16/08/2026 - 20:13

إدمان الحرب الأميركي: البنية التي تُعيد إنتاج المستنقعات العسكرية

يبقى المقال مفيدًا في كشف الآلية البنيوية التي تدفع الرؤساء الأميركيين، جمهوريين وديمقراطيين على حدٍّ سواء، إلى تكرار الحروب رغم فشلها المتكرر: غياب الرقابة الدستورية، وتواطؤ الإعلام، وعزلة المواطن الأميركي عن كلفة الحرب البشرية الحقيقية، وشبكة المصالح...

إدمان الحرب الأميركي: البنية التي تُعيد إنتاج المستنقعات العسكرية

توضيحية (Getty)

مُقدّمة المُترجم:

الكاتبة إيما آشفورد (Emma Ashford) باحثة أميركية بارزة في مركز ستيمسون (Stimson Center)، حيث تعمل ضمن برنامج «إعادة تصوّر الإستراتيجية الكبرى الأميركية»، وهي أستاذة مساعدة غير متفرغة في جامعة جورجتاون، وتنتمي فكريًا إلى تيار «ضبط النفس» في السياسة الخارجية الأميركية، وهو تيار واقعي يدعو إلى تقليص الانخراط العسكري الأميركي حول العالم وترشيد استخدام القوة وفق حسابات المصلحة القومية الضيقة. وهي مؤلفة كتابي النفط والدولة والحرب (Oil, the State, and War) والأولى بين متساوين: سياسة خارجية أميركية لعالمٍ متعدّد الأقطاب (First Among Equals: U.S. Foreign Policy for a Multipolar World).

تكتب آشفورد من موقع النقد الواقعي لسياسة التدخّل العسكري الأميركي، لا من موقع رافضٍ للهيمنة الأميركية بوصفها مشروعًا. فحجّتها الأساسية هي أنّ الحروب «الهامشية» تستنزف موارد الولايات المتحدة وتُضعف قدرتها على مواجهة «التحدّيات الإستراتيجية الحقيقية»، كالصين وروسيا؛ أي أنّ اعتراضها على الحرب ينطلق من حساب كلفة-عائد أميركي بحت، لا من موقفٍ أخلاقي أو قانوني تجاه الدول والشعوب التي تستهدفها هذه الحروب. وتتجلّى هذه الثغرة بوضوح في تعامل المقال مع عملية الغضب الملحمي (Operation Epic Fury) ضدّ إيران: فالنص يُفصّل الكلفة على الجندي الأميركي والموازنة الأميركية والمكانة الأميركية، بينما يمرّ مرور الكرام على قتل «كبار قادة النظام» وقصف البنية التحتية العسكرية والمدنية لبلدٍ يبلغ تعداد سكانه 93 مليون نسمة، من دون أيّ محاسبة قانونية أو أخلاقية لواشنطن على شنّ حربٍ عدوانية لم يُجزها الكونغرس أصلًا ولا القانون الدولي.

والمقال، فضلًا عن ذلك، صامت تمامًا عن فلسطين وغزة، رغم أنّه يُشير عرضًا إلى «محادثات سلامٍ في غزة» بوصفها مجرّد بندٍ في سجلّ إنجازات ترامب الدبلوماسية، من دون أيّ إشارةٍ إلى الإبادة الجماعية التي رعتها وترعاها واشنطن بدعمها العسكري والسياسي والمالي المتواصل لإسرائيل. فحين تتحدّث الكاتبة عن «واجب واشنطن المفترض بمساعدة إسرائيل قبل سائر الحلفاء»، فإنّها تصف هذا الواجب توصيفًا محايدًا، رغم أنّ هذا «الواجب» بالذات هو ما غذّى الاستيطان والاحتلال والحروب في المنطقة على مدى العقود الماضية. وهذا الصمت ليس سهوًا عابرًا، بل هو انعكاسٌ لحدود النقد داخل المؤسسة الأميركية للسياسة الخارجية، التي تُجيز لنفسها التساؤل عن جدوى الحرب على إيران أو فنزويلا، لكنّها نادرًا ما تُخضع العلاقة الأميركية-الإسرائيلية للمساءلة ذاتها.

ومما فات المقال أيضًا، رغم حديثه عن فكرة «التكلفة-العائد»، أنّ من أضرار هذه الحرب على الولايات المتحدة نفسها أنّها خِيضت من دون اعتبارٍ يُذكر لتضرّر حلفاء واشنطن، خلافًا لما درج عليه رؤساء سابقون كانوا يحسبون حساب مصالح حلفائهم قبل الشروع في مغامراتٍ عسكرية. فقد أضرّت الحرب على إيران بمصالح حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وفي أوروبا، بل وفي آسيا أيضًا، أساسًا عبر اضطراب إمدادات النفط والغاز المسال الخليجية إثر إغلاق مضيق هرمز، ما دفع أسعار خام برنت إلى تجاوز 120 دولارًا للبرميل، وما وصفته وكالة الطاقة الدولية (International Energy Agency) بأنّه «أكبر اضطرابٍ في تاريخ سوق النفط العالمية». وقد استفادت الولايات المتحدة من هذه الأزمة بوصفها أكبر مورّدٍ عالمي للغاز الطبيعي المسال، إذ سجّلت صادراتها من الغاز أرقامًا قياسية نحو أوروبا وآسيا[1]، غير أنّ الأزمة نفسها دفعت أسعار الغاز الطبيعي إلى الارتفاع بما يصل إلى 84 في المئة في أوروبا و108 في المئة في آسيا مقارنةً بمستوياتها قبل الحرب[2]، وهو ارتفاعٌ طال المستهلك والصناعة الأميركيين أنفسهم أيضًا، بما يتناقض مع منطق «حساب الكلفة والعائد» الأميركي الضيق الذي تتبنّاه الكاتبة.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ هذه الحرب على إيران خِيضت بقدرٍ لافتٍ من عدم الاحترافية، الأمر الذي أضرّ بصورة الجيش الأميركي وبقدرته على الإيلام والحسم في آنٍ معًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى أنّ الإدارة الأميركية نفسها لم تُظهر انضباطًا مهنيًا في إدارتها للملف العسكري. فوزير الحرب بيت هيغسيث (Pete Hegseth) كان قد تورّط عام 2025 في فضيحة «سيغنالغيت»، حين استخدم هاتفه الشخصي وتطبيق «سيغنال» لمناقشة خطط ضرباتٍ عسكرية سرية ضدّ أنصار الله الحوثيين في اليمن[3]، ثم أقدم، في خضمّ الحرب على إيران، على إقالة رئيس أركان الجيش الأميركي، الجنرال راندي جورج (Randy George)، إلى جانب عددٍ من كبار الجنرالات الآخرين، في خطوةٍ وُصفت بأنّها غير مسبوقة[4]. وبحلول تموز/ يوليو 2026، كان هيغسيث قد أقال أو أحال إلى التقاعد المبكر قرابة ثلاثين جنرالًا وأميرال بحرية، وعطّل ترقية أربعين عقيدًا وقائد بحرية، في وتيرةٍ وُصفت بأنّها غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية الأميركية الحديثة[5]. وهذا المستوى من الاضطراب داخل القيادة العسكرية في خضمّ حربٍ فعلية لا يقوّض فقط قدرة الجيش الأميركي على الأداء الميداني، بل يضرّ أيضًا بصورته أمام الخصوم الذين قد يرون في هذا الاضطراب مؤشرًا على هشاشة القرار الأميركي.

ومع ذلك، يبقى المقال مفيدًا في كشف الآلية البنيوية التي تدفع الرؤساء الأميركيين، جمهوريين وديمقراطيين على حدٍّ سواء، إلى تكرار الحروب رغم فشلها المتكرر: غياب الرقابة الدستورية، وتواطؤ الإعلام، وعزلة المواطن الأميركي عن كلفة الحرب البشرية الحقيقية، وشبكة المصالح بين البنتاغون وشركات السلاح. وهذه الآلية ذاتها هي التي أنتجت، وتُنتج باستمرار، حروب الإبادة والتدمير التي تتحمّل شعوب المنطقة وزرها الأكبر، فيما لا يتجاوز أثرها على «الأميركي العادي»، بحسب تعبير الكاتبة نفسها، سوى ارتفاعٍ طفيف في نسبة التضخّم.

ملاحظة: كل هوامش المقال من المُترجم.

المقال:

خاض دونالد ترامب حملته لولايةٍ رئاسية أميركية ثانية على وعدٍ بإنهاء الحروب لا إشعالها. وخلال العام الأول من عودته إلى البيت الأبيض، ظهرت مؤشرات على أنه قد يُحدِث قطيعةً حقيقية مع الوضع القائم الذي دفع واشنطن إلى الإفراط في التمدد. فقد ضغط على حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، وروّج لمحادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا، وانتهج سياسة انفراجٍ حذرة مع الصين أسهمت في خفض التوتر بشأن تايوان.

غير أنّ الولايات المتحدة، بعد ثمانية عشر شهرًا، تجد نفسها اليوم غارقةً في حربٍ جديدة في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أنّ الجيش الأميركي حقّق نجاحاتٍ تكتيكية، فإنّ واشنطن لم تُحرز أيّ انتصارٍ إستراتيجي ذي قيمة، بل باتت إيران، من بعض النواحي، تملك نفوذًا أكبر مما كانت عليه في شباط/ فبراير 2026. ومع ذلك، تجنّب ترامب تقديم أيّ تنازلاتٍ دبلوماسية. فتمامًا مثل خصمه اللدود، الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما (Barack Obama)، وعد ترامب الأميركيين بانتشال بلادهم من «الحروب الأبدية» العبثية في الشرق الأوسط، ثم ثبت عجزه عن الوفاء بذلك. بيد أنّ تورّط الولايات المتحدة مجددًا في نزاعٍ بالشرق الأوسط يبدو اليوم أكثر إثارةً للدهشة، ذلك أنّ الرأي العام الأميركي، وكثيرًا من القادة الأميركيين أنفسهم، خلصوا خلال العقدين الماضيين إلى قناعةٍ راسخة بأنّ حروبًا كهذه ليست سوى أخطاء.

في جوهر الأمر، ثمّة بنى وحوافز تُعيد جرّ واشنطن، مرارًا وتكرارًا، إلى مستنقعاتٍ كان بالإمكان تجنّبها. فأولًا، يَسْهُل على الرؤساء الأميركيين اللجوء إلى العمل العسكري. فمنذ عام 1991، دأب القادة الأميركيون على توظيف القوة لتأمين حتى أدنى المصالح الأميركية شأنًا. وغالبًا ما تبدو الكلفة والمخاطر قصيرة الأمد لاستخدام القوة ضدّ دولةٍ أصغر وأبعد أو الفاعلين من دون الدولة صغيرةً في ظاهرها، إذ يمضي معظم الأميركيين في شؤون حياتهم اليومية من دون أن يُدركوا أصلًا أنّ بلادهم في حالة حرب، كما أصبح الكونغرس، إلى حدٍّ بعيد، مُستعدًّا للتنازل عن رقابته الدستورية. لكنّ الخروج من هذه النزاعات أصعب بكثير. فقد اعتادت واشنطن وضع أهدافٍ قصوى حتى في الحروب الهامشية، ويتردّد القادة الأميركيون في وقف أيّ تدخّلٍ ما لم تتحقّق الأهداف الموعودة. وخصوصًا حين تكون الكلفة المستمرة لنزاعٍ ما متناثرةً وغير مباشرة، فإنّ حوافز الرؤساء لمواجهة تُهمة الضعف تكون ضئيلة.

غير أنّ كلفة هذه التدخّلات ليست ضئيلة، بل هي مجرّد كلفةٍ مُستترة. فالحروب المتكرّرة تُضيف إلى الدَّين الوطني المتنامي، وتُرهق الجيش الأميركي فوق طاقته، وتُولّد كُلفًا بديلة، إذ تُحوّل الإنفاق بعيدًا عن الاستثمارات العسكرية اللازمة والأولويات الداخلية. ولم تكن مجرّد الرغبة في تغيير عادة الولايات المتحدة في شنّ الحروب كافيةً لتغييرها فعليًا. وإذا أراد صنّاع السياسة الخارجية الأميركية كسر هذه الحلقة، فعليهم التفكير في سبلٍ تجعل من استخدام القوة خيارًا أصعب وأقلّ جاذبية.

حوافز مُنحرفة

شكّلت وثيقة إستراتيجية الأمن القومي (National Security Strategy) لعام 2025 الصادرة عن إدارة ترامب خروجًا عن المألوف. فمعظم إستراتيجيات الأمن القومي تُقدّم قوائم طويلة مما يُسمّى «المصالح الأميركية الحيوية»، تنتج عن عمليةٍ تفاوضية بين الوكالات تضمن ألّا تُغفَل أيّ قضية. أما وثيقة العام الماضي، فقد أقرّت، خلافًا لذلك، بأنّ للولايات المتحدة مجموعةً محدّدة ومحصورة من المصالح يتوجّب على صنّاع القرار «تقييمها وترتيبها وتحديد أولوياتها». وذهبت إلى القول إنّه «ليس بمقدور كلّ دولةٍ أو إقليمٍ أو قضيةٍ أو نازلة، مهما بلغت أهميتها، أن تكون محور الإستراتيجية الأميركية».

ومضت في التشديد على أهمية نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ (الإندو-باسيفيك)، خالصةً إلى أنّ «الأيام التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأميركية، من ناحية التخطيط طويل الأمد والتنفيذ اليومي، قد ولّت لحسن الحظ».

وخلال معظم العام الأول من ولايته الثانية، التزم ترامب على نحوٍ فضفاض بهذا النهج المُعلن. فقد لجأ البيت الأبيض بالفعل إلى استخدام القوة العسكرية خارج الحدود، إذ شنّ حملاتٍ لضرب مواقع نووية إيرانية وقوارب في منطقة الكاريبي زُعم تورّطها في تهريب المخدرات. غير أنّ ترامب ضغط أيضًا وبقوة على الحلفاء في أوروبا وآسيا لتحمّل عبء الدفاع عن مناطقهم، وتحرّك لتيسير محادثات سلامٍ في كلٍّ من غزة وأوكرانيا. أما الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في حزيران/ يونيو 2025، المعروف بـ«حرب الأيام الاثني عشر»، فقد كان على الأقل قصير الأمد وذا هدفٍ محدّد. وعلى نحوٍ مشابه، لم تسعَ عملية اعتقال القوات الخاصة الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (Nicolás Maduro) في كانون الثاني/ يناير 2026 إلى تغيير النظام كاملًا، إذ عقد البيت الأبيض بدلًا من ذلك صفقةً مع نائبة مادورو، دلسي رودريغيز (Delcy Rodríguez)، لتولّي السلطة.

غير أنّ النجاحات التي تحقّقت في فنزويلا وخلال حرب الأيام الاثني عشر عزّزت جناح المحافظين الجدد داخل الحزب الجمهوري، وسهّلت المجادلة لصالح تدخّلاتٍ لاحقة. فبعد عملية فنزويلا بشهرٍ واحد فقط، أطلقت القوات الأميركية عملية «الغضب الملحمي»، مستهدفةً البنية التحتية العسكرية الإيرانية وقاتلةً كبار قادة النظام، إذ وعد خطاب إدارة ترامب المُبكّر صراحةً بتغيير النظام في طهران. وبعد ستة أشهر، بات الضرر الذي لحق بالقدرات العسكرية الإيرانية كبيرًا. لكنّ الولايات المتحدة استنفدت جزءًا كبيرًا من مخزونها من الذخائر الدقيقة، وتكبّدت أضرارًا جسيمة في قواعدها الإقليمية. أما الجمهورية الإسلامية فلا تزال في السلطة، بل وسّعت قدرتها على تهديد الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

ويعكس تخلّي إدارة ترامب جزئيًا عن المبادئ الواردة في إستراتيجيتها الخاصة للأمن القومي انقسامًا داخل الأوساط السياسية الجمهورية. فالمحافظون الأصغر سنًا، من أنصار تيار «أميركا أولًا»، يُبدون تشكّكًا في حروب تغيير الأنظمة وفي واجب واشنطن المفترض بمساعدة إسرائيل قبل سائر الحلفاء. غير أنّ التقليديين الذين ما زالوا يتبنّون رؤيةً موروثةً من حقبة الرئيس جورج بوش الابن للولايات المتحدة بوصفها راعيةً لنشر الديمقراطية حول العالم لا يزالون يحتفظون بنفوذهم. وقد صُوِّرَت الحرب على إيران على نطاقٍ واسع بوصفها دليلًا على أنّ الصقور (أمثال وزير الخارجية ماركو روبيو (Marco Rubio)، والسيناتور الراحل ليندسي غراهام(Lindsey Graham)) انتصروا في معركةٍ داخلية ضدّ دعاة ضبط النفس، أمثال نائب الرئيس جيه دي فانس (J.D. Vance).

غير أنّه لا يمكن إرجاع الحرب على إيران بالكامل إلى تأثير شخصياتٍ بعينها. فثمّة ظروفٌ بنيوية أوسع تُعيد جرّ الولايات المتحدة باستمرار إلى نزاعاتٍ هامشية. أولها السهولة المطلقة التي يلجأ بها الرؤساء الأميركيون إلى القوة. فالدستور الأميركي يمنح سلطة إعلان الحرب للكونغرس وحده، إلّا أنّ المشرّعين لم يمارسوا هذه السلطة منذ الحرب العالمية الثانية، ويعود ذلك جزئيًا إلى أنّ الحروب اللاحقة كانت أصغر حجمًا، وجزئيًا إلى تفادي المخاطرة السياسية المترتبة على التصويت لصالح نزاعاتٍ غير شعبية. ولم يُصدر الكونغرس «تفويضًا لاستخدام القوة العسكرية»[6] منذ عام 2002. وتحتفظ الولايات المتحدة بجيشٍ نظامي ضخم، وشبكةٍ من القواعد المنتشرة حول العالم، وأصولٍ عسكرية قادرة على الانتشار في أنحاء المعمورة خلال فترةٍ زمنية قصيرة نسبيًا. وبصفته القائد العام للقوات المسلحة، فإنّ الرئيس هو من يقرّر متى وكيف يُوظِّف هذه القوة. ومع غياب أيّ ضوابط حقيقية على قدرة الرئيس على فعل ذلك كيفما شاء، بات من السهل جدًا الشروع في حرب.

وتزيد وسائل الإعلام الأميركية وشبكات الولايات المتحدة الواسعة من الحلفاء الأمر سهولةً. فمعلّقو القنوات الفضائية يميلون إلى النزعة الصقورية، شأنهم في ذلك شأن كثيرٍ من الصحف الأميركية الكبرى. إذ غالبًا ما تُبدي منابر مثل «فوكس نيوز» (Fox News)، و«سي إن إن» (CNN)، و«ذا وول ستريت جورنال» (The Wall Street Journal) حماسةً إزاء اندلاع أيّ نزاعٍ جديد وما يرافقه من مشاهد درامية، بينما تنتقد أيّ انسحابٍ أميركي. أما الحلفاء الإقليميون، فلديهم في الغالب حافزٌ لتشجيع التدخّل الأميركي في نزاعاتهم، إضافةً إلى العلاقات السياسية التي تُمكّنهم من جرّ واشنطن إلى تلك النزاعات. ويزيد من حدّة هذه الديناميكية أنّ الولايات المتحدة غالبًا ما تملك قواعد داخل هذه الدول أو بالقرب منها. ففي آذار/ مارس 2026، على سبيل المثال، جادل روبيو بأنّ الهجوم الإسرائيلي الوشيك كان سيُعرّض الجنود الأميركيين المتمركزين أصلًا في الشرق الأوسط لخطر الانتقام، ما يستوجب على واشنطن الانضمام إلى إسرائيل في ضرباتها.

حين تُصبح الحرب لعبة

وتزيد الأساطير المتجذّرة حول النزاعات الماضية الطين بلّة، وبخاصة الفكرة القائلة إنّ فشل الجيش الأميركي لم يكن بسبب أنّه ما كان ينبغي أصلًا خوض الحرب أو لأنّ أهدافها كانت غير قابلة للتحقّق، بل لأنّه لم يتّبع التكتيكات الصحيحة أو لم يُخصّص موارد كافية. ففي منتصف العقد الثاني من الألفية، على سبيل المثال، ألقى الجمهوريون باللوم في صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على انسحاب الرئيس باراك أوباما بقواته من العراق، لا على الغزو الأميركي للعراق عام 2003 نفسه. وفي الأيام الأولى للنزاع الأخير مع إيران، صرّح فانس للصحفيين بأنّه لا يزال متشكّكًا في التورّطات العسكرية الخارجية، لكنّه يثق بأنّ ترامب سيُنجز المهمة («يُنهي العمل» بحسب تعبيره) لأنّه «أذكى» من الرؤساء السابقين.

إنّ القواعد الأمامية والتحالفات ذاتها التي تُحفّز الرؤساء الأميركيين على خوض الحروب هي ما يجعل الخروج منها أصعب. كما ساهم انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة في تشكيل ثقافةٍ إستراتيجية في واشنطن تفترض أنّ وضع أهدافٍ توسّعية، من قبيل بناء الأمم وتغيير الأنظمة، أمرٌ ممكنٌ ومرغوبٌ في آنٍ معًا. غير أنّه حتى الانتصارات العسكرية الساحقة ليس من السهل تحويلها إلى تحوّلاتٍ اجتماعية وسياسية دائمة. وكثيرًا ما يرفض القادة الأميركيون القبول بنجاحٍ جزئي، فيجعلون من الكمال عدوًّا للجيّد.

وتُعدّ النقاشات الدائرة حول إرسال المساعدات إلى أوكرانيا عقب الغزو الروسي عام 2022 مثالًا صارخًا على ذلك. إذ يجادل كثيرٌ من أركان المؤسسة الأميركية للسياسة الخارجية بأنّه على الرغم من أنّ المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية أعانت أوكرانيا على صدّ الهجوم الروسي الأول والوصول إلى حالة جمود، فإنّه لا يمكن أبدًا التوصّل إلى حلٍّ تفاوضي. (والحقيقة أنّه، على الرغم من كون روسيا شريكًا مُتلكِّئًا في التفاوض في أفضل الأحوال، فإنّ عملية السلام أُعيقت بسبب سوء الإدارة ونقص الخبرة على الجانب الأميركي).

وعانت المرحلة التي سبقت عملية الغضب الملحمي من تفكيرٍ ثنائيٍّ حادٍّ مشابه. فقد تمكّنت الإدارة الأميركية، في واقع الأمر، من توظيف الضغط الاقتصادي والتهديد بالقوة العسكرية للدخول في مفاوضاتٍ جادّة مع إيران بشأن احتواء طموحاتها النووية. وقبيل اندلاع الحرب بوقتٍ قصير، كانت إيران قد عرضت وقف التخصيب المحلّي، وإزالة مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصّب، والسماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (International Atomic Energy Agency). غير أنّ إدارة ترامب لم تقتنع بمثل هذه التسوية، مُفضّلةً المراهنة على نصرٍ مطلق.

ولعلّ أهمّ عاملٍ بنيوي يُشجّع الرؤساء على الانخراط المتكرّر في حروبٍ لا ضرورة لها هو أنّ المواطن الأميركي لا يزال معزولًا على نحوٍ غير معتاد عن تبعات هذه التدخّلات. فحتى الآن، وقعت التداعيات السلبية للحرب على إيران أساسًا على دول الخليج. ويعني إرساء نظام «الجيش التطوّعي بالكامل»[7] في الولايات المتحدة أنّ الكلفة المباشرة للحرب تتحمّلها شريحةٌ أصغر بكثير ومنغلقة على ذاتها من السكان الأميركيين، إذ بات الذين يختارون التطوّع، على نحوٍ متزايد، من أقارب المحاربين القدامى أنفسهم، لا من شريحةٍ عريضة من عموم الأميركيين. كما أنّ التقدّم التكنولوجي يعني حاجةً أقلّ إلى الجنود لخوض حروبٍ بعيدة المدى. وتُعدّ الخسائر البشرية في العراق وأفغانستان، نحو 7000 قتيلٍ من العسكريين الأميركيين، منخفضةً مقارنةً بحروبٍ كحرب كوريا أو فيتنام. ولا شكّ أنّ أفراد القوات الأميركية وأسرهم يشعرون بالرعب والقلق، لكنّ الثمن الوحيد الظاهر لمعظم الأميركيين في نزاعٍ إيراني بات مطوّلًا هو التضخّم الزاحف والناجم عن اضطراب أسواق الطاقة.

وهذه الكلفة حقيقية: إذ يُتوقّع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي لعام 2026 أقلّ من تقديرات عام 2025، كما جعلت الحرب من الأصعب على كثيرٍ من الأميركيين تحمّل نفقات المعيشة اليومية. ويُعدّ ارتفاع تكلفة المعيشة السبب الرئيس الذي يدفع ترامب إلى محاولة التفاوض على تسوية. ومع ذلك، يبقى لافتًا أنّ الولايات المتحدة شنّت حربًا على بلدٍ يبلغ تعداده 93 مليون نسمة، وقتلت قيادته، وقصفت بنيته التحتية العسكرية والمدنية، وساهمت في خنق أهمّ ممرٍّ مائيٍّ عالمي لشحن الطاقة، وكان أشدّ الأثر ظهورًا على الأميركي العادي مجرّد ارتفاعٍ في التضخّم بنقطتين مئويتين، ليصل إلى 4.8 في المئة في أيار/ مايو 2026 (قبل أن يتراجع لاحقًا إلى 3.5 في المئة). فعزلة الأميركيين عن الحروب التي تخوضها واشنطن، وتشتّت كلفتها، يُسهمان في تفريغ المعارضة السياسية من مضمونها. ووفقًا لاستطلاعٍ أجرته صحيفة «واشنطن بوست» ومؤسسة «إبسوس» (Washington Post–IPSOS) في تموز/ يوليو 2026، باتت الحرب على إيران اليوم غير مرغوبةٍ لدى الأميركيين بالقدر ذاته الذي كانت عليه حرب فيتنام في عامها السادس، لكن من غير المرجّح أن يخرج الأميركيون إلى الشوارع احتجاجًا على ذلك في أيّ وقتٍ قريب.

قمة جبل الجليد

وقد يدفع تكتّم كلفة الحروب الأميركية بعضهم إلى استنتاج أنّ حربًا سيئة التخطيط، كعملية الغضب الملحمي، ليست ذات شأنٍ كبير. فالثمن الاقتصادي والبشري الذي تحمّله الأميركي العادي جرّاء عشرين عامًا من الحروب السابقة في الشرق الأوسط كان هو الآخر معتدلًا نسبيًا. إذ كانت أعداد القتلى والجرحى الأميركيين في أفغانستان والعراق أقلّ بكثير مما كانت عليه في حروبٍ أميركية سابقة؛ ففي فيتنام، توفي عددٌ يفوق سبعة أضعاف عدد قتلى هذين النزاعين مجتمعين. وكانت الكلفة الاقتصادية متناثرة، أُحيلت إلى الأجيال المقبلة في هيئة إضافاتٍ إلى الدَّين الوطني.

غير أنّ هذا الاستنتاج خاطئ. فحروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، الماضية منها والحاضرة على حدٍّ سواء، تحمل كُلفًا إستراتيجية طويلة الأمد أضرّت فعلًا بمكانة البلاد في العالم وبقدرتها على منافسة القوى العظمى الأخرى. والتاريخ واضحٌ في هذا الشأن: فالقوى العظمى التي تُفرط في التمدّد في نزاعاتٍ هامشية كثيرًا ما تجد نفسها عاجزةً عن التعامل مع مصالحها الإستراتيجية الجوهرية. والأكثر وضوحًا أنّ الولايات المتحدة باتت تُعاني نقصًا حادًّا في الذخائر. فرغم النقاش الدائر حول زيادة الإنتاج، لا يستطيع البنتاغون تعويض هذه المنظومات بسهولةٍ في القريب العاجل، ما يخلق معادلة مفاضلة: فكلّ صاروخٍ اعتراضي يُستخدم للدفاع عن قاعدةٍ أميركية أو حليفٍ ضدّ الصواريخ الإيرانية هو صاروخٌ لن يكون متاحًا للاستخدام في مكانٍ آخر. ويتطلّب الردع الفعّال مصداقيةً وقدرةً عسكرية معًا، فإن لم تمتلك القوات الأميركية في شرق آسيا أو دول البلطيق أو غيرها ذخائر كافية، فلن يكون بمقدورها ردع الصين أو روسيا أو أيّ طرفٍ آخر.

أما الكلفة البديلة الأوسع لحماقات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فهي أشدّ خفاءً وخطورة. فالقوات المنتشرة لخوض حملاتٍ في الشرق الأوسط لا يمكن إرسالها إلى مناطق أخرى، والأموال المُنفقة على هذه الحروب لا يمكن استثمارها في قدراتٍ جديدة أو تقنياتٍ متطوّرة، كما أنّ كلفة إعادة بناء القواعد في الخليج تحدّ من قدرة الولايات المتحدة على تحصين بنيتها القاعدية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. بل إنّ حروب تغيير الأنظمة تتطلّب بنية قواتٍ مختلفة تمامًا، قواتٍ برّية أكبر بكثير من البحرية، على سبيل المثال. فإذا كان هدف واشنطن الأساسي هو حماية نصف الكرة الغربي أو ردع أيّ هجومٍ صيني في بحر الصين الجنوبي، فإنّ الطلب المستمر على حروب تغيير الأنظمة يقوّض تلك الأهداف بحرمان البنتاغون من إعادة هيكلة قواته أو التخطيط لطوارئ أخرى.

ولا يمكن حلّ هذه الكُلف البديلة بمجرّد زيادة الموازنة الدفاعية. فحتى لو أمكن جعل موازنة الدفاع التي تقترحها إدارة ترامب، البالغة 1.5 تريليون دولار، مقبولةً سياسيًا، فإنّ إنفاقًا عسكريًا بهذا الحجم، الذي يقارب خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وهي نسبةٌ لم تبلغها منذ عقود، سيسحب الاستثمار بعيدًا عن أولوياتٍ أخرى، وسيُشكّل عائقًا طويل الأمد أمام الابتكار والنمو الاقتصادي الأميركيين. فـ«الكينزية العسكرية»[8] (Military Keynesianism) تبدو جذّابة نظريًا، لكنّها نادرًا ما تكون وسيلةً فعّالة لتنشيط الاقتصاد، إذ تُنتج فرص عملٍ أقلّ لكلّ دولارٍ يُنفق مقارنةً بأشكالٍ أخرى من الإنفاق الحكومي، ولا تُحفّز الابتكار الواسع بفاعليةٍ مماثلة لأنواع النشاط الاقتصادي الأخرى.

لطالما كانت الفكرة القائلة إنّ الولايات المتحدة فرضت يومًا نظامًا عالميًا ليبراليًا قائمًا على القواعد بمعناه الحقيقي فكرةً مُبالغًا فيها. لكنّ الصحيح أنّ الجيش الأميركي ظلّ لعقودٍ ضامنًا عالميًا لحرية الملاحة وتدفّق الطاقة. أما كون الولايات المتحدة قد زعزعت مباشرةً أسواق الطاقة الدولية في نزاعها الأخير مع إيران، فذلك يقوّض ادّعاءها بأنّها حَكَمٌ عادلٌ على المشاعات العالمية. وتُشير استطلاعات الرأي الآن إلى أنّ نحو ثلث سكان العالم فقط يرون أنّ الولايات المتحدة تُسهم إسهامًا يُذكر في السلم والاستقرار العالميين. في غضون ذلك، بدّدت إدارة ترامب الحالية رصيدها الدبلوماسي في هذا النزاع، ما قلّص نفوذها وقدرتها على التأثير في نتائج ملفاتٍ أخرى، كأوكرانيا، حيث تراجعت إلى حدٍّ بعيد جهود السلام التي كانت تبذلها الإدارة الأميركية منذ بدء الحرب على إيران.

كلّ هذه الكُلف متناثرة ومؤجّلة. لكن بعد عشرين عامًا، ونتيجةً لاختيارها خوض هذه الحروب، قد تجد الولايات المتحدة نفسها بجيشٍ أقلّ فاعلية، ونفوذٍ عالميٍّ أضعف، بل واقتصادٍ أوهن. والواقع أنّ الحرب على إيران أثبتت صحّة حجّة إدارة ترامب الأصلية نفسها: ففي عالمٍ تنافسي، على الولايات المتحدة أن تُرتِّب أولويات توزيع مواردها الشحيحة لمواجهة أشدّ التحدّيات الإستراتيجية إلحاحًا. وعجز ترامب، شأنه شأن أسلافه، عن مقاومة إغراء استخدام القوة، لا يفعل سوى تعزيز الحجّة الداعية إلى الإصلاح.

تجرّع الكأس المُرّة

تُضيّق النزعة العسكرية الأميركية الراهنة الخيارات المستقبلية للبلاد. فلا يوجد إجماعٌ في واشنطن حول ما إذا كان على الولايات المتحدة الدفاع عن تايوان في حال وقوع هجومٍ صيني، وقد نُشرت آلاف الصفحات من النقاش حول هذه المسألة. غير أنّ استنزاف الذخائر في الشرق الأوسط يجعل هذا السؤال، على نحوٍ متزايد، سؤالًا بلا معنى. فإذا لم تعد الولايات المتحدة قادرةً على نجدة تايوان، فلن يكون الأمر خيارًا بعد الآن. ومع مرور الوقت، ستُشكّل القيود الناجمة عن الانغماس العسكري المفرط خياراتِ السياسة في مناطق أخرى أيضًا، وعلى نحوٍ متزايد.

سيتطلّب كسر بنية الحوافز التي تقود الولايات المتحدة بسهولةٍ مفرطة إلى نزاعاتٍ عسكرية نائية تغييرًا جذريًا، لا مجرّد انتخاب قادة يعدون بإنهاء الحروب الأبدية. فإغلاق بعض القواعد الأمامية، على سبيل المثال، من شأنه أن يُقلّص قدرة الولايات المتحدة على خوض التدخّلات. كما ينبغي على الكونغرس أن يستعيد قدرًا أكبر من سلطته على حروب الولايات المتحدة، بدءًا بممارسة سلطةٍ أكبر على الإنفاق العسكري. فالبنتاغون يُعاني بالفعل صعوبةً في تغطية نفقات الحرب على إيران من حساباته القائمة، ويمكن للكونغرس أن يرفض إضافة تمويلٍ طارئ لهذا النزاع أو لنزاعاتٍ مقبلة. وقد استجوبت لجان الكونغرس معيّني ترامب بشأن الحرب على إيران، لكنّها لم تُحقّق سوى تصريحاتٍ إعلامية عابرة.

ويمكن للكونغرس توسيع نطاق هذه الرقابة بضرب الإدارة في نقطةٍ حسّاسة: رفض التصريح بالإنفاق التقديري على الحرب. وقد تكون الدعاية السلبية مفيدةً أحيانًا، إذ يستطيع المشرّعون بسهولةٍ بذل جهدٍ أكبر للتشهير بالأوضاع المزرية التي تعرّض لها أفراد القوات الأميركية بسبب الحرب على إيران. وفي المستقبل، يمكن للمشرّعين أن يرفضوا التصديق على تعيين مسؤولين في السلطة التنفيذية ممّن كانوا ضالعين في قرار الشروع بحروبٍ هامشية. فرغم هذا الكمّ الكبير من الإخفاقات السابقة، لا تزال نقاشات السياسة الخارجية في واشنطن، في أحيانٍ كثيرة، تخضع لهيمنة مسؤولين طاعنين في السنّ اتّخذوا خياراتٍ كارثية.

سيكون الأمر صعبًا، لكنّ صنّاع القرار المستقبليين قد يسعون أيضًا إلى تفكيك العلاقة الوطيدة بين البنتاغون وشركات التصنيع الدفاعي الأميركية. فمنظومة المشتريات الدفاعية مُتضخّمةٌ وتفتقر إلى المساءلة. ومع ذلك، فإنّ ضخّ صناعة الدفاع مليارات الدولارات في الضغط على الكونغرس والتأثير في نقاشات السياسات يُسهم في تغذية النزعة العسكرية الأميركية الطائشة. ومن شأن حظر تداول المشرّعين لأسهم شركات الدفاع أن يُساعد في ذلك، كذلك الأمر بالنسبة إلى تشريعاتٍ لمكافحة الفساد تُغلق أو تُقيّد «الباب الدوّار»[9] بين المناصب العسكرية العليا ووظائف التعاقد الدفاعي المريحة. وتمامًا كما شجّع المسؤولون الأميركيون على اندماج شركات التصنيع الدفاعي عقب نهاية الحرب الباردة، يمكنهم الآن تشجيع تنويع هذه الصناعة بعيدًا عن الشركات العملاقة المهيمنة.

لقد تحوّل الرأي العام الأميركي منذ أمدٍ بعيد ضدّ المغامرات العسكرية وحروب تغيير الأنظمة، وبخاصةٍ في الشرق الأوسط. ومع ذلك، وبعد عشرين عامًا كاملة على انتخاب أوباما على وعدٍ بالتحرّر من إرث بوش، لا يزال صنّاع القرار يُجرّون إلى المنطقة بفعل بنية حوافز تجعل استخدام القوة أمرًا جذّابًا وتُقلّل من كلفته قصيرة الأمد. ومهما بدت هذه الحروب الأبدية غير ضارّةٍ في نظر الأميركي العادي، فإنّها تستنزف الموارد العسكرية للبلاد، وتُنهك بالتالي قوة واشنطن. وفي نهاية المطاف، ستجد الولايات المتحدة نفسها مقيّدة، عاجزةً عن خوض كلّ معركةٍ، في كلّ مكان، في آنٍ واحد. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت تريد أن تُقرّر بشكلٍ استباقي أين تستخدم مواردها، أم أنّها تريد أن تُكبَّل يداها بسلسلةٍ من النزاعات الأبدية بلا نهاية.


إحالات:

[1] "US LNG Exports Break Record High as Middle East War Disrupts Global Supply," BOE Report, April 1, 2026, https://boereport.com/2026/04/01/us-lng-exports-break-record-high-as-middle-east-war-disrupts-global-supply/; "US LNG Exports to Asia Surged in April as Middle East Conflict Curtailed Supply," BOE Report, May 1, 2026, https://boereport.com/2026/05/01/us-lng-exports-to-asia-surged-in-april-as-middle-east-conflict-curtailed-supply/

[2] "While Asia and Europe Scramble for Natural Gas, the U.S. Glut Has Nowhere to Go," Gas Processing & LNG, May 2026, http://admin.gasprocessingnews.com/news/2026/05/while-asia-and-europe-scramble-for-natural-gas-the-us-glut-has-nowhere-to-go/; Jamison Cocklin, "Asia Pulling in More US LNG Amid Iran War, but Europe Still Top Destination," Natural Gas Intelligence, August 12, 2026, https://naturalgasintel.com/news/asia-pulling-in-more-us-lng-amid-iran-war-but-europe-still-top-destination/

[3] "How Wartime Purges Are Reshaping U.S. Military Doctrine?" Al Habtoor Research Centre, June 1, 2026, https://www.habtoorresearch.com/programmes/wartime-purges-us-military/

[4] "With U.S. at War, Hegseth's Army Leadership Purge Raises Questions," Christian Science Monitor, April 4, 2026, https://www.csmonitor.com/USA/Military/2026/0404/iran-war-hegseth-army-general-fired; "What to Know About the Army Chief Hegseth Ousted," TIME, April 3, 2026, https://time.com/article/2026/04/03/hegseth-army-firings-chief-of-staff/

[5] "Pentagon Pete Hegseth Purge Victims Expose Petty Reason They Were Ousted," The Daily Beast, July 23, 2026, https://www.thedailybeast.com/pentagon-pete-hegseth-purge-victims-expose-petty-reason-they-were-ousted/

[6] تفويض استخدام القوة العسكرية (Authorization for Use of Military Force - AUMF): قرارٌ يُصدره الكونغرس الأميركي يمنح الرئيس صلاحية استخدام القوة العسكرية من دون إعلان حربٍ رسمي؛ وآخر تفويضٍ من هذا النوع صدر عام 2002 بشأن غزو العراق. (المترجم).

[7] الجيش التطوّعي بالكامل (All-Volunteer Force): نظامٌ تبنّته الولايات المتحدة عام 1973 لإلغاء التجنيد الإجباري والاعتماد كليًا على المتطوّعين لملء صفوف قواتها المسلحة (المترجم).

[8] الكينزية العسكرية (Military Keynesianism): مصطلحٌ يشير إلى استخدام الإنفاق العسكري أداةً لتحفيز الاقتصاد، استنادًا إلى الفكرة الكينزية القائلة إنّ الإنفاق الحكومي يُنعش الطلب والنمو، إلّا أنّ الأدبيات الاقتصادية تُشكّك في نجاعته مقارنةً بأوجه الإنفاق الحكومي الأخرى (المترجم).

[9] الباب الدوّار (Revolving Door): مصطلحٌ يصف التنقّل المتكرّر للأفراد بين مناصب حكومية رفيعة (كالجيش) ووظائف في القطاع الخاص المرتبط بها (كشركات التصنيع الدفاعي)، بما يُثير تساؤلاتٍ حول تضارب المصالح (المترجم).