"كوزا نوسترا" - تاريخ المافيا الصقلية

"كوزا نوسترا" - تاريخ المافيا الصقلية

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي جون ديكاي المختص بشئون العصابات والجريمة المنظمة، وهو يروي في هذا الكتاب قصة أشهر مافيا في العالم: أي المافيا التي ظهرت لأول مرة في جزيرة صقلية، وعبارة نوزا نوسترا تعني «شغلتنا» بالايطالية، وقضيتنا: أي قضية المافيا.

يتألف الكتاب في هيكليته العامة من مقدمة وخاتمة وأحد عشر فصلاً تروي تاريخ المافيا منذ البداية وحتى عام 2003. فالفصل الأول يتحدث عن منشأ المافيا بين عامي 1860 ـ 1876 في جزيرة صقلية، والفصل الثاني يتحدث عن كيفية دخول المافيا إلى النظام الاجتماعي الايطالي وتغلغلها فيه بين عامي 1876 ـ 1890.

أما الفصل الثالث من الكتاب فيتحدث عن الفساد والرشوة والرذائل السائدة في اوساط الطبقات العليا في المجتمع الايطالي بين عامي 1890 ـ 1904. هذا في حين ان الفصل الرابع مكرس لدراسة الموضوع التالي: الاشتراكية، الفاشية، المافيا بين عامي 1893 ـ 1943، وهنا يدرس المؤلف الموقف الذي اتخذه الاشتركيون ثم الفاشيون في عصابات المافيا التي أخذت تنخر في أحشاء المجتمع الايطالي.

ما في الفصل الخامس فينتقل المؤلف إلى دراسة موضوع آخر الا وهو: كيفية هجرة المافيا من جنوب ايطاليا إلى اميركا الشمالية بين عامي 1905 ـ 1941. ويتحدث المؤلف في الفصل السادس عن مرحلة الحرب العالمية الثانية ثم انبعاث المافيا بين عامي 1943 ـ 1950.

وأما الفصل السابع فمكرس للمافيا وتجارتها بالمخدرات وبخاصة الهيروين بين عامي 1950 ـ 1963. هذا في حين ان الفصل الثاني يتحدث عن حرب عصابات المافيا الأولى فيما بينها وانعكاسات هذه الحرب أو نتائجها. وكان ذلك بