي] صافيًا حول ما يريد تحقيقه وكيفية تحقيقه. وهذا ليس دائمًا من نقاط قوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب".

كان ماكغورك مرجع كولبيرت في موضوع الحرب في الشرق الأوسط لسبب وجيه. فرغم أن هذا الرجل البالغ من العمر 52 عامًا غير معروف على نطاق واسع خارج دوائر صنع السياسات، إلا أنه شغل دورًا فريدًا ومستمرًا في السياسة الخارجية الأميركية على مدى عقدين من الزمن. في فترة اتسمت بتصاعد الاستقطاب وتغييرات في المناصب بين الإدارات، صمد ماكغورك، بل وازدهر، في ظل رئاسات الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. وبأقل قدر من الانقطاعات، تولّى حصة متزايدة من مسؤوليات سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط، بدءًا من رئاسة جورج دبليو بوش، مرورًا بسنوات أوباما، واضطرابات ولاية ترامب الأولى، وصولًا إلى إدارة بايدن. إن الاتفاق أو الاختلاف مع مجمل أعمال ماكغورك، بمعنى ما، أشبه باختبار رورشاخ (Rorschach Test)[1] لتحديد ما إذا كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال هذا القرن ناجحة أم فاشلة.

أمضى ماكغورك سنواته الأولى في الحكومة مركّزًا على بناء الدولة خلال حرب العراق. ولكن بحلول عام 2021، عندما عاد إلى البيت الأبيض نائبًا مساعدًا للرئيس جو بايدن، كان مصممًا على توجيه السياسة الخارجية الأميركية نحو مسار مختلف عمّا كان سائدًا. ووفقًا لأشخاص عملوا معه آنذاك، فقد صرّح ماكغورك لموظفي مجلس الأمن القومي بأن عهد الطموحات الأميركية الكبرى في الشرق الأوسط قد ولّى. وصار شعار ماكغورك: العودة إلى الأساسيات. وقال في حوار المنامة، الذي عقده المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (International Institute for Strategic Studies) في البحرين في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، إنه بدلًا من السعي وراء "أهداف عظيمة"، فإن إدارة بايدن ستتبع "إستراتيجية سليمة، وتضع الأهداف والغايات فقط بعد دراسة متأنية للحقائق على أرض الواقع والتشاور مع أصدقائنا وشركائنا".

تحطّمت طموحات ماكغورك الدبلوماسية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما نفّذت حماس هجومها الفتّاك، مما أشعل هجومًا إسرائيليًا مضادًا كارثيًا أدّى إلى اتهامات واسعة النطاق بأن الولايات المتحدة مكّنت إسرائيل من ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.

وأصبح منسّق مجلس الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هدفًا لانتقادات الأشخاص الذين اعتبروه المهندس الرئيس لتبنّي إدارة بايدن الحرب الإسرائيلية في قطاع غزّة. ويقول نقّاد، مثل رندة سليم، رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مركز ستيمسون (Stimson Center)، إن ماكغورك كسب ثقة الرؤساء المتعاقبين من كلا الحزبين من خلال تبنّي وجهة نظر أميركية جوهرية للسياسة الخارجية. وأضافت: "هذا رجل يفضّل الحلول السريعة وقصيرة الأجل للتعامل مع المشكلات المزمنة طويلة الأجل في منطقة لا تسمح بالحلول قصيرة الأجل". إذ يرى ماكغورك أن تحقيق مكاسب تدريجية في الشرق الأوسط أفضل من السعي وراء أهداف متغطرسة وغير واقعية في كثير من الأحيان في منطقة معقدة.

وقال ماكغورك لمجلة "فورين بوليسي" في سلسلة من المقابلات النادرة المسجلة: "من الحماقات الشائعة في السياسة الخارجية إعلان أهداف طموحة ثم التفكير في كيفية تحقيقها. يُعدّ النهج الأفضل في تجربتي هو تحديد أهداف قريبة المدى، والتقدم التدريجي، والمواءمة الدقيقة بين الغايات والأساليب والوسائل". غادر ماكغورك البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2026 وسط احتجاجات طلابية وصفته بمجرم حرب. ولا يزال إرث عمله يتردد صداه في ظل حرب إدارة ترامب العبثية مع إيران، ومواجهتها لتداعيات تحركات ماكغورك المثيرة للجدل في أماكن أخرى من المنطقة.

وللاطلاع على صورة كاملة عن مسيرة ماكغورك وتأثيره، أجرت مجلة "فورين بوليسي" مقابلة معه ومع أكثر من 20 شخصًا ممن عملوا معه مباشرة. يُصرّ ماكغورك على موقفه من حرب غزّة، ويشير نجاحه في كسب ودّ رؤساء من الحزبين الرئيسين إلى احتمالية عودته إلى السلطة السياسية في واشنطن. غير أن ماكغورك يمثّل، بالنسبة لمنتقديه، السبب والنتيجة في آن واحد، فهو رمز قوي لنهج الولايات المتحدة الخاطئ تجاه الشرق الأوسط على مدى عقدين كارثيين، من التداعيات الطائفية في العراق إلى معضلة اليمن، والدمار الشامل الذي حلّ بقطاع غزّة، ومؤخرًا، صدمة الطاقة العالمية التي أشعلتها الحرب مع إيران.

عندما أرسل سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة إلى ماكغورك خبرًا عن هجوم وشيك شنّه مقاتلو حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ردّ ماكغورك برسالة دعم لا لبس فيها: "نحن معكم". وأصبحت تلك الاستجابة الغريزية أساسًا لنهج ماكغورك في التعامل مع الأزمة. كما عمل مع بايدن خلال إدارة أوباما ودعم ترشيحه في عام 2020. وعندما فاز بايدن، عيّن ماكغورك مستشاره الرئيس لشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض، مما دفع الإستراتيجي الطموح إلى أهم دور في حياته المهنية.

