04/05/2026 - 18:55

كيف خرجت كوريا الشمالية من عزلتها؟

تمتلك كوريا الشمالية، خلافًا للمتوقّع، أوراقًا رابحةً عدّة. فقد أثبت كيم جونغ أون براعته بوصفه فاعلًا إقليميًا ماهرًا، وعلى غرار والده وجدّه من قبله، أتقن فنّ التلاعب بجيرانه الأكبر حجمًا، من خلال التملّق لهم وتهديدهم وإحباطهم...

كيف خرجت كوريا الشمالية من عزلتها؟

كوريا الشمالية تختبر صاروخًا جديدًا بحضور كيم جونغ أون (Getty)

لم يكن الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس حزب العمال الكوري في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 مناسبةً احتفاليةً كما كان يتمنى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. فعلى الرغم من الألعاب النارية والاستعراضات الجوية العسكرية وعرض الصواريخ العابرة للقارات الجديدة، بدا كيم وكأنه يمسح دموعه وهو يتقدم نحو المنصة معتذرًا للحشد: «لم تكن جهودي وإخلاصي كافيين لتخليص شعبنا من الصعوبات التي يواجهها». كانت جائحة كوڤيد-19 قاسيةً على معظم الدول، لكنها بدت نذير شؤمٍ خاص لكوريا الشمالية، التي كانت تعاني من انعدام الأمن الغذائي، ونظام رعاية صحية عامة متهالك، واقتصادٍ منهك. وقد تعرض كيم نفسه للإذلال والعزلة، محليًا ودوليًا، بعد فشله في تحقيق تخفيفٍ ضروري للعقوبات خلال قمةٍ رفيعة المستوى مع قادة الولايات المُتحدة وكوريا الجنوبية والصين وروسيا. ويمكن القول إنّها كانت اللحظة الأشد انحدارًا في تاريخ جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية الممتدّ على مدى 78 عامًا.

ومع ذلك، وبعد خمس سنوات فقط، في أيلول/ سبتمبر 2025، كان كيم يبتسم في عرض عسكري مختلف تمامًا —في بكين، حيث وقف إلى جانب الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كان جنود كوريا الشمالية يقاتلون آنذاك جنبًا إلى جنب مع القوات الروسية في أوكرانيا، وبلغت التجارة الكورية الشمالية مع الصين مستويات ما قبل الجائحة، ورُحِّب بكيم ضمن مجموعة موحدة من القادة الذين يواجهون النفوذ الأميركي والغربي. تشهد كوريا الشمالية اليوم، في تحول مذهل للأحداث، صعودًا لم يكن حتى أكثر المحللين خيالًا ليتوقعوه. حوَّل كيم، الذي لم تكن قبضته على السلطة أقوى من أي وقت مضى، نفسه من منبوذ عالميًا إلى فاعلٍ مؤثر عالميًا في وقت قياسي.

جاء هذا التحوّل نتاجَ الظروف والمهارة معًا. كان بزوغُ فجرِ حقبةٍ جديدةٍ من التنافس بين القوى العظمى تطورًا غير مرحَّبٍ به لدى كثيرٍ من الدول الصغيرة والمتوسطة، لكن كوريا الشمالية تفوقت على معظمها بفضل استغلالها لترسانتها النووية لتجنب تَّهميش القوى الكبرى. كما أثبت كيم براعة فريدة في استغلال الفرص والتعامل مع تيارات هذه الجغرافيا السياسية الجديدة. وفي تعامله مع الصين وروسيا، أقدم على مخاطر غير متوقعة أتت ثمارها، كإرسال قوّاته للقتال في حربٍ في أوروبا وتصعيد تطوير الأسلحة النووية.

(Björn Griesbach\ Foreign Affairs)

باتت قدرته على التأثير في الديناميكيات الإقليمية، نتيجةً لذلك، أكبر من أي وقت مضى. تمكَّنت واشنطن في الماضي من التعاون مع بكين وموسكو، وإن كان ذلك على نطاق محدود، لكبح جماح كوريا الشمالية ومنع المواجهة العسكرية. غير أن التحدي الذي تمثّله كوريا الشمالية اليوم بات أشدَّ وطأةً وأطولَ أمدًا. فقد أدَّى تضافرُ التوتر الأميركي الصيني والحربِ الروسية في أوكرانيا، وتزايد انعدام ثقة حلفاء الولايات المتحدة في نوايا واشنطن والتزاماتها، إلى خلق وضع عالمي متقلب وغير قابل للتنبؤ. وهكذا، تُعدّ كوريا الشمالية مؤشّرًا على العقبات التي ستواجهها الولايات المتحدة مع تشكّل هذا النظام الجديد.

رجل الصواريخ

حين تولّى كيم جونغ أون السلطة عام 2011 شابًّا غضَّ الإهابِ في السابعة والعشرين من عمره، كان اقتصاد كوريا الشمالية المُنهَك يعتمد اعتمادًا كبيرًا على المساعدات الخارجية والتجارة مع الصين. أفادت منظمات الإغاثة الدولية منذ أمدٍ بعيد أن أكثر من 40% من مواطني كوريا الشمالية البالغ عددهم 26 مليون نسمة يعانون من سوء التغذية، في حين كان سكان بيونغ يانغ من النخبة ينعمون بالمطاعم ومراكز التسوق. وتوقَّع مسؤولون ومحللون أميركيون آنذاك أن يفشل الخليفة الشاب، الذي يفتقر إلى أي خبرة عسكرية أو قيادية معروفة، إذ توقعوا أن يطيح به كبار السن سريعًا أو أن يُهمّش ليصبح مجرد رمز.

لكن كيم لم يستسلم، بل شنَّ حملات تطهير ممنهجة لإخضاع النخبة وفرض ولاء مُطلَق عليها، وأعدم عمَّه النّافذ واغتال أخاه غير الشقيق علنًا. وكثّف برنامج الأسلحة النووية للبلاد، فأجرى أكثر من 100 تجربة صاروخيّة بين عامَي 2012 و2019، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عدد التجارب التي أشرف عليها والده وجدّه مجتمعين، وأجرى أربعًا من التجارب النووية الست للبلاد، بما في ذلك قنبلة هيدروجينية في أيلول/ سبتمبر 2017 بلغت قوتها التقديرية ما بين 100 و150 كيلو طنًا (للمقارنة، بلغت قوة القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما حوالي 15 كيلو طنًا). وبحلول نهاية عام 2017، كان قد نجح في اختبار صاروخ باليستي عابر للقارات لأول مرة في تاريخ كوريا الشمالية.

اشتدّ التوتر في خريف عام 2017. تبادل كيم جونغ أون والرئيس الأميركي دونالد ترامب الشتائم —إذ وصف ترامب كيم بـ «رجل الصاروخ الصغير»، بينما وصف كيم ترامب بـ«المختل عقليًا»— وحذر ترامب من أن الجيش الأميركي «على أهبة الاستعداد». وتعهد جيمس ماتيس (James Mattis)، وزير الدفاع آنذاك، بـ«رد عسكري هائل» على أي تهديدات كورية شمالية أخرى، وتحدَّث هربرت رايموند ماكماستر (H. R. McMaster)، مستشار الأمن القومي آنذاك، عن «حرب وقائية» ضد كوريا الشمالية. بلغ التوتر ذروته إلى حدّ أنّ الصين وروسيا أيّدتا فرض عقوبات من الأمم المتحدة أكثر صرامة على بيونغ يانغ.

لكن كيم يتمتع بحسٍّ عالٍ في قراءة الأجواء. ففي كانون الثاني/ يناير 2018، أبدى رغبته في حضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية، مما وفّر، بحسب شيلا ميوشي ياغر (Sheila Miyoshi Jager)، الباحثة في التاريخ الكوري، «هدنةً مطمئنةً في لعبة تحدٍّ عالميةٍ مرعبة». وبينما تنفّس العالم الصعداء، تراجع كيم وترامب عن حافة الهاوية، وعقد الزعيمان قمةً غير مسبوقة في سنغافورة في حزيران/ يونيو من ذلك العام، بوساطة مون جاي إن (Moon Jae-in)، الرئيس الكوري الجنوبي آنذاك، الذي أبدى حماسًا كبيرًا. ورغم إعلان ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أنه «لم يعد هناك تهديد نووي من كوريا الشمالية»، فإن الاجتماع لم يُحقق الكثير، وظلت المفاوضات متعثرةً في الأشهر اللاحقة، لتنتهي بفشل القمة الثانية في هانوي في شباط/ فبراير 2019.

كان من الواضح أن اقتصاد كوريا الشمالية يعاني بحلول ذلك الوقت. فقد أفاد البنك المركزي لكوريا الجنوبية أن اقتصاد كوريا الشمالية انكمش بنسبة تتراوح بين أربعة وخمسة بالمئة في عام 2018. وخلال المفاوضات، عرض كيم إغلاق جزء من موقع أبحاث نووية قديم مقابل رفع العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة في عامَيّ 2016 و2017، والتي حظرت صادرات كوريا الشمالية من المنسوجات والمأكولات البحرية والفحم وخام الحديد والعمالة، وقيَّدت وارداتها من المنتجات البترولية المكررة. إلا أن الولايات المتحدة، التي افترضت أن كيم سيعيد توجيه العائدات المستعادة إلى برنامجه النووي، رفضت الصفقة، وعاد كيم إلى بيونغ يانغ مُذَلًّا.

ومما فاقمَ الأمر سوءًا، أن جفافًا قياسيًا هدَّد محاصيل كوريا الشمالية، وضربت البلاد عدة أعاصير. وكان مواطنو البلاد في وضع شديد الهشاشة بالفعل عندما ضربت الجائحة في كانون الثاني/ يناير 2020. وانخفضت التجارة مع الصين، شريان الحياة الاقتصادي لكوريا الشمالية، بأكثر من 80% مع إغلاق الحدود، وتزايدت التوقعات قتامةً بشأن مستقبل البلاد.

الإغلاقات والحملات الأمنية

بيد أنّ كيم ليس ممّن يُضيّعون الأزمات. بل منحته الجائحة مزيدًا من المرونة لتعزيز قبضته على السلطة، وذريعةً ملموسةً لعدم تحقيق أي تقدم في الاقتصاد. ولأن الاختلاط بالعالم الخارجي أصبح فجأةً ليس خطيرًا فحسب، بل قاتلًا أيضًا، استغل كيم الجائحة لطرد الدبلوماسيين الأجانب وعُمّال الإغاثة، وشدّد الإجراءات الأمنية على حدود كوريا الشمالية. وانطلقت آلة دعايته على أشدّها، متخذةً من انتشار كوڤيد-19 استعارةً بليغةً لخطر النفوذ الخارجي.

