28/09/2026 - 19:59

أسباب الإمبراطورية لحروبها في الشرق الأوسط

"حمَّل جون ميرشايمر وستيفن والت إسرائيلَ مسؤوليةَ الإخفاقات الأميركية في الشرق الأوسط. غير أنَّ لواشنطن، من العراق إلى إيران، أسبابَها الخاصة للحرب في الخليج"...

أسباب الإمبراطورية لحروبها في الشرق الأوسط

توضيحية (Getty)

مُقدّمة المُترجم:

جلبير الأشقر أكاديميٌّ ومفكِّرٌ ماركسيٌّ لبناني-فرنسي، يشغل منصب أستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، ومن أبرز مؤلفاته صدام الهمجيّات (2002) والشعب يريد (2013). يكتب الأشقر منذ عقودٍ من موقعٍ مناهضٍ للإمبريالية، وهو في هذه المقالة يُفكِّك واحدةً من أكثر الأطروحات رواجًا في تفسير حروب واشنطن على منطقتنا: أطروحة "اللوبي الإسرائيلي" التي قدَّمها ميرشايمر ووالت، والقائلة إنَّ إسرائيل وأنصارها هم من يجرُّون الولايات المتحدة إلى حروبٍ تُخالف مصلحتها القومية. يُبيِّن الأشقر أنَّ هذه الأطروحة، على ما فيها من فضحٍ مُفيد لنفوذ اللوبي، تقلب الصورة رأسًا على عقب: فالكلب الإمبريالي الأميركي هو من يُحرِّك ذيله، لا العكس، وللإمبراطورية في الخليج العربي مصالحها الخاصة، النفط والبترودولارات وصفقات السلاح واحتواء الصين، التي تسبق أي تحريضٍ إسرائيلي وتعلو عليه.

على أنَّ إعادة تركيز التحليل على المصالح الإمبراطورية الأميركية، وهي إعادة تركيزٍ ضرورية في وجه من يختزلون كل شيءٍ في إسرائيل، لا ينبغي أن تُنسي القارئ أنَّ إسرائيل ليست مجرَّد أداةٍ سلبية بيد واشنطن، بل مشروعٌ استعماري استيطاني له دينامياته الإبادية الخاصة. فالعلاقة بين الإمبراطورية وربيبتها علاقة تكاملٍ في الأدوار، لا علاقة إملاءٍ من طرفٍ واحد، أيًّا كان هذا الطرف.


المقالة:

باتَ الأمرُ يتكرَّرُ في كلِّ مرةٍ الآن: تقفز الولايات المتحدة برأسها أولًا إلى مستنقعٍ شرق أوسطي، وكأنَّ الأمر يجري بانتظام عقارب الساعة؛ فتبدأ الأصوات بالارتفاع، مُحمِّلةً إسرائيل المسؤولية كلَّها. وقد تجلَّى هذا التمرين في أبرز حالتين: غزو العراق عام 2003 بقيادة إدارة جورج دبليو بوش، والهجوم الأميركي-الإسرائيلي المشترك على إيران الذي بدأ في 28 شباط/فبراير 2026 بقيادة إدارة ترامب الثانية.

يبقى أشهرُ سجالات "حمِّلوا إسرائيل المسؤولية" ذاك الذي فجَّره جون ميرشايمر وستيفن والت. بدأ الأمر بمقالةٍ لهما نُشرت في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس(London Review of Books) عام 2006، قبل أن تتطوَّر في العام التالي إلى كتابٍ ضخم يُناهز 500 صفحة بعنوان اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy). شرع المؤلفان في هذا العمل في وقتٍ كانت فيه كارثة إدارة بوش في العراق قد بلغت من الفداحة حدًّا اضطرَّ معه الكونغرس الأميركي إلى التدخُّل وتعيين لجنةٍ من الحزبين، لجنة دراسة العراق (Iraq Study Group)، المعروفة أيضًا بلجنة بيكر-هاملتون[1]، كُلِّفت بتصميم مخرجٍ ممَّا تحوَّل إلى مستنقعٍ باهظ الكلفة.

