30/04/2026 - 15:44

خط غزّة الأصفر: عن تدمير قطاع غزّة

تُشكّل إعادة الإعمار مصدر نفوذ. فالمشاريع التنموية واسعة النطاق تستغرق سنوات لإتمامها. وبفضل سيطرتها الكاملة على نقاط التفتيش والمحطات، وعلى كل شاحنة من الإسمنت ومواد البناء التي تعبر إلى غزّة، تستطيع إسرائيل ضمان استمرار «مشروع» إعادة الإعمار إلى الأبد...

خط غزّة الأصفر: عن تدمير قطاع غزّة

الخط الأصفر وسط ركام المباني جراء القصف الإسرائيلي في غزّة (Getty)

تُحدّد اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 خمسة أفعال تُشكّل إبادة جماعية إذا ارتُكبت بقصد إبادة جماعة كليًا أو جزئيًا. يتعلق الفعلان الأوّلان بالقتل الجماعي والأذى الجسدي أو الروحي الخطير. أمّا الفعلان الرابع والخامس فيتعلقان بقطع الاستمرارية البيولوجية للجماعة. ويحظر البند الثالث، الوارد في المادة الثانية (ج)، «إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادي». ويشير هذا إلى أشكال القتل غير المباشرة، أي تلك التي لا تستهدف الأجساد البشرية بل البيئة التي تُعيلها. وتتطلب «الظروف المعيشية» الكافية وجود مبانٍ ومستشفيات وبنية تحتية اجتماعية وشبكات صرف صحي ومياه وشبكات كهرباء وزراعة. ويقوّض التدمير أو التدمير المتعمد لهذه البنى قدرة الشعب على البقاء، مما يؤدي إلى شكل أبطأ وأكثر قسوة من الإبادة.

وفي القول بأنّ البيئة المبنية هي التي تُحدّد شروط عيش جماعة ما استحضارٌ للمفهوم الحداثي للهندسة المعمارية، ذاك المفهوم الذي ساد حين صاغ الفقيه القانوني اليهودي البولندي رافائيل ليمكين (Raphael Lemkin) مصطلح «الإبادة الجماعية» لأول مرة في كتابه الصادر عام 1944 بعنوان حكم المحور في أوروبا المحتلة (Axis Rule in Occupied Europe). وقد عرضت الهندسة المعمارية الحديثة إمكانية حساب ظروف الحياة وتحسينها. وكان من المفترض أن تُصمم المدن وفقًا لمبادئ الصحة العامة، وأن تكون المنازل، وفقًا لتعريف لو كوربوزييه (Le Corbusier) الشهير، «آلات للسكنى»، مُعايرة لزيادة إمدادها بالضروريات البيولوجية إلى أقصى حد، كالتدفئة والنظافة والتهوية والغذاء وحتى التكاثر الجنسي.

لا يزال كتاب بيانات المعماريين (Architects’ Data)، المنشور عام 1936 للمعماري الألماني الحداثي إرنست نويفرت (Ernst Neufert)، يُستخدم حتى اليوم من المعماريين الباحثين عن الأبعاد الأمثل للمطابخ وغرف النوم، وحتى مقاعد الحدائق. عمل نويفرت في عشرينيات القرن الماضي مساعدًا لوالتر غروپيوس (Walter Gropius)، مدير مدرسة باوهاوس. وأشرف لاحقًا، نيابةً عن الحزب النازي، على توحيد معايير صناعة البناء في ألمانيا، التي كانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على العمالة المستعبدة. وقد صمّم العديد من خريجي باوهاوس معسكرات اعتقال. أدّى التدهور المتعمد لظروف المعيشة إلى قلب مهمة العمارة الحديثة من تحسين الحياة إلى إنتاج الموت.

عرّف ليمكين الإبادة الجماعية بأنها تهدف إلى «تدمير الأسس الجوهرية لحياة الجماعات القومية». وكان يفكر في الطريقة التي نظر بها النازيون إلى الأحياء اليهودية ومعسكرات العمل القسري بوصفها وسائل إبادة بطيئة وغير مباشرة. وكان يدرك أيضًا الأصول الاستعمارية لهذا النمط من التدمير. فمع أن أعمال المجازر المباشرة وقعت في الأراضي المستعمرة في كل مكان، إلا أن عمليات القتل البطيئة وغير المباشرة كانت في أغلب الأحيان وسيلة لإبادة الشعوب الأصلية. فقد جُرّدت هذه الشعوب من مواطنها الأصلية، وقُطعت عن الأرض التي كانت قوام معاشها وطقوسها، وأُجبرت على العيش في محميات، فدُمّرت لإفراغ أفضل الأراضي للاستيطان الأوروبي.