أتاحت الجائحة لكوريا الشمالية فرصةً اقتصاديّةً فريدة. فقد دأبت بيونغ يانغ على استخدام مخططات إلكترونية خبيثة لسنوات للتخفيف من آثار العقوبات وتوليد إيرادات للنظام. وقد سرقت من الحلفاء والأعداء على حد سواء: إذ أفادت لجنة خبراء الأمم المتحدة، التي شُكّلت عام 2009 للتحقيق في تهرّب بيونغ يانغ من العقوبات، أن قراصنة الإنترنت الكوريين الشماليين جمعوا ما يُقدَّر بثلاثة مليارات دولار أميركي بين عامَي 2017 و2023. وتصاعدت هذه العمليات غير القانونية تصاعدًا كبيرًا في أثناء الجائحة. ومع اضطرار العالم إلى استخدام الإنترنت، شهِدت عمليات الاحتيال والتزوير والاختراقات الأمنية عبر الإنترنت ارتفاعًا ملحوظًا، وكان العديد منها من تنفيذ مجرمي الإنترنت الكوريين الشماليين. حتى أن بعض الكوريين الشماليين حصلوا على وظائف في شركات شرعية في الولايات المتحدة، متظاهرين بأنهم عاملون عن بُعد في مجال تكنولوجيا المعلومات، وكسبوا ما يصل إلى 300 ألف دولار أميركي سنويًا.

حرص كيم على استغلال هذه الأموال على الوجه الأمثل. ولم يتوانَ، رغم أزمة الصحة العامة، عن إيلاء الأولوية لبرنامج الأسلحة النووية، وفي كانون الثاني/ يناير 2021، كشفَ النقاب عن خطة دفاعية طموحة مدتها خمس سنوات لتطوير أسلحة نووية تكتيكية، ورؤوس حربية نووية عملاقة، ومركبات انزلاقية فرط صوتية (hypersonic glide vehicles)، وغواصات تعمل بالطاقة النووية، ومُسيَّرات تعمل تحت الماء (UUVs)، وطائرات استطلاع مُسيَّرة. وقد أثمرت هذه الجهود؛ ففي نيسان/ أبريل 2025، أدلى جنرال القوات الجوية الذي يقود القيادة الشمالية الأميركية بشهادته أمام الكونغرس بأن كوريا الشمالية اختبرت صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات يعمل بالوقود الصلب، والذي يُحتمل أن يكون قادرًا على «إيصال رأس نووي إلى أهداف في جميع أنحاء أميركا الشمالية».

منبر التنمر في بكين

رأى كيم، إذ بلغ نظامه ذروة قوته في الداخل، فرصًا سانحة في الخارج. تصاعدت حدّة المنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، وكانت بيونغ يانغ على دراية تامة بقلق بكين في ظل سعي إدارة بايدن لتعزيز العلاقات مع الحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بعد توليها السلطة مطلع عام 2021. ورغم أنه ليس من المستغرب أن تميل بيونغ يانغ إلى التقارب مع بكين أكثر من واشنطن، إلا أن إعلان كيم عن دعم أكثر حماسة للصين وردّه على خطوات اتخذتها الولايات المتحدة لا علاقة لها بكوريا الشمالية كان خروجًا ملحوظًا عن المألوف.

فقد أعرب كيم، على سبيل المثال، في مطلع آذار/ مارس 2021، في رسالة إلى شي جين بينغ عن حاجتهما المشتركة إلى «مواجهة التحديات الشاملة والتحركات المعرقلة للقوى المعادية»، في إشارة إلى سياسة إدارة بايدن الجديدة الرامية إلى تعزيز التعاون مع الحلفاء والشركاء لمواجهة أعمال بكين القسرية في آسيا وخارجها. ثم في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، انتقد النظامُ الكوريُّ الشماليُّ بشدةٍ الولاياتِ المتحدةَ لتأجيجها التوترات العسكرية في مضيق تايوان من خلال تنفيذ ما يسمى بعمليات حرية الملاحة وتزويد تايوان بالأسلحة. ولأول مرة منذ عقود، أصدرت بيونغ يانغ بيانات تدعم مواقف بكين بشأن تايوان. وفي آب/ أغسطس 2022، ندَّد متحدث باسم وزارة الخارجية الكورية الشمالية بزيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك، نانسي پيلوسي، إلى تايوان، قائلًا إن تايوان «جزء لا يتجزأ من الصين» وأن الولايات المتحدة هي «السبب الجذري لزعزعة السلام والأمن في المنطقة».

أدانت بيونغ يانغ أيضًا اتفاقية «أوكوس» (AUKUS)، وهي اتفاقية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، والتي بموجبها تزود الولايات المتحدة أستراليا بغواصات تعمل بالطاقة النووية، واصفةً إياها بأنها «عمل بالغ الخطورة». وانتقدت أيضًا القمة الثلاثية التي عقدتها واشنطن عام 2022 مع اليابان وكوريا الجنوبية، وهي الأولى منذ خمس سنوات، واصفةً إياها بأنها «مقدمة خطيرة لإنشاء نسخة آسيوية من حلف الناتو». وفيما يتعلق بحلف الناتو نفسه، قالت بيونغ يانغ إن هذا التكتل «تحالف صداميّ» يهدف إلى تثبيتِ «حصار عبر المحيط الهادئ لاحتواء الصين وعزلها».

كانت هذه كلها وسائل خطابيّة منخفضة المخاطر والتكلفة، تُظهِر بها كوريا الشمالية دعمها للصين. وباعتبارها دولة صغيرة وفقيرة، لم يكن لديها الكثير لتقدمه لجارتها العملاقة. ولكن بالنظر إلى تدهور علاقاته مع واشنطن وسيول، كان كيم بحاجة إلى إبقاء شي جين بينغ في صفِّه. وكما في الماضي، ربما كان كيم يأمل أن تؤدي العلاقات الودّية مع الرئيس الصيني إلى تخفيف بكين من تطبيق عقوبات الأمم المتحدة، وإعاقة أي تنسيق محتمل بين بكين وواشنطن بشأن نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية.

أوفت بكين بوعدها؛ فرغم توقيع الصين على عقوبات الأمم المتحدة، قدّمت لبيونغ يانغ شريان حياة في عام 2020، شمل، وفقًا لتقارير الاستخبارات الأميركية والأممية، 32 حالة تهريب وقود، و555 حالة سفن تحمل بضائع محظورة من الأمم المتحدة من كوريا الشمالية إلى الصين، و155 حالة سفن فحم ترفع العلم الصيني تسافر إلى كوريا الشمالية وتعود إلى الصين محملة بشحنات غير مشروعة. ويبدو أن بكين، التي لطالما أولت الاستقرار على طول حدودها أولوية قصوى، كانت قلقة بشأن تأثيرات الجائحة على الوضع الداخلي في بيونغ يانغ. أراد شي جين بينغ إبقاء كيم جونغ أون تحت مراقبته.

استفاد كيم أيضًا من تراجع التعاون الأميركي الصيني بسبب التنافس الإستراتيجي. وكثيرًا ما دعا المسؤولون الصينيون الولايات المتحدة إلى «ضبط النفس»، زاعمين أن لكوريا الشمالية مخاوف أمنية «مشروعة»، وحمّلوا واشنطن وسيول مسؤولية إجراء مناورات عسكرية مشتركة في المنطقة وتأجيج التوترات. وكان هذا كله بمثابة موسيقى طربية لآذانِ لكيم.

الانعطاف باتجاه بوتين

لطالما استاء كيم، على غرار والده من قبله، من اعتماد بلاده المفرط على الصين، رغم محاولاته استمالةَ بكين. ويزداد الوضع تعقيدًا لأن بكين تُفضّل الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، وقد استخدمت نفوذها الاقتصادي لكبح استفزازات النظام. ففي عام 2003، على سبيل المثال، قطعت الصين إمدادات النفط عن كوريا الشمالية لمدة ثلاثة أيام بعد أن أجرت بيونغ يانغ تجربة صاروخية في المياه الواقعة بين شبه الجزيرة الكورية واليابان.

ولم يتردّد كيم مع ذلك في تأكيد استقلاله أمام شي جين بينغ. ففي أيار/ مايو 2017، على سبيل المثال، استفز شي بإجراء تجارب صاروخية باليستية قرب الحدود مع الصين قبل استضافة شي لمنتدى الحزام والطريق. وحتى مع سعي كيم لكسب ودّ بكين وعرض دعمه لها في بداية الجائحة، كان يبحث عن سبل للحفاظ على استقلاليته.

تضافر الحظُ مع الاستعداد حين شنّت روسيا حربها غير المشروعة على أوكرانيا عام 2022. كانت علاقات بيونغ يانغ بموسكو فاترةً منذ نهاية الحرب الباردة، لكنّ كلا الجانبين رأى فائدةً في الحفاظ عليها: أراد بوتين أن يكون له دور فاعل في شمال شرق آسيا، وكان كيم ينظر إلى بوتين دائمًا كوسيلة لتحقيق التوازن في علاقاته مع الصين وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. وقد خلق احتياج روسيا الماسّ للدعم العسكري في حربها ضد أوكرانيا بيئة مواتية غير مسبوقة مكّنت كيم من إثبات جدواه.

نشرت واشنطن في أيلول/ سبتمبر 2022، أي بعد سبعة أشهر من اندلاع الحرب، معلومات استخباراتية رُفعت عنها السرية تحذر من أن روسيا تسعى لشراء ملايين قذائف المدفعية والصواريخ من كوريا الشمالية، ما يشير إلى أن موسكو كانت تعاني من ضغوط شديدة جراء العقوبات الدولية، ما اضطر بوتين إلى طلب المساعدة من كوريا الشمالية. وبحلول صيف وخريف 2023، ووفقًا لتقديرات الجيش والاستخبارات الكورية الجنوبية، كانت كوريا الشمالية قد شحنت إلى روسيا صواريخ باليستية قصيرة المدى، وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ محمولة مضادة للطائرات، بالإضافة إلى أكثر من مليون قذيفة مدفعية كورية شمالية.

نفت بيونغ يانغ في البداية أي تورط، ربما لتعزيز نفوذها لدى موسكو والحفاظ على أقصى قدر من المرونة في خطواتها اللاحقة. لكن سرعان ما أثبت الدعم المادي الذي قدمته كوريا الشمالية لروسيا أنه تطور بالغ الأهمية لكيم، إذ سعى إلى ترسيخ مكانته كجزء من كتلة أكبر من القوى التي نصّبت نفسها مناهضة للغرب والإمبريالية. وفي أيلول/ سبتمبر 2023، قام كيم بأول رحلة له خارج البلاد منذ بداية الجائحة إلى منشأة لإطلاق الصواريخ الفضائية في أقصى شرق روسيا. ووفقًا لوكالة أنباء روسية رسمية، أمضى كيم وبوتين ما لا يقل عن أربع ساعات معًا، حيث عرض بوتين مساعدة تقنية في مجال الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى إمكانيات التعاون العسكري، بينما أيّد كيم «العملية العسكرية الخاصة» الروسية في أوكرانيا و«الحرب ضدّ الإمبريالية».

سافر بوتين في حزيران/ يونيو 2024 إلى بيونغ يانغ، حيث رفع الزعيمان مستوى علاقتهما إلى «شراكة إستراتيجية شاملة»، وتعهّدا بتقديم المساعدة العسكرية إذا تعرّض أيّ من البلدين لغزوٍ من دولة ثالثة. وقد شكّل هذا الاتفاق اللافت، الذي يُذكّر ببنود اتفاقية عام 1961 بين الاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية، نقطة تحول في الدعم الكوري الشمالي لبوتين. وبحلول نهاية عام 2024، كانت بيونغ يانغ قد أرسلت 11 ألف جندي إلى روسيا لمحاربة أوكرانيا، بالإضافة إلى أكثر من 20 ألف حاوية شحن محملة بالذخائر، بما في ذلك ما لا يقل عن ستة ملايين قذيفة مدفعية ثقيلة و100 صاروخ باليستي، وذلك وفقًا لرصد الولايات المتحدة وحلفائها.

كان بوتين في غضون ذلك يُزوّدها على الأرجح، فضلًا عن إمدادها بالأسلحة والقوات، بالنفط ودقيق القمح والسكر والأسماك وفول الصويا، ويساعدها على الوصول إلى النظام المالي العالمي ودفع أجور عمالها في انتهاك لعقوبات الأمم المتحدة. وبحلول نهاية عام 2024، تبادل البلدان أيضًا وفودًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والاستخبارات والعلوم والتكنولوجيا والرياضة والزراعة والثقافة.

لم يعترف كيم علنًا بإرساله قوات إلى روسيا «لإبادة المحتلين الأوكرانيين النازيين الجدد» إلا في نيسان/ أبريل 2025. ومن المرجح أن هذه الخطوة كانت مدفوعة جزئيًا بعجز كيم عن إخفاء الخسائر الكورية الشمالية المقدرة بنحو 6000 قتيل في الحرب، ولكن أيضًا بنجاحات القوات الروسية والكورية الشمالية في ساحة المعركة، مما منحه فرصة دعائية كبيرة أخرى.

كوَّنَ صداقات جديدة، واحتفظَ القديمة

بالنسبة لكيم، الذي طالما كان يُنظر إليه كزعيم مُهمّش لدولة مارقة، شكّل التحالف مع بوتين إنجازًا كبيرًا. كما أن قدرته على تصوير كوريا الشمالية كشريكة في مشروع مُعادي للغرب منحته هالة من الشرعية الأيديولوجية بين شعبه وعلى الصعيد العالمي، إذ أصبحت بلاده الآن تحظى بدعم عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي. وقد أثمر هذا التحالف عن فوائد ملموسة؛ فعرقلت روسيا والصين، على سبيل المثال، جهود مجلس الأمن في عام 2022 لتشديد العقوبات على بيونغ يانغ. كما تحالفتا في عام 2024 لتعطيل عمل لجنة خبراء الأمم المتحدة، مستخدمتين حق النقض (الڤيتو) ضد قرار لمجلس الأمن بتمديد ولايتها.

مع ذلك، ورغم تصريح بوتين وشي بأن صداقتهما «بلا حدود»، فمن المرجح أن بكين انزعجت من تقارب كوريا الشمالية الجديد مع روسيا. ولم ترضَ الصين أن تتخلف عن الركب، بل ذكّرت بيونغ يانغ بمركز ثقلها الاقتصادي، فزادت تجارتها مع كوريا الشمالية بأكثر من 25% بين عامي 2024 و2025. ولتأكيد نفوذ بكين على جيرانها، دعا شي كيم لحضور العرض العسكري لعام 2025، وأبرزه على نحوٍ لافت في البرنامج. وقد ساهمت هذه البادرة بصورةِ كبيرةٍ في تقويض عزلة كيم: إذ لم يرِد ذِكر نزع السلاح النووي في الملخص الرسمي لاجتماعهما الثنائي الخاص، كما كان الحال في البيانات الصينية السابقة، مما يوحي بأن الصين مستعدة للاعتراف بكوريا الشمالية بوصفها قوة نووية.

حقّق الجيش الكوري الشمالي في غضون ذلك مكاسب سريعة بفضل استخدام روسيا لصواريخها ومدفعيتها وجنودها. وفي نيسان/ أبريل 2025، أدلى قائد القوات الأميركية في كوريا بشهادته قائلًا إن الخبرة الروسية «ستُمكّن من تطوير برنامج أسلحة الدمار الشامل [الكوري الشمالي] خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة». ورغم وجود بعض المشاكل في صواريخ كوريا الشمالية في البداية، صرّح رئيس الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية في آب/ أغسطس 2025 بأن «دقتها، للأسف، قد تحسّنت بعد التحديث الروسي».

تتوالى التقارير مُسلِّطةً الضوء على أشكال جديدة من التعاون. وقد خلصت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إلى أن كوريا الشمالية تُزوّد الجيش الروسي حاليًا بما يصل إلى 40% من ذخائره. كما كشف فريق بحث بريطاني أن القوات الروسية تستخدم ذخائر عنقودية كورية شمالية غير معروفة سابقًا في طائراتها الهجومية المسيّرة. ووفقًا لمسؤولين في وزارة الدفاع الأوكرانية، فإن القوات الكورية الشمالية تُصبح أكثر كفاءة في القتال. فقد صرّح قائد كتيبة هجومية أوكرانية لإذاعة NPR العام الماضي بأن الكوريين الشماليين يتعلمون الحرب الإلكترونية، وأنهم «انتقلوا من استخدام تكتيكات الحرب العالمية الثانية إلى إدارة العمليات في ساحة المعركة باستخدام الطائرات المسيّرة».

بفضل جيشها المحسَّن، واقتصادها المنتعش، وعلاقاتها الجديدة المتنوعة على المستويين الإقليمي ودون الوطني، تتمتع بيونغ يانغ بمرونة إستراتيجية وتكتيكية أكبر من أي وقت مضى. بعبارة أخرى، يُشكّل كيم تهديدًا غير مسبوق للمنطقة.

جسُّ النبض

يبقى من غير المرجح أن يُقدم كيم على غزوٍ مباشر لكوريا الجنوبية، الأمر الذي قد يُثير رد فعلٍ انتقامي من سيول وواشنطن يؤدي إلى نهاية النظام. كيم جريء وانتهازي، وليس انتحاريًا. ولكن بالنظر إلى مكانته وقوته الجديدتين، فمن المرجح الآن أن يُهدد جيرانه ويُجبرهم، الأمر الذي سيُخلق معضلات إستراتيجية للولايات المتحدة. فقد يشنّ كيم، على سبيل المثال، عمليات عسكرية —سرية وعلنية— لاختبار التحالف الأميركي الكوري الجنوبي وقياس ردّ فعل بكين وموسكو. سبق لكوريا الشمالية أن نفَّذت مثل هذه العمليات ضد سيول، لكن من المرجح أن يكون الجمع بين الدعم المادي والتقني من موسكو، والشعور بأن إدارة ترامب قد قللت من التزامها بالتحالفات، قد زاد من ثقة كيم ورغبته في المخاطرة.

خُذ البحر الأصفر مثالًا. فهو موطن خط الحدود الشمالي (NLL)[1]، الذي يمثّل الحدود البحرية الفعلية بين كوريا الشمالية والجنوبية، وهو غني بالموارد السمكية وقريب من موانئ كورية جنوبية رئيسة، فضلًا عن مراكز سكانية كبيرة. إلا أن بيونغ يانغ لم تعترف قط بخط الحدود الشمالي، ولطالما كان مصدرًا لغضب كوريا الشمالية ومسرحًا للعديد من المناوشات الانتقامية.

يبدو أن كيم عازمٌ الآن على ممارسة المزيد من الضغط على شرعية خط الحدود الشمالي. فقد وصفه بأنه «خط وهمي»، ويبدو أنه يستلهم من أنشطة بكين في «المنطقة الرمادية» في بحر الصين الجنوبي، ويختبر مدى تسامح سيول مع التوغلات. ففي أيلول/ سبتمبر 2025، على سبيل المثال، عبرت سفينة تجارية كورية شمالية خط الحدود الشمالي، ما استدعى بثّ تحذيرات وإطلاق طلقات تحذيرية من كوريا الجنوبية. وبزعمه أن بيونغ يانغ سترد على أي «غزو» عبر الحدود البحرية باعتباره «انتهاكًا لسيادة [الشمال] واستفزازًا مسلحًا»، أشار كيم إلى استعداده لتحدي الوضع الراهن، حتى لو كان ذلك يُنذر بخطر اندلاع صراع عسكري.

تؤكّد سلسلةٌ من الإجراءات والتصريحات الرسمية لكوريا الشمالية ميلَ كيم المتزايد إلى المخاطرة. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، على سبيل المثال، أطلقت كوريا الشمالية ما يقارب عشرين صاروخًا باليستيًا من سواحلها الشرقية والغربية، ظاهريًا ردًّا على مناورات عسكرية روتينية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وسقط أحد الصواريخ في المياه الإقليمية لكوريا الجنوبية على بُعد أقل من 40 ميلًا من مدينة سوكتشو الكورية الجنوبية. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الأمر منذ الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.

أطلق كيم في المجمل ما يقرب من 70 صاروخًا في عام 2022 وحده، وهو أكبر عدد في تاريخ كوريا الشمالية. ثم، في أواخر عام 2023، تخلى كيم عن سياسة والده وجده المتمثلة في إعادة التوحيد السلمي، وأعلن كوريا الجنوبية «دولة معادية».

وصعّدت كوريا الشمالية تهديداتها النووية؛ ففي تموز/ يوليو 2022، وفي خطاب حادّ موجَّه إلى الولايات المتحدة ويون سوك يول (Yoon Suk Yeol)، الرئيس الكوري الجنوبي آنذاك، زعم كيم جونغ أون، وفقًا لوسائل الإعلام الرسمية، أن البرنامج النووي لكوريا الشمالية «جاهز لتعبئة قوته المطلقة بدقة وسرعة». وعندما وصلت حاملة طائرات أميركية تعمل بالطاقة النووية إلى كوريا الجنوبية لإجراء مناورات بحرية ثلاثية مع اليابان في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ردَّت بيونغ يانغ بتهديدات باستخدام الأسلحة النووية استباقيًا. وبعد الكشف عن مدمرة بحرية جديدة —أكبر سفنها الحربية— في نيسان/ أبريل 2025، والتي تفاخر كيم بقدرتها على حمل صواريخ نووية، أجرت كوريا الشمالية محاكاة لهجوم نووي مضاد ضد القوات الأميركية والكورية الجنوبية.

ظلّت القوة العسكرية لكوريا الجنوبية، المدعومة بالمظلة النووية الأميركية والقوات المسلحة المتمركزة في البلاد، رادعًا لأيّ عدوان كوري شمالي سنواتٍ طويلةً. لكن مع تحسّن القدرات المكتسبة من موسكو والتقدم المحرز في برنامجه النووي، من المرجح أن حسابات كيم قد تغيرت.

كما أشار تقرير استخباراتي وطني أميركي في كانون الثاني/ يناير 2023، فإن كيم «قد يكون مستعدًا لتحمل مخاطر عسكرية تقليدية أكبر، معتقدًا أن الأسلحة النووية ستردع أي رد فعل أميركي أو كوري جنوبي قوي غير مرغوب». وأشار التقرير أيضًا إلى أن الزعيم الكوري الشمالي سيكون أكثر جرأة إذا كان واثقًا من أن الصين وروسيا لن تعارضاه.

عودة كيم

يمتلك كيم ترسانة جديدة من المناورات الدبلوماسية يُخفّف بها ردود الفعل السلبية الناجمة عن تحركاته العسكرية الرامية إلى تغيير الوضع الراهن. لنفترض سيناريو تتصرف فيه كوريا الشمالية بعدوانية في البحر الأصفر، ربما بإرسال عدد كبير من السفن الحربية والتجارية عبر خط الحدود الشمالي ومضايقة قوارب الصيد الكورية الجنوبية، مع إعلانها مجددًا أن بيونغ يانغ لا تعترف بالهدنة الكورية ولا بشرعية الحدود البحرية.

وقد يتبادل الجانبان إطلاق النار، كما في الماضي. ولكن على عكس الاشتباكات التي وقعت في أعوام 1973 و1999 و2002 و2009 و2010، تمتلك كوريا الشمالية اليوم أسلحة أكثر تطورًا وتنوعًا. قد يُهدد كيم أو يُلمّح إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية في هذا المأزق، مما سيُعقِّد التنسيق بين الجيشين الكوري الجنوبي والأميركي. وقد يتحوّل حينها إلى الحوار الدبلوماسي مع ترامب —لا بشأن نزع السلاح النووي، بل بشأن وضع خطّ الحدود الشمالي— مُثيرًا بذلك شكوك كوريا الجنوبية في التزام الولايات المتحدة بالتحالف وبتوسيع نطاق الردع وبنزع سلاح كوريا الشمالية.

تعارض بكين عادةً، من جانبها، أيّ مواجهة عسكرية من هذا القبيل، لكنها ستدعم على الأرجح الحوار بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، لا سيما إذا أضعف ذلك تحالف واشنطن مع سيول. وبذلك، قد يحقق كيم نصرًا مهمًا: التوغل عبر خط الحدود الشمالي مع صرف الأنظار عن برنامجه النووي.

وله أن يستخدم أوراقه الدبلوماسية بطرق أخرى أيضًا. لإظهار أهميته لبوتين، على سبيل المثال، يمكن لكيم بدء محادثات مع كوريا الجنوبية كوسيلة ضغط للحد من دعم سيول لأوكرانيا. قدَّمت سيول ما يقرب من 400 مليون دولار أميركي على شكل مساعدات لإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية لأوكرانيا في عام 2024، وتعهَّدت بأكثر من ملياري دولار أميركي على شكل قروض منخفضة الفائدة وتوسيع التعاون الاقتصادي. من المرجح أن يؤدي تقليص الدعم لأوكرانيا إلى توتر علاقات كوريا الجنوبية مع أوروبا، ولكن إذا أبدى كيم مبادرات إيجابية تجاه سيول، فإن إدارتها الرئاسية التقدمية —الحزب الذي يفضل تقليديًا نهجًا أكثر ليونة مع بيونغ يانغ— ستجد صعوبة في تجاهلها، لا سيما وأن العلاقات بين حكومتي شبه الجزيرة الكورية مجمدة منذ عام 2019. من المرجح أن يرحب الرئيس لي جاي ميونغ بفرصة مواصلة الدبلوماسية بين الكوريتين، بما في ذلك استئناف لم شمل العائلات التي فرقتها الحرب الكورية. سيخرج كيم من هذه العملية بمزيد من الوقود أو تقنيات عسكرية أكثر حساسية من روسيا، بينما سيضمن بوتين انخفاض الدعم لأوكرانيا. سيستفيد كلاهما من إحداث شرخ بين كوريا الجنوبية وأوروبا.

وبالنظر إلى عدم توافق مصالح الصين وروسيا في شبه الجزيرة الكورية —إذ تسعى بكين إلى الاستقرار، بينما ترغب موسكو في تشتيت الانتباه— توجد سيناريوهات أخرى لا حصر لها يمكن لكيم أن يستغلها للتأثير على شي وبوتين. في الواقع، من المهم التذكير بأن هذه الشراكة الثلاثية، رغم مظاهرها الاحتفالية، تشوبها الشكوك. فعلى سبيل المثال، حصلت صحيفة نيويورك تايمز على تقرير استخباراتي روسي وصف الصين بأنها «عدوًا» وحذَّر من التجسس الصيني.

يُعرب مسؤولون وخبراء صينيون في غضون ذلك، في محادثات خاصة مع نظرائهم الأميركيين، عن قلقهم بشأن أنواع التكنولوجيا العسكرية التي قد تُشاركها روسيا مع كوريا الشمالية، وكيف يُمكن أن يُشجع ذلك كيم جونغ أون على اتخاذ إجراءات تصعيدية. ويريدون أن تُدرك الولايات المتحدة أن الصين لا تُؤيد توثيق العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية. وكما صرّح تشو فنغ (Zhu Feng)، عميد كلية العلاقات الدولية بجامعة نانجينغ، لوكالة أسوشيتد برس: «على الرغم من أن العلاقات الروسية الكورية الشمالية قد استؤنفت لتُصبح تحالفًا عسكريًا، إلا أن الصين ترفض العودة إلى ما كانت عليه في عام 1950».

يستطيع كيم أن يجرّ شي وبوتين بسهولة إلى موقفٍ لم يختاراه، ولا يصبّ في مصلحة أيٍّ منهما. فالصين، على سبيل المثال، لا تزال تتمتع بنفوذ اقتصادي كبير لدى كوريا الشمالية، لكن كيم قد يستغلّ قلق بكين إزاء النفوذ الروسي المتزايد لانتزاع المزيد من التنازلات. وإذا نفد صبر كيم من مستوى المعدات العسكرية والخبرات التي يتلقاها من روسيا —إذ تقوم كوريا الشمالية باختراق وزارة الخارجية الروسية وشركات الدفاع منذ عام 2022 على الأقل، ما يشير إلى أن كيم قد لا يكون راضيًا عن مستويات الدعم الحالية— فقد يخفّض دعمه للحرب في أوكرانيا ويقوّض المجهود الحربي لبوتين.

لم تعد كُوريا مُنعزلة

تمتلك كوريا الشمالية، خلافًا للمتوقّع، أوراقًا رابحةً عدّة. فقد أثبت كيم جونغ أون براعته بوصفه فاعلًا إقليميًا ماهرًا، وعلى غرار والده وجدّه من قبله، أتقن فنّ التلاعب بجيرانه الأكبر حجمًا، من خلال التملّق لهم وتهديدهم وإحباطهم. ونظرًا للتغيرات الجذرية التي طرأت على الأوضاع الداخلية والخارجية لكوريا الشمالية خلال السنوات الخمس الماضية، فإن تصرفاته باتت قادرة على تحدي الوضع الراهن، وبثّ البلبلة، وتقويض المصالح الأميركية على نطاق بعد بكثير عن شبه الجزيرة الكورية.

عرضت واشنطن في الماضي تخفيف العقوبات، وتقديم مساعدات اقتصادية وإنسانية للتواصل مع بيونغ يانغ وكبح جماحها. أمّا الآن، فإن اختارت الولايات المتحدة إحياء الحوار، فعليها أن تستعدّ لتقديم ما هو أكثر من ذلك بكثير. يمتلك كيم شبكات جديدة، وقدراتٍ جديدةً، وقبولًا ضمنيًا بأنّ كوريا الشمالية ستظلّ قوةً نوويةً. يجب على واشنطن أن تأخذ في الحسبان هذا المشهد الجيوسياسي الجديد، لأنه أيًّا كانت الطريقة التي يختارها كيم لتحقيق أهدافه، سواء عبر الوسائل الدبلوماسية أو العسكرية أو مزيج منهما، فإنّ ما يحدث في شبه الجزيرة الكورية لن يبقى حبيسًا فيها.


[1] خط الحدود الشمالي (Northern Limit Line)، خطُّ بحريّ رسمته الأمم المتحدة من جانب واحد بعد هدنة 1953؛ ترفض كوريا الشمالية شرعيته منذ ذلك الحين (المُترجم).