وأوضح ماكغورك، في معرض صياغته لآرائه الخاصة، إنه يستحضر اقتباسًا من الرئيس السابق جون كينيدي: "ليس الغرض من السياسة الخارجية توفير منفذ لمشاعرنا الخاصة بالأمل أو السخط؛ بل تشكيل الأحداث الحقيقية في عالم حقيقي". وأشاد جيمس جيفري (James Jeffrey)، دبلوماسي مخضرم في واشنطن خاض معركة مع ماكغورك بشأن العديد من قرارات السياسة المتعلقة بالشرق الأوسط عندما عملا معًا في عهد الرئيسين باراك أوباما وترامب، بزميله السابق ووصفه بأنه أحد أكثر الدبلوماسيين مهارة في جيله. وأضاف: "أعتقد أنه كان من بين أكثر المسؤولين الحكوميين تأثيرًا في شؤون الشرق الأوسط خلال الفترات الرئاسية الأربع الماضية. يفهم بريت معنى القوة، ويدرك فن الدبلوماسية: بناء علاقات جيدة مع الشعوب، ومعرفة ما ينجح وما لا ينجح، وما يحتاجه كل طرف؛ نهجه موضوعي وغير متحيّز ويعزّز السياسة الخارجية من خلال توظيف القوة الأميركية".

لكنّ نهج ماكغورك الواقعي لم يكن النهج الذي وعد بايدن باتباعه في البيت الأبيض بعد فوزه على ترامب في انتخابات 2020. بل تعهّد بايدن بجعل حقوق الإنسان محور سياسته الخارجية. وعندما عيّن ماكغورك مستشاره الرئيس لشؤون الشرق الأوسط، اعتبره المتشككون نذير شؤم، وفقًا لمسؤولين سابقين في الإدارة.

بعد أيام من عودته إلى البيت الأبيض عام 2021، كان ماكغورك في الرياض ليوجّه رسالة شديدة اللهجة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وكان بايدن قد ترشّح للرئاسة متعهدًا بمعاملة السعودية بوصفها دولة منبوذة. وجاء موقف الرئيس بعد أن خلصت الولايات المتحدة إلى أن ولي العهد قد وجّه فريق اغتيال لاغتيال [الصحافي] جمال خاشقجي، الكاتب السعودي البارز والمقيم في الولايات المتحدة، في القنصلية السعودية بإسطنبول عام 2018. أرسل بايدن ماكغورك لتوجيه توبيخ قاسٍ: سيقطع البيت الأبيض مبيعات الأسلحة الأساسية عن الرياض حتى توقف حربها ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. فقد أصبحت الحرب عبئًا ثقيلًا على السعودية، وأوضح ماكغورك أن إدارة بايدن ستقلّص مساعداتها العسكرية حتى تنسحب الرياض منها.

كان بايدن يفي بتعهده بجعل حقوق الإنسان محور أجندته للسياسة الخارجية، وينفّذ وعدًا قطعه خلال حملته الانتخابية. وقد ساهم هذا الضغط في دفع السعودية إلى تبنّي وقف إطلاق نار هش في اليمن. غير أن ماكغورك صرّح بأنه لا يرى من الحكمة استخدام المساعدات العسكرية وسيلة ضغط على حلفاء الشرق الأوسط. صحيح أن وقف تزويد السعودية بالأسلحة ربما سرّع جهود المملكة للخروج من اليمن، إلا أنه أتاح لإيران فرصة لتعزيز دعمها للحوثيين، الذين سيتحولون لاحقًا إلى تهديد إقليمي قوي على نحو غير متوقع. أثار تعليق المساعدات غضب القادة السعوديين، الذين كانوا يحاولون الخروج من مأزق اليمن. وسيؤدي هذا الانقسام إلى سنوات من التوترات بين واشنطن والرياض.

بدأ ماكغورك بالضغط من أجل تصحيح المسار، وهو ما اكتسب زخمًا عندما احتاج البيت الأبيض إلى مساعدة السعودية في خفض أسعار النفط بعد غزو روسيا لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، مما أدّى إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية. كما رأى ماكغورك فرصة فريدة لإبرام اتفاق دبلوماسي تاريخي بين إسرائيل والسعودية، وهي خطوة لم يكن من الممكن تحقيقها إلا بعد أن أصلح بايدن العلاقات مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. أدّت إعادة ضبط العلاقات الدبلوماسية إلى انقسامات عميقة في إدارة بايدن، واستقطبت معارضة شديدة من الديمقراطيين التقدميين في الكونغرس، الذين اعتبروها خيانة لتعهّد الرئيس بإبقاء حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية في صميم أجندته.

لم ينظر ماكغورك نفسه إلى السياسة الخارجية بهذه الطريقة، وصرّح لـ"فورين بوليسي" أنه "بالنسبة للدبلوماسي الأميركي، يجب أن تكون حقوق الإنسان حاضرة دائمًا على طاولة المفاوضات. هذا ما يميزنا. لكن هذه القضية لا تطغى على جميع المصالح الأخرى. أما فيما يخصّ حقوق الإنسان، فإن دول الشرق الأوسط وغيرها، تحت مظلة أميركية، ستكون، وعلى مر السنين، أكثر تسامحًا واعتدالًا مما لو تركنا الساحة للصين أو روسيا".

