07/06/2026 - 16:54

إستراتيجية إيران الكبرى الجديدة: كيف ستعيد الجمهورية الإسلامية تشكيل الشرق الأوسط؟

لا تُعرَّف الجمهورية التي انبثقت عن الحروب الأميركية الإسرائيلية بالأيديولوجيا بقدر ما تُعرَّف بالقومية، وبالثورة بقدر ما تُعرَّف بفن الحكم، وبالكاريزما الدينية بقدر ما تُعرَّف بثقة الطبقة العسكرية الجديدة وروحها التكنوقراطية...

إستراتيجية إيران الكبرى الجديدة: كيف ستعيد الجمهورية الإسلامية تشكيل الشرق الأوسط؟

توضيحية (Getty)

مُقدّمة المُترجم:

تنشر مجلة «فورين أفيرز» (Foreign Affairs) هذا التحليل للباحثَين نرجس باجوغلي (Narges Bajoghli)، الأستاذة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins SAIS) والمتخصصة في الشأن الإيراني، ووالي نصر (Vali Nasr)، أستاذ العلاقات الدولية في المؤسسة ذاتها والمستشار السابق لوزارة الخارجية الأميركية. يكتب المؤلفان من داخل المؤسسة الأكاديمية الأميركية، ومن ثمّ تنعكس على تحليلهما ضمنيًا المرجعياتُ الإستراتيجية الأميركية في النظر إلى المنطقة؛ غير أن ما يميز هذا النص هو جرأته في تشخيص فشل المشروع الحربي الأميركي-الإسرائيلي، واعترافه الصريح بأن هذه الحرب لم تُضعف إيران، بل أعادت تشكيلها.

لا يتحدث المؤلفان عن غزّة ولا عن الإبادة الجماعية التي كانت الفتيلَ الأول لهذه المواجهة الإقليمية الكبرى؛ وهو إغفال دالّ يستحق أن يُلاحَظ. كما أن تحليلهما يظل محكومًا برؤية تضع الاستقرار الأميركي في المنطقة معيارًا، حتى حين يصفان إخفاقاته. بيد أن القارئ العربي يجد في هذا النص مادةً ثمينة لفهم كيف تُعيد الحرب تشكيل هويات الدول ومشروعية أنظمتها، وكيف أن العدوان، حين يتجاوز حدوده، يُنتج عكس ما أراد.

المقال:

حين اندلعت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير 2026، بدت الجمهورية الإسلامية مُنهَكةً مكسورة. كان القصف الواسع قد أنهك الصناعةَ والبنيةَ التحتية، وزاد الحصارُ البحري الأميركي اقتصادَها المتداعي تأزُّمًا. وفي مطلع آذار/مارس، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصحافيين على متن طائرة «إير فورس ون»: «لقد دمّرنا إمبراطوريتهم الشريرة بأسرها». وبعد أسابيع، أعلن «النصرَ الكاملَ الشاملَ».

باتت الصورة، بعد مرور ثلاثة أشهر، مختلفةً تمامًا. إذ لا تزال إيران تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، ورغم دعوة ترامب للإيرانيين لإسقاط النظام، لا تلوح في الأفق أي انتفاضة شعبية. وقد ثبت استحالة تحقيق الهدف الأوّلي للحرب، وهو توجيه ضربةٍ قاضيةٍ للجمهورية الإسلامية.

لم تُفسِّخ الحربُ إيرانَ، بل صهرتها في بوتقتها وأعادت تشكيلها بصورٍ لم يتوقعها أحد. فحتى تنجو الجمهورية الإسلامية وتُرسي لنفسها مزايا إستراتيجية جديدة، كان عليها أن تتكيف وتبتكر، وأن تُحدِّث أساليبها في خوض الحروب، وإدارة الدولة، وضبط المجتمع، وأن تفعل ذلك كله بسرعة لم تعرفها من قبل. طهران اليوم واثقة بما أنجزت، عازمة على ترسيخ هذه المكاسب في الداخل والخارج. لقد أنجبتِ الحربُ إيرانَ جديدةً ستُعيد رسم ملامح الشرق الأوسط، وتُلقي بظلالها على مسار الجغرافيا السياسية لسنوات طويلة قادمة.

تعاقبٌ هادئ

إدراكًا لضعف النظام الإيراني جرّاء حرب الأيام الاثني عشر الإسرائيلية في حزيران/يونيو 2025 والانتفاضة الشعبية في كانون الثاني/يناير 2026، شنَّت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية على إيران في 28 شباط/فبراير، وتوقعتا منها نصرًا سريعًا عبر اغتيالات مُستهدفة للقيادة الإيرانية. لكنّ قطع الرؤوس لم يُفضِ إلى انهيار النظام، بل فتح الباب أمام جيل جديد لتولي زمام الأمور.

ينظر العديد من المراقبين الغربيين إلى القيادة الجديدة التي برزت خلال الحرب، والتي يهيمن عليها الحرس الثوري الإسلامي، على أنها أكثر تشددًا أيديولوجيًا وميلًا إلى العداء تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن هذا ليس دقيقًا تمامًا. فما يميزها حقًا هو أمرٌ أكثر دقةً وأهمية. يُركِّز المراقبون خارج إيران على حفنة من القادة البارزين، مثل مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وأحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري. لكن الأهم من ذلك هو التحول الحاصل في الرتب الأدنى منهم: جيل جديد من قادة الحرس الثوري ومسؤولي الأمن المدنيين الذين بلغوا سن الرشد بعد ثورة 1979، ويشغلون الآن مناصب رئيسة في صنع القرار، ونظرتهم القومية إلى الحكم والأمن تعيد تعريف الجمهورية الإسلامية.

لقد تشكّلت رؤى جيل التأسيس الثوري، ومنهم الزعيمان روح الله الخميني وعلي خامنئي، من خلال مقاومتهم الطويلة لحكم محمد رضا شاه بهلوي المدعوم أميركيًا، وسنواتٍ قضوها خلف قضبان الشاه أو في المنفى. أمّا قادة اليوم، الجيل الثاني من ثوار إيران، ومنهم مجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، فقد كانوا فتيةً وشبابًا خلال الحرب الإيرانية العراقية، وقد ترسّخت رؤيتهم للعالم في خضمّ أطول حرب تقليدية في القرن العشرين. أما أفراد الطبقة الإدارية الجديدة في القوات السياسية والمسلحة الإيرانية، الجيل الثالث من الثورة، فلا يعرفون شيئًا سوى إيران ما بعد الثورة. وقد تبنى أفراد هذه الطبقة من ضباط القوات المسلحة والحرس الثوري، إلى جانب مؤسساتهم الأمنية التابعة، ثقافة تكنوقراطية منظمة ورؤية إستراتيجية تتمحور حول الدفاع الوطني، لا الأيديولوجية الثورية. وهم يحكمون بثقة القادة الذين يعتقدون أنهم دافعوا بنجاح عن إيران في حربين ضد قوى متفوقة عسكريًا (حرب الأيام الـ12 العام الماضي والنزاع الأكبر بكثير هذا العام)، محققين شيئًا وعدت به الثورة فقط: إضعاف حقيقي للقوة الأميركية في الشرق الأوسط.

كان المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من حرب شباط/فبراير، نتاجًا للتيارات الفكرية والسياسية في إيران ما قبل الثورة في عهد بهلوي. وقد صُقلت تربيته السياسية من خلال نقاشات مع قوميين علمانيين ويساريين وليبراليين شاركوه أهدافه في إسقاط النظام الملكي ومواجهة الإمبريالية الغربية. وبمجرد وصولهم إلى السلطة، فرض قادة الثورة أيديولوجيتهم على إيران، لكنهم لم يتغلبوا قط على الشعور بعدم الأمان الكامن في تأكيد حقهم في حكم مجتمع لا يخضع لهم خضوعًا تامًا.

لا يعرف الجيل الجديد شيئًا من هذا معرفةً مباشرة. كان معظمهم أطفالًا عند تأسيس الجمهورية الإسلامية، ونشأوا مؤمنين بحقها في الحكم. لم يشقّ هؤلاء الرجال طريقهم إلى السلطة بالقوة، بل نضجوا داخل مؤسسات السلطة، معتبرين شرعيتها أمرًا مفروغًا منه. إن انعدام الأمن الذي طبع جيل التأسيس، عبر الحاجة الدائمة لإثبات أن الثورة حقيقية ومطالبها جدية وأن النخبة القديمة قد هُزمت هزيمة نكراء، غائب إلى حد كبير. إنهم لا يدافعون عن ثورة، بل يديرون دولة.

لهذا التمييز النفسي تداعيات عملية هائلة. فعندما واجه جيل علي خامنئي العالم، في مفاوضات الرهائن، والمحادثات النووية، والمواجهات الإقليمية، كان هناك دائمًا تيار خفي من التظلم، صوتٌ يرتفع في خطاب الظلم التاريخي والانتصار الإسلامي. كان هذا التيار قويًّا وحقيقيًا، ولكنه شكّل عبئًا إستراتيجيًا. فقد جعلهم متوقعين ودفاعيين وعرضةً للخلط بين الدفاع عن أيديولوجيتهم والدفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية، والتي لم تكن متوافقة دائمًا.

لقد فصل هذا الجيل بين الثورة وفنّ الحكم. ففي الداخل والخارج، لا يتبنّى طموحاتٍ ثوريةً ولا يدعو إلى تصدير الثورة. القادة الجدد كوادرُ مؤسسية بامتياز: براغماتيون متحرِّسون وقوميون صلدون، يعملون برؤية صافية لديهم حول قدرات إيران ومواطن ضعفها. وعلى نقيض أسلافهم، يمتلكون الصبرَ الإستراتيجي والقدرة على البتّ في القرارات المصيرية. ينظرون إلى مواطن ضعف إيران بصراحة وعلانية، وهو ما كان جيل التأسيس أعجز من أن يفعله بصدق، ويتعاملون معها بوصفها مشكلاتٍ لها حلول. هذه الغريزة هي ما دفعت طهران إلى إجراء التغييرات بين الحربين.

الخبرة من المواجهة

قبل الهجوم الأميركي الإسرائيلي في حزيران/يونيو 2025، افترض حكام إيران قدرتهم على الحفاظ على حالة من الجمود السياسي مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أجل غير مسمى، دون حرب أو سلام. لكن تبين خطأ هذا الافتراض، وبدأت محاسبة هذا التراخي فور انتهاء حرب الأيام الاثني عشر. توقعت القيادة الجديدة للحرس الثوري الإيراني انهيار وقف إطلاق النار الذي تحقق في حزيران/يونيو، ونشوب حرب أخرى، ربما تشارك فيها الولايات المتحدة منذ البداية. وبدأت الجامعات الإيرانية ومراكز الأبحاث ومراكز الفكر والهيئات الحكومية بتنظيم نقاشات حول الدروس المستفادة والتغييرات المطلوبة. وشهدت تلك الأشهر الثمانية تغييرات مؤسسية أكثر مما شهدته السنوات العشر السابقة مجتمعة. ونُقِلت العديد من القرارات التنفيذية المتعلقة بالتجارة والزراعة وإدارة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية من طهران إلى عواصم المحافظات. كما خضعت المنظمات المسؤولة عن الدعاية والتواصل مع الجماهير المحلية ونشر المعلومات في الخارج لإصلاح شامل. لطالما اتسمت بيروقراطية الجمهورية الإسلامية بالركود المؤسسي، لكنها الآن أفسحت المجال أمام ضرورة التكيف السريع. وفي خضم ذلك، تولى صناع القرار التكنوقراطيون زمام الأمور.

