"فتوة مسلوبة": سياسة إسرائيل في تعذيب الأولاد الفلسطينيين/ خالد غزال

"فتوة مسلوبة": سياسة إسرائيل في تعذيب الأولاد الفلسطينيين/ خالد غزال

يصعب على قارئ كتاب "فتوّة مسلوبة" أن يحتفظ بتماسك أعصابه حتى الانتهاء من قراءة الكتاب. تتكفل المعلومات والصور الواردة من الصفحة الاولى حتى الاخيرة بأن تثير لديه الغضب والنفور من سياسة الدولة العنصرية الاسرائيلية تجاه الاولاد الفلسطينيين. يتناول الكتاب السياسة الاسرائيلية في اعتقال الاولاد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والأساليب الممارسة تجاههم عند الاعتقال وخلال الاستجواب وأحوال السجون التي يقبعون فيها، وكيفية انتهاك اسرائيل للقوانين الدولية الخاصة بحماية الاولاد، وصولاً الى تعيين الآثار النفسية والجسدية والسياسية لهذا الاعتقال على حياة الإنسان الفلسطيني بعد خروجه من السجن.

السياق السياسي للاعتقال تتويج وتطبيق للسياسة الرسمية لدولة اسرائيل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة. يشكل السجن السمة العامة لهذه السياسة منذ احتلال الأراضي عام 1967. واعتبرت تقارير المنظمات الدولية ان نسبة الفلسطينيين المعتقلين والمسجونين هي الأعلى في العالم.

يمثل الاحتلال الاسرائيلي نموذجاً مختلفاً عن سياق الاستعمار المعروف عالمياً، نحن هنا امام احتلال للسياسة والاقتصاد والبنية السيكولوجية والثقافية في فلسطين، احتلال يزرع المستوطنات اليهودية في قلب المناطق المحتلة ويصادر الأراضي والموارد بأشكالها المتنوعة لتوطيد هذه السيطرة وزيادة عدد المستوطنات. يتوسل هذا الاحتلال سبل التعذيب والقمع والاعتقال والإغلاق وإقفال المناطق متذرعاً بأن هذه الاجراءات ضرورية للأمن الاسرائيلي ولحماية الدولة الصهيونية التي تعتبر أن أي مقاومة لهذا الاحتلال تهديد مباشر لأمن الدولة الاسرائيلية، وان الاولاد الفلسطينيين جزء من السكان الرافضين للاحتلال، مما يعني ان سياسة الاعتقال تطالهم كما تطال الراشدين. باختصار، نحن امام دولة تمارس عن سابق اصرار وتصميم سياسة الإرهاب والتعذيب ضد الشعب الفلسطيني.

تتعدد اشكال توقيف الاولاد؛ السمة الغالبة هي مجيء الجنود الاسرائيليين الى المنزل منتصف الليل وما بعده، يفتشون المنزل، يدمرون المحتويات ولا يتورعون عن استخدام العنف ضد افراد العائلة قبل ان يتم اعتقال الولد المطلوب بتهمة رمي الحجارة على الجيش الاسرائيلي. كما تجري الاعتقالات على حواجز التفتيش بشكل اعتباطي. اما الاغرب، فهو اعتقال الاولاد في الشوارع تحت حجة انهم يلبسون ثيابا مشابهة لثياب اولاد كانوا يسيرون في تظاهرة او يرمون الحجارة. ان ظاهرة الاعتقال اخذت منحى واسعاً منذ الانتفاضة الاولى وتفاقمت خلال الانتفاضة الثانية لتصل ذروتها عام 2002 عندما اجتاحت اسرائيل الضفة الغربية ومارست خلالها التوقيفات الجماعية. فمن أصل 8500 شخص معتقل كان هناك 10% منهم اولاد، نصفهم تتراوح اعمارهم ما بين 13 و14 سنة.

بعد التوقيف تبدأ رحلة الاستجواب المترافقة مع اشكال متنوعة من التعذيب والمهانة. منذ اللحظة الاولى للاعتقال وبدء الاستجواب يجري عصب عيون الاولاد، يتناوب الجنود على ضربهم بواسطة الرفس وأنابيب البلاستيك والعصي وأعقاب البنادق وفي كل انحاء الجسد. يعلقونهم في الهواء ويربطونهم الى الكرسي او الى قضبان حديد مثبتة في الجدران، يجبرونهم على الوقوف على رجل واحدة لمدة طويلة. يسكب على اجسادهم الماء البارد في فصل الشتاء ويتركون عرضة للبرد القارس، كما يسكب الماء الحار في الصيف ويجبرون على البقاء فترة طويلة تحت الشمس. يمنع عنهم النوم حيث تسلط الاضواء القوية عليهم طوال الليل او من خلال الموسيقى العالية والصاخبة التي تصدح في غرفهم.