وأفاد مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، معارضون لسياسة إعادة ضبط العلاقات مع السعودية، لمجلة "فورين بوليسي" بأنهم هُمِّشوا في مناقشات محورية. وبلغ الجدل ذروته بمصافحة مدوية هزّت العالم: سافر بايدن إلى السعودية وصافح محمد بن سلمان بتلك التحية المثيرة للجدل التي شكّلت أساسًا لتقارب العلاقات. كثّف ماكغورك زياراته إلى الخليج في محاولته لإبرام اتفاق دبلوماسي معقّد بين إسرائيل والسعودية. وكان من أبرز العقبات كيفية التعامل مع المعضلة الفلسطينية كجزء من هذا الاتفاق.

الرئيس الأميركي جو بايدن يحيّي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدّة، المملكة العربية السعودية، في 15 تموز/يوليو 2022، في صورة نشرها الديوان الملكي السعودي.

كانت فلسطين بمثابة نقطة عمياء بالنسبة لماكغورك، وفقًا لعدد من مسؤولي إدارة بايدن الذين عملوا معه في قضايا الشرق الأوسط. فقد تشكلت رؤيته للشرق الأوسط من خلال السنوات الأولى من مسيرته المهنية التي قضاها في العراق، ولم يُعر اهتمامًا يُذكر للقضية الفلسطينية الإسرائيلية. لم يكن بايدن، على أي حال، مهتمًا كثيرًا بمواصلة محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، فقد شهد فشلًا ذريعًا لرؤساء جدد حاولوا ذلك. بل وتبنّى بايدن سياسة محاولة إدارة القضية من خلال مبادرات اقتصادية متواضعة تهدف إلى تحسين حياة الفلسطينيين اليومية تحسينًا طفيفًا.

عندما حدّد ماكغورك أولويات إدارة بايدن في الشرق الأوسط في خطابه خلال حوار المنامة عام 2021، لم يُشِر إلى الفلسطينيين إطلاقًا. وقال العديد من مسؤولي الإدارة الذين عملوا مع ماكغورك في إدارة بايدن إنه كان ينظر إلى القضية الفلسطينية في الغالب بوصفها ورقة مساومة في اتفاقه الإقليمي الشامل، بدلًا من اعتبارها مشكلة تستحق الاهتمام المستقل. وقال مسؤول حكومي رفيع سابق عمل مع ماكغورك: "كان بريت يستهين بالقضية الفلسطينية للغاية. واعتاد القول: 'لا أحد يهتم بها. وهي قضية من الماضي'. كانت هذه هي العقلية السائدة، بالتأكيد حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023".

كما تبنّى فريق بايدن الأوسع للأمن القومي نظرة متغطرسة تجاه الشرق الأوسط. فقبل ثمانية أيام من هجوم حماس، تفاخر جيك سوليفان (Jake Sullivan)، مستشار بايدن للأمن القومي، في مهرجان أتلانتيك قائلًا: "إن منطقة الشرق الأوسط اليوم أكثر هدوءًا مما كانت عليه منذ عقدين".

كان لمحمد بن سلمان أيضًا موقف متضارب تجاه النزاع. فقد أخبر وزير الخارجية آنذاك، أنتوني بلينكن (Antony Blinken)، سرًّا أنه لا يشعر بتعاطف كبير مع الفلسطينيين، لكنه يعلم أنه لا يستطيع التخلي عنهم إذا أقام علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. (وقد نفى مسؤول سعودي هذه الرواية للمحادثة). أما علنًا، فقد اتخذ ولي العهد والحكومة السعودية موقفًا حازمًا من هذه القضية.

سيتطلب الأمر شهورًا من المفاوضات المضنية حتى يتضمن الاتفاق المقترح أي تنازلات جوهرية تسهم في إنعاش الآمال الفلسطينية المتضائلة في إقامة دولتهم المستقلة. وقد عمل ماكغورك على تأمين خطط لزيارة وفد دبلوماسي سعودي إلى رام الله قبل شهر من هجمات حماس عام 2023، في خطوة تهدف إلى إظهار التزام الرياض بدعم السلطة الفلسطينية كجزء من أي اتفاق مع إسرائيل. وقالت آية المحيسن، رئيسة ديوان نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ: "نعتقد أن إدارة بايدن بذلت قصارى جهدها، لكننا كنا نفضّل دورًا أكثر فاعلية لأننا نعتقد أنه كان بإمكانهم فعل المزيد".

وبحسب العديد من الدبلوماسيين في إدارة بايدن، فإن الاتفاق الدبلوماسي الإسرائيلي السعودي كان بمثابة "الحوت الأبيض" لماكغورك، في إشارة إلى هوس الكابتن أهاب المشؤوم بصيد الحوت الذي شوّهه وقتله في النهاية في رواية "موبي ديك". لم يثنِ ذلك ماكغورك عن عزمه. ففي 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان ماكغورك يجري مفاوضات مطوّلة مع مسؤولين سعوديين لوضع اللمسات الأخيرة على مقترح قبل انتهاء ولاية بايدن. إلا أن كل ذلك انقلب رأسًا على عقب في اليوم التالي عندما شنّت حماس هجومها المباغت، الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، واحتجاز 251 آخرين رهائن في قطاع غزّة.

نصحت إدارة بايدن القادة الإسرائيليين في الأيام الأولى بعدم السماح للإهانة التي تعرّضوا لها بتحديد شكل ردّهم. وحثّ قادة أميركيون بارزون، بمن فيهم ماكغورك، نظراءهم على عدم السماح للانتقام بتوجيه قراراتهم. وسرعان ما وجّه ماكغورك أنظاره نحو محاولة التفاوض على صفقة رهائن. وساهم، في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2023، في تأمين أول وقف لإطلاق النار في الحرب، وهو هدنة أولية لمدة أربعة أيام أدّت إلى إطلاق سراح أكثر من 100 إسرائيلي ومواطنين آخرين أُسروا في 7 تشرين الأول/أكتوبر. ووافقت إسرائيل على إطلاق سراح 240 أسيرًا ومعتقلًا فلسطينيًا جزءًا من الصفقة. لكن الاتفاق انهار قبل الأوان، وسرعان ما صعّدت إسرائيل حملتها العسكرية.

بدأ مسؤولون بارزون في إدارة بايدن، بحلول عيد الشكر، يشعرون بالقلق إزاء الردّ الإسرائيلي. فقد كانت الغارات الجوية الإسرائيلية تقتل مئات النساء والأطفال، وكانت القوات الإسرائيلية تقتل موظفي الأمم المتحدة والأطباء الفلسطينيين وعمال الإغاثة وعائلات بأكملها في مخيمات اللاجئين. وأراد بعض المسؤولين الأميركيين أن يدعو بايدن إسرائيل إلى إنهاء الحرب بحلول نهاية العام. وقد أبدى بلينكن تعاطفًا مع هذا الرأي. لكن ماكغورك وسوليفان وبايدن لم يكونوا مستعدين لذلك، وفقًا لعدد من المسؤولين الأميركيين المشاركين في المناقشات. (بعد نشر هذا المقال، ادّعى متحدث باسم سوليفان أن هذا غير صحيح، مصرّحًا لمجلة "فورين بوليسي" أن سوليفان توجّه إلى إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2023 برسالة من البيت الأبيض مفادها ضرورة إنهاء العمليات العسكرية الكبرى بحلول نهاية العام، وأن تستمر فقط العمليات التي تستهدف أهدافًا عالية القيمة بعد ذلك. كما نفى ماكغورك هذا الوصف). طرح بعض مسؤولي الإدارة فكرة وضع شروط على ما يمكن لإسرائيل فعله بالمساعدات العسكرية الأميركية، لكن آخرين، كما قالوا، بمن فيهم ماكغورك، جادلوا بأن القيام بذلك سيقيّد إسرائيل.

قال ماكغورك: "لم يكن هناك سبيل لوقف الحرب بدون صفقة رهائن. كان هذا صحيحًا منذ البداية". عمل ماكغورك على تسريع إيصال الأسلحة إلى إسرائيل في الأشهر الأولى، بما في ذلك صواريخ هيلفاير وقنابل ضخمة تزن ألفي رطل، استُخدمت في شن هجمات متكررة ساهمت في ارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين. واضطرت الولايات المتحدة إلى خوض مناوشات منتظمة مع إسرائيل بسبب رفضها السماح بدخول كميات كبيرة من الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزّة.

طوال فترة حرب غزّة، ركّز منتقدو سياسة إدارة بايدن، سواء داخل الحكومة أو خارجها، غضبهم على ماكغورك. وقال مسؤول حكومي رفيع سابق عمل مع ماكغورك: "لقد شعرنا جميعًا بالصدمة في السابع من أكتوبر، لكن الإدارة الأميركية انتهجت منذ البداية نهجًا غذّى فكرة أن الولايات المتحدة تنظر إلى حياة الفلسطينيين على أنها أقل قيمة من حياة الإسرائيليين". وفيما يتعلق بالخسائر في صفوف المدنيين في قطاع غزّة، أشار المسؤول إلى أنه "لا أعتقد أن بريت كان مهتمًا بهذا الأمر بما فيه الكفاية".

بالنسبة لجيفري، كان احتضان ماكغورك الوثيق لإسرائيل هو الخطوة الصحيحة. وأضاف: "في نهاية المطاف، تحققت مصالح الولايات المتحدة بشكل كبير نتيجة لما حدث بعد يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر المأساوي، وكان السماح للإسرائيليين وتمكينهم والقتال إلى جانبهم هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله". وأردف: "بريت مؤمن راسخ بالسياسة الواقعية، وهو أيضًا خبير في تحديد القوة المؤثرة. كان يعلم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو القوة المؤثرة، وكان مصممًا على تغيير الحسابات الإستراتيجية في الشرق الأوسط. لقد كان لبريت دور محوري في تمكين إسرائيل من هزيمة إيران وإمبراطوريتها الوكيلة، وهو ما يعود بالنفع الكبير على إسرائيل والولايات المتحدة".

بدأ ماكغورك، ابن معلمين من بيتسبرغ، مسيرته السياسية كاتبًا قانونيًا مثاليًا لدى رئيس المحكمة العليا ويليام رينكويست (William Rehnquist). وكان موجودًا في مبنى المحكمة العليا في واشنطن يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001، عندما هاجم خاطفو تنظيم القاعدة بطائرات تجارية واصطدموا ببرجي مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك ومبنى البنتاغون في أرلينغتون، فرجينيا. هرع ماكغورك من المبنى الرخامي، ورأى الدخان يتصاعد من البنتاغون، وأدرك أن الهجوم سيغيّر مجرى حياته.

سافر ماكغورك بعد نحو عامين إلى بغداد للعمل مستشارًا قانونيًا للفريق الأميركي الذي كان يسعى لتشكيل حكومة ديمقراطية جديدة في العراق بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بالدكتاتور صدام حسين. كان ماكغورك من أوائل المؤيدين لجهود أميركا الطموحة في بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط، لكنه سرعان ما تراجع عن هذه الفكرة حين شاهد العراق ينزلق إلى دوامة دموية من هجمات السيارات المفخخة التي هددت بتفكيك البلاد.

استعان بوش بماكغورك في البيت الأبيض عام 2005 للمساعدة في صياغة إستراتيجية الرئيس المتعثرة بشأن العراق. وكان ماكغورك جزءًا من فريق البيت الأبيض الذي ساعد في وضع خطة لإرسال 30 ألف جندي أميركي إضافي إلى العراق في زيادة عسكرية تهدف إلى منع انهيار البلاد. وسرعان ما أثبت ماكغورك نفسه مستشارًا فصيحًا في المكتب البيضاوي، وأنه قادر على شرح القضايا المعقدة ببراعة وتقديم خيارات واضحة للرئيس للنظر فيها.

قال مسؤول رفيع في إدارة بايدن عمل مع ماكغورك: "إنه يجد الطريقة الأكثر طمأنينة لشرح أي موقف، ودائمًا ما يجد حلًا نظريًا. لكن هذا لا ينجح دائمًا في الواقع. بالنسبة للرؤساء، من الفعّال للغاية أن يكون هناك من يقول: هذه هي المشكلة، وهذا هو الحل. وهو يكرر ذلك بثقة كبيرة مرارًا وتكرارًا".

في سياق التعامل مع العلاقات الطائفية المتوترة في العراق، تحالف ماكغورك تحالفًا وثيقًا مع نوري المالكي، سياسي شيعي عاد من المنفى عام 2003 واعتمد على الدعم الأميركي ليصبح رئيسًا للوزراء عام 2006. وكان المالكي شخصية مثيرة للجدل، حيث اتُّهم بتأجيج الانقسامات الطائفية من خلال دعم الميليشيات الشيعية وعزل المجتمعات السنية والكردية في البلاد.

أيّد ماكغورك ترشيح المالكي لولاية ثانية عام 2010، حتى إن البعض أطلق عليه بازدراء لقب "الهامس في أذن المالكي". وفي رسالة وجّهها النائب الجمهوري جو ويلسون (Joe Wilson) في شباط/فبراير 2026، دعا فيها إلى عقد جلسة استماع في الكونغرس بشأن نفوذ ماكغورك في واشنطن، واصفًا المالكي بأنه "العامل الأهم في صعود داعش". وكتب ويلسون أنه "من الصعب التقليل من حجم الضرر الذي ألحقه بريت ماكغورك بمصالح الأمن القومي الأميركي في الشرق الأوسط" بدعمه للزعيم العراقي ذي العلاقات الوثيقة بإيران.

بالنسبة لماكغورك، كان العمل مع المالكي أمرًا حتميًا، لا ينبع من ميوله الشخصية، بل من حقيقة أن الزعيم الشيعي قد حشد الأصوات في مجلس النواب للعودة إلى منصب رئيس الوزراء. وانتقد الجمهوريون ماكغورك بشدة لفشله في استغلال نفوذه لدى المالكي للتفاوض بنجاح على اتفاق يسمح ببقاء القوات الأميركية في العراق، مما أجبر الولايات المتحدة على سحب جميع قواتها بحلول نهاية عام 2011.

انقلب دعم ماكغورك للمالكي وجهوده التفاوضية الفاشلة ضده عندما رشّحه أوباما في آذار/مارس 2012 لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى العراق. عارض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون، بمن فيهم جون مكاين (John McCain)، ترشيحه وانتقدوا ماكغورك بشدة لمناوراته السياسية في العراق.

في اليوم السابق لجلسة استماع مجلس الشيوخ لتثبيته في منصبه في حزيران/يونيو من ذلك العام، سُرّبت رسائل بريد إلكتروني ورسائل نصية فاضحة بين ماكغورك ومراسلة صحيفة "وول ستريت جورنال" آنذاك، تُظهر أن الاثنين كانا على علاقة غرامية أثناء عملهما في العراق عام 2008. سحب ماكغورك ترشيحه بعد أن دعاه الجمهوريون إلى التنحي. وبدا أن صعوده السياسي قد توقف. (تزوج هو والصحافية عام 2012، ولا يزالان يعيشان حياة زوجية سعيدة، بحسب ماكغورك).

تمكّن ماكغورك، بعد تلك النكسة المهينة، سريعًا من تجنب المزيد من المشاكل. عيّنه أوباما، في العام التالي، نائبًا لمساعد وزير الخارجية لشؤون العراق وإيران، في الوقت الذي كان فيه تنظيم الدولة الإسلامية يوسّع سيطرته في شرق سورية ويهدد بالتوسع إلى العراق. وصفه وزير الخارجية جون كيري (John Kerry) بأنه "أداة متعددة الاستخدامات"، وفقًا لمتحدث باسم كيري، أي أداة يستطيع استخدامها للخروج من شتى أنواع المشاكل.

وبينما سعت إدارة أوباما إلى إيجاد مقاتلين قادرين على دحر الجماعة المسلحة، ركزت على قوة صغيرة من المقاتلين الأكراد السوريين ذوي التاريخ المعقد. كانت وحدات حماية الشعب (YPG) ميليشيا اشتراكية متحالفة تحالفًا وثيقًا مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو قوة كردية كبيرة نفّذت هجمات إرهابية في تركيا ضمن نضالها المستمر لعقود من أجل الحكم الذاتي. وقد صنّف كل من الاتحاد الأوروبي وتركيا والولايات المتحدة حزب العمال الكردستاني جماعة إرهابية. لم تكن هناك اختلافات تُذكر بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب. فقد تدربت القوات في المعسكرات الجبلية نفسها شمال العراق، وتبادلت أحيانًا المقاتلين، مما أدى إلى طمس الخطوط الفاصلة بين جماعة اعتبرها البيت الأبيض إرهابية وقوة أرادت الولايات المتحدة تدريبها وتجهيزها لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

كان ماكغورك المدافع الأكبر عن وحدات حماية الشعب الكردية في واشنطن، وقد دافع مرارًا وتكرارًا عن المجموعة باعتبارها متميزة عن حزب العمال الكردستاني، وهي خطوة أثارت غضب القادة الأتراك ودفعت علاقة واشنطن مع الرئيس المتقلب رجب طيب أردوغان إلى نقطة الانهيار. أقرّ مسؤولون أميركيون مشاركون في هذه الجهود بأن التمييز بين المجموعتين كان في معظمه وهمًا، وأطلقوا على القوة سرًا اسم "ميليشيا بريت"، وفقًا لمصادر دبلوماسية أخبرتني بذلك حينها وأكدته مؤخرًا. اتهمت تركيا القوة المدعومة من الولايات المتحدة بتزويد حزب العمال الكردستاني بالأسلحة، وضغطت على إدارة أوباما لإقالة ماكغورك من منصبه. وفي أحد الاجتماعات مع أوباما، بحسب شهود عيان، استشاط أردوغان غضبًا لرؤية ماكغورك جالسًا في الغرفة، وطالب بإقالته.

لكن نهج ماكغورك كان له الفضل في تحقيق النصر. فقد أثبتت وحدات حماية الشعب الكردية أنها القوة الأكثر فعالية في قيادة المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وأشاد الجنرال المتقاعد من مشاة البحرية الأميركية، جون ألين (John Allen)، الذي كان يقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية آنذاك، بماكغورك لدبلوماسيته البارعة في إقناع الحلفاء الأتراك المترددين بالتعاون مع الأكراد العراقيين عام 2014 لصدّ معركة كان من الممكن أن تغير مجرى الحرب في مدينة كوباني السورية. وقال ألين إن تلك كانت "لحظة محورية في الحرب بأكملها" بالنسبة للولايات المتحدة. وأضاف: "لقد أثبت نفسه دبلوماسيًا عظيمًا، ومبتكرًا حقًا، وذو ذكاء حاد. لقد وسّع قدرتي على النجاح بدلًا من أن أكون مقيّدًا".

ومن أبرز إنجازات ماكغورك المهنية تأمين إطلاق سراح جيسون رضائيان (Jason Rezaian)، مراسل صحيفة "واشنطن بوست" في طهران. وكان رضائيان محتجزًا لدى إيران منذ تموز/يوليو 2014، وسُجن في سجن إيفين سيئ السمعة في طهران بعد اتهامه زورًا بالتجسس لصالح الولايات المتحدة. وقال رضائيان: "لقد بذل ساعات طويلة من العمل وسهر ليالي طويلة لإنقاذ أرواح الأميركيين، وأنا واحد منهم. لقد التقيت بالعديد من الأشخاص في مناصب مماثلة لم يسهروا ليلة واحدة في سبيل إنقاذ الأميركيين. ما كنت لأكون هنا لولا بريت ماكغورك، ولست الوحيد الذي يمكنه قول ذلك".

دبّر ماكغورك في كانون الثاني/يناير 2016 صفقة معقدة لضمان إطلاق سراح رضائيان وثلاثة أميركيين آخرين. وافقت واشنطن على إطلاق سراح عدد من الإيرانيين المحتجزين في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، الإفراج الفوري عن 400 مليون دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة بموجب تسوية مالية لا علاقة لها بمفاوضات الرهائن. وكادت الصفقة أن تنهار عندما رفضت إيران السماح لزوجة رضائيان، يغانة صالحي (Yeganeh Salehi)، بالصعود إلى الطائرة المتجهة إلى الحرية مع زوجها. كان ماكغورك في فندق "إنتركونتيننتال" بجنيف مع المفاوضين الإيرانيين. اتصل السفير السويسري بماكغورك معربًا عن مخاوفه الشديدة من أن الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، الذي يُخشى جانبه، قد سيطر على العملية ولن يسمح لصالحي بمغادرة طهران. اقتحم ماكغورك غرفة المفاوض الإيراني وهدد بحجب الأموال، ومنع إطلاق سراح السجناء الإيرانيين، وإفشال الصفقة بأكملها إذا لم يضمنوا مغادرة صالحي لإيران. وقال ماكغورك إنه أخبر الإيرانيين: "لن تحصلوا على شيء حتى يصعد الجميع إلى الطائرة. إذا لم يصعدوا جميعًا إلى الطائرة، فقد انتهى الأمر".

أدّى الإفراج المنسق عن مبلغ 400 مليون دولار، الذي تكتمت عليه إدارة أوباما، إلى انقلاب كارثي على ماكغورك عندما كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن الاتفاق بعد أشهر. واتهم الجمهوريون ماكغورك وإدارة أوباما بدفع فدية ضخمة لإيران سرًا لإتمام الاتفاق. وندد ترامب بالاتفاق مرارًا وتكرارًا خلال حملته الرئاسية في ذلك العام، واصفًا إياه بـ"العار".

وعلى الرغم من أن المال لم يكن جزءًا صريحًا من صفقة الرهائن، إلا أن ماكغورك قال إنه استخدمه نقطة ضغط حاسمة. وقال رضائيان: "هناك فكرة سائدة بأنه شخص بارد وحسابي ولا يبالي. لكن تجربتي معه مختلفة تمامًا، خاصة فيما يتعلق بحياة الأميركيين".

رغم براعة ماكغورك في تعزيز السياسات الأميركية في عهد بوش وأوباما، إلا أنه اصطدم بخلافات جوهرية مع ترامب أثناء عمله مبعوثًا خاصًا له للإشراف على الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كان ماكغورك من بين القلائل من إدارة أوباما الذين أبقاهم ترامب في مناصبهم بعد توليه الرئاسة. أراد ترامب من ماكغورك المساعدة في توجيه ضربة قاضية لما يسمى بـ"خلافة" تنظيم الدولة الإسلامية، وقد فعل. لكن في 19 كانون الأول/ديسمبر 2018، بينما كان المقاتلون المدعومون من الولايات المتحدة في سورية يقاتلون آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية، أمر ترامب فجأة بسحب ما يقدّر بنحو 2000 جندي أميركي كانوا يقدّمون الدعم لحملة مكافحة الإرهاب في البلاد. شعر ماكغورك بالصدمة والاستياء من تخلي الولايات المتحدة عن المقاتلين السوريين الذين دفعوا ثمنًا باهظًا في الحرب. وأعلن وزير الدفاع جيم ماتيس (Jim Mattis) استقالته في اليوم التالي. وحذا حذوه ماكغورك، الذي كان يخطط بالفعل لمغادرة الإدارة في غضون بضعة أشهر للالتحاق بمنصب في جامعة ستانفورد.

رغم أن نفي ماكغورك إلى كاليفورنيا لم يدم طويلًا، فإنه شكّل ارتياحًا للعديد من الدبلوماسيين المحترفين في واشنطن الذين اعتبروه عاملًا مفسدًا للسياسة الخارجية الأميركية. وانتقد معارضوه عدم إتقانه اللغة العربية، قائلين إنه كان يميل إلى أروقة السلطة أكثر من انشغاله بالعالم العربي، مما أعطاه صورة مشوهة عن المنطقة. وقال مسؤول حكومي رفيع سابق: "أعتقد أنه رجل ذكي بذل قصارى جهده في معالجة العديد من القضايا الصعبة للغاية. لكنني لا أعتقد أنه على دراية جيدة بالشرق الأوسط... فهو يعرف القادة والمسؤولين الحكوميين، لكنه لا يعرف عامة الناس خارج الفنادق أو المراكز الحكومية".

انزعج ماكغورك من هذه الأوصاف، وأشار إلى رحلاته المتكررة إلى الخطوط الأمامية للحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية دليلًا على استعداده للمخاطرة بحياته من أجل تعزيز مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقال مسؤولون في إدارة بايدن ممن عملوا مع ماكغورك وشككوا في حكمه إنه، عندما يتعلق الأمر بالحرب بين إسرائيل وحماس، فقد تبنى مساعد البيت الأبيض باستمرار وجهة النظر الإسرائيلية للحرب، وقلّل من شأن تعنت إسرائيل في المفاوضات، وألقى باللوم الأكبر في فشل إنهاء الحرب على حماس.

مع استمرار الحرب في قطاع غزّة حتى عام 2024، بدأ كبار مسؤولي إدارة بايدن في الترويج لفكرة ضرورة وقف البيت الأبيض تسليم بعض الأسلحة الأميركية، في إشارة واضحة تعبّر عن استيائهم من إسرائيل. وقد عارض ماكغورك هذا التوجه، واصفًا إياه لاحقًا في مقابلة صوتية بأنه "ساذج وغير واقعي". بلغت حالة الإحباط في الولايات المتحدة ذروتها في 1 نيسان/أبريل 2024، عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية قافلة مساعدات تابعة لمنظمة "وورلد سنترال كيتشن" (World Central Kitchen) الخيرية التي يديرها الشيف الشهير خوسيه أندريس (José Andrés)، ما أسفر عن مقتل ستة من عمال الإغاثة الدوليين وفلسطيني. وسرعان ما اعترفت إسرائيل بأنها هاجمت السيارات عن طريق الخطأ، وعاقبت عددًا من المسؤولين العسكريين. إلا أن هذه الضربة عززت موقف المسؤولين في واشنطن الذين يحثّون بايدن على تقليص إمدادات الأسلحة إلى إسرائيل.

اتفق بايدن وفريقه، بعد شهر، على خطة متواضعة لوقف تسليم قنابل زنة ألفي رطل إلى إسرائيل مؤقتًا. وكانت تلك المرة الوحيدة التي لم ينتصر فيها رأي ماكغورك. غير أنه كان هو من ضمن إزالة الأسلحة فورًا من شحنة كانت متجهة إلى إسرائيل.

اعتبر ماكغورك القرار خطأً دفع حماس إلى التشبث بموقفها، مما جعل التوصل إلى إنهاء الحرب أكثر صعوبة. وقال: "كانت نقطة مراقبتي الأساسية هي محادثات الرهائن، وعندما أوقفنا شحنة واحدة من الذخائر الثقيلة أو وردت أنباء عن أننا كنا نفكر في أكثر من ذلك، شددت حماس مواقفها أو توقفت عن المشاركة تمامًا".

أكد عدد من المسؤولين السابقين في إدارة بايدن أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة كانت ستكون أسوأ بكثير لو لم تخفف الولايات المتحدة من حدة ردها مرارًا وتكرارًا. وللمقارنة، استشهدوا بقرار ترامب السماح لإسرائيل بمنع وصول أي مساعدات إلى قطاع غزّة وتصعيد غاراتها الجوية الفتاكة.

قال عاموس هوكشتاين (Amos Hochstein)، أحد كبار مستشاري بايدن في البيت الأبيض الذي عمل عن كثب مع ماكغورك: "لم يكن حجم الدمار ضروريًا، لكن نطاق ومستوى حفر حماس للأنفاق كان أوسع بكثير مما تخيله أي شخص. عندما رأينا أنهم يتجاوزون الحدود، تصدينا لهم. أؤكد لكم أن الوضع كان سيكون أسوأ بكثير لو لم نفعل ذلك".

قال ديفيد ساترفيلد (David Satterfield)، الدبلوماسي المخضرم الذي شغل منصب المبعوث الخاص لبايدن للإشراف على المساعدات الإنسانية خلال حرب غزّة، إن الرئيس لم يكن يملك نفوذًا يُذكر للضغط على إسرائيل. ومثل ماكغورك، عارض ساترفيلد استخدام تعليق الأسلحة كأداة، وقال إن بايدن لا يملك النفوذ السياسي اللازم لدى نتنياهو لممارسة ضغط شعبي فعال على الزعيم الإسرائيلي لتغيير مساره. وأضاف: "لقد فعلنا ما اعتقدنا أنه الأفضل، والصواب، في مواجهة فظائع السابع من أكتوبر، وبذلنا قصارى جهدنا لمنع المجاعة. هل كان بإمكاننا فعل المزيد؟ لم تكن الظروف والمعايير اللازمة لبذل المزيد متوفرة في تحليلي خلال إدارة بايدن".

عمل ماكغورك مع فريق ترامب خلال أسابيعه الأخيرة في البيت الأبيض، متنقلًا في أنحاء الشرق الأوسط، وقاد الجهود للتوسط في وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في اليوم الأخير من رئاسة بايدن. استمر هذا الاتفاق الهش شهرين قبل أن تستأنف إسرائيل هجومها. اتفقت إسرائيل وحماس في تشرين الأول/أكتوبر 2025 على وقف أوسع لإطلاق النار، وأعادت الحركة الفلسطينية الرهائن المتبقين الذين احتُجزوا في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن غزّة لا تزال منطقة حرب دامية، حيث يسيطر الإسرائيليون على أكثر من نصفها. وتعيد حماس بسط نفوذها في المناطق الفلسطينية غير الخاضعة لسيطرة إسرائيل. قتلت إسرائيل مئات الفلسطينيين منذ دخول وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 حيز التنفيذ. وقُتل أربعة جنود إسرائيليين في قطاع غزّة خلال تلك الفترة. ولا تزال القضايا الأساسية التي أدت إلى الحرب في قطاع غزّة دون حل.

غادر العديد من كبار مسؤولي إدارة بايدن، الذين ساهموا في صياغة رد الولايات المتحدة على أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مناصبهم وهم يشعرون بندم شديد على ما فعلوه، استنادًا إلى تصريحاتهم العلنية. فقد أعرب كل من سوليفان، ونائبه في البيت الأبيض جون فاينر (Jon Finer)، ومستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس فيليب غوردون (Philip Gordon)، عن أسفهم، ورأوا، بعد فوات الأوان، أنهم كان بإمكانهم بذل المزيد لكبح جماح إسرائيل وإنقاذ أرواح الفلسطينيين في قطاع غزّة. أما ماكغورك، فلم يكن من بينهم.

دافع ماكغورك، بعد مغادرته البيت الأبيض، مرارًا وتكرارًا عن سياسة إدارة بايدن تجاه الشرق الأوسط، مؤكدًا أن المنطقة ستكون في وضع أفضل بحلول 20 كانون الثاني/يناير 2025 مما كانت عليه منذ فترة. وسرد ماكغورك معاييره للنجاح: تحييد إسرائيل لتهديد حزب الله في لبنان، وإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وتراجع الميليشيات في العراق، وإضعاف إيران بفعل الضربات الإسرائيلية، وتعزيز العلاقات الأميركية مع دول الخليج، ووقف إطلاق النار في قطاع غزّة. ومع ذلك، قال ماكغورك في مناقشاتنا: "إن العواقب الإنسانية لهذه الحرب تمزق روح كل من عمل فيها، ومن كل الأبعاد، سواء الرهائن في الأنفاق أو المدنيين المحاصرين في الأعلى".

وقال بعض المسؤولين الأميركيين إن ماكغورك كان له تأثير غير مبرر على تفكير بايدن. وقال مسؤول رفيع آخر في إدارة بايدن: "أشعر بندم كبير حيال سياستنا تجاه الشرق الأوسط، ومن الصعب أن أرى بريت إلا القوة الدافعة الوحيدة وراءها. أعتقد أن فكرة أن الرئيس كان متصلبًا في مواقفه بشأن القضايا التكتيكية غير صحيحة على الإطلاق". لكن مسؤولين بارزين في الإدارة قالوا إن بايدن عُرضت عليه خيارات أكثر صرامة للضغط على إسرائيل، لكنه لم يتبنها. وقال مسؤول ثالث رفيع المستوى في إدارة بايدن: "في نهاية المطاف، لم يكن جو بايدن بمنأى عن الخلافات الحادة حول كيفية التعامل مع مسألة النفوذ وقطع الأسلحة على الإطلاق. لقد اتخذ قراراته".

انتقل ماكغورك سريعًا خارج البيت الأبيض عام 2025. فبعد ثلاثة أسابيع من تولّي ترامب منصبه، انضم إلى شركة رأس المال الاستثماري الجريء "لوكس كابيتال" (Lux Capital) شريكًا. وبعد فترة، بدأ بالظهور بانتظام على شبكة "سي إن إن" محللًا للشؤون العالمية. أما فيما يتعلق بسجله الشخصي، فلا يزال ماكغورك متشبثًا بموقفه. وقال في حزيران/يونيو 2025: "أوجه سؤالًا لمنتقدينا: ما البديل الذي قدمتموه؟ ما البديل لخطة وقف إطلاق النار وإنقاذ الرهائن؟" وأضاف: "بصراحة، لا أسمع بدائل جيدة... أعتقد أن الحكم يجب أن يكون على النتائج الإجمالية".


[1] اختبار نفسي بحيث تُعرض أمام الشخص بقع من الحبر، ثم تُسجل تصوراته عنها وتُحلل باستخدام التفسيرات النفسية (المترجم).