بعد اغتيال خامنئي في غارة جوية أميركية إسرائيلية، انتقلت السلطة إلى ابنه مجتبى بسرعة وعلى نحوٍ منظم للغاية. اختاره الجيل الجديد الذي انبثق من حرب حزيران/يونيو 2025، جزئيًا لأنه كان من أشد المدافعين عنهم. كان مجتبى عضوًا في الحرس الثوري الإيراني، وقاتل في الحرب العراقية الإيرانية قبل التحاقه بالحوزة الدينية ليصبح رجل دين. خدم لاحقًا إلى جانب والده مشرفًا على تحول الحرس الثوري وصعود قيادته المستقبلية. أكد صعود مجتبى هذا التحول الجيلي وعجّل به، ولم يُفضِ إلى الانهيار المؤسسي الذي توقعته واشنطن، بل إلى عكسه تمامًا.

كان للطريقة التي قُتل بها خامنئي الأكبر، في منزله لا في ملجأ، أهمية بالغة. سارع القادة الجدد إلى تصوير وفاته على أنها استشهاد، وقد نجح هذا التصوير. فبدلًا من أن يُثبط اغتيال خامنئي عزيمة النظام، منح الجيل الجديد من القادة توجيهًا وهدفًا، وكان أول عمل لهم هو حشد صفوف الجمهورية الإسلامية حول وفاته. كما استقطبت هذه الرسالة شريحة أوسع من المجتمع الإيراني للالتفاف حول الوطن.

عكست إدارة إيران للحرب اللاحقة النهج التكنوقراطي للجيل الجديد. فقد عملت الجمهورية الإسلامية لفترة طويلة ضمن متاهة فوضوية من مراكز القوى المتنافسة، مما أدى إلى جدل داخلي لا ينتهي وجمود خانق. ولكن بين الحربين، أفسحت تلك الفوضى المجال أمام انضباط تنظيمي ومرونة. وشُكّل مجلس دفاع أعلى جديد، بقيادة جنرالات الحرس الثوري عبد الرحيم موسوي ومحمد باكبور وعلي شمخاني، لتسريع التغييرات العسكرية. واضطلع قاليباف، الجنرال السابق في الحرس الثوري الذي أصبح رئيسًا للبرلمان عام 2020، وعلي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، بأدوار متوازية في البيروقراطية المدنية والاقتصادية، من خلال العمل عبر الوزارات الحكومية والسلطات المحلية. وباعتبارهم من قدامى المحاربين في الحرب الإيرانية العراقية، فقد تعلم هؤلاء الرجال كيفية إدارة الأمور في مواجهة الصعاب الهائلة على خطوط المواجهة. وفي مواجهة أكبر تحدٍّ واجهته إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، سارع جيل مؤسسي الثورة إلى إعادة تنظيم الدولة بما يتماشى مع الحرب. أشرف هؤلاء القادة الأكبر سنًا على عملية الانتقال إلى الجيل الجديد، الذي أعاد تنظيم مراكز القوة المتناثرة بسرعة في هيكل متماسك لصنع القرار يمكنه الصمود في حال فقدان أي قائد منفرد.

أُعيد تنظيم القوات المسلحة الإيرانية في شبكة من القيادات العملياتية تُشبه قوات حرب العصابات أكثر من الجيش التقليدي، حيث تركزت السلطة بين مجموعات متجانسة فكريًا بدلًا من توزيعها بين فصائل مختلفة. قُتل كل من لاريجاني وموسوي وباكبور وشمخاني في غارات إسرائيلية لاحقة، لكن الصمود الذي ساهموا في بنائه لم يتضاءل.

طبّقت القوات المسلحة الإيرانية في ساحة المعركة دروس حرب حزيران/يونيو 2025 بدقة متناهية. فقد ردّت على الهجوم الأميركي الإسرائيلي الذي بدأ في شباط/فبراير 2026 بوابلٍ ممنهج من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بهدف استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. وخلصت إلى أن خصومها كانوا يتوقعون تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية بسرعة، وأنهم لم يكونوا مستعدين لحملة طويلة الأمد. استهدفت إسرائيل خلال حرب 2025 مداخل «مدن الصواريخ» الإيرانية، ما أدى فعليًا إلى إغلاقها وإجبار إيران على إطلاق صواريخها بشكل رئيس من المناطق الشرقية التي تقع خارج نطاق سيطرة إسرائيل. وردّت إيران بنشر منصات إطلاق صواريخها على امتداد أراضيها الشاسعة، ونُشِر مهندسون داخل مدن الصواريخ، إلى جانب أفراد عسكريين، لإصلاح منصات الإطلاق والمداخل المتضررة في الوقت الفعلي. وقد مكّن هذا إيران من مواصلة إطلاق النار لفترة أطول مما توقعته إسرائيل والولايات المتحدة.

نشر الحرس الثوري الإيراني طائرات مسيّرة رخيصة الثمن لإغراق أنظمة الرادار الأميركية والمواقع العسكرية في جميع أنحاء الخليج العربي وإسرائيل، مما أعاق حملة القصف وفتح مسارات صاروخية لأهداف في جميع أنحاء المنطقة. واستنادًا إلى منطق الحرب غير المتكافئة، وتجربة استخدام الهجمات البشرية المكثفة لإغراق المواقع العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، أرسلت إيران أسرابًا من طائرات «شاهد» المسيّرة. وقد أضعفت هذه الأسلحة الرخيصة الدفاعات الجوية التي تحمي القواعد الأميركية، وكذلك قواعد حلفاء واشنطن العرب، وفتحت ممرات للصواريخ الدقيقة لضرب أهداف بالغة الأهمية. لقد تعلم الجيش الإيراني ليس فقط تحمل الخسائر، بل أيضًا تحقيق ميزة إستراتيجية من خلال إحباط أهداف خصومه الحربية.

توازن جديد للقوى

إن أهم انتصار حققه الجيل الجديد من القادة هو، ببساطة، نجاح إستراتيجيتهم. فقد نجت الدولة من القصف العنيف، وصمدت أمام القصف الأميركي والإسرائيلي المدمّر، وأحكمت سيطرتها على مضيق هرمز، وواجهت الحصار البحري الأميركي. وفي خضم ذلك، وسَّعت رقعة المعركة لتشمل الخليج العربي، مُلحقةً أضرارًا جسيمة بست عشرة قاعدة أميركية، ومُعطِّلةً العديد منها. وفي آذار/مارس، أجبرت الميليشيات العراقية الولايات المتحدة على إخلاء معسكر النصر[1]، وهو منشأة عسكرية أميركية رئيسة في بغداد كانت القوات الأميركية تحتلها منذ عام 2003.

وأدت الهجمات الإيرانية أيضًا إلى أزمة ثقة بين دول الخليج. فقد جلبت الولايات المتحدة الحرب إلى مدنها وبنيتها التحتية الحيوية، وعجزت عن حمايتها، فكانت اقتصاداتها ضحية جانبية. وسيستمر انهيار الثقة بين عواصم الخليج وواشنطن حتى بعد انتهاء الصراع المباشر. ويبقى السؤال مطروحًا: كم عدد القواعد الأميركية التي ستُعاد بناؤها؟ وهل ستجد الولايات المتحدة أو حلفاؤها العرب فائدة تُذكر منها في مواجهة إيران التي أثبتت قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز؟

بإغلاقها للمضيق واستهدافها للبنية التحتية للطاقة، فرضت إيران تكاليف باهظة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وقد أظهر هذا الهجوم، الذي جمع بين أسراب الطائرات المسيّرة و«أسطول البعوض[2]» من الزوارق السريعة والتهديد بالألغام، قدرةً لطالما استخفت بها واشنطن. وتعتبر طهران هذا الجمود الناتج بمثابة توازن قوى جديد. صحيح أن الحصار البحري الأميركي قد أضرّ بالاقتصاد الإيراني، إلا أنه كشف عن الأهمية الإستراتيجية لسيطرة إيران على المضيق. وبتحولها من الحرب الجوية إلى الحصار البحري، أقرّت الولايات المتحدة فعليًا بأن إيران قد غيّرت ساحة المعركة التي سيتكشف عليها النزاع.

اعتبر ترامب الحصار البحري الحل الأمثل لكسب الحرب، لكنه لم يُسفر إلا عن مزيد من الضغط على الاقتصاد العالمي. وأوحى الجمود بتكافؤ إستراتيجي أكبر، وهو ما أكّدته القيادة الإيرانية بقولها إن الحرب لن تنتهي إلا برفع الولايات المتحدة وإيران قبضتهما عن الخليج الفارسي. وفي المستقبل، ستمثل السيطرة على المضيق، الذي يُعدّ بلا شك نقطة اختناق اقتصادية عالمية حيوية، أداةً اقتصاديةً فعّالة لطهران، ورافعةً ضد أي هجمات مستقبلية. وبالنسبة لقادة إيران، فإن هذه القوة المُكتسبة حديثًا تُعوّض جزئيًا التكاليف التي تكبّدتها خلال الحرب، بما في ذلك تراجع حليفها اللبناني حزب الله، وغيرها من النكسات التي عانت منها في السنوات الأخيرة، مثل فقدان سورية بوصفها ممرًا إستراتيجيًا بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان أقوى حلفاء إيران في العالم العربي.

ترى طهران أن احتواء الولايات المتحدة لإيران، الذي دام عقودًا، قد انتهى. وسيُحدد النظام الإقليمي الجديد بشكل أقل بالهيمنة الأميركية، وأكثر بتعدد الأقطاب، حيث ستصبح الصين لاعبًا محوريًا بشكل متزايد، وإيران عنصرًا أساسيًا لا هامشيًا. وتعتزم طهران ترسيخ هذه المكاسب في أي اتفاق ينهي الحرب. ويعكس إصرارها على السيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن العابرة، وشروطها المسبقة للمفاوضات، مثل وقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحصار البحري الأميركي، اعتقاد القيادة بأن الحرب قد رجّحت كفة الميزان لصالحها. ويتفاوض حكام إيران الجدد وفقًا لذلك.

الحكمة فوق الأيديولوجيا

حققت إيران هذه المكاسب الإستراتيجية بتطبيق دروس حرب الأيام الاثني عشر بسرعة مذهلة. وجدت إيران نفسها في حزيران/يونيو 2025 تخوض حربًا بشروط إسرائيل. هذه المرة، كانت مصممة على القتال بمفردها. إلى جانب إعادة تنظيم الجيش الإيراني، برزت عدة تطورات محددة. كان أحدها هجوم طهران على البنية التحتية للمعلومات. أدرك القادة الإيرانيون مبكرًا أنهم لا يستطيعون مجاراة تفوق الولايات المتحدة وإسرائيل في مجال الاستخبارات عبر الأقمار الصناعية، والضربات الدقيقة، والدفاع الجوي المتكامل. ما استطاعوا فعله هو إحباط عملية صنع القرار الميداني الأميركية والإسرائيلية من خلال خلق فجوات بين ما رصدته أجهزة الاستشعار وما فسره القادة. أدت الضربات على منشآت الرادار الأميركية عبر الخليج الفارسي إلى إضعاف بنية الإنذار المبكر وتحديد الأهداف التي تدعم العمليات الجوية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. عملت إيران منهجيًا على تقويض التفوق التكنولوجي للخصم بدلًا من مواجهته مباشرة.

كان استيلاء إيران على مضيق هرمز تطورًا هامًا آخر. لطالما نوقش إغلاق المضيق في طهران بوصفه خيارًا عمليًا، بينما رُفض في واشنطن بحجة أنه سيضر بصادرات إيران. كما رأى المسؤولون الأميركيون أن القوة البحرية الأميركية قادرة على تدمير الأسطول السطحي الإيراني في بداية الحرب، ما يُفقد طهران فعليًا قدرتها على إغلاق المضيق. لكن إيران أثبتت خطأ كل هذه الافتراضات. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تمحورت العقيدة العسكرية الإيرانية حول حرب غير متكافئة مصممة لاستغلال نقاط ضعف القوات التقليدية الأميركية والإسرائيلية. لم تكن إيران بحاجة إلى أسطول بحري تقليدي لإغلاق المضيق. فباستخدام الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والتهديد بالألغام، مارست سيطرتها على المضيق، مُعايرةً الضغط منهجيًا، ومُحافظةً عليه لأسابيع، ومتجنبةً المواجهة الكاملة التي لم تكن مُجهّزة للفوز بها.

بات مضيق هرمز يُنظر إليه الآن من قِبل جميع الأطراف على أنه مورد إيراني، وليس مجرد ممر مائي مفتوح مدعوم بضمانة أميركية. وصرّح أحد المحللين الإيرانيين قائلًا: «لم يعد تخفيف العقوبات يعنينا كثيرًا؛ فنحن نعلم أنه لن يحدث، وحتى إن حدث فلن يكون طويل الأمد. نحن لا نكرّر أخطاء الماضي. الآن إدارةُ هرمز هي المفتاح». ويمثل هذا تحولًا جذريًا في إستراتيجية إيران الاقتصادية، إذ تحول من السعي إلى إعادة الاندماج في النظام المالي الذي تقوده الدول الغربية، والذي يعتبره الجيل الجديد أمرًا مستحيلًا، إلى استغلال موقع إيران الجغرافي الإستراتيجي.

دفعت الحرب طهران إلى تعزيز تحالفها التكتيكي مع الصين، وبناء ما يشبه الشراكة الإستراتيجية. وقد خلصت القيادة الإيرانية إلى أنه لا سبيل للتطبيع مع الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية بمفردها. وتعتقد طهران أن بيجين ترى في إيران الصامدة حليفًا جديرًا وموثوقًا. وفي أيار/مايو، صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي عقب لقائه نظيره الصيني في بيجين: «يعتقد أصدقاؤنا الصينيون أن مكانة إيران الدولية قد تحسّنت منذ بدء الحرب. إن عهدًا جديدًا من التعاون بين إيران والصين ينتظرنا». وفي مواجهة مهمة إعادة الإعمار بعد الحرب، بات القادة الإيرانيون أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى على اعتبار الصين شريكهم الخارجي الرئيس في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

مثَّلت حملة طهران الإعلامية خلال الحرب قطيعةً أخرى مع الماضي. فقد أظهرت رسائل الحكومة الإيرانية عبر وسائل الإعلام والقنوات الدبلوماسية فهمًا عميقًا للجماهير العالمية. ونشرت السفارات الإيرانية محتوىً واسع الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مقاطع فيديو موسيقية متحركة لشخصيات ليغو، ما أثار نقاشًا عامًا واسعًا تجاوز حدود الشرق الأوسط. ووصلت رواية إيران للحرب إلى جماهير في العالم العربي وأفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، وحتى في الولايات المتحدة وأوروبا، وأقنعتها. ويعكس التواصل الإستراتيجي الإيراني البراعة التقنية نفسها التي ميّزت الحملة العسكرية.

أخيرًا، أدرك القادة الإيرانيون أن التدهور الاقتصادي يُمثل أكبر تهديد لاستقرارهم السياسي. وقد استخلصوا من الاحتجاجات الشعبية الأخيرة أن السخط الاقتصادي يُعزز قوة المعارضة. فما إن أُعلن وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل حتى شرعت الحكومة في تنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية، مُنهيةً بذلك عددًا من الإعانات والبرامج المحمية سياسيًا، وهي خطوة برّرتها القيادة بأنها ضرورية لإدارة التداعيات الاقتصادية للحرب. ويُشير التسرع في الترويج لمشاريع إعادة بناء البنية التحتية، مثل الجسور والسكك الحديدية والمستشفيات، إلى أن الحكومة تتجه نحو عقد اجتماعي جديد، يقوم على الكفاءة المُثبتة لا على الأيديولوجيا. وقد استعرض الحرس الثوري قدراته التكنوقراطية علنًا في ساحة المعركة. والسؤال الذي يطرحه القادة الإيرانيون الجدد على أنفسهم الآن هو: هل يُمكنه تحقيق الكفاءة نفسها في إدارة الاقتصاد؟

التحول القومي

في أعقاب الانتفاضات الجماهيرية والمجزرة التي تلتها بحق المتظاهرين في كانون الثاني/يناير 2026، بدا الإيرانيون متحدين ضد النظام. كانت السياسة الإيرانية آنذاك تتسم بالانقسام بين شعبٍ ساخطٍ سئم العزلة وتفاقم وطأة العقوبات الاقتصادية الأميركية، وحكومةٍ تزداد شعبويتها وتواجه ضغوطًا متزايدة. وقد زادت الحرب من تعقيد هذا المشهد.

كان الدمار الذي خلفته الحرب هائلًا: البنية التحتية العامة والمصانع والمدارس والمستشفيات والمعالم التاريخية، بل وحتى أحياء بأكملها، كلها أصبحت أطلالًا. وبينما كانت القنابل والصواريخ الإسرائيلية والأميركية تقصف المنطقة، هدد ترامب بتسليح الانفصاليين وإعادة رسم حدود إيران وسحق اقتصادها وإبادة حضارتها. وقد أثارت هذه الهجمات العسكرية والخطابية مجتمعةً ردّ فعل قوميًّا تجاوز الانقسامات السياسية. لم يختفِ الغضب الشعبي تجاه النظام، فالحزن والإحباط والاستياء المتراكم من عقود من سوء الحكم والقمع لا يزالان قائمين. ما تغير هو المشهد السياسي الذي تجد فيه تلك المشاعر متنفسًا. باتت المعارضة الآن تتجلى في نضال وطني ضد عدو أجنبي يقارنه الإيرانيون بالإسكندر الأكبر، الذي غزا الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد؛ والجيوش العربية التي غزت في القرن السابع الميلادي؛ والمغول، الذين قدموا بعد ذلك بستة قرون.

خلافًا لتوقعات الأميركيين والإسرائيليين، لم تُشعل الحرب شرارة مظاهرات شعبية. وكلما طالت، قلّ شعور النظام بالتهديد من الانتفاضات الشعبية. لم يحشد المجتمع الإيراني نفسه ضد الدولة، بل إلى جانبها، فنظم مسيرات يومية في أنحاء البلاد، وشكّل سلاسل بشرية لحماية محطات الطاقة، وتجمّع على الجسور التي هددها ترامب. تلاشت الفجوة الحادة بين الدولة والمجتمع التي ميّزت إيران في كانون الثاني/يناير، ليس عن طريق الإقناع أو القمع، بل من خلال التجربة المشتركة المتمثلة في التعايش مع القصف ومشاهدة الدمار.

بحسب تحليل أجرته بلومبيرغ، كان ثلثا الأهداف التي استُهدفت في طهران قبل وقف إطلاق النار عبارة عن مبانٍ سكنية وتجارية ومدنية أخرى. وفي مقابلات عديدة، وصف إيرانيون انفجارات دوّت في أجسادهم ليلًا ونهارًا، مخلفةً جروحًا نفسية عميقة. بالنسبة لهم، لم تعد القوات المسلحة الإيرانية ظالمة، بل أصبحت مدافعة. وقد عبّر هتافٌ رُدد في المسيرات في أنحاء إيران، ابتهاجًا بضربات إيران الصاروخية وطائراتها المسيّرة، عن هذا التحوّل في المزاج العام: «اضربوا، فأنتم تضربون ببراعة». وكما قال الفيلسوف والمعارض الإيراني محمد مهدي أردبيلي في طهران خلال الأسبوع الخامس من الحرب: «في هذه اللحظة، الجمهورية الإسلامية وإيران كيانٌ واحد. إن سقطت الجمهورية الإسلامية، سقطت إيران».

امتد هذا الشعور ليشمل كيفية إدارة الحرب في الداخل. لاحظ الإيرانيون، بدهشة أحيانًا، أنه بعد أسابيع من القصف والحصار البحري، لم يكن هناك أي نقص في الغذاء أو الوقود، واستمرت الحياة اليومية على نحوٍ طبيعي إلى حد كبير. قال لنا أحد سكان طهران: «باستثناء القنابل، لم نشعر كأننا في حالة حرب. لو أحسنت الجمهورية الإسلامية إدارة البلاد بهذه الكفاءة دائمًا، لما كانت لدينا كل هذه الشكاوى المعتادة ضدها». لا تُعدّ هذه الملاحظات تأييدًا، لكنها تعكس تغيرًا في نظرة الإيرانيين إلى قادتهم.

أدى قطع الحكومة للإنترنت إلى تفاقم هذا الوضع. فعندما قطعت الحكومة المعلومات الخارجية كإجراء دفاعي ضد عمليات الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، لم يكن الإيرانيون راضين، لكن لم يكن أمامهم خيار سوى اللجوء إلى الإنترنت ووسائل الإعلام المحلية. وأدى هذا التعتيم إلى القضاء على وسائل الإعلام الخارجية ووسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تهدف إلى حشد المعارضة، مما أدى إلى ظهور نوع مختلف من الحوار الوطني. وبرزت وجهات نظر جديدة وأكثر تعقيدًا، بما في ذلك ما يتعلق بالحرس الثوري الإيراني، والتهديدات الأمنية التي تواجه إيران، وما بنته البلاد وما يجب عليها الدفاع عنه. يقول أحد منظمي المجتمع المدني المخضرمين، والذي تعرض للاستجواب مرارًا وتكرارًا بسبب نشاطه: «لطالما تجاهلتُ أو استهزأت بما يقوله الحرس الثوري أو النظام الحاكم عن إسرائيل أو الولايات المتحدة. لكن في الأسابيع القليلة الماضية، لم يعد بإمكاني الوصول إلا إلى تطبيقات المراسلة الإيرانية الداخلية وتطبيقات الأخبار، واضطررنا إلى التمحّص في مواقفهم ومشاهدة واقع التعرّض للهجوم يوميًا». وقال لنا أستاذ جامعي: «لقد دخلت البلاد حربًا وطنية، ويجري تشكيلُ هويةٍ جديدة».

«هل أنت إيراني بما فيه الكفاية؟»

لطالما سعت الجمهورية الإسلامية إلى عقد اجتماعي مع شعبها، إلا أن شروط هذا العقد شهدت تحولات جذرية عبر تاريخها. ففي السنوات الأولى، استند هذا العقد إلى التحول الثوري وإعادة توزيع الثروة. وفي تسعينيات القرن الماضي، تحول إلى النمو الاقتصادي وتقليص الانفتاح الاجتماعي مقابل استقرار سياسي. قبل عقدين من الزمن، وجّه الرئيس محمود أحمدي نجاد عائدات النفط إلى الفقراء مقابل ولائهم للأيديولوجية الرسمية. أما خليفته، حسن روحاني، فقد وعد بالنمو الاقتصادي من خلال اتفاق نووي وتخفيف العقوبات. وقد فشلت كل هذه الجهود، بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة، في إرساء علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع.

ما يُعرض الآن هو صفقة قومية تكنوقراطية، تستند فيها شرعية الدولة إلى قدرتها المُثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة بنائها. الشروط قومية وليست إسلامية. تُنتج وسائل الإعلام الحكومية محتوىً يُطبع صور النساء بالحجاب وبدونه جنبًا إلى جنب، وتُصوّر الهوية الإيرانية على أنها ثقافية وليست دينية بحتة، ويستهدف شرائح المجتمع التي رفضت الجمهورية الإسلامية رفضًا قاطعًا، مثل الشباب والطبقة الوسطى الحضرية.

هذا ليس تحريرًا؛ بل يواصل النظام، في الواقع، قمع المعارضة السياسية بشدة. لكن الدولة تُقرّ الآن بحاجتها إلى قاعدة اجتماعية أوسع بكثير مما يمكن أن توفره الأيديولوجية الإسلامية وحدها. وباتت الجمهورية الإسلامية، على نحو متزايد، تبدو أقل شبهًا بالثيوقراطية وأكثر شبهًا بدولة قومية يمينية استبدادية. لا تزال الأيديولوجية الإسلامية قائمة، لكنها تخضع لضرورة التماسك الوطني. لم يعد معيار الولاء السياسي هو: «هل أنت مسلم بما فيه الكفاية؟» بل: «هل أنت إيراني بما فيه الكفاية؟». لا يزال المسجد قائمًا، لكن الرمز السياسي المهيمن على القلائد ودبابيس الياقات، التي يرتديها الصغار والكبار، هو الآن خريطة البلاد. وتجذب التجمعات الحكومية للدفاع عن الوطن حتى منتقدي النظام، الذين دفع بعضهم ثمنًا باهظًا لمعارضتهم في الماضي. وقد أصبحت هذه التجمعات بؤرًا محورية لقومية تتمحور حول الحفاظ على الحضارة الإيرانية والاحتفاء بالبقاء بكرامة في مواجهة القوة الغاشمة.

تُدرك القيادة أن هذه لحظة فريدة وربما عابرة. فالمجتمع نفسه الذي حمى محطات الطاقة سيعود إلى مظالمه بمجرد انحسار الخطر المباشر. لقد خفّت حدة غضب الشعب الإيراني من القمع وسوء الإدارة الاقتصادية وإساءة معاملة النساء والأقليات بفعل الحرب، ولم تختفِ. تمثل تنازلات الدولة بشأن القضايا الاجتماعية، كالتخفيف الفعلي لفرض ارتداء الحجاب، والتسامح مع الحفلات الموسيقية وقيادة النساء للدراجات النارية، محاولةً لجعل وحدة زمن الحرب دائمة قبل أن يتغير الوضع السياسي. ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه التنازلات كافية لتغيير العلاقة بين الدولة والمجتمع تغييرًا جذريًا.

ستكون معالجة المظالم الاقتصادية بالنسبة لحكام إيران أمرًا بالغ الأهمية بمجرد انتهاء الحرب. تفترض واشنطن أن طهران لا تزال مهتمة بالتفاوض على تخفيف العقوبات. لكن الحرس الثوري الإيراني لا يعوّل على الدبلوماسية؛ فهو لم يعد يعتقد أن الولايات المتحدة سترفع العقوبات. بل يسعى إلى اتفاق ينهي الحرب، ويعزز مكاسب إيران، ويمهد الطريق لجني عوائد اقتصادية من فرض ضرائب على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

تُفسّر واشنطن هذا الموقف الجديد على أنه تعنّت نابع من جمود أيديولوجي وتنافس فصائلي في طهران. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيسان/أبريل: «للأسف، يمتلك المتشددون ذوو الرؤية التشاؤمية للمستقبل السلطة المطلقة في ذلك البلد». وأضاف: «لا يقتصر تفاوض مفاوضينا على الإيرانيين فقط، بل يضطر هؤلاء الإيرانيون بدورهم إلى التفاوض مع إيرانيين آخرين لتحديد ما يمكنهم الاتفاق عليه، وما يمكنهم تقديمه، وما هم على استعداد لفعله، وحتى مع من هم على استعداد للقاء». وردّد نائب الرئيس جيه دي فانس هذا الرأي في أيار/مايو، قائلًا: «ربما لا يزال الإيرانيون أنفسهم غير واضحين تمامًا بشأن الوجهة التي يريدون السير فيها، فهم أيضًا بلد منقسم».

روبيو وفانس مخطئان. لا يعكس نهج طهران المتحدي جمودًا أيديولوجيًا ولا صراعًا فصائليًا داخليًا، بل يُظهر ثقة إيران المتجددة والدروس المستفادة من الحرب وجولات المفاوضات السابقة. يدرك قادة البلاد أن الولايات المتحدة تسعى من المفاوضات إلى تحقيق ما لم تستطع تحقيقه في الحرب، وأن واشنطن لا تهتم بالاتفاق بل باستسلام إيران. في السابق، في حزيران/يونيو 2025 وفي شباط/فبراير 2026، تعطلت المفاوضات مع الولايات المتحدة مرتين بسبب غارات أميركية وإسرائيلية. وبعد انهيار المفاوضات في إسلام آباد في 12 نيسان/أبريل 2026، فرضت واشنطن على الفور حصارًا بحريًا، أعقبه مطالبة أخرى باستسلام إيران غير المشروط. يزعم القادة الإيرانيون بالفعل أنهم انتصروا في الحرب، وهم غير مستعدين للتخلي عن المكاسب التي حققوها أو العودة إلى الحصار الذي كان مفروضًا عليهم قبل الحرب. هذه الثقة بالنفس، المتجذرة في الاعتقاد بأن الحرب قد عززت إيران بدلًا من إضعافها، تُشكل نظرتهم الدولية، كما أنها أساسية للشرعية التي يسعون إليها في الداخل. يجب أن تعكس غايتهم الدبلوماسية النهائية ما حققته إيران في الحرب من خلال تحديها [لأميركا].

عقيدة الجبهات المتعددة

لا يعني توجه إيران الواضح نحو القومية في الداخل أن طهران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين. ولن تعيد التفاوض جذريًا على علاقاتها مع حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن. لكنها ستدير هذه العلاقات بانضباط إستراتيجي أكبر ونزعة أيديولوجية أقل. ولن تضحي القيادة الإيرانية الجديدة بمصالح إيران على مذبح التضامن الثوري. وستُوظَّف هذه التحالفات كجزء من إستراتيجية إقليمية متماسكة تهدف إلى الحفاظ على عمق إيران الإستراتيجي في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية المستمرة.

خلص الإستراتيجيون الإيرانيون إلى أن منح إسرائيل الوقت الكافي لمواجهة مختلف محاور «محور المقاومة» الإيراني بشكل منفصل خلال حرب غزة كان خاطئًا. وجاءت الضربات الأميركية الإسرائيلية على مدار العام الماضي نتيجة مباشرة لهذا الإخفاق في التنسيق. ولكن في شباط/فبراير 2026، وبعد أن استوعبت إيران الدرس، سارعت إلى تفعيل حزب الله في لبنان والميليشيات العراقية في آن واحد، مما أدى إلى فتح جبهة ثانية لإسرائيل في لبنان، وتوسيع نطاق الحرب في المنطقة، وإجبار الولايات المتحدة على إغلاق معسكر النصر في العراق، وهو ما تعتبره طهران تأكيدًا على صحة عقيدتها متعددة الجبهات.

لا يُحافظ القادة الإيرانيون على شبكتهم الإقليمية بدافع أيديولوجي لبسط النفوذ، بل انطلاقًا من حسابات مفادها أن إيران لن تتمتع بسيادة كاملة ما دامت تواجه تهديدات عسكرية وخنقًا اقتصاديًا من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل. ويُجسّد إصرار إيران على أن تكون المفاوضات مع الولايات المتحدة مشروطة بوقف إطلاق النار في لبنان، وأن يُنهي الاتفاق النهائي الحرب على جميع الجبهات وأن يعكس مكاسب إيران الإستراتيجية، هذه النظرة التوسعية للدفاع الإقليمي. ووفقًا لتحليل طهران، فإن السياسة الأميركية والإسرائيلية تهدف إلى هيمنة إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط، وهو هدف يتطلب إيران ضعيفة ومنهكة.

محور المقاومة، الذي كان يُنظر إليه سابقًا من قِبل العديد من الإيرانيين على أنه عمل خيري لقضية أيديولوجية، بات يُفهم الآن من قِبل شريحة أوسع من السكان على أنه أداة للدفاع الوطني. ويُعدّ سعي إيران لمنع الولايات المتحدة من إعادة بناء منشآت الرادار المتضررة في الخليج الفارسي تعبيرًا آخر عن المنطق نفسه، وهو جهد مُتعمّد لإضعاف بنية الإنذار المبكر التي دعمت الهيمنة العسكرية الأميركية في المياه التي تعتبرها إيران فناءها الخلفي الإستراتيجي.

جمهورية إسلامية جديدة

لقد كانت الحرب بمثابة بوتقة انصهرت فيها خيوط الجمهورية الإسلامية، وشهدت أول تحول جيلي كبير منذ تأسيسها. لم تعد السلطة حكرًا على المؤسسين، فالجيل الثاني يتولى الآن الشؤون العسكرية والسياسية، بينما يتولى الجيلان الثالث والرابع مسؤولية الاتصالات والتواصل الدولي.

كانت الجمهورية الإسلامية في سنواتها الأولى تحت حكم الخميني دولة ثورية: منظمة حول تحول أيديولوجي، ومستمدة شرعيتها من السلطة الكاريزمية للمرشد الأعلى وادعائه بتنفيذ إرادة الله، وموجهة في سياستها الخارجية نحو تصدير الثورة. بعد وفاة الخميني عام 1989، وخلال حقبة الإصلاح والترسيخ المتشدد في عهد خامنئي، أصبحت الجمهورية دولة ما بعد ثورية تتفاوض باستمرار بين أيديولوجيتها التأسيسية ومتطلبات الحكم. تعاملت القيادة مع شعب متزايد الشك من خلال القمع والمحسوبية والانفتاح المحدود. رأت في مقاومة النفوذ الأميركي ضرورة مناهضة للإمبريالية، لكنها ظلت، قبل كل شيء، جمهورية إسلامية، يحكمها جيل المؤسسين وتغذيها صراعاتها الداخلية.

لا تُعرَّف الجمهورية التي انبثقت عن الحروب الأميركية الإسرائيلية بالأيديولوجيا بقدر ما تُعرَّف بالقومية، وبالثورة بقدر ما تُعرَّف بفن الحكم، وبالكاريزما الدينية بقدر ما تُعرَّف بثقة الطبقة العسكرية الجديدة وروحها التكنوقراطية. وبالمقارنة، فهي تُشبه الدول القومية التي قادها الجيش في القرن العشرين، تركيا في عهد الكماليين المتأخرين، ومصر في عهد جمال عبد الناصر، حيث استمرت الأيديولوجيا، لكنها خضعت للمصلحة الوطنية ومتطلبات سلطة الدولة.

إن هذا التحول من الجمود العقائدي نحو البراغماتية السياسية لا يجعل الجمهورية الإسلامية أكثر اعتدالًا. فغالبًا ما تكون الدول الأمنية القومية وحشية تجاه شعوبها ومزعزعة للاستقرار الدولي. وستبقى الجمهورية الإسلامية الناشئة ذات نظام استبدادي إلى حد كبير. لكن التصنيفات التي اعتاد المحللون الغربيون استخدامها لوصف فصائلها المختلفة، المتشددون مقابل المعتدلون، والأيديولوجيون مقابل الإصلاحيون، ستكون أقل دقة من أي وقت مضى. وستتحدد أولويات الجمهورية الإسلامية الجديدة، وكيفية سعيها لتحقيقها، من خلال التجارب المحددة لحربيها مع إسرائيل والولايات المتحدة: الخسائر التي تكبدتها إيران، والثقة التي اكتسبتها قيادتها، والعقد الاجتماعي الجديد الذي فرضته الحرب وجعلته ممكنًا.


إحالات:

[1] معسكر النصر (Camp Victory): القاعدة العسكرية الأميركية الرئيسة في بغداد، قرب مطار بغداد الدولي. شيّدتها الولايات المتحدة بعد غزو العراق عام 2003، وكانت تضم في أوجها عشرات الآلاف من الجنود والمدنيين الأميركيين. يمثّل إخلاؤها، من منظور إيراني، رمزًا بالغ الدلالة على تراجع النفوذ العسكري الأميركي في المنطقة (المُترجم).

[2] أسطول البعوض (Mosquito Fleet): مصطلح عسكري يشير إلى أعداد كبيرة من الزوارق السريعة الصغيرة المسلحة بالصواريخ والأسلحة الخفيفة. تعتمد إيران هذا التكتيك منذ ثمانينيات القرن الماضي لتهديد الملاحة في الخليج، إذ يصعب اعتراض هذه الزوارق بالدفاعات الجوية المصمَّمة لمواجهة الصواريخ والطائرات (المُترجم).