22/08/2026 - 18:28

خسارة حرب المستقبل: كيف تهدد التكنولوجيات الجديدة التفوق العسكري الأميركي؟

تكمن أهمية هذه المقالة في كونها تسجيلًا مباشرًا، من داخل المؤسسة الأميركية نفسها، لكيفية تفكير واشنطن في الحفاظ على تفوّقها العسكري عبر التاريخ...

خسارة حرب المستقبل: كيف تهدد التكنولوجيات الجديدة التفوق العسكري الأميركي؟

عرض للأصول العسكرية في جناح وزارة الحرب الأميركية (Getty)

مُقدّمة المُترجم:

بول شار (Paul Scharre) نائب الرئيس التنفيذي في مركز الأمن الأميركي الجديد (Center for a New American Security - CNAS)، أحد أبرز مراكز الأبحاث في واشنطن المعنية بالأمن القومي والسياسة الدفاعية، وقد عمل سابقًا في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما، إضافة إلى خدمته في الجيش الأميركي بجولات متعددة في العراق وأفغانستان. ليست هذه الخلفية المؤسسية تفصيلًا هامشيًا: فالكاتب لا يكتب من موقع المراقب المحايد، بل من صميم المؤسسة العسكرية والأمنية التي يتناول مصيرها، وهو ما يفسر إطاره التحليلي الذي يعتبر "التفوق العسكري الأميركي" غاية مشروعة بذاتها تحتاج فقط إلى صيانة وتحديث.

ولا ينفصل هذا التفوق عن تحوّل عميق طرأ على قطاع التكنولوجيا الأميركي الخاص، الذي بات، على نحو متزايد، ذراعًا فعلية للمؤسسة العسكرية والاستخباراتية. فخلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران عام 2026، أوقفت شركتا الأقمار الصناعية الأميركيتان "فانتور" (Vantor، المعروفة سابقًا باسم Maxar) و"بلانِت لابز" (Planet Labs) نشر صورهما عالية الدقة لمناطق النزاع في إيران وإسرائيل ودول الخليج، تلبيةً لطلب الحكومة الأميركية، في تطبيق حديث لما يُعرف بـ"التحكم بمغلاق الأقمار الصناعية" (shutter control). كما وثّقت تحقيقات صحفية تأخّر "غوغل" في تحديث صورها الفضائية لمناطق الدمار في قطاع غزة، مقارنةً بسرعة تحديثها مناطق أخرى، وهو ما يكشف أن حياد شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى ليس سوى واجهة، وأنها في لحظات الحرب تصطف إلى جانب الجيش والدولة.

ومع كل ما سبق، تكمن أهمية هذه المقالة في كونها تسجيلًا مباشرًا، من داخل المؤسسة الأميركية نفسها، لكيفية تفكير واشنطن في الحفاظ على تفوّقها العسكري عبر التاريخ: فكما استثمرت الولايات المتحدة في سباق التسلح النووي وسباق الفضاء خلال الحرب الباردة لتثبيت هيمنتها، تُواصل اليوم النهج ذاته عبر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة. واللافت أن كثيرًا من التقنيات التي نستخدمها اليوم في حياتنا المدنية، من الإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، إلى تطورات الطيران التجاري وتقنيات الطب العسكري في علاج الجروح ونقل الدم، هي في الأصل ابتكارات عسكرية أميركية، وهو ما يجعل قراءة هذه المقالة مفيدة لفهم كيف تتحول الحروب، تاريخيًا، إلى محرّك رئيسي للتقدّم التكنولوجي الذي يطال حياتنا جميعًا، شئنا أم أبينا.

المقالة:

سيطرت الولايات المتحدة، في حملتها الأخيرة ضد إيران، على الأجواء مستخدمةً قوتها الجوية التقليدية. وقصف الجيش الأميركي أهدافًا إيرانية، منفذًا أكثر من 13 ألف غارة. إلا أن هذه البراعة والقوة النارية المدمرة لم تمنع إيران من الرد. فعلى مدار 39 يومًا من النزاع، الذي بدأ في 28 شباط/فبراير وانتهى في 8 نيسان/أبريل 2026، أطلقت إيران أكثر من 2200 صاروخ و4400 طائرة مُسيَّرة على دول في المنطقة. ودُمرت أو تضررت ثماني طائرات أميركية على الأقل جراء الهجمات الإيرانية. كما أصيبت عدة رادارات أميركية، وقُتل سبعة من أفراد الجيش الأميركي. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، لا يزال النظام الإيراني مسيطرًا على مضيق هرمز. ولم تحقق الولايات المتحدة أهدافها في الحرب، رغم أنها، وفقًا لجميع المقاييس، أقوى بكثير من إيران.

إن التفوق التكنولوجي الذي لطالما اعتمد عليه الجيش الأميركي لمنحه ميزة على منافسيه آخذ في التضاؤل. فبخلاف العصور الماضية، حين كانت الولايات المتحدة متقدمة بشكل كبير في مجال التخفي والأسلحة الموجهة بدقة، فإن العصر الحالي لن يمنحها ميزة في التقنيات التي تُغير وجه الحروب اليوم: الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي.

كان الصراع مع إيران بمثابة أول تجربة للولايات المتحدة في حقبة جديدة من الحروب. فالتقنيات الناشئة تُسهم في جعل الفرصة متقاربة و/أو متساوية بين واشنطن وخصومها. ويُتيح انتشار تكنولوجيا الطائرات المسيّرة بأسعار معقولة وقدرات الذكاء الاصطناعي للدول الصغيرة والفاعلين دون الدولة (Non-state actors) فرصةً للتأثير بقوة تفوق حجمهم. وبات بإمكان هؤلاء الخصوم الآن ضرب القواعد الأميركية الخلفية[1]، مُلحقين خسائر بشرية وأضرارًا بالطائرات الأميركية باهظة الثمن. وقد دمرت الهجمات الصاروخية الإيرانية على القواعد الأميركية في الخليج طائرة إنذار مبكر من طراز E-3 Sentry. وتُعد هذه الخسارة أكبر من تكلفة الطائرة البالغة 300 مليون دولار، نظرًا لأن أسطول الولايات المتحدة من طائرات E-3 انخفض الآن إلى 15 طائرة فقط، وبرنامج استبدالها لا يزال بعيد المنال. كما استهدفت الصواريخ الإيرانية خمس طائرات تزويد بالوقود من طراز KC-135 Stratotanker، بالإضافة إلى العديد من الرادارات الأرضية الأميركية.

لم تُغير الطائرات المسيّرة ديناميكيات الحرب فحسب، بل غيّرت اقتصادياتها أيضًا. ففي الخليج [العربي] وغيره، تستطيع الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة، جوًا وبحرًا، تدمير أصولٍ أغلى ثمنًا بكثير. استخدمت أوكرانيا زوارق كاميكازي مسيّرة وصواريخ مضادة للسفن لتدمير أسطول البحر الأسود الروسي، فأغرقت 13 سفينة بعد عامين من الحرب، وألحقت أضرارًا بعشرات السفن الأخرى. ويمكن لزورق مسيّر لا تتجاوز قيمته 300 ألف دولار أن يُعطّل سفينة حربية تابعة للبحرية تُقدّر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، لكنها لم تستعد بعد لعصر جديد من الحروب تحدده هذه الحقائق. فهي بحاجة إلى إنتاج المزيد من الطائرات المسيّرة والطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة، كما تحتاج إلى التكيف على نحوٍ أفضل مع متطلبات المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فكما لا يستطيع الجيش حشد قوة جوية دون بناء طائرات، ولا السيطرة على البحار دون سفن، فإنه لا يستطيع الانتصار في عصر الذكاء الاصطناعي دون تسخير البيانات، وشراء قدرات حاسوبية، وتعلم أفضل السبل لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي. وللحفاظ على تفوقه في ساحة المعركة، يجب على الجيش الأميركي إيجاد طرق لاستيعاب هذه التقنيات الجديدة بكفاءة. وهذا يتطلب تجاوز الحواجز الثقافية والإدارية داخل القوات المسلحة، وتوطيد العلاقات مع القطاع الخاص، وإيجاد طرق جديدة لتقييم القوة العسكرية. ولكن إذا لم يتكيف الجيش الأميركي بهذه الطريقة، فسيجد نفسه، على نحو متزايد، في مواجهة منافسة شرسة في ساحة المعركة. فبعد عقود من الهيمنة التي ضمنها تفوقها التكنولوجي، ستتراجع الولايات المتحدة لأنها سمحت لتقدمها بالتلاشي بصورةٍ خطيرة.

لعبة المُسيَّرات

لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على الابتكار التكنولوجي لتحقيق التفوق على خصومها. ففي بدايات الحرب الباردة، اعتمد مخططو الدفاع الأميركيون على الأسلحة النووية لموازنة التفوق العددي للجيش السوفيتي في أوروبا. وفي سبعينيات القرن الماضي، أدخلت الولايات المتحدة ثورة المعلومات في تخطيطها العسكري، ومنحتها التطورات في أشباه الموصلات وشبكات الحاسوب والأقمار الصناعية ريادةً في أنظمة التخفي والأسلحة الموجهة بدقة ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS). وقد أثبتت هذه التقنيات أهميتها البالغة في حرب الخليج 1990-1991، عندما فككت الولايات المتحدة الجيش العراقي بشكل منهجي. وكان تأثيرها أكثر إثارة للإعجاب خلال غزو العراق عام 2003، عندما سيطرت القوات الأميركية على بغداد في غضون ثلاثة أسابيع فقط. وفي عام 2014، أطلق البنتاغون إستراتيجية "التعويض الثالث" (Third Offset Strategy)[2]، التي سعت إلى استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتعويض التفوق العددي للقوات الصينية والروسية. وقد دفعت هذه الإستراتيجية الجيش الأميركي إلى تسخير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الناشئة من القطاع التجاري، وأقنعت المسؤولين الأميركيين بإمكانية ترسيخ تفوق تكنولوجي دائم على الخصوم.

لكن هذه المرة، لن تنجح هذه الإستراتيجية. لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بميزة واضحة في التقنيات الناشئة، ولن تتمكن من اكتسابها.

لنأخذ على سبيل المثال المركبات المُسيَّرة (غير المأهولة، Unmanned Vehicles). فالطائرات المسيّرة الرخيصة متوفرة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، ولن تتمكن الولايات المتحدة من منع منافسيها من نشرها بأعداد كبيرة. وقد برزت إيران في السنوات الأخيرة بصفتها منتجًا رئيسًا للطائرات المسيّرة الرخيصة، وزوَّدت روسيا بآلاف الطائرات المسيّرة لحربها في أوكرانيا. وبناءً على تصاميم إيرانية، أنتجت روسيا عشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة الأخرى.

ينبغي أن تكون الولايات المتحدة قادرة، نظريًا، على إنتاج أعداد هائلة من هذه الأسلحة. فالطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة لا تعتمد على أي تقنية خاصة. لكن الجيش الأميركي يواجه، عمليًا، صعوبة في نشر طائرات مسيّرة رخيصة بأعداد كبيرة. تنتج أوكرانيا أربعة ملايين طائرة مسيّرة سنويًا، بينما لا يحصل الجيش الأميركي إلا على 50 ألف طائرة.

أولى قادة البنتاغون في إدارتي بايدن وترامب أولويةً لإنتاج طائرات مُسيَّرة منخفضة التكلفة، إلا أن مشاكل هيكلية حالت دون ذلك. تعتمد الطائرات العسكرية الصغيرة المُسيَّرة على تقنية طُوّرت في الأصل لسوق الهواة التجاري، الذي تهيمن عليه شركة "DJI" الصينية[3]. ولأن الجيش الأميركي لا يرغب، عن حق، في الاعتماد على معدات عسكرية من منافسه الرئيس، ينتهي به الأمر بشراء طائرات مُسيّرة أميركية الصنع أغلى بكثير (والتي لا تزال تستخدم، في كثير من الأحيان، مكونات صينية).

والأكثر إدانةً أن الولايات المتحدة ببساطة لا تجيد بناء أي شيء بتكلفة منخفضة، أو الاستجابة السريعة، أو التوسع السريع. فعلى مدى عقود، شهد الإنتاج الدفاعي الأميركي ارتفاعًا مطردًا في التكاليف نحو منصات دفاعية "متطورة" على نحوٍ متزايد، وهو مصطلح عسكري يُشير إلى أسلحة متقدمة وباهظة الثمن ومنخفضة الإنتاج. في المقابل، غيّرت الطائرات المسيّرة المشهد العسكري نحو أسلحة منخفضة التكلفة وقابلة للاستهلاك (أو يمكن الاستغناء عنها)، ويمكن إنتاجها بكميات كبيرة.

كانت الولايات المتحدة بطيئة في التكيف. فقد هدفت مبادرة "ريبليكيتور" (Replicator)[4] التابعة لوزارة الدفاع عام 2023 إلى نشر آلاف الأنظمة ذاتية التشغيل منخفضة التكلفة بسرعة، لكنها لم تُنتج سوى المئات. وأعلنت القيادة الحالية للبنتاغون عن خطط لتوسيع إنتاج الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، مُخصصةً أكثر من مليار دولار لإنتاج 340 ألف طائرة مسيّرة بحلول عام 2027. ووضع الجيش هدفًا أكثر طموحًا يتمثل في إنتاج مليون طائرة مسيّرة على الأقل بحلول عام 2028. ولتحقيق هذه الأهداف، سيحتاج الجيش إلى توفير تمويل ثابت وكبير لبناء قاعدة صناعية للطائرات المسيّرة الصغيرة، والتي لا توجد حاليًا على نطاق واسع.

لكن تكنولوجيا الطائرات المسيّرة لا تتوقف عند هذا الحد. فسرعان ما ستتمكن هذه المركبات من العمل بقدر أكبر من الاستقلالية وبتنسيق أوثق مع الآلات الأخرى. تُقاد معظم الطائرات المسيّرة اليوم عن بُعد أو تستخدم أنظمة أتمتة بسيطة، مثل اتباع نقاط محددة أو العودة إلى القاعدة في حال انقطاع الاتصال مع الطيار البشري. وقد أصبحت أوكرانيا ساحة اختبار لميزات استقلالية أكثر تطورًا. فعلى سبيل المثال، تتمتع العديد من الطائرات المسيّرة الأوكرانية بنظام توجيه طرفي ذاتي[5]، مما يسمح للطائرة المُسيَّرة بالوصول إلى الهدف بمئات الأمتار بمفردها إذا ما قطع التشويش المعادي الاتصال بين الطائرة والطيار البشري. كما تُنتج أوكرانيا طائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى قادرة على قطع مسافة تصل إلى 600 ميل (965 كم) والتنقل ذاتيًا دون نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، من خلال مطابقة الصور الملتقطة بكاميراتها مع صور الأقمار الصناعية المُحمّلة مسبقًا. ستُعتمد هذه الابتكارات على نطاق أوسع بكثير من أوكرانيا. فسرعان ما ستمتلك المزيد من الدول والفاعلين دون الدولة طائرات مسيّرة مماثلة قادرة على ضرب الأهداف حتى في حال تمكن الخصوم من حجب الاتصالات ومنع الطائرة من الوصول إلى نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). ستُجهز الطائرات المسيّرة بأنظمة توجيه ذاتية أكثر تطورًا تسمح لها بمسح مناطق واسعة وتحديد الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل تمامًا.

ستُحدث هذه التطورات تحولًا جذريًا في أساليب الحرب. فما يُعد اليوم مجرد طائرات مسيّرة بسيطة، سيتحول غدًا إلى أسراب ذكية: آلاف الطائرات المسيّرة التي تتفاعل في الوقت الفعلي مع الظروف المتغيرة في ساحة المعركة. ستُستخدم هذه الأسراب لمطاردة الأهداف المتحركة، وشن هجمات متزامنة لإرباك الدفاعات، وبناء شبكات اتصالات ولوجستيات قادرة على الصمود أمام التشويش والتعطيل والهجمات المعادية. ستتمكن أسراب الروبوتات ذاتية التشغيل من العمل بسرعة وتنسيق وديناميكية لا يستطيع الطيارون البشريون محاكاتها.

يتطلب الاستفادة الكاملة من أسراب الطائرات المسيّرة إعادة نظر جذرية في القيادة والسيطرة العسكرية، والهياكل التنظيمية، وكيفية توجيه القادة للقوات العسكرية في ساحة المعركة. لن يقوم المشغلون العسكريون بقيادة الطائرات المسيّرة مباشرةً، بل سيقودون أسرابًا كاملة تضم مئات أو آلاف الطائرات، حيث تتولى هذه الطائرات تنسيق سلوكها ذاتيًا. سيتعين على الجيوش تحديد أنواع التوجيهات التي يجب إعطاؤها للأسراب، وكيفية تنسيق الطائرات المسيّرة فيما بينها. سيستلزم ذلك تغييرًا جذريًا عن نماذج القيادة التقليدية في الجيش، واستبدال الهياكل الهرمية بهياكل أكثر لا مركزية.

تُغيّر المسيّرات بالفعل ديناميكيات ساحة المعركة بطرق لم تُدركها الولايات المتحدة بعد. ففي الحرب الأوكرانية، على سبيل المثال، صعّبت الطائرات المسيّرة المُستمرة في الأجواء على كلا الجانبين حشد القوات. وتُعدّ الطائرات المسيّرة الآن مسؤولة عن غالبية الخسائر الروسية، لتحلّ محلّ المدفعية. وقد أظهرت الحرب في إيران كيف جعلت الطائرات المسيّرة القواعد البعيدة عن خطوط المواجهة عُرضةً للخطر. وسيتعين على الجيش الأميركي التكيّف مع هذا الواقع الجديد، من خلال زيادة استثماراته في التمويه والشراك الخداعية وغيرها من وسائل التخفي عن الرصد، وتوزيع القوات لتقليل المخاطر.

تحتاج الولايات المتحدة أيضًا إلى وسائل أكثر فعالية من حيث التكلفة للدفاع ضد الأعداد الهائلة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الرخيصة التي يمكن للخصوم إطلاقها. لقد قطعت أنظمة الدفاع الصاروخي شوطًا طويلًا خلال الخمسة والثلاثين عامًا الماضية منذ حرب الخليج، حين كانت بطاريات باتريوت الأميركية عاجزة تمامًا تقريبًا عن إسقاط صواريخ سكود العراقية التي كانت تستهدف إسرائيل. لكن تكنولوجيا الصواريخ الهجومية تطورت أيضًا، وتزايد خطر الطائرات المسيّرة على نحوٍ كبير. وكانت النتيجة النهائية أن الولايات المتحدة خسرت مواقعها رغم تفوقها. أنظمة الدفاع الصاروخي اليوم فعالة، لكنها مكلفة. أسقطت الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج 1700 صاروخ باليستي وطائرة مسيّرة إيرانية منذ نهاية شباط/فبراير 2026، لكن نسبة التكلفة إلى العائد كانت في صالح إيران بصورةٍ كبيرة. إن اعتراض طائرة شاهد المسيّرة التي تبلغ قيمتها 35 ألف دولار (أو 7 آلاف دولار وفقًا لبعض التقديرات الحديثة) بصاروخ باتريوت قيمته 4 ملايين دولار لن يكون إلا نصرًا باهظ الثمن. ترى واشنطن الخسائر تتراكم في ميزانيتها.

لا يمتلك الجيش الأميركي ما يكفي من صواريخ الاعتراض، وقد أدت الحرب ضد إيران إلى استنزاف مخزونات الولايات المتحدة بسرعة. فمنذ بداية الحرب، استخدمت الولايات المتحدة ما يقارب نصف صواريخ باتريوت، وما بين 50 و80 بالمئة من صواريخ ثاد الاعتراضية. وتتخذ إدارة ترامب خطوات لزيادة الطاقة الإنتاجية، لكن سيستغرق الأمر سنوات لتعويض هذه الخسائر. وسيؤدي استنزاف هذه المخزونات إلى جعل القوات الأميركية عرضة للخطر ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضًا في آسيا وأوروبا.

وكما هو الحال مع الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، يتخذ البنتاغون خطوات لتطوير وتوسيع نطاق إنتاج الطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة. تبلغ تكلفة طائرات "كيوتي" (Coyote) الاعتراضية الأميركية حوالي 125 ألف دولار للطائرة الواحدة، بينما تبلغ تكلفة طائرات "ميروبس" (Merops) الاعتراضية حوالي 15 ألف دولار للطائرة الواحدة، وهو تحسن كبير مقارنة بالصواريخ التي تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات. ستحتاج واشنطن إلى زيادة إنتاج هذه الطائرات الاعتراضية الأرخص ثمنًا لمواكبة التهديد المتزايد.

النموذج الأفضل تاليًا

سيُحدث الذكاء الاصطناعي تغييرات جذرية في الحروب. ورغم أن الولايات المتحدة تضمّ كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، فإنّ التطورات في هذا المجال ستُسرّع من تآكل التفوق التكنولوجي العسكري الأميركي. وتشغل واشنطن بما يُسمى "سباق الذكاء الاصطناعي" بين الولايات المتحدة والصين، لكن الواقع اليوم يُشير إلى تكافؤ تكنولوجي.

تتخلف نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية عن نظيراتها الأميركية الرائدة ببضعة أشهر فقط. وتستفيد شركات صينية مثل "DeepSeek" و"Moonshot"و"MiniMax" استفادةً فعَّالة من النماذج الأميركية، مستخدمةً إياها لتدريب نماذجها بتكلفة زهيدة. وقد رصدت شركات "أنثروپيك" (Anthropic) و"أوپن إيه آي" (OpenAI) و"غوغل" (Google) منافسين أجانب قاموا بجهود واسعة النطاق لاستخراج معلومات من النماذج الأميركية، في انتهاك لشروط استخدام تلك النماذج، وقامت بالإبلاغ عنهم. وتعوض الشركات الصينية محدودية وصولها إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بسبب قيود التصدير الأميركية، من خلال محاكاة المكاسب التي حققتها الشركات الأميركية التي تمتلك أقوى الرقائق وأكثرها تطورًا. هذه التقنية، التي تُسمى التقطير التنافسي[6]، تُبطل فعليًا الميزة الأميركية في أحدث قدرات الذكاء الاصطناعي.

من المجالات الأخرى التي تمتعت فيها الولايات المتحدة بتفوق حتى وقت قريب، استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير تحليلاتها الاستخباراتية وتخطيطها العملياتي. تُدمج نماذج اللغة الضخمة في نظام مافن (Maven) الذكي من شركة "بالانتير" (Palantir)[7]، الذي يجمع المعلومات الاستخباراتية من مصادر متعددة في واجهة واحدة تُمكّن المحللين من تقييم ساحة المعركة. يسمح الذكاء الاصطناعي لمحللي الاستخبارات والمخططين بتجميع كميات هائلة من البيانات وتخطيط الضربات. تشير التقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي استخدم أنظمة التعلم الآلي لمعالجة البيانات واقتراح أهداف للضربات في قطاع غزّة[8]، لكن من المرجح أن تكون عمليات الجيش الأميركي ضد إيران أول استخدام فعلي لنماذج اللغة الضخمة في ساحة المعركة. في إيران، حيث يُعاد توجيه الطائرات الحربية الأميركية على نحوٍ متكرر إلى أهداف جديدة أثناء تحليقها، استخدم الجيش الأميركي الذكاء الاصطناعي لتحديد أولويات الأهداف وبناء حزم الضربات في ظل ساحة معركة متغيرة باستمرار.

لكن في غضون أشهر قليلة، سيتمكن الجيش الصيني من الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي تتمتع بالقدرات نفسها. في الواقع، ستتمكن جميع الجيوش والجماعات العسكرية دون الدولة على مستوى العالم من الوصول إلى هذه الأدوات؛ فالذكاء الاصطناعي ليس سرًا محفوظًا لدى حكومات معينة، بل هو نتاج القطاع التجاري، وتنتشر هذه الابتكارات عالميًا بسرعة كبيرة. ورغم أن الشركات الأميركية الرائدة مستعدة للتعاون مع الجيش الأميركي، فإن تقنية الذكاء الاصطناعي تنتشر بوتيرة أسرع من قدرة الجيش على دمجها واعتمادها، فضلًا عن استخدامها لتطوير العمليات. في الحقيقة، ما يهم الجيوش ليس أي دولة تُطوّر أولًا أداة أو قدرة جديدة للذكاء الاصطناعي، بل أي جيش يستطيع تبنيها أولًا.

خلال فترات التغيرات التكنولوجية الجذرية، يتحدد نجاح أي جيش بمدى كفاءته في توظيف التكنولوجيا الجديدة. ففي أوائل القرن العشرين، على سبيل المثال، امتلكت جميع القوى العسكرية الرائدة آنذاك أسلحة جديدة كالدبابات والغواصات والطائرات. وكان التحدي يكمن في إيجاد أفضل السبل لاستخدامها.

شهدت الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية تجارب الجيوش على التقنيات الجديدة، واستحداث هياكل تنظيمية وعقائد وتدريبات جديدة لتسخير هذه الأسلحة. وكانت المملكة المتحدة أول من ابتكر حاملات الطائرات، لكنها تخلفت عن اليابان والولايات المتحدة قبيل الحرب العالمية الثانية. وكانت تكنولوجيا الطائرات البريطانية من بين الأكثر تقدمًا، إلا أن العقبات الثقافية والإدارية داخل الجيش البريطاني، مثل قراره الخاطئ بإسناد مسؤولية الطيران البحري إلى سلاح الجو الملكي بدلًا من البحرية، أبطأت من وتيرة تبني هذه التكنولوجيا.

هذا الأمر بالغ الأهمية لأن الأساليب، أكثر من المعدات والأنظمة المتطورة، هي التي تُحدث الفرق في ساحة المعركة. ففي نهاية المطاف، تدور معظم الحروب بين خصوم متقاربين في مستوى التكنولوجيا. وفي دراسة أجراها الباحث ستيفن بيدل (Stephen Biddle)[9] حول الحروب البرية بين عامي 1956 و1992، وجد أن الفارق الزمني بين الخصوم في التكنولوجيا العسكرية كان في المتوسط أقل من ثلاث سنوات.

أخطار السباق التكنولوجي الفائق

يُعدّ تقييد القدرة الحاسوبية للصين أمرًا بالغ الأهمية لتجاوز بيجين في تبني الذكاء الاصطناعي، ولتمكين الجيش الأميركي من استخدامه بفعالية أكبر، حتى وإن كانت الصين تمتلك نماذج ذكاء اصطناعي بالقدرات نفسها. فالقدرة الحاسوبية ضرورية لنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. ويتطلب استخدام أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة والقدرة الحاسوبية، وتستثمر شركات التكنولوجيا مئات المليارات من الدولارات في بناء مراكز بيانات ضخمة لتلبية الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي. واليوم، تُشابه القدرة الحاسوبية إلى حد كبير القدرة التصنيعية خلال العصر الصناعي. فكما حددت القدرة التصنيعية لأي دولة نموها الاقتصادي وقوتها العسكرية، ستحدد القدرة الحاسوبية الإجمالية قدرة أي دولة على استخدام الذكاء الاصطناعي، وبالتالي قوتها.

إن أقوى أداة تمتلكها الولايات المتحدة لإبطاء تقدم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي هي ضوابط التصدير التي تمنع الشركات الصينية من شراء الرقائق المتطورة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات. فالرقائق ضرورية لتدريب واستخدام أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، وتحتل الشركات الأميركية مواقع محورية في سلسلة توريد إنتاج الرقائق.

في عهد إدارة ترامب الأولى وإدارة بايدن، شددت الحكومة الأميركية تدريجيًا قيود التصدير على رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين. لكن في كانون الثاني/يناير 2026، تراجعت إدارة ترامب عن هذا المسار ووافقت على بيع شريحة H200[10] من شركة "إنفيديا" إلى الصين. وحتى نيسان/أبريل 2026، لم تُنقل هذه الرقائق إلى الصين بعد، على الرغم من إصدار وزارة التجارة تراخيص لكميات محدودة وتلقي "إنفيديا" طلبات من عملاء صينيين. ونظرًا للقيود العامة المفروضة على إمدادات رقائق تطوير الذكاء الاصطناعي والطلب المتزايد في الولايات المتحدة، فإن كل رقاقة تُباع للصين تُمثل خسارة لواشنطن ومكسبًا لبيجين. لذا، ينبغي على إدارة ترامب إعادة فرض الحظر على رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة المُصدّرة إلى الصين بدلًا من التخلي عن ريادة الولايات المتحدة لصالح منافس إستراتيجي.

ينبغي لإدارة ترامب أيضًا العمل مع اليابان وهولندا لتشديد ضوابط تصدير معدات تصنيع الرقائق الإلكترونية إلى الصين. تعتمد مصانع تصنيع الرقائق المتقدمة على تكنولوجيا من اليابان وهولندا والولايات المتحدة. وتسعى الصين جاهدةً لزيادة قدرتها التصنيعية المحلية لأشباه الموصلات لتقليل اعتمادها على الرقائق الأجنبية. ولكن من دون الوصول إلى معدات تصنيع الرقائق الأساسية، لن تتمكن الصين من إنتاج رقائق متطورة. مارست إدارة ترامب الأولى ضغوطًا كبيرة على هولندا لوقف مبيعات معدات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى[11] إلى الصين، وهي آلات ضرورية لتصنيع الرقائق الأكثر تطورًا. ومع ذلك، واصلت الصين إحراز تقدم باستخدام تقنية الطباعة الحجرية القديمة بالأشعة فوق البنفسجية العميقة، وهي تقنية غير خاضعة للقيود.

بالطبع، لن يُسهم تقييد وصول الصين إلى المعدات، كالرقائق الإلكترونية ومعدات تصنيعها، إلا قليلًا في الحد من مكاسبها من خلال استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي. ينبغي على الحكومة الأميركية أيضًا التعاون مع شركات الذكاء الاصطناعي لمكافحة المنافسين الأجانب الذين يستغلون قدرات النماذج الأميركية. ويجب على الكونغرس سنّ تشريعات لحماية الشركات الأميركية من المسؤولية القانونية المتعلقة بمكافحة الاحتكار عند تبادلها المعلومات حول استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي فيما بينها، على غرار التشريعات القائمة التي تتناول التهديدات السيبرانية. من شأن تعزيز التعاون بين شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية تحسين الدفاعات ضد استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي من خلال تبادل أفضل الممارسات ومعلومات التهديدات. كما ينبغي على واشنطن فرض عقوبات على الكيانات الصينية المتورطة في استغلال قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لشركات أميركية بشكل غير قانوني. من شأن فرض عقوبات على شركات صينية محددة أن يمنع الشركات الأميركية من التعامل معها، وفي أقصى الحالات، سيقطع هذه الشركات الصينية المخالفة عن النظام المالي العالمي.

قد ترغب مختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها، في بعض الحالات، في إبقاء بعض قدرات الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا بعيدة عن النشر العام، مما قد يُبطئ انتشارها. وقد اتبعت كل من "أوپن إيه آي" و"أنثروپيك" هذا النهج عند تأجيل إصدار أحدث نماذجها، مثل Mythos من "أنثروپيك"، خشية أن يستخدمها المخترقون في هجمات إلكترونية. وقد تعاونت "أنثروپيك" مع العديد من شركات التكنولوجيا الرائدة في مشروع Glasswing لاستخدام نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها لاكتشاف الثغرات الأمنية الإلكترونية ومعالجتها قبل انتشار قدرات أكثر خطورة. كما أنشأت "أوپن إيه آي" برنامج "الوصول الموثوق" الذي يسمح لآلاف خبراء الأمن السيبراني المعتمدين بالوصول إلى أدوات OpenAI للدفاع السيبراني.

قد تُتيح هذه الأساليب لمتخصصي الأمن السيبراني فرصةً أفضل للتصدي لقدرات الذكاء الاصطناعي الخطيرة القادمة، لكن الوقت يمر سريعًا. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، قدّر فريق أبحاث الذكاء الاصطناعي "إيبوك إيه آي" (Epoch AI)[12] أن أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي المتاحة للتحميل، أي النماذج التي يُمكن لأي شخص تحميلها، تطورًا كانت متأخرةً عن أحدث النماذج بثلاثة أشهر فقط. سيُؤدي تقييد النشر إلى إبطاء الانتشار من خلال جعل عملية استخلاص المعلومات من قِبل الخصوم أكثر صعوبة، لكنه لن يكون حلًا دائمًا. وقدّر جاك كلارك (Jack Clark)، المؤسس المشارك لشركة "أنثروپيك"، في نيسان/أبريل 2026 أن ما يُعتبر اليوم من أحدث قدرات الذكاء الاصطناعي السيبرانية سيكون متاحًا على نطاق واسع ومفتوح المصدر في غضون 12 إلى 18 شهرًا.

لا تستطيع واشنطن وقف انتشار قدرات الذكاء الاصطناعي، لكن بإمكانها مع ذلك تحقيق تقدم طفيف. فتمديد الفارق الزمني من ثلاثة أشهر إلى 18 شهرًا يمنح خبراء الأمن السيبراني والجيش الأميركي مزيدًا من الوقت لتبني أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبهذا المعنى، فإن اتباع النهج الصحيح في التعامل مع التكنولوجيا لن يمنح الولايات المتحدة ميزة دائمة، ولكنه سيوفر لواشنطن تقدمًا طفيفًا في سباق مستمر.

تحتاج الولايات المتحدة إلى استغلال هذا الوقت للابتكار، وتجربة الذكاء الاصطناعي، وتطوير مؤسساتها وعقائدها للاستفادة القصوى من أحدث التقنيات. ويتطلب ذلك تحولًا في طريقة التفكير، والابتعاد عن النهج البطيء والمتأني الذي يتبعه الجيش الأميركي عادةً في وقت السلم، إلى نهج حربي قائم على التكرار السريع والتكيف. وقد راجع الجيش الأميركي ممارساته بسرعة خلال حربي العراق وأفغانستان، حيث نشر المعدات بسرعة وعدّل التكتيكات لمواجهة خطر العبوات الناسفة اليدوية الصنع، ولإطلاق طائرات مُسيَّرة لمراقبة المتمردين. ولن تتمكن الإجراءات البيروقراطية التقليدية لوزارة الحرب الأميركية في تحديد متطلبات الأنظمة العسكرية، وميزانية التكاليف، وشراء التقنيات من مواكبة الذكاء الاصطناعي والتفوق على الخصوم. وبدافع من شعور ملحّ بالحاجة إلى التدخل، رفعت أوكرانيا إنتاجها من الطائرات المُسيَّرة إلى أربعة ملايين طائرة سنويًا. وبمعدل ناتج محلي إجمالي يبلغ 140 ضعف الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا، ينبغي أن تكون الولايات المتحدة قادرة على الاقتراب من هذا الرقم. على الرغم من أن الأمر استغرق سنوات حتى استثمر البنتاغون على نحوٍ كافٍ في المركبات المدرعة لمواجهة التهديد الناجم عن القنابل المزروعة على جوانب الطرق في العراق وأفغانستان بصورةٍ جديّة، فإنه بمجرد أن جعل وزير الدفاع روبرت غيتس (Robert Gates) ذلك أولوية في عام 2007، قام الجيش بنشر 10 آلاف مركبة مدرعة[13] في غضون عام ونصف تقريبًا.

لحسن الحظ، فإن القيادة الحالية في البنتاغون مستعدة لتغيير النهج المتبع. فقد قامت وزارة الحرب بنشر نماذج لغوية ضخمة على شبكاتها السرية وغير السرية، مما أتاح لثلاثة ملايين مستخدم عسكري ومدني في مختلف قطاعات المؤسسة الدفاعية الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي. كما تعمل قيادة البنتاغون على توسيع نطاق النماذج المتاحة عبر الشبكات، مما يتيح للموظفين الوصول إلى مجموعة متنوعة من منصات الذكاء الاصطناعي. وتشير المؤشرات الأولية إلى نتائج إيجابية، حيث أفادت وزارة الحرب بأن أكثر من مليون مستخدم قد استخدموا نماذج الذكاء الاصطناعي. إلا أن الوزارة ستحتاج إلى بذل المزيد من الجهود لخلق الحوافز البيروقراطية والثقافية المناسبة لتبني هذه النماذج، بما في ذلك منح الموظفين حرية تجربة الذكاء الاصطناعي وتقبّل الفشل والأخطاء.

أكدت إستراتيجية وزارة الحرب الأميركية للذكاء الاصطناعي، التي صدرت في كانون الثاني/يناير 2026، على أهمية السرعة. ولتبسيط الإجراءات، أنشأت الإستراتيجية "مجلسًا شهريًا لإزالة العوائق" لإلغاء القيود غير التشريعية التي قد تعيق تبني الذكاء الاصطناعي. ولتسهيل الوصول إلى البيانات، نصت الإستراتيجية على مشاركة البيانات مع المستخدمين المصرح لهم، وتبرير أي رفض لطلب بيانات خلال سبعة أيام. تُعد هذه خطوات إيجابية لتسريع وتيرة العمل في البنتاغون، لكن السرعة وحدها لن تكون كافية.

أزمة هوية

تُعدّ بعض أكبر العقبات التي تحول دون الاستفادة الكاملة من مزايا التكنولوجيا الحديثة ذات طابع ثقافي. فالتطورات التكنولوجية تتطلب أساليب جديدة في خوض الحروب، وقد تُشكّل هذه الأساليب تحديًا للعادات الراسخة والهويات المتأصلة في المؤسسات العسكرية. قاومت البحرية الأميركية الانتقال من السفن الشراعية إلى البخارية في القرن التاسع عشر، بل وتراجعت عن تبني البخار بعد الحرب الأهلية. واستمرت النقاشات حول كيفية استخدام الدبابات بأكثر الطرق فعالية في الجيش الأميركي طوال الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1943، كتب الفريق ليزلي ماكنير (Lesley McNair)[14]، قائد القوات البرية، مذكرةً إلى الجنرال جورج مارشال (George Marshall)، رئيس أركان الجيش، مُجادلًا بأن الهجوم الخاطف الذي شنته ألمانيا على فرنسا قبل ثلاث سنوات كان حالةً شاذة، وأن الدور الأمثل للدبابات هو دعم المشاة، لا قيادة هجوم مدرع بمفردها.

لا تزال القوات المسلحة اليوم محافظة على نهجها التقليدي. فثقافة كل فرع ومفهومه للقوة الجوية يؤثران على كيفية تبنيه للطائرات المسيّرة. كان الجيش أول من تبنى أنظمة تحكم طيران آلية، بما في ذلك الإقلاع والهبوط، واستخدم أفرادًا من الرتب الأدنى مراقبين للطائرات المسيّرة. قاومت القوات الجوية هذه الابتكارات، التي تحدّت مفهومها عن مراقبي الطائرات المسيّرة باعتبارهم "طيارين". ومع ذلك، كانت القوات الجوية مبتكرة في قيادة الطائرات المسيّرة من قواعد داخل الولايات المتحدة، بينما اختار الجيش نشر مشغلي الطائرات المسيّرة في العراق وأفغانستان، وهو استخدام أقل كفاءة للأفراد. يسمح تركيز مشغلي الطائرات المسيّرة في قواعد داخل الولايات المتحدة لهم بتشغيل الطائرات المسيّرة باستمرار، بينما تعني سياسة الجيش المتمثلة في نشر مشغلي الطائرات المسيّرة في العراق وأفغانستان أن حوالي ثلثي مشغلي الطائرات المسيّرة في الجيش كانوا داخل الولايات المتحدة بين فترات الانتشار ولم يشاركوا في عمليات الطيران. ولكن من وجهة نظر الجيش، لا ينبغي للجنود العمل عن بُعد أثناء الحرب.

تفاوتت درجة الحماس للأنظمة غير المأهولة والروبوتية بشكل كبير في البحرية. فقد تبنت قوة الغواصات البحرية إلى حد كبير المركبات الروبوتية تحت الماء، والتي تُعد مكملة للغواصات وليست بديلة عنها. أما في مجال الطيران البحري، فإن مساحة سطح حاملات الطائرات محدودة. فكل طائرة مسيّرة تُضاف إلى سطح حاملة الطائرات تحل محل طائرة مقاتلة تقليدية مأهولة. ورغم أن طائرة مسيّرة قتالية خفية قادرة على توسيع نطاق حاملة الطائرات توسيعًا كبيرًا، فإن البحرية خفضت مستوى طائراتها المسيّرة المحمولة على حاملات الطائرات إلى طائرات تزويد بالوقود لدعم الطائرات المقاتلة المأهولة، لا استبدالها. وبذلك، حرصت البحرية على الحفاظ على وظائف الطيارين، على حساب مدى حاملة الطائرات وقدرتها على الضرب.

يُشكّل الذكاء الاصطناعي تحديًا أكبر لصورة القوات المسلحة عن نفسها مقارنةً بالطائرات المسيّرة. فهو يثير تساؤلات جوهرية حول أدوار الإنسان والآلة. وستظهر المخاوف نفسها بشأن استيلاء الذكاء الاصطناعي على الوظائف في مختلف قطاعات المجتمع في المجال العسكري، حيث ترتبط هويات أفراد الخدمة ارتباطًا وثيقًا بالمهام التي يؤدونها، لدرجة أنها قد تستمر حتى بعد أن تُصبح هذه المهام بالية بفعل التكنولوجيا. فلا يزال يُطلق على أفراد البحرية لقب "بحَّارة" رغم أنهم لم يعودوا يتسلقون الصواري، أو يرفعون أو ينزلون الأشرعة، أو يتعاملون مع الحبال. ولا يزال الجيش يضم جنودًا يُعرّفون أنفسهم بأنهم "فُرسان" رغم أنهم لم يعودوا يمتطون الخيول. وتستمر هذه الهويات كآثار تاريخية حتى مع تغير وظائف الأفراد العسكريين، وقد يحدث الشيء نفسه مع تحوّل القوات المسلحة بفعل الذكاء الاصطناعي. لكن تاريخ تبني التكنولوجيا العسكرية، من السفن البخارية إلى الدبابات إلى الطائرات المسيّرة، يُشير إلى أن الهوية والثقافة قد تكونان قوتين مؤثرتين تمنعان الجيوش من الاستفادة الكاملة من التقنيات الجديدة.

إغراق الأسطول

هناك قوة أخرى في الولايات المتحدة ضرورية لضمان ريادة البلاد التكنولوجية العسكرية: القطاع الخاص. يتطلب تبني الذكاء الاصطناعي الفعال شراكة وثيقة مع قطاع الصناعة الأوسع، والشركات المطورة للذكاء الاصطناعي، وخبراء التقييم الخارجيين المتخصصين في قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده. ولتحقيق ذلك، ستحتاج قيادة البنتاغون إلى إصلاح العلاقات مع وادي السيليكون التي توترت في الأشهر الأخيرة بسبب الخلاف مع شركة "أنثروپيك" حول بنود عقدها مع وزارة الحرب. فقد أصر البنتاغون على رغبته في الوصول غير المقيد إلى تقنية "أنثروپيك" "لأي استخدام قانوني"، بينما أرادت "أنثروپيك" وضع ضوابط على الاستخدام المحتمل لتقنيتها في المراقبة الجماعية المحلية وتشغيل الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل. الأمر لا يقتصر على علاقة الجيش بشركة واحدة فحسب، بل إن هذا الخلاف العلني قد أثار ردود فعل غاضبة بين مهندسي الذكاء الاصطناعي، الذين باتوا يعارضون العمل مع الجيش بصورةٍ متزايدة. وقد وقّع أكثر من ألف موظف في "غوغل" و"أوپن إيه آي" رسالة مفتوحة يحثون فيها شركاتهم على "التكاتف لمواصلة رفض مطالب وزارة الحرب الحالية". في نيسان/أبريل 2026، وقّع أكثر من 600 موظف في "غوغل" رسالة مفتوحة يحثون فيها الشركة على عدم السماح باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في أي عمل سري على الإطلاق. وقد أساء كبار قادة وزارة الحرب إدارة هذه الأزمة، مما أدى إلى إعادة إشعال التوترات القائمة منذ زمن طويل بين الجيش وقطاع الذكاء الاصطناعي.

لا يمكن لوزارة الحرب الأميركية أن تسمح بتنفير المهندسين الذين يبنون أقوى التقنيات التي ستُشكّل مستقبل الحروب. يجب أن يتمكن الجيش من الوصول إلى أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكن إجبار الشركات الأميركية، كما حاول البنتاغون فعله بتصنيف شركة "أنثروپيك" على أنها "خطر على سلسلة التوريد"، لن يُسهم في تشجيع التعاون. بعد أن أوقفت "غوغل" العمل على مبادرة وزارة الحرب المبكرة للتعلم الآلي وتكامل البيانات، والمعروفة باسم مشروع مافن، في عام 2018، شنّ البنتاغون حملةً لكسب التأييد. وقد أصدر مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وهي إرشادات الوزارة لتبني الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والتي لم تُساعد فقط في معالجة مخاوف العديد من باحثي الذكاء الاصطناعي بشأن التطبيقات العسكرية لأعمالهم، بل حسّنت أيضًا إجراءات الجيش في استخدام الذكاء الاصطناعي. يجب على قيادة البنتاغون اليوم تغيير مسارها بشكل عاجل لنزع فتيل التوترات وبناء جسور التواصل، لا هدمها.

الذكاء الاصطناعي قوي، لكنه يعاني من عيوب كثيرة. فنماذج اللغة الضخمة اليوم تتسم بتحيزات خفية، وتميل إلى اختلاق المعلومات، وتلجأ إلى التملق، فتقول للمستخدم ما تعتقد أنه يرغب في سماعه. ويتطلب الاستخدام الفعال للذكاء الاصطناعي معالجة هذه القيود بجدية. ستساهم برامج الذكاء الاصطناعي، القادرة على اتخاذ إجراءات مستقلة على أجهزة الكمبيوتر والشبكات، في تسريع الإنتاجية، لكنها قد تُسبب أخطاءً فادحة. ففي نيسان/أبريل 2026، حذف أحد برامج الذكاء الاصطناعي قاعدة بيانات إحدى الشركات بالكامل في تسع ثوانٍ فقط. (وقد اعتذر البرنامج لاحقًا). سيحتاج الجيش إلى وضع ضوابط لأنظمة وبرامج الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى توفير التدريب للمستخدمين البشريين لضمان عدم تسبب الذكاء الاصطناعي في أخطاء مُدمرة. لا يقتصر الأمر على ضرورة كسب ثقة باحثي الذكاء الاصطناعي، بل يجب على الجيش الاستماع إليهم بتمعن لفهم قيود هذه التقنية فهمًا أفضل. وتُعد الشراكة مع القطاع الصناعي أساسية لوضع المعايير والمقاييس وعمليات الاختبار اللازمة لنجاح استخدام الجيش للذكاء الاصطناعي.

أخيرًا، يتعين على القوات المسلحة تحديث معاييرها لقياس القوة العسكرية في هذا العصر الجديد. تحصي البحرية عدد السفن، وتحصي القوات الجوية عدد الطائرات؛ هذه معايير تعود إلى العصر الصناعي. (يحصي الجيش عدد الجنود، وهو معيار يعود إلى ما قبل العصر الصناعي). يجب على المخططين مراعاة حساب الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة في هذه التعدادات. فغالبًا ما لا تُعتبر هذه المركبات قوية بما يكفي لتُصنّف كطائرات، ولكن استبعادها يُعرّض القدرات العسكرية للخطر ويُؤدي إلى توجيه التخطيط نحو الأنظمة القديمة.

لكن الأهم من هذه الأرقام الآن هو قياس المكونات الرقمية التي تدعم وتربط المنصات العسكرية: أجهزة الاستشعار والرادارات والحواسيب والشبكات والخوارزميات. ينبغي لوزارة الحرب البدء بتتبع المؤشرات ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي. قد تشمل هذه المؤشرات مقدار القدرة الحاسوبية المتاحة لديها في أي وقت على الشبكات المصنفة وغير المصنفة، ومدى استخدام هذه القدرة. كما يمكنها تتبع عدد المستخدمين النشطين شهريًا، واستخدام الوحدات (Tokens) على نماذج الذكاء الاصطناعي لإظهار مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي وتكراره، وكمية البيانات المتاحة في جميع أنحاء وزارة الحرب وكيفية استخدامها. ستمنح هذه الأرقام المخططين فهمًا أكثر تفصيلًا لمدى استخدام العاملين العسكريين والمدنيين للذكاء الاصطناعي، وأين تكمن الحاجة إلى استثمارات أو مبادرات إضافية لتسريع تبنيه. وكما أن عدد السفن وحاملات الطائرات والطائرات وأفراد الخدمة العسكرية من بين النقاط التي تُناقش في ميزانية وزارة الحرب، كذلك ينبغي أن يكون عدد وحدات معالجة الرسومات (GPUs) المكافئة لـH100[15] التي يمكن للوزارة الوصول إليها. لكي يتصدر الجيش مجال الذكاء الاصطناعي، سيحتاج إلى الاستثمار في قدرات الذكاء الاصطناعي. ينبغي على الجيش أيضًا إجراء تقييمات مفصلة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لقياس ما إذا كانت التكنولوجيا قد زادت من الكفاءة والدقة، وحسنت التكاليف، وسرعت سير العمل، فضلًا عن تحديد الدروس التي يمكن تطبيقها على تطبيقات أخرى.

يزخر التاريخ بقصص تحذيرية عن جيوش كافحت التغيير والإصلاح بعد ظهور التقنيات الثورية. عندما اشتبك الأسطولان الإنجليزي والإسباني عام 1588، كانت إسبانيا في أوج قوتها. لكن البحرية الإنجليزية استغلت بنجاح أكبر التقنية الجديدة آنذاك: المدافع. في المقابل، كان الأسطول الإسباني (الأرمادا[16]) لا يزال مصممًا على أساس ضرورة الاشتباك مع سفن العدو والصعود على متنها، وكانت تعج بالمشاة. ونتيجة لذلك، تفوقت إنجلترا على الأسطول الإسباني الضخم تسليحًا وهُزم. استمرت الحرب بين إنجلترا وإسبانيا 16 عامًا أخرى بعد هزيمة الأسطول الإسباني، لكن ذروة القوة البحرية الإسبانية قد ولّت، وكذلك ذروة قوتها كإمبراطورية عالمية.

بإمكان الولايات المتحدة أن تحافظ على ريادتها العسكرية العالمية إذا ما تحركت الآن للتكيف مع ملامح الحرب الحديثة المتغيرة. ولكن إذا فشل البنتاغون في توجيه عملياته نحو المسارات اللازمة، فسوف يتخلف عن منافسيه الأكثر إصرارًا وجرأة في التكيف مع واقع العصر الجديد.


[1] القواعد الأميركية المبنية بعيدًا عن مواقع النزاعات، وتستعمل في تخزين المُعدات وقطع الغيار والأسلحة وفي المراقبة عبر الرادارات، كما تستخدم لجمع وتحريك الجنود إلى مواقع النزاعات (المُترجم).

[2] أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2014 على يد وزير الدفاع تشاك هيغل ونائبه روبرت وورك، وهدفت إلى استعادة التفوق العسكري الأميركي عبر الاستثمار في الروبوتات والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، في مواجهة تقارب روسيا والصين من حيث القدرات التقليدية (المترجم).

[3] شركة "دي جي آي" (DJI) الصينية، ومقرها مدينة شنتشن، أكبر مُصنّع في العالم للطائرات المسيّرة الاستهلاكية والتجارية، وتستحوذ وحدها على أكثر من نصف السوق العالمية لهذا القطاع. هذه الهيمنة تجعل صناعة الطائرات المسيّرة الأميركية الصغيرة، حتى عند تصنيعها محليًا، معتمدة في كثير من الأحيان على مكونات أو تصاميم صينية المنشأ (المترجم).

[4] مبادرة أطلقتها نائبة وزير الدفاع الأميركي كاثلين هيكس في آب/أغسطس 2023، تهدف إلى نشر آلاف الأنظمة ذاتية التشغيل الرخيصة و"القابلة للاستهلاك" خلال فترة قصيرة، ردًّا على تفوق الصين العددي في الإنتاج الصناعي والعسكري (المترجم).

[5] يقصد الكاتب هنا تقنية "التوجيه الطرفي الذاتي" (terminal guidance)، وهي نظام ملاحة بصري يعتمد على الذكاء الاصطناعي، مُثبَّت على متن الطائرة المسيّرة نفسها، يتيح لها التعرّف على هدفها وإصابته بدقة في المرحلة الأخيرة من الطيران دون حاجة إلى اتصال مستمر بالطيار البشري أو بنظام تحديد المواقع، ما يجعلها أكثر مقاومة للتشويش الإلكتروني (المترجم).

[6] أسلوب تقني يتيح لشركة تدريب نموذج ذكاء اصطناعي أرخص عبر محاكاة مخرجات نموذج منافس أكثر تطورًا وتكلفة، وقد اتُّهمت شركات صينية مثل "ديب سيك" باستخدامه لتقليص الفجوة مع النماذج الأميركية دون تحمّل كلفة تطويرها الكاملة (المترجم).

[7] أثار "مشروع مافن" (Maven Project)، الذي أطلقته وزارة الدفاع الأميركية عام 2017 بالتعاون الأولي مع "غوغل" لتحليل لقطات الطائرات المسيّرة، احتجاجات واسعة داخل "غوغل" عام 2018 اضطرت الشركة على إثرها إلى الانسحاب من العقد، لتؤول إدارته لاحقًا إلى شركة "بالانتير" (المترجم).

[8] يشير الكاتب هنا، دون تسمية، إلى برنامجي "لافندر" (Lavender) و"أين أبي؟" (Where's Daddy?)، اللذين كشف عنهما تحقيق مجلة +972 الإسرائيلية وموقع Local Call في نيسان/أبريل 2024: استخدم لافندر التعلّم الآلي لتصنيف عشرات آلاف الفلسطينيين كمُشتبه بانتمائهم لحماس أو الجهاد الإسلامي استنادًا إلى بيانات المراقبة الجماعية، بينما تولّى "أين أبي؟" تعقّب هؤلاء الأفراد لرصد لحظة دخولهم منازل عائلاتهم تمهيدًا لقصفها، وهو ما أفضى، وفق شهادات ضباط استخبارات إسرائيليين نقلتها الصحافة، إلى قتل أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. واعتمدت هذه المنظومات، بحسب تقارير صحفية موثّقة، على بنية سحابية وخدمات ذكاء اصطناعي وفّرتها شركات أميركية، أبرزها "مايكروسوفت" (Azure) و"أمازون" و"غوغل" عبر عقد "مشروع نيمبوس" (Project Nimbus) الموقّع عام 2021 (المترجم).

[9] أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا، ومؤلف كتاب "القوة العسكرية: تفسير النصر والهزيمة في المعارك الحديثة" (Military Power: Explaining Victory and Defeat in Modern Battle)، أحد أبرز المراجع الأكاديمية في تحليل فعالية القوات البرية (المترجم).

[10] شريحة ذكاء اصطناعي متطورة من إنتاج شركة "إنفيديا" الأميركية، أقل قدرة من الشريحة الرائدة H100، لكنها ظلت لسنوات خاضعة لقيود التصدير الأميركية إلى الصين ضمن سياسة احتواء تطور الذكاء الاصطناعي الصيني (المترجم).

[11] الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) تقنية تصنّعها حصريًا الشركة الهولندية "ASML"، وهي ضرورية لإنتاج أكثر رقائق الحاسوب تطورًا؛ في المقابل، تُعدّ تقنية الأشعة فوق البنفسجية العميقة (DUV) جيلًا أقدم غير خاضع لقيود التصدير الأميركية (المترجم).

[12] مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في رصد وتحليل اتجاهات تطور نماذج الذكاء الاصطناعي وقدراتها الحاسوبية، تُعرف بتقاريرها المرجعية حول الفجوة بين النماذج الأميركية والصينية (المترجم).

[13] يقصد الكاتب هنا مركبات "MRAP" أو المركبات المضادة للكمائن والمقاومة للألغام (المترجم).

[14] قُتل الفريق ليزلي ماكنير لاحقًا بنيران صديقة أميركية أثناء عملية "كوبرا" في نورماندي في تموز/يوليو 1944، ليصبح أعلى ضابط أميركي رتبةً يُقتل بنيران صديقة خلال الحرب العالمية الثانية (المترجم).

[15] شريحة ذكاء اصطناعي من "إنفيديا" باتت تُستخدم كوحدة قياس معيارية لقدرات الحوسبة في الأوساط العسكرية والتقنية الأميركية، بحيث يُعبَّر عن القدرة الحاسوبية لمنظومة ما بعدد الشرائح "المكافئة لـH100" (المترجم).

[16] إشارة إلى "الأرمادا الإسبانية"، الأسطول الذي أرسلته إسبانيا عام 1588 لغزو إنجلترا فمُني بهزيمة ساحقة أمام السلاح البحري البريطاني الأحدث، وهي حادثة كثيرًا ما تُستشهد بها كمثال كلاسيكي على فشل التكيّف العقائدي مع التقنيات الجديدة (المترجم).