خلال الاستجواب، يغطى الرأس بالكامل بقطع من القماش، مبللة بماء وسخة وذات روائح كريهة. يجبر الاولاد احيانا على تنشق الغاز بما يفقدهم وعيهم، تتوالى الضربات على الرأس وتطفأ السجائر في اجسادهم، ويتقاذف الجنود جسد الولد الفلسطيني كالكرة. كما لا يتورع الجندي الاسرائيلي عن التبويل على الولد خلال الاستجواب. ويجبر الاولاد على تمزيق صور الشهداء الفلسطينيين والبصق عليها، وعلى رمي القرآن على الأرض والدوس عليه، واذا ما رفض الولد القيام بذلك يوضع المسدس في رأسه ويهدد بالقتل.

ويصل سوء المعاملة الى حدود اغتصاب الاولاد من قبل الجنود الاسرائيليين. في عام 2002 اجبرت ثلاث عشرة فتاة على خلع ملابسهن وتفتيشهن معصوبات الاعين، ثم تركن في هذه الحالة في غرفة مفتوحة الابواب والنوافذ بالقرب من حراس السجن من الجنود الذكور، يضاف الى كل هذا الامتناع عن تأمين العلاج الطبي للاولاد وإجبارهم على كتابة اعترافات على ورقة مكتوبة باللغة العبرية بحيث تتضمن اتهامات لا يعرف الولد على ماذا وقع وماذا تتضمن الورقة.

بعد معاناة التوقيف والاستجواب تبدأ معاناة الاقامة في السجن. فالخيم والغرف مليئة بالاوساخ والحشرات، مياه المجارير تنساب بين الخيم، الفرش الموجودة مبللة بالمياه وهي لا تكفي جميع المعتقلين، لذا غالبا ما ينام قسم من الاولاد على الأرض. المراحيض قليلة جداً، ويمنع الولد من الذهاب الى المرحاض عندما يريد، بل كثيرا ما يجبر الولد على قضاء حاجته في ثيابه بكل ما يعنيه ذلك من اذلال وإهانة.

خلال الشتاء لا يعطى الاولاد اغطية كافية مما يعرضهم للنوم في البرد القارس. اما الطعام فهو سيء جداً، يضاف الى سوئه الحجم القليل المعطى للمسجونين. في خيمة يتواجد فيها بين 96 ولدًا، يتم اعطاؤهم كمية طعام تكفي عملياً لولدين او ثلاثة. ان سوء الطعام تسبب مرات كثيرة في حصول حوادث تسمم كادت تودي بحياة عدد من الاولاد. اما العناية الصحية فهي شبه معدومة، وإذا ما وجدت فإنها غير كافية ولا تتناسب مع الامراض التي يعاني منها الاولاد. فالحرمان من الادوية سمة عامة لسياسة السجون الاسرائيلية.

من اجل تعميق الضغط النفسي على الاولاد وإشعارهم بالعزلة، يمنع أهلهم من زيارتهم، واذا ما اعطي الإذن، فاللقاء على مسافة بين الأهل والولد يتوسطهم جندي اسرائيلي. تمارس عملية تقييد الزيارات على المحامين ايضا مما يصعب عليهم مقابلة موكليهم، كما يصعب الحصول على المعلومات اللازمة للمحاكمة، مع الاشارة الى ان هذه المعلومات مكتوبة باللغة العبرية التي لا يتقنها جميع المحامين الفلسطينيين.

تمثل العقوبات بحق الاولاد انتهاكاً اسرائيلياً فاضحاَ لحقوق الولد المنصوص عليها في القوانين الدولية. إنها أحكام جائرة لا تتناسب مطلقاً مع "الجرم" الذي ارتكبه الولد. فهذه محكمة اسرائيلية تحكم على ولد عمره 14 سنة بالسجن ستة اشهر، وعلى آخر عمره 16 سنة بالسجن سنة ونصف السنة لرميهما الحجارة والمشاركة في التظاهر. وهناك ولد عمره 17 سنة عوقب بالسجن ست سنوات بتهمة رمي الحجارة وقنابل المولوتوف على الجنود الاسرائيليين.