تُثير هذه الواقعة وحدها سؤالًا: لماذا لم يتفاعل المؤلفان بالطريقة نفسها مع الحرب المدمِّرة السابقة التي شنَّتها الولايات المتحدة على العراق، أي الهجوم الأصلي عام 1991 بقيادة إدارة جورج بوش الأب (George H. W. Bush)؟ فمصلحة إسرائيل آنذاك في تدمير القوات المسلحة العراقية والبنية التحتية للبلاد كانت بالتأكيد أكبر من أي مصلحةٍ قد تكون لها في رؤية القوات الأميركية تحتلُّ البلاد عام 2003، لا سيَّما أنَّ تلك القوات جلبت معها من المنفى حلفاءَ إيران، عدوَّة إسرائيل الإقليمية اللدود، من العراقيين، وأشركتهم في سلطة الائتلاف المؤقتة (Coalition Provisional Authority)[2] التي أعقبت الغزو.

كان عراق صدام حسين قُبيل هجوم عام 1991 قد خرج من حربه التي دامت ثماني سنواتٍ ضد إيران بجيشٍ متضخِّم وديونٍ هائلة. فغزا إمارة الكويت الغنية بالنفط في آب/أغسطس 1990 في محاولةٍ لحلِّ معضلته الاقتصادية وتمويل الحفاظ على قواته المسلحة وتطويرها. كانت لإسرائيل، بداهةً، مصلحةٌ هائلة في تدمير تلك الدولة العراقية، وكان من السهل بناء حجةٍ مُقنعة تُبيِّن كيف تدخَّلت الحكومة الإسرائيلية واللوبي الإسرائيلي على نحوٍ مكثَّف وحاسم إلى جانب الجناح المؤيِّد للحرب في مؤسسة الحكم الأميركية.

وليس سرًّا عظيمًا لماذا أغفل ميرشايمر ووالت هذا التاريخ: فكلاهما أيَّد تلك الحرب، التي رأيا فيها على الأرجح خدمةً لـ"المصلحة القومية" للولايات المتحدة، وهو مفهومٌ يُشير إلى مصلحة الدولة بالمعنى "الواقعي" التقليدي، من دون أي اعتبارٍ للمصالح الاجتماعية المحدَّدة التي تُمثِّلها هذه الدولة. وهكذا فإنَّ الصنف المحافظ من الواقعية الذي يعتنقه الأكاديميان يتصوَّر العالم مُقسَّمًا بين قوى تنبع مصالحها المشروعة من موقعها الجيوسياسي ومن اندفاعها نحو تحقيق الهيمنة الإقليمية أو العالمية.

وبوصفهما واقعيَّين، كان ميرشايمر ووالت منسجمَين تمامًا مع واقعية إدارة بوش الأب نفسها، التي تلاقت مع رؤية حلفاء واشنطن العرب القائلة إنَّه، في غياب بديلٍ موثوق يُلائم الهيمنة الأميركية، ينبغي تجنُّب إسقاط نظام صدام حسين. ولهذا توقَّف هجوم عام 1991 دون الزحف على بغداد، وهو موقفٌ أثار مرارةً وتقريعًا لدى بعض المحافظين الجدد[3] وحلفائهم العراقيين الذين رأوا فيه خيانةً لتطلُّعهم إلى تغيير النظام. وسيُغدق ترامب لاحقًا سخريته على طموح تغيير الأنظمة بعدما باء بالفشل، مُتبنِّيًا بالكامل النهج المُسمَّى "واقعيًا".

كان التباين بين حرب عام 1991 وغزو عام 2003 صارخًا، ليس فقط في سعي إدارة بوش، المحشوَّة بالمحافظين الجدد، إلى تغيير النظام، بما أثار امتعاض الملكيات النفطية العربية التي خشيت، عن حق، أن يكون المستفيد الحقيقي غريمتها إيران، بل كذلك في المسوِّغ المنطقي للحرب من منظور المصلحة القومية الأميركية كما تصوَّرها ميرشايمر ووالت.

فقد وجدا قرار الإطاحة بصدام حسين "عصيًّا على الفهم". لقد كان حسين، كما أقرَّا، "طاغيةً وحشيًّا ذا طموحاتٍ مُقلقة، بما فيها الرغبة في امتلاك أسلحة دمارٍ شامل، غير أنَّ عجزه هو نفسه وضع هذه الأهداف الخطيرة بعيدًا عن المتناول. فجيشه هُزم شرَّ هزيمةٍ في حرب الخليج عام 1991 وزاده وهنًا عقدٌ من عقوبات الأمم المتحدة"، ما ترك القوة العسكرية العراقية "غير مُبهرةٍ قطُّ إلا على الورق" و"لقمةً سائغة بحلول عام 2003" من دون أسلحة الدمار الشامل.

"ومع ذلك، في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر، وحين كان المرء يتوقَّع أن تُركِّز الولايات المتحدة تركيزًا حصريًا على تنظيم القاعدة، اختارت إدارة بوش غزوَ بلدٍ متداعٍ لا صلة له بالهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، وكان مُحتوًى فعليًا بالفعل".

بالنسبة إلى ميرشايمر ووالت، كان ذلك "قرارًا مُحيِّرًا للغاية".

إنَّ أسوأ مفتاحٍ ممكن لهذا "اللغز" هو إسرائيل تحديدًا، لسببٍ بديهي هو أنَّ العوامل المذكورة أعلاه كانت تُحدِّد أولويات الدولة الصهيونية نفسها أكثر حتى ممَّا تُحدِّد أولويات الولايات المتحدة. فلماذا، بحقِّ السماء، قد تحرص الحكومة الإسرائيلية على تحريض الولايات المتحدة على غزو العراق، وقد شُلَّ هذا البلد أصلًا بالتدمير المروِّع لقوَّته العسكرية وبنيته التحتية المدنية عام 1991، ثم باثنتي عشرة سنةً من الخنق الأميركي؟ وهل يُصدِّق أحدٌ أنَّ إسرائيل كانت أقلَّ قلقًا من ملكيات الخليج النفطية العربية إزاء احتمال استيلاء إيران على العراق؟ ومع ذلك، لم تمنع هذه الاعتبارات البديهية ميرشايمر ووالت من إلقاء اللوم على اللوبي الإسرائيلي، وهما يخلطان بلا اكتراثٍ بين المؤسسات الأميركية المؤيِّدة لإسرائيل تحديدًا، وأشهرها سيِّئة الذكر لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية ("أيباك")، وبين المحافظين الجدد، وبخاصةٍ أولئك الذين مارسوا الضغط من أجل غزو العراق بوصفهم أعضاءً في مشروع القرن الأميركي الجديد (Project for the New American Century)[4].

لقد أحسن الأكاديميان صنعًا في فضح التأثير الخبيث للّوبي الإسرائيلي على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عمومًا، واتُّهما لقاء ذلك ظلمًا بمعاداة السامية، وهي تهمةٌ تشهرها إسرائيل وأنصارها في وجه معظم منتقديها. لكنَّهما قدَّما في الوقت نفسه ذخيرةً لحيلة "حمِّلوا إسرائيل المسؤولية"، التي انخرطا فيها انخراطًا كاملًا.

حشدت حُجَّتهما اقتباساتٍ عديدة من مصادر إسرائيلية، من الساسة والإعلام، بغية البرهنة على أنَّ إسرائيل مارست ضغطًا مكثَّفًا من أجل غزو العراق عام 2003، وأنَّ ذلك جرى ضد "المصلحة القومية" الأميركية. لا شكَّ، بطبيعة الحال، في أنَّ كثيرًا من الساسة الإسرائيليين أيَّدوا اندفاع إدارة جورج دبليو بوش نحو احتلال العراق، وكان أشدَّهم حماسةً بنيامين نتنياهو، غير أنَّه، خلال الفترة الحاسمة من النقاش في الولايات المتحدة، التي شارك فيها بالإدلاء بشهادته تحت القسم بصفته فردًا عاديًا أمام إحدى لجان مجلس النواب، كان في الوقت نفسه منهمكًا في المناورة ضد غريمه أرييل شارون، الذي كان آنذاك رئيس وزراء إسرائيل وزعيم حزب الليكود.

أمَّا القول بممارسة شارون الضغطَ من أجل غزو العراق عام 2003، فأوهى من ذلك بكثير. صحيحٌ أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي ما كان بوسعه أن يُجاهر بتحفُّظاته (وتحفُّظات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية) على المشروع الأثير لدى إدارةٍ أميركية يدعمها كثيرٌ من أصدقاء إسرائيل داخل مؤسسة الحكم الأميركية. لكن بحلول الوقت الذي غدت فيه أطروحة ميرشايمر ووالت موضوعَ نقاشٍ محتدم، كانت قد ظهرت أدلةٌ وازنة تُشير إلى تلك التحفُّظات وإلى التعبير عنها عبر قنواتٍ خفيَّة. ومن الشهادات البارزة في هذا الصدد شهادة لورانس ويلكرسون (Lawrence Wilkerson)، رئيس ديوان وزير الخارجية كولن باول (Colin Powell)، الذي قال في مقابلةٍ أُجريت معه عام 2007 إنَّ إسرائيل حذَّرت الولايات المتحدة من غزو العراق.

يتلخَّص النقاش في السؤال الآتي: هل جرى غزو العراق تحت ضغط إسرائيل وأنصارها بما يُخالف المصلحة القومية الأميركية، أم جرى سعيًا وراء تلك المصلحة القومية كما فهمتها إدارة جورج دبليو بوش؟

لنتأمَّل الفرق بين "أيباك" و"مشروع القرن الأميركي الجديد"، وهو فرقٌ بادٍ في اسميهما. فممَّا لا جدال فيه أنَّ المشروع أدَّى في قرار الإدارة غزوَ العراق دورًا يفوق بما لا يُقاس دورَ أي مكوِّنٍ محدَّد من مكوِّنات اللوبي الإسرائيلي. فالأعضاء الثلاثة الأكثر نفوذًا في الإدارة، ديك تشيني (Dick Cheney) ودونالد رامسفيلد (Donald Rumsfeld) وبول وولفويتز (Paul Wolfowitz)، وهم، مصادفةً، الثلاثة الأكثر تورُّطًا في مغامرة العراق، كانوا من بين مؤسِّسي المشروع الـ25، شأنهم في ذلك شأن زلماي خليل زاد (Zalmay Khalilzad)، سفير بوش لدى العراق.

لكنَّ المسوِّغ المنطقي للمشروع، بخلاف "أيباك"، لم يكن دعم إسرائيل، بل السعي إلى "قرنٍ أميركي جديد"، كما يدلُّ اسمه، أي، بعبارةٍ أخرى، تعزيز الهيمنة الإمبراطورية الأميركية على سائر العالم وترسيخها. ففي رسالة المشروع إلى بيل كلينتون في كانون الثاني/يناير 1998، التي حثَّه فيها الموقِّعون على غزو العراق، لم يذكر هؤلاء الـ18 إسرائيلَ إلا مرةً واحدة، وعلى قدم المساواة مع حلفاء أميركا العرب: "إنَّ سلامة القوات الأميركية في المنطقة، وسلامة أصدقائنا وحلفائنا مثل إسرائيل والدول العربية المعتدلة، وجزءًا كبيرًا من إمدادات العالم من النفط، ستكون كلُّها عرضةً للخطر".

تُعبِّر الرسالة عن الرؤية الأوسع انتشارًا داخل دوائر النخبة لما تتألَّف منه المصلحة القومية الأميركية. وبدل التركيز على مناقشة تلك الرؤية، اختار ميرشايمر ووالت، وهما نفساهما عضوان في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية، إلقاءَ اللوم على اللوبي الإسرائيلي، وهي حيلةٌ أتاحت لهما تفسير كارثة العراق من دون نقاشٍ صريح ومفتوح (وأشدَّ صعوبة) للمصالح الإمبريالية الأميركية، المعروفة أيضًا باسم "المصلحة القومية".

وهذه الحكمة لم تظهر بالنظر بأثرٍ رجعي. فقد شرح كثيرٌ من نقَّاد الإمبريالية الأميركية لماذا كان الاعتقاد بأنَّ إسرائيل تُملي سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في واقع الأمر، حالةً من "الذيل الذي يُحرِّك الكلب"[5]. وتقتضي هذه النقطة منظورًا تاريخيًا: فبحلول أوائل ستينيات القرن العشرين، كانت قوميةٌ عربية آخذةٌ في التجذُّر قد أرغمت واشنطن على التخلي عن موطئ قدمها العسكري المباشر في المنطقة، إذ تخلَّت عن قاعدة الظهران الجوية[6]، في قلب حقول النفط السعودية، في اللحظة التي باتت فيها المصالح التي أُنشئت القاعدة لحمايتها مُهدَّدة. وإذ عجزت الولايات المتحدة عن التدخُّل العلني من دون إذكاء العداء العربي أكثر، وجدت في إسرائيل ذخرًا إستراتيجيًا لا يُقدَّر بثمن. وكما كتبتُ عام 2003: "من جهةٍ، أدَّت إسرائيل دورًا عسكريًا بوصفها كلبَ حراسةٍ للمصالح الإمبريالية في المنطقة. ومن جهةٍ أخرى، جنت واشنطن مكاسب سياسيةً في أعين البلدان العربية بإظهارها أنَّها مُمسكةٌ برسن كلب الحراسة".

تُمثِّل المبالغ التي تُنفقها الولايات المتحدة على إسرائيل، من هذا المنظور، واحدًا من أكثر الاستثمارات التي قامت بها ربحيةً في بناء هيمنتها على الإطلاق. قارن ما يزيد على 300 مليار دولار (بعد التصحيح وفق التضخم) من إجمالي المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي قدَّمتها واشنطن لإسرائيل بين عامَي 1946 و2024، بمبلغ 1.5 تريليون دولار الذي تطلبه إدارة ترامب للبنتاغون للسنة المالية المقبلة وحدها. فمن البديهي أنَّ ما يُسمِّيه الاقتصاديون "المنفعة الحدِّية لكل دولارٍ يُنفَق" على إسرائيل أكبر بكثير من منفعة الدولار نفسه مُضافًا إلى الميزانية العسكرية الأميركية العملاقة.

يُتيح هذا المنظور فهمًا أدقَّ بكثير لما كان على المحكِّ في مشروع غزو عام 2003، ولما انكشف، بعد عامٍ من وقوعه، عن النقاشات التي أفضى إليها، لا داخل إدارة بوش فحسب، بل كذلك بين واشنطن وحلفائها العرب (ومن وراء الكواليس، إسرائيل). وقد علَّقتُ على تلك النقاشات في أيار/مايو 2004، قبل جدل ميرشايمر-والت بزمنٍ طويل، في مقالةٍ بعنوان "نزهة بوش إلى مستنقع العراق" (Bush’s Cakewalk Into the Iraq Quagmire).

لا يُطيق ميرشايمر ووالت الإقرارَ بأنَّ المسوِّغ الناظم لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو الأهمية الإستراتيجية للخليج بالنسبة إلى المصالح الإمبراطورية الأميركية، وهي معرفةٌ شائعة منذ عام 1945. ولا هما يعترفان بأنَّ هذه الأهمية نفسها هي المسوِّغ الرئيس للتحالف الأميركي-الإسرائيلي ذاته. وهكذا ينضمَّان إلى رافضي التسليم بما أقرَّ به آلان غرينسبان (Alan Greenspan)، رئيس الاحتياطي الفيدرالي بين عامَي 1987 و2006، في مذكِّراته الصادرة عام 2007[7]: أنَّ "حرب العراق تدور إلى حدٍّ كبير حول النفط". وغرينسبان، وما هو بالراديكالي، وصف عدم استقرار الشرق الأوسط بأنَّه "الغوريلا التي تزن 800 رطل" القادرة على وقف نمو الاقتصاد العالمي، وهو عاملٌ لاحظ أنَّ التنبؤ الرصين بشؤون الطاقة لا يستطيع التغافل عنه.

واليوم، باتت سيطرة الولايات المتحدة على تدفُّق نفط الخليج أقلَّ أهميةً لإمداداتها هي، وأشدَّ أهميةً بوصفها ورقةَ نفوذٍ على الآخرين: على الصين المعتمدة على الاستيراد، وهي منافستها النِّدِّية الحقيقية الوحيدة، وعلى حلفائها هي المعتمدين على الاستيراد في أوروبا وشرق آسيا. وليست الجائزة النفط وحده، بل أموال النفط أيضًا، البترودولارات التي أغفلها[8] غرينسبان. فصناديق الثروة السيادية[9] لملكيات مجلس التعاون الخليجي الستّ تُدير مجتمعةً نحو 6 تريليونات دولار، أي أكثر من 40 في المئة من الإجمالي العالمي. وهذه الدول نفسها زبائن حاسمون للمجمَّع الصناعي-العسكري الأميركي: فوفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (Stockholm International Peace Research Institute)، احتلَّت ثلاثٌ منها، السعودية والكويت وقطر، مراتب ضمن أكبر عشرة مستوردي أسلحةٍ في العالم في الفترة 2020-2024، إذ مثَّلت الولايات المتحدة 74 في المئة من واردات السعودية، و63 في المئة من واردات الكويت، و48 في المئة من واردات قطر.

أضف إلى ذلك المصالح التجارية المعروفة التي تملكها عائلات ترامب وكوشنر وويتكوف في دول مجلس التعاون الخليجي ومعها، فضلًا عن الحصص المتعاظمة الحاسمة لأوليغارشية التكنولوجيا، فيتَّضح المدى الكامل للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط. لقد رجحت كفَّة هذه المصالح، أكثر من أي عاملٍ آخر، بما في ذلك تحريض نتنياهو، في قرار ترامب الانضمامَ إلى ضربات إسرائيل على إيران في حزيران/يونيو 2025، ثم، في 28 شباط/فبراير، خوضَ حربٍ مشتركة إلى جانبها. وتصوُّر أنَّ ترامب أطلق حملةً عسكرية بهذا الحجم أساسًا إرضاءً لنتنياهو يُسيء قراءة رئيس "أميركا أولًا" بقدر ما تُسيئها الفكرة، التي راجت قبل تنصيبه الثاني ولأشهرٍ بعده، القائلة إنَّه رجل سلامٍ مناهضٌ للحرب.

أمَّا الحجة الوحيدة التي يمكن أن يُبنى عليها القول إنَّ ضرب البرنامج النووي الإيراني لا يخدم أي مصلحةٍ قومية أميركية، فقد ساقها ميرشايمر ووالت، على نحوٍ استباقي تقريبًا، في مقالتهما الأصلية عام 2006. فقد أقرَّا بأنَّ طموحات إيران النووية تمنح واشنطن أسبابَها الخاصة للقلق، لكنَّهما استدركا بأنَّ تلك الطموحات لا تُشكِّل تهديدًا مباشرًا: "إذا كان بوسع واشنطن التعايش مع اتحادٍ سوفياتي نووي، ومع صينٍ نووية، بل حتى مع كوريا شمالية نووية، فبوسعها التعايش مع إيرانٍ نووية".

وما هذا إلا استخفافٌ صارخ آخر بالأهمية الإستراتيجية لمنطقة الخليج بالنسبة إلى المصالح الإمبراطورية الأميركية. فالولايات المتحدة لم يكن في وسعها إلا أن تُكيِّف إستراتيجيتها النووية مع نمو ترسانتَي الصين والاتحاد السوفياتي. أمَّا التسلُّح النووي لكوريا الشمالية، البلد المتاخم للصين والواقع تحت جناحها، فكان ذا أهميةٍ إستراتيجية محدودة لواشنطن: إذ لم يُغيِّر جوهريًا موازين القوى في شرق آسيا، وينطبق الأمر ذاته على التسلُّح النووي للهند وباكستان وردعهما المتبادل. غير أنَّ إيران النووية قصةٌ مختلفة تمامًا: فهي ستُقوِّض الهيمنة الأميركية في منطقة الخليج بإظهارها فشلًا كبيرًا في تعهُّدها بتوفير الحماية لدولها التابعة، وستُطلق كذلك سباقًا نوويًا في المنطقة يُعرِّض أمن هذا الجزء البالغ الأهمية الإستراتيجية من العالم لخطرٍ جسيم، يتجاوز بكثير دور إيران الكبير أصلًا في تقويض هذا الأمن عبر وكلائها وحلفائها الإقليميين.

من المرجَّح جدًّا، إذن، أنَّ الرياض، خلف خطِّها الرسمي القائم على مهادنة إيران، انضمَّت فعليًا إلى إسرائيل في تشجيع ترامب على خوض الحرب، كما أوردت صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) منذ اليوم الأول. وعلى أي حال، ما كان ترامب ليذهب إلى الحرب قبل استشارة أصدقائه الخليجيين، وفي مقدَّمهم السعوديون والإماراتيون، ومن المستبعد جدًّا أن يذهب إليها لو واجه اعتراضًا حقيقيًا من هذين الحليفين الإقليميين الرئيسَين. أمَّا التحفُّظ المعقول والوازن الوحيد على الحرب، فالأرجح أنَّه صدر عن إمارة قطر، التي دأبت على التحوُّط من المخاطر بمصادقة الجميع، من استضافة القاعدة العسكرية الأميركية الإقليمية الرئيسة ومركز القيادة، إلى التودُّد إلى طهران وحلفائها، والتي كانت مُعرَّضةً لأن تتأثَّر بالحرب تأثُّرًا شديدًا، وهو ما حدث فعلًا. غير أنَّ نفوذ قطر لدى ترامب أضعف بكثير من نفوذ السعودية والإمارات، رغم محاولتها تعزيزَ هذا النفوذ بإهداء ترامب طائرة بوينغ فاخرة من أسطولها الأميري.

كلُّ ما سبق لا يُغيِّر حقيقة أنَّ ترامب وإدارته أطلقا ما سمَّيتُه "أكثر الحروب الإمبراطورية الأميركية تخبُّطًا على الإطلاق". ولم يطل الوقت حتى لاحظ الجميع أنَّ واشنطن، مقارنةً بالحملة الإمبريالية على فنزويلا، تواجه عقدةً أعصى بكثيرٍ على الحل، مع خطر أن تجد نفسها مضطرةً في نهاية المطاف إلى الاختيار بين تصعيد الحرب بلا إستراتيجية خروج، والخروج منها من دون تحقيق أهدافها المعلنة. وتلك هي بالضبط اللحظة التي بدأت فيها الأصوات ترتفع من كل حدبٍ وصوب، من أقصى اليمين، على طريقة تاكر كارلسون، إلى شخصياتٍ من التيار الرئيس لحركة "اجعلوا أميركا عظيمة مُجددًا"، بل حتى إلى بعضٍ من اليسار ممَّن يعتقدون أنَّ مناهضة الصهيونية تستلزم اعتناق أطروحة اللوبي الإسرائيلي.

وباستثناء أولئك الذين يتوهَّمون إسرائيل كلِّيةَ القدرة، مُستصغرين بذلك المصالح الإمبريالية الهائلة للولايات المتحدة نفسها، فإنَّ معظم من لجأوا إلى حيلة "حمِّلوا إسرائيل المسؤولية"، عن وعيٍ أو بردِّ فعلٍ تلقائي، إنَّما صرفوا الانتباه عن تلك المصالح الإمبريالية بعينها، وهي مصالح يُقرُّونها بقوةٍ بوصفها مُطابقةً تمام المطابقة لما يُسمَّى المصلحة القومية الأميركية.

إنَّ نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، بل نخبة الحكم الإسرائيلية بأسرها، كانوا مؤيِّدين من كل قلوبهم للحرب على إيران، أمرٌ لا يرقى إليه شك. أمَّا أنَّهم هم الملومون على انخراط ترامب وفريقه الشديد التخبُّط في هذه الحرب وعلى طريقة إدارتهم لها، فقولٌ لا يصحّ. بل يمكن للمرء أن يسوق الحجة المعاكسة: أنَّ نتنياهو هو "كلب ترامب المُدلَّل" (poodle)، كما قيل عن توني بلير إبَّان غزو العراق، بالنظر إلى الطريقة التي يُعامل بها الرئيس الأميركي رئيسَ الوزراء الإسرائيلي. فنتنياهو يقف اليوم متَّهمًا من المعارضة الإسرائيلية بأنَّه "دُمية" وبأنَّه حوَّل إسرائيل إلى "دولةٍ تابعة". والحقيقة التي لا مهرب منها هي أنَّه، أيًّا كانت النصيحة التي قد يكون نتنياهو أسداها لترامب، فإنَّ المسؤولية الحاسمة عن الحرب الجارية تقع على عاتق الرئيس الأميركي، ومعه أولئك الأعضاء في إدارته الذين يُشاركونه أوهامَ العظمة.


إحالات:

[1] لجنةٌ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي شكَّلها الكونغرس الأميركي عام 2006 برئاسة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر (James Baker) والنائب الديمقراطي السابق لي هاملتون (Lee Hamilton) لتقييم الحرب على العراق، أوصت في تقريرها الصادر أواخر ذلك العام بسحبٍ تدريجي للقوات القتالية الأميركية وبانفتاحٍ دبلوماسي على إيران وسورية. (المُترجم).

[2] حكومة الاحتلال الانتقالية التي أدارت العراق بين عامَي 2003 و2004 برئاسة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر (Paul Bremer)، وتولَّت حلَّ الجيش العراقي وتفكيك أجهزة الدولة البعثية. (المُترجم).

[3] المحافظون الجدد (Neoconservatives): تيارٌ في السياسة الخارجية الأميركية دعا إلى استخدام القوة العسكرية لنشر "القيم الأميركية" وترسيخ التفوُّق الأميركي المطلق، وبلغ ذروة نفوذه في إدارة جورج دبليو بوش، حيث كان المحرِّك الرئيس لغزو العراق عام 2003. (المُترجم).

[4] مركز أبحاثٍ ومجموعة ضغطٍ للمحافظين الجدد نشط بين عامَي 1997 و2006، دعا إلى "قيادةٍ عالمية أميركية" بالقوة العسكرية، وضمَّ بين مؤسِّسيه شخصياتٍ تولَّت لاحقًا أرفع المناصب في إدارة بوش الابن. (المُترجم).

[5] تعبيرٌ إنجليزي شائع (the tail wagging the dog) يُقصد به انقلاب العلاقة الطبيعية بحيث يتحكَّم الطرف الأصغر أو التابع في الطرف الأكبر أو المتبوع. (المُترجم).

[6] قاعدةٌ جوية في المنطقة الشرقية من السعودية استخدمتها الولايات المتحدة منذ منتصف أربعينيات القرن العشرين، وانتهى وجودها العسكري المباشر فيها عام 1962 تحت ضغط المدِّ القومي العربي في عهد جمال عبد الناصر. (المُترجم).

[7] صدرت المذكِّرات بعنوان "عصر الاضطراب: مغامرات في عالمٍ جديد" (The Age of Turbulence: Adventures in a New World). (المُترجم).

[8] البترودولارات (Petrodollars): عائدات تصدير النفط المقوَّمة بالدولار الأميركي، يُعاد تدوير جانبٍ كبير منها في الاقتصاد الأميركي عبر الاستثمارات وصفقات السلاح وسندات الخزانة، بما يدعم مكانة الدولار عالميًا. (المُترجم).

[9] صناديق استثمارٍ حكومية تُوظِّف الفوائض المالية للدولة، النفطية في الحالة الخليجية، في أصولٍ حول العالم، ومن أبرزها صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز أبو ظبي للاستثمار وجهاز قطر للاستثمار. (المُترجم).

* ملاحظة: كل هوامش المقالة من المُترجم.