بعد عامين ونصف من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، دُمّر معظم قطاع غزّة —المدن ومخيمات اللاجئين والمدارس والجامعات والمساجد والبنية التحتية الصحية والزراعة والآبار والتربة نفسها— وتلوّث بفعل القنابل والمدفعية وقذائف الدبابات والأسلحة النارية. وكان الدمار الأكثر منهجية هو ما تسببت به جرافات D9 التي تصنعها شركة كاتربيلر الأميركية. غرست هذه الآلات المدرعة العملاقة شفراتها في الأرض، فخرّبت الحقول واقتلعت البساتين وسوّت المنازل بالأرض ودمّرت الطرق ونبشت المقابر. امتد سيل الدمار من حدود القطاع [إلى أعماقه]، دافعًا الفلسطينيين إلى جيوب يُطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم «المناطق الآمنة» و«المناطق الإنسانية»، مع أنها لم تكن يومًا آمنة أو إنسانية قط. هذه المواقع الساحلية المكتظة، مثل المواصي بكثبانها الرملية الجرداء، كانت تفتقر إلى المساكن والرعاية الصحية والخدمات الأخرى، ولا تنفك تتعرض للقصف الجوي والهجمات البرية. حوّلت الجرافات الأراضي الزراعية الخصبة في شرق قطاع غزّة إلى صحراء قاحلة من الإسمنت الرمادي المسحوق المختلط بالتربة الرملية الصفراء. ومُحيت مدن بأكملها مثل رفح، وبلدات مثل بيت حانون، ومخيمات لاجئين مثل جباليا. فعندما تُقصف المباني أو تُهدم، تُطلق مخلفاتها —من بلاستيك وأسلاك ومذيبات ومواد عازلة وأسبستوس— مواد كيميائية سامّة في التربة. وتخترق بعض القنابل الأرض قبل انفجارها، مطلقةً معادن ثقيلة أو أشباه معادن، مثل اليورانيوم والرصاص والزرنيخ، في أعماق الأرض. وتتحلل العديد من هذه المواد ببطء، مما يؤثر في تركيبة التربة لعقود. لقد تحوّل مشهد كان يعج بالحياة إلى ما وصفه الجنرال الإسرائيلي السابق غيورا إيلاند بأنه مكان «لا يستطيع إنسان أن يعمره».

أدرك ليمكين أن شروط الحياة لا تقتصر على البنية التحتية التي تُمكّن الوجود البيولوجي فحسب، بل تشمل أيضًا الاستمرارية الاجتماعية والثقافية: المباني الدينية والمدارس والمكتبات والمواقع التراثية. وفي قطاع غزّة، هُدم معظم هذه المباني هدمًا منهجيًا. ولم تذكر اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، التي صُدّقت عام 1948، «الإبادة الثقافية» التي جادل ليمكين بضرورة إدراجها. بل حُذفت بنود كاملة من الاتفاقية. أرادت القوى الإمبريالية، مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، التي كانت آنذاك تحاول قمع الانتفاضات المناهضة للاستعمار، تعريفًا للإبادة الجماعية لا يقيّد أنشطتها. كما اعترضت الدول الاستعمارية الاستيطانية، مثل أستراليا والولايات المتحدة وكندا، التي دمّرت التراث المادي والثقافي واللغوي للشعوب الأصلية. لكن الحياة الثقافية والبيولوجية ليستا مجالين منفصلين عندما يتعلق الأمر بالبقاء الوطني. ففي قطاع غزّة، أدّى التدمير الممنهج للبيئة، مثل الحقول ومصادر المياه وصناعة صيد الأسماك، إلى القضاء على قدرة المجتمع على إطعام نفسه. وأدّت الهجمات على المدارس والمساجد إلى إضعاف قدرة المجتمع على التنظيم وتقديم الرعاية المتبادلة للتخفيف من أسوأ آثار نقص الموارد، مما فاقم المجاعة. ومن ثمّ، فإن تدمير المجالين معًا يضاعف الضرر الناجم عن كل منهما.

وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبعد ستة أيام من هجوم حماس على المستوطنات والقواعد الإسرائيلية حول القطاع، أمرت إسرائيل بإخلاء مدينة غزّة، دافعة الفلسطينيين في شمال قطاع غزّة نحو الحدود الجنوبية مع مصر. وأوضحت وثيقة أعدتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية وسُرّبت إلى موقع +972 الإلكتروني سبب هذا القرار، إذ أوصت بطرد الفلسطينيين بالكامل من قطاع غزّة إلى سيناء المصرية، بحجة أن ذلك «سيحقق نتائج إستراتيجية إيجابية طويلة الأمد لإسرائيل». وكان الهدف من تدمير ظروف المعيشة هو تسريع رحيل سكان القطاع، الذي شهد بعدها أكبر حملة قصف جوي في التاريخ، امتدت كالنار في الهشيم من الشمال إلى الجنوب.

كان التهجير الجماعي للفلسطينيين من قطاع غزّة إلى مصر هدفًا للحكومات الإسرائيلية منذ كانون الأول/ديسمبر 1948، عندما حاول الجيش الإسرائيلي لأول مرة، وفشل، في تطهير هذه المنطقة المتبقية على ساحل فلسطين المتوسطي. ثم عاود الكرّة في خمسينيات القرن الماضي، وكثّف جهوده في أعقاب حرب 1967، حين احتلت إسرائيل قطاع غزّة وصحراء سيناء. ومنح هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إسرائيل فرصة أخرى. وقد روّج سياسيون وإعلاميون إسرائيليون لخطط التهجير. وأكد بنيامين نتنياهو أنه يسعى جاهدًا لنقل الفلسطينيين من قطاع غزّة. وبدأ مسؤولون إسرائيليون وبعض المسؤولين الأميركيين ضغوطًا على مصر لقبول أعداد كبيرة من اللاجئين. وطوال ثمانية أشهر، ظل الجيش الإسرائيلي ممتنعًا عن احتلال المنطقة الحدودية قرب رفح، تاركًا المنفذ إلى مصر مفتوحًا.

رفض العديد من الفلسطينيين، الذين ما زالوا يتذكرون عواقب التهجير الجماعي عام 1948، مغادرة منازلهم. وبقوا في أنقاض مدينة غزّة رغم القصف، ورغم منع وصول المساعدات. وفي الوقت نفسه، شددت مصر قبضتها على الحدود، ورفضت السماح بدخول الفلسطينيين جماعيًا، ولم تسمح بالدخول إلا لمن يستطيع دفع مبالغ باهظة. ولمّا لم تحقق هدفها، سعت إسرائيل بدلًا من ذلك إلى حصر الفلسطينيين في رقعة تضيق شيئًا فشيئًا من القطاع، ريثما تتاح الفرصة التالية لتهجيرهم. أما خارج هذه المناطق، فكان الهدف هو التدمير الشامل لمنع عودتهم إلى المناطق التي طُردوا منها.

كان الدمار أشد وطأة قرب حدود قطاع غزّة. يُطلق الجيش الإسرائيلي على المنطقة الحدودية مع إسرائيل اسم «المنطقة العازلة». وهي منطقة محظورة على الفلسطينيين، تُعرف بالعبرية باسم «شِطَح هَشمَدا» أي «منطقة إبادة»: أي فلسطيني يدخلها، أو حتى يقترب منها أحيانًا، يُقتل فورًا. كان من بين الضحايا فلسطينيون، كثير منهم أطفال، أرادوا رؤية ما يمكن إنقاذه من أنقاض منازلهم، أو استعادة مساعدات غذائية أُنزلت بالمظلات، أو تاهوا ببساطة في أرض غريبة عليهم. كان الهدف من تسوية جميع المباني في المنطقة العازلة بالأرض، من بين أمور أخرى، إزالة أي مخابئ وتعريض الفلسطينيين للقناصة. قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان عرض المنطقة يتراوح بين 300 و500 متر. وبعد أسبوعين من الحرب، امتدت إلى كيلومتر واحد. وبحلول ربيع عام 2025، بلغ عرضها كيلومترين؛ وبعد ذلك بوقت قصير، وصل إلى ثلاثة كيلومترات، حيث جُرّفت جميع محتوياتها كلها جرفًا منهجيًا بالجرافات. نظرًا لاتساع المنطقة العازلة، لم يعد بالإمكان استخدام القناصة في كل مكان، فقُتل الفلسطينيون بدلًا من ذلك بواسطة طائرات مسيرة رباعية المراوح مزودة بقاذفات قنابل يدوية. خلال النهار، يسهل رصد الناس على خلفية موحّدة اللون؛ أما في الليل، فترصد أجهزة الاستشعار الحراري للطائرات حرارة أجسامهم.

مثّلت المناطق العازلة، على مرّ التاريخ العسكري، مثل منطقة الراين بعد معاهدة فرساي عام 1919، والشريط الفاصل بين الكويت والعراق عقب حرب الخليج عام 1991، والمنطقة منزوعة السلاح بين كوريا الشمالية والجنوبية، والأرض الواقعة بين قبرص التركية واليونانية، وسيلةً للحفاظ على وقف إطلاق النار من خلال إبقاء الجيوش منفصلة. لكن في العقود الثمانية التي تلت قيام إسرائيل، استُخدمت هذه المناطق العازلة وسيلةً للاحتلال والتهجير والمحو. وبموجب بنود اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل التي أنهت حرب 1948، رُسمت المواقع الأمامية الإسرائيلية على بُعد ثلاثة كيلومترات تقريبًا شرق حدود قطاع غزّة الحالية، كما بيّن المؤرخ ورسام الخرائط الفلسطيني سلمان أبو ستة. يمر الخط عبر قرية معين، مسقط رأسه التي طُرد منها مع بقية أفراد عائلته في 14 أيار/مايو 1948. وسرعان ما أُخليت قرية معين وقرى فلسطينية أخرى، وأُقيمت مكانها مستوطنات الكيبوتسات الزراعية التي هوجمت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وسّع المستوطنون الأراضي الإسرائيلية عبر الزراعة، فأزالوا ما تبقى من منازل الفلسطينيين وطرقهم وحقولهم. ونبشوا المقابر ودمّروها لأنها كانت، في كثير من الأحيان، أماكن يعود إليها الفلسطينيون. وتلقى الجنود والمستوطنون تعليمات بإطلاق النار على أي شخص، مسلحًا كان أم أعزل، يعبر إلى المنطقة.

عرض الملك حسين، ملك الأردن، قبل حرب 1967، سرًا الإبقاء على الضفة الغربية بوصفها منطقة عازلة مقابل تعهّد إسرائيل بعدم غزوها. غير أن إسرائيل احتلت المنطقة. ودعت، بعد الحرب، خطة أمنية شاملة وضعها القائد العسكري السابق يغال آلون (יגאל אלון) إلى ضم شريط من وادي الأردن يتراوح عرضه بين عشرة وخمسة عشر كيلومترًا (يغطي ما يقارب ثلث الضفة الغربية) وتوطينه ليصبح المنطقة العازلة الشرقية لإسرائيل. بدأ التطهير العرقي للمجتمعات الزراعية الفلسطينية في المنطقة بعد ذلك بوقت قصير، واستمر على نحو متقطع منذ ذلك الحين. تسارعت عمليات الطرد تسارعًا كبيرًا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وازدادت حدةً منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث دعم الجيش الإسرائيلي مذابح المستوطنين [ضد الفلسطينيين] وشارك فيها في جميع أنحاء المجتمعات الفلسطينية المتبقية. وكان بتسلئيل سموتريتش قد وعد، في أوائل عام 2025، بأن تصبح القرى والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية «شبيهة برفح وخانيونس»، وأنها ستتحول أيضًا إلى أطلال غير صالحة للسكن، وسيُجبر سكانها على الهجرة والتماس حياة جديدة في ديار سواها.

شهد شمال فلسطين عملية مماثلة؛ إذ عمدت إسرائيل خلال حرب 1967 إلى احتلال مرتفعات الجولان بهدف صريح، وهو إنشاء منطقة عازلة بين الجيش السوري والمستوطنات الزراعية الإسرائيلية في وادي الأردن الأعلى. وأُقيمت مستوطنات أخرى في جميع أنحاء المنطقة المحتلة، وفي عام 1981 ضمتها إسرائيل رسميًا. وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، وبعد سقوط بشار الأسد، وسّع الجيش الإسرائيلي «منطقة دفاع مطهّرة» إلى داخل الأراضي السورية، ما أدى إلى طرد السكان السوريين، وتدمير مبانٍ عسكرية ومدنية، بما في ذلك مستشفى الجولان وسينما الأندلس في القنيطرة، وجرف البساتين والغابات والحقول، وتكديس التربة لبناء مواقع عسكرية وخنادق وسواتر ترابية.

شمل الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان تهجير 600 ألف لبناني من منطقة عازلة جديدة. قصفت إسرائيل جميع الجسور على نهر الليطاني، على بُعد 30 كيلومترًا من الحدود، لعزل المنطقة عن بقية لبنان، وبدأت بهدم القرى الأقرب إلى الحدود هدمًا ممنهجًا. وصرح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأنه لن يُسمح للسكان اللبنانيين بالعودة إلى هذه القرى «إلى حين ضمان سلامة وأمن سكان شمال [إسرائيل]» - وهو مطلب مستحيل. وقد نشرت منظمة استيطانية إسرائيلية خططًا «لاستيطان جنوب لبنان»، ونشرت خرائط تحمل أسماء عبرية للقرى اللبنانية، وعرضت بصورة استفزازية قطع أراضٍ للبيع.

يُجسّد هذا المثال المنطق الدائري للاستعمار الاستيطاني الصهيوني: تُبنى المستوطنات لترسيم حدود الدولة وحمايتها، لكن ذلك يجعلها عرضة للهجوم، فتُنشأ منطقة عازلة لحمايتها. بعد ذلك، تُستوطن هذه المنطقة العازلة بدورها لترسيم الحدود الموسعة حديثًا وحمايتها، وعندها تصبح منطقة عازلة أخرى ضرورية. وعلى هذا النحو يُصطنع الضعف ليُستثمر، في دورة لا تنتهي أطلق عليها الباحث في الإبادة الجماعية أنثوني ديرك موسى (A. Dirk Moses) اسم دورة «الأمن الدائم».

على مدار العامين والنصف الماضيين، لم يكن قطاع غزّة مجرد منطقة هدم، بل كان موقع بناء، أُعيد تشكيله وفقًا لمخطط إسرائيلي. رُصّت بقايا المباني التي جرفتها الجرافات في تضاريس من السواتر الترابية، التي شُكّلت لاحقًا لتصبح حواجز ومراكز احتجاز ومواقع عسكرية، انطلقت منها الدبابات والقناصة الإسرائيليون للسيطرة على المنطقة التي تجمع فيها الناجون. وبلغت الأعمال الترابية من الضخامة حدًا لم تكفِ معه مئتا جرّافة إسرائيلية، إذ تضرر كثير منها بفعل المقاومة الفلسطينية، فاحتاجت إسرائيل احتياجًا ماسًا إلى مئتَين أُخريين. أرجأت إدارة بايدن في أواخر عام 2024 تصديرها، ولم تُرسل إلا بعد تولي ترامب منصبه. استعان الجيش الإسرائيلي في غضون ذلك بشركات خاصة لتشغيل الجرافات، وكثير منهم من مستوطني الضفة الغربية.

قال عامل جرافة إسرائيلي يُدعى أبراهام زاربيف إنه إذا حاول الفلسطينيون العودة إلى المناطق المدمرة، فإنهم «سيعودون إلى العدم. عشرات الآلاف من العائلات تُركت بلا أوراق ثبوتية، بلا صور طفولتهم، بلا بطاقات هوية، لم يبقَ لهم شيء. إذا عادوا، فلن يعرفوا أين منازلهم. كل ما سيجدونه هو الرمال». وقد انعكس محو البيئة العمرانية في تدمير سجلاتها. فقد دُمّرت المخططات البلدية والخرائط التاريخية وسندات الملكية عندما قصفت إسرائيل الأرشيف المركزي لمدينة غزّة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

كتب الشاعر الفلسطيني عمر موسى في ذلك الشهر أن «الاحتلال قد غيّر [...] ملامح القطاع والأماكن». ونقل عن صديق له قوله: «وين رح نتفق نلتقي إن نجون من هذه الحرب؟». بعد الحرب العالمية الأولى، دمرت الإصابات غير المسبوقة في الوجه، الناجمة عن قذائف شديدة الانفجار، إحساس الجنود بهويتهم. ويُقابل ذلك شعور بالضياع والارتباك لدى الفلسطينيين عند رؤيتهم الأماكن التي كانت فيها منازلهم. وظهر شكل جديد من التعذيب النفسي، حيث أُعيد أسرى فلسطينيون معصوبو الأعين إلى أحيائهم القديمة، التي أصبحت الآن ركامًا. وذكر زاربيف: «عندما أزلنا الغطاء عن أعينهم، كانوا في حالة ضياع تام، لم يفهموا أين هم». وقد اختير زاربيف، وهو أيضًا قاضٍ في المحكمة الحاخامية، لإضاءة شعلة في احتفالات عيد استقلال إسرائيل في شهر نيسان/أبريل 2026.

قتلت القوات الإسرائيلية، في ليلة 23 آذار/مارس 2025، خمسة عشر مسعفًا ودفنت جثثهم تحت تحصينات ترابية عالية قرب رفح. تعرض أسعد النصاصرة، وهو مسعف في الهلال الأحمر الفلسطيني، وأحد الناجين الاثنين من الهجوم، للاستجواب والتعذيب داخل حفرة حفرتها الجرافات في مكان قريب. وصف النصاصرة محنته لباحثين من منظمة الهندسة المعمارية الجنائية (Forensic Architecture)، الذين استخدموا وصفه لمحاولة محاكاة التغيرات التي طرأت على المنطقة. فلمّا حُلّت العصابة عن عينيه، أدرك أنهم «غيّروا المكان تمامًا. عندما رأيت المكان، شعرت بالهستيريا. لم أستطع استيعاب أي شيء». لإعادة تمثيل الحادثة، تعاون الباحثون مع إيرشوت (Earshot)، وهي وحدة تحقيق صوتي مفتوحة المصدر، قامت بتحليل صوت إطلاق النار المسجل على هاتف أحد المسعفين القتلى. أخبرني لورانس أبو حمدان (Lawrence Abu Hamdan)، مؤسس إيرشوت، أن الهدم قد غيّر المشهد الصوتي تغييرًا كبيرًا. وقال إن التسجيلات الصوتية لإطلاق النار في المناطق الحضرية عادةً ما تُظهر صدى الصوت من اتجاهات متعددة. أما هنا، فلم يتبقَّ سوى ثلاثة جدران نجت بطريقة ما من الهدم. وقد أتاح المشهد الجديد صدى واضحًا، مما مكّن من إعادة بناء الأحداث من خلال بصماتها الصوتية.

في الأسابيع التي تلت المجزرة، تراكمت الأتربة والأنقاض في المنطقة لتُشكّل سلسلة من المباني المجاورة للموقع. أحاطت هذه المباني بساحة مفتوحة، سرعان ما أصبحت إحدى المجمعات التي تديرها مؤسسة غزّة الإنسانية حديثة التأسيس، وهي منظمة ممولة من رجال أعمال أميركيين وإسرائيليين، يُفترض أنها تولت مهمة توزيع المساعدات الغذائية، متجاوزة بذلك الأمم المتحدة. وقد حشرت مراكز التوزيع التابعة لها الفلسطينيين الجائعين في أربعة مواقع بعينها، جميعها قريبة من مواقع عسكرية إسرائيلية، وثلاثة منها على مقربة من الحدود مع مصر. قُتل المئات على يد جنود إسرائيليين ومرتزقة أميركيين عندما أُجبروا على التنافس على الحصص الغذائية.

دخل وقف إطلاق النار الحالي حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025. وبموجب بنوده، قُسّمت غزّة إلى منطقتين بخط أصفر يمتد تقريبًا على طول حافة المنطقة العازلة، فبات الجيش الإسرائيلي يسيطر على 54% من قطاع غزّة. وبحلول كانون الأول/ديسمبر 2025، حرّكت إسرائيل من جانب واحد الخط غربًا، لترتفع بذلك مساحة سيطرتها إلى 58%. ووصف إيال زامير، رئيس الأركان الإسرائيلي، الخط الأصفر بأنه «الحدود الجديدة» لإسرائيل مع قطاع غزّة.

رُسم الخط على طول سلسلة حيود رملية تمتد بموازاة الساحل، على بُعد حوالي ثلاثة كيلومترات داخل اليابسة. وعلى ارتفاع 70 مترًا تقريبًا فوق مستوى سطح البحر، تُتيح هذه السلسلة للقوات الإسرائيلية السيطرة على الفلسطينيين المجبرين على اللجوء إلى المنطقة القريبة من البحر. وقد شكّل هذا الحيد الرملي أساس الحياة في المنطقة منذ القدم. ففي كل عام، تتآكل ملايين الأمتار المكعبة من الجرانيت من الهضبة الإثيوبية لتتحول إلى رمال تحملها مياه النيل إلى البحر الأبيض المتوسط. ويُرسّب المد والجزر كميات كبيرة من هذه الرمال على طول الساحل الفلسطيني. وتحررت إحدى هذه الكثبان الرملية القديمة منذ آلاف السنين لتُشكّل سلسلة الحيود الرملية، وهي حاجز منيع يمنع انجراف الكثبان الرملية الأخرى شرقًا على طول الساحل. غرب هذه السلسلة، تُهيمن الرمال على المنطقة، بينما شرقها تُعدّ التربة خصبة. ولأجيال عديدة، كانت معظم حقول القمح والشعير في فلسطين تزرعها القبائل البدوية في سهول بئر السبع الخصبة. كان هؤلاء المزارعون من بين 200 ألف فلسطيني طُردوا من أراضيهم وسُجنوا في جيب ساحلي بين مدينتي رفح وغزّة في الأشهر الأخيرة من عام 1948. بقي شريط ضيق من هذه الأرض، يتراوح عرضه بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، داخل حدود قطاع غزّة. وكانت هذه الأرض الخصبة، في العقود الأخيرة، سلة غذاء لقطاع غزّة. أما الآن، فهي تقع بالكامل على الجانب الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من الخط الأصفر.

رصدنا في منظمة الهندسة المعمارية الجنائية ساترًا ترابيًا جديدًا بُني على امتداد جزء كبير من مسار الخط الأصفر، بالإضافة إلى سبعة مواقع عسكرية جديدة. شُيّد أحدها على موقع مقبرة. ويبلغ إجمالي عدد المواقع شرق الخط الأصفر 48 موقعًا. وقد صرّح زامير بأنها قواعد ستُستخدم لشن المزيد من التوغلات في المنطقة الساحلية عند الضرورة. في البداية، لم تكن المواقع الجديدة سوى أكوام من التراب والأنقاض، منظّمة في حظائر ذات أشكال مختلفة. ولكن في الأشهر الأخيرة، رُصفت المناطق المسيّجة والطرق المؤدية إليها بالإسفلت. كما نُصبت أعمدة الكهرباء وأُضيئت الطرق. وشُيّدت مبانٍ جاهزة متراصة داخل القواعد، وتحمل أبراج شاهقة على محيطها معدات الاتصالات والمراقبة. لم تعد هذه القواعد تبدو مثل ترتيبات مؤقتة كما ادّعى ترامب في خطته لوقف إطلاق النار، بل أصبحت أدوات احتلال دائمة. وتربط الطرق المعبدة حديثًا تلك القواعد بمنظومة تحكم موصولة بشبكتي الطرق والاتصالات الإسرائيليتين.

وغرب الخط الأصفر، تسيطر حماس على الوضع. يعيش الناجون بين الأنقاض أو في مخيمات خيام ضخمة. تسبب برد الشتاء القارس، إذ تنخفض درجات الحرارة إلى خمس درجات مئوية، في وفيات بسبب انخفاض حرارة الجسم، خاصة بين الرضع. ويقترب الصيف سريعًا، حاملًا معه حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية. وفي الصيف من الأعوام الماضية، اختنق أطفال تحت أغطية بلاستيكية أو أسقف صفيحية مرتجلة، إذ يُمنع تشييد أي بناء دائم. تُعدّ البرك بيئة خصبة لتكاثر البعوض، وتتراكم أكوام القمامة، وتجري مياه الصرف الصحي بحرية، وتنتشر القوارض في كل مكان، وتمنع إسرائيل دخول المواد الكيميائية والمبيدات الحشرية إلى قطاع غزّة، وهي مما يُعين على معالجة هذه المشاكل. ورغم استعادة بعض الخدمات الطبية جزئيًا بفضل جهود الأطباء الفلسطينيين والمنظمات غير الحكومية الدولية، فإن النظام الصحي يكاد يكون معطلًا. فنقص الأدوية وتدهور النظافة يجعلان حتى أبسط الإصابات بابًا إلى العدوى. وقد توفي أكثر من 40% من مرضى غسل الكلى في القطاع بسبب نقص العلاج. لقد بات سكان قطاع غزّة الناجون يعيشون في ظروف معيشية قاسية، يعانون من الجوع والعطش المستمرين تحت وطأة الطائرات المسيرة والقاذفات. وبتحكمها في حجم المساعدات الداخلة إلى البلاد —وقد توقفت مؤقتًا في آذار/مارس 2026 بعد بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران— تستطيع إسرائيل أن تمسك بأطراف معيشة الفلسطينيين. تُريدهم على أحد أمرين: أن يرحلوا أو أن يموتوا ببطء. ومع ذلك، تُظهر مقاطع فيديو توثق الحياة في غزّة تحت وطأة الإبادة الجماعية أناسًا يطبخون على نار جماعية، ويديرون مدارس في العراء، ويقدمون أطروحات إلى جامعات لم تعد مبانيها موجودة.

تضغط حركة المستوطنين على الحكومة الإسرائيلية لبدء بناء المستوطنات داخل المنطقة العازلة الموسعة ضغطًا كبيرًا. وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلن كاتس أن إسرائيل «لن تغادر قطاع غزّة أبدًا»، وأنها ستحوّل المواقع العسكرية إلى ما يُعرف بـ«مواقع ناحال» المصممة لتتطور إلى مستوطنات مدنية. وقد بدأت بعض المستوطنات حول قطاع غزّة بوصفها مواقع ناحال في أوائل الخمسينيات، كما هو الحال مع العديد من المستوطنات في الضفة الغربية.

بما أن دونالد ترامب نفسه يعارض رسميًا بناء المستوطنات اليهودية في قطاع غزّة، فقد أجبر نتنياهو كاتس على التراجع عن تصريحه. قررت الحكومة الإسرائيلية تبني موقف غامض وكسب الوقت بتأجيل انسحاب الجيش وتعزيز مواقعها وبنيتها التحتية شرق الخط الأصفر. وسيُؤجل تحويل هذه المواقع العسكرية إلى مستوطنات مدنية إلى حين انصراف اهتمام العالم إلى قضايا أخرى.

تُطرح في غضون ذلك خطط تنموية خيالية للتغطية على حقيقة الدمار المستمر الذي يُزهق أرواح الفلسطينيين في قطاع غزّة، التي أصبحت مرتعًا لتجار العقارات والسياسيين. وفي 4 شباط/فبراير 2025، وخلال فترة وقف إطلاق النار التي استمرت شهرين عقب تنصيب ترامب لولاية ثانية، أعلن الرئيس فجأة أن الولايات المتحدة ستسيطر على قطاع غزّة. وقال ترامب إن القطاع يتمتع بموقع استثنائي على البحر، وبأفضل طقس، وسيكون «ريفييرا الشرق الأوسط». وبينما كانت الولايات المتحدة تقلل سابقًا من شأن الدمار، بدأت إدارة ترامب في تضخيمه. لم يكن هذا نابعًا من أي دافع إنساني. فقد وصفت الإدارة قطاع غزّة بأنه «منطقة هدم»، وقالت إن التنمية ستتطلب إخلاءً كاملًا. وسيُشجَّع الفلسطينيون في منطقة التجمع الساحلية على الانتقال إلى «مكان مناسب» في مكان آخر. وستنجز التنمية من تهجير السكان ما فشل الجيش الإسرائيلي في إنجازه أثناء الحرب.

استباقًا لخطة ترامب للريفييرا، اقترحت مصر والسعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة مخططات شاملة خاصة بها. لم يكن هذا نابعًا من دوافع إنسانية، بل كان يهدف إلى ضمان بقاء الفلسطينيين في قطاع غزّة بدلًا من تهجيرهم إلى أراضيهم. وقُدِّم اقتراح لإنشاء «مدينة خضراء ذكية تعمل بالطاقة المتجددة». وكان من الواضح أن الخطة مصممة لإرضاء الإسرائيليين. ودُمجت المنطقة العازلة في الخطة، وصُوِّرت على أنها «مساحة خضراء مفتوحة» يُمنع فيها بناء أي منشآت.

قدمت مجموعة من رواد الأعمال الإسرائيليين في صيف عام 2025 مبادرة أخرى، وهي صندوق إعادة بناء قطاع غزّة، التسريع الاقتصادي والتحول (Gaza Reconstitution, Economic Acceleration and Transformation Trust أو GREAT). وكان القائمون على هذه المبادرة —وهم المستثمر مايكل آيزنبرغ (Michael Eisenberg) ورائد الأعمال التكنولوجي ليران تانكمان (Liran Tankman)، وآخرون— قد اقترحوا وأشرفوا أيضًا على مؤسسة غزّة الإنسانية. واستكمل صندوق GREAT ما بدأته رؤية ترامب للريفييرا، حيث اقترح منتجعًا شاطئيًا «عالميًا»، مع سلسلة من المدن «المدعومة بالذكاء الاصطناعي» في داخله. وكان من المفترض أن يشمل المشروع «طريق محمد بن زايد السريع»، و«دائري محمد بن سلمان»، و«منطقة إيلون ماسك للتصنيع الذكي»، لحث هؤلاء الأفراد على المساهمة في تمويل المشروع. ومن الممكن، حسب هذه الخطة، أن يبقى بعض الفلسطينيين، بينما سيحصل آخرون على مساعدات مالية ضئيلة للانتقال إلى أماكن أخرى.

أتاح وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 فرصة لتحديث هذه الخطة. وضم مجلس السلام نخبة من رموز الاستبداد الشعبوي: فقد انضم إلى ترامب، بصفته رئيسًا مدى الحياة، كل من بنيامين نتنياهو، وخافيير ميلي رئيس الأرجنتين، وفيكتور أوربان (Viktor Orbán) رئيس وزراء المجر [السابق]، ورجب طيب أردوغان رئيس تركيا. وكُلّف ماركو روبيو وجاريد كوشنر وتوني بلير وآخرون بتشكيل لجنة للإشراف على التكنوقراط الفلسطينيين الذين سيديرون الشؤون اليومية في قطاع غزّة. وستتولى هيئة عسكرية جديدة، تُعرف باسم قوة الاستقرار الدولية، زمام الأمور الأمنية. وكما قال لي شعوان جبارين، مدير مؤسسة الحق الفلسطينية لحقوق الإنسان، فإن المقترح لم يتضمن سوى تغيير لفظي في منطق الاحتلال: إذ ستحل قوة الاستقرار الدولية محل الجيش الإسرائيلي بوصفها قوة احتلال.

عرض كوشنر الرؤية المعمارية لمجلس السلام في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. أضاف مشروع شروق الشمس (Project Sunrise) تفاصيل إلى الرؤية الخيالية لريفييرا، من خلال رسومات لـ180 ناطحة سحاب فاخرة، تفصل خلفها سبع مجموعات من المشاريع الحضرية والصناعية، تفصل بينها طرق واسعة تتبع مسار الطرق العسكرية التي أنشأتها إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتقسيم قطاع غزّة إلى مناطق يمكن السيطرة عليها. وإلى الشرق منها تقع المنطقة العازلة المموهة بوصفها منطقة زراعية. امتدت بنية السيطرة المقترحة إلى الفضاء الإلكتروني. استعان ترامب بتانكمان، خريج وحدة الاستخبارات الإلكترونية الإسرائيلية النخبوية 8200، لصياغة خطة إصلاح رقمي شاملة. تضمنت هذه الخطة إعلانًا بأنه بحلول تموز/يوليو من هذا العام [2026]، ستدفع خدمة إنترنت مجانية عالية السرعة جميع التفاعلات الاجتماعية والتبادلات المالية إلى الإنترنت. لم يكن الهدف هو مساعدة الاقتصاد الفلسطيني، بل إخضاع جميع المعاملات المالية والإدارية للمراقبة الإسرائيلية.

بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، تُشكّل إعادة الإعمار مصدر نفوذ. فالمشاريع التنموية واسعة النطاق تستغرق سنوات لإتمامها. وبفضل سيطرتها الكاملة على نقاط التفتيش والمحطات، وعلى كل شاحنة من الإسمنت ومواد البناء التي تعبر إلى غزّة، تستطيع إسرائيل ضمان استمرار «مشروع» إعادة الإعمار إلى الأبد. تُجسّد صورة الأبراج الفاخرة المشيّدة فوق مقابر جماعية، حيث يُفترض أن عشرات الآلاف مدفونون تحتها، منطق الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين. وتأمل الحكومة الإسرائيلية الآن، على حد تعبير الوزير السابق رون ديرمر، أن ما «لم تحققه سنتان من الحرب، ستحققه قوى السوق». ويمكن، على عكس المتوقع، محو الحياة الفلسطينية في غزّة بوسائل معمارية.

رصد باحثون في منظمتنا في كانون الثاني/يناير 2026 أعمال بناء تجري في منطقة مساحتها كيلومتر مربع واحد، محاطة بعدة مواقع عسكرية، على الجانب الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من الخط الأصفر، شرق أنقاض رفح مباشرة. وكشفت وثيقة عسكرية أميركية مسربة أن هذا المشروع تجريبي لبرنامج يُسمى «المجتمعات الآمنة البديلة»، والذي سيوفر مساكن لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، الذين اختيروا بناءً على استعدادهم للتخلي عن حماس، في مجمعات سكنية من منازل جاهزة مزودة بالمياه والصرف الصحي والكهرباء، وستُبنى مساجد ومدارس لتعزيز التطبيع مع إسرائيل بما يتماشى مع المناهج الدراسية المعتمدة في الإمارات. ويُظهر رسم توضيحي لما يُشار إليه باسم «المجمع الإماراتي» تصميم نوع جديد من مخيمات اللاجئين. وُضعت في المخطط وحدات سكنية جاهزة من طابقين —وليست عالية بما يكفي «لتهديد» القوات الإسرائيلية— على طول شوارع واسعة تسمح لدوريات الدبابات الإسرائيلية. وفي المنتصف توجد حديقة كبيرة تحيط بمسجد من طابق واحد. هذا، بدلًا من مساكن فاخرة وشاطئ، هو أقصى ما يمكن أن يأمله الفلسطينيون من خطط إعادة الإعمار. سيدخل السكان ويخرجون من المخيم المسوّر عبر نقاط تفتيش مجهزة بأجهزة استشعار بيومترية. كما تتضمن الخطة تقديم المساعدة للسكان الراغبين في السفر إلى الخارج.

وقد أغفلت هذه المبادرات كلها مخططي فلسطين ومعمارييها، رغم تقدّم كثير من خطط الإعمار الفلسطينية. إحدى هذه الخطط، وهي مبادرة عنقاء غزّة (Phoenix Gaza)، أعدها اتحاد بلديات قطاع غزّة بالتعاون مع مهندسين معماريين فلسطينيين في فلسطين والشتات، وتستند إلى «العلاقات الاجتماعية والمكانية القائمة في غزّة». وتقضي المبادرة بإعادة بناء الأحياء ومخيمات اللاجئين التي هُدمت، والتي يُعد بعضها مثل رفح وجباليا مراكز تاريخية للهوية الوطنية الفلسطينية، منزلًا تلو الآخر، بعد إعادة ترسيخ ملكية الأرض التي مُحيت بعناية. وخلال عملية إعادة الإعمار، سيتم إسكان كل عائلة بالقرب من موقع منزلها المهدوم، وستُشارك المجتمعات المحلية في عملية إعادة الإعمار.

وفي خطط الإعمار المفروضة على الفلسطينيين، الرامية ضمنًا إلى محو حياتهم في قطاع غزّة، برهان على ما دفع ليمكين إلى تخصيص الهندسة المعمارية بمكانة في تصوره لجريمة الإبادة الجماعية. فقد أدرك أن تنظيم الشعب لمكانه مظهر من مظاهر تاريخه وبنيته الاجتماعية. كتب ليمكين في كتابه حكم المحور في أوروبا المحتلة: «للإبادة الجماعية مرحلتان»: تتمثل الأولى في «تدمير النمط القومي للجماعة المضطهدة»، وقد تحقق ذلك في قطاع غزّة من خلال القصف الإسرائيلي المدمر. أما الثانية فتتمثل في فرض تصميم من المستعمِر، كما هو الحال في خطط إعادة الإعمار هذه للقطاع. وكتب أيضًا: «قد يُفرض هذا التصميم بدوره على السكان المضطهدين الذين يُسمح لهم بالبقاء، أو على الأرض وحدها، بعد تهجير السكان واستيطان المنطقة من مواطني المستعمِر أنفسهم».


نُشِر المقال على موقع IRB.