تستخدم اسرائيل نظامين قانونيين، واحد خاص بالاسرائيليين وآخر بالفلسطينيين. فالولد في القانون الاسرائيلي هو ما دون الـ 18 سنة، وهو التعريف الدولي، فيما تعتبر اسرائيل ان الاولاد الفلسطينيين بين 16 و17 سنة راشدون وتعاملهم قانونيا على هذا الاساس. ان القوانين والاتفاقات الدولية الخاصة بحماية الاولاد تنص على تحديد عمر الولد ووجوب الاهتمام به وتأمين تعليمه والامتناع عن ممارسة الاعمال غير الانسانية في حقه وعدم وضعه في الحجز الانفرادي، وتأمين الغذاء اللازم له والعناية الصحية الضرورية وحقه في تدريب مهني وممارسة التمارين الرياضية، وعدم إجباره على الاعتراف تحت التهديد إضافة الى حقه في محاكمة عادلة. لا تلتزم اسرائيل بهذه القواعد، بل على العكس تمتنع كليا عن الأخذ بموجباتها، وتمارس تمييزاً عنصرياً لا شبيه له الا بما كان جارياً في جنوب افريقيا سابقا. تفرض عقوبة سجن مدة ستة اشهر على ولد فلسطيني رمى حجارة على الجنود الاسرائيليين، فيما يحكم على اسرائيلي قتل فلسطينيا عمداً مدة ثلاثة اشهر سجناً.

تتذرع اسرائيل برفضها تطبيق القوانين والاتفاقات الدولية بالموجبات الأمنية الخاصة بالدولة، وتصر في المقابل على شرعية تصرفاتها وترفض تدخل الامم المتحدة او المنظمات الانسانية في اجراء تحقيقات حول خرقها للقوانين الدولية. ان رفضها خلال عام 2002 لأي تحقيق تجريه الأمم المتحدة حول ما جرى في مخيم جنين من مجازر هو واحد من نماذج تعاملها مع القانون الدولي. ولكسب تأييد المجتمع الاسرائيلي لهذه السياسة، شيدت اسرائيل خطابا ايديولوجيا متكاملا قائما على شحن المجتمع الاسرائيلي بكل عناصر التخويف على مصيره وكيانه من هذا "الإرهاب" الفلسطيني.

ان اسرائيل تتصرف دائما وهي مطمئنة الى وجود حصانات وضمانات من انها لن تتعرض لعقوبات دولية، تتولى الولايات المتحدة الأمريكية كبح ومنع أية محاولة دولية تحاول إدانة إسرائيل بسبب سياستها القمعية والعنصرية في الأراضي المحتلة او بسبب خرقها للقوانين الدولية.

تنعكس السياسة الاسرائيلية سلبا تجاه الاولاد المعتقلين بعد خروجهم من السجن. الآثار النفسية والجسدية والسياسية لسياسة التعذيب تحفر عميقاً في ذاكرة الانسان الفلسطيني مهما طال الزمن. شهادات رجال جرى اعتقالهم قبل عشر سنوات كانوا خلالها في اعمار تتراوح بين 16 و17 سنة تتقاطع عند مظاهر متشابهة. ان اثار التعذيب الجسدي اورثتهم اصابات بأمراض وإعاقات شبه دائمة. والآثار النفسية تتجلى في الاصابة باليأس والاحباط وانعدام الثقة بالناس، والذاكرة غير الواضحة، والنقص في التركيز، والاحلام السيئة والاضطراب العاطفي، والشعور الدائم بالأرق والرغبة في الابتعاد عن الآخرين.

ان الهدف الرئيسي لسياسة التعذيب الاسرائيلية هو تدمير الهوية الوطنية والشخصية للفلسطيني. يكبر الولد الفلسطيني وهو يعيش هاجس الخطر والعنف، مما يولد لديه شعوراً بالعدائية والهجومية والتوتر والقلق والخوف، وهي عوامل مساعدة موضوعياً على توليد النزوع الى "الإرهاب". اما النتيجة السياسية الاخطر الناجمة عن سياسة التعذيب، فإنها تؤسس لاستحالة التعايش السلمي لاحقا بين الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي وتشكل عائقاً مجتمعياً في وجه إمكانات السلام. إن الكره والحقد الذي تزرعه السياسة الاسرائيلية في الولد الفلسطيني من خلال ممارساتها المهنية والمذلة في حقه، سيتنامى ويتحول موقفاً ثابتاً معادياً دائماً للاحتلال ومتمسكاً بخيار المقاومة المسلحة له ورافضاً التعايش السلمي مع الإسرائيليين.

(عن "السفير")
Stolen yourth
The politics of Israel's detention of Palestinian children
Catherine Cook, Adam Hanieh, Adah kay
Pluto Press/ 791 Pages-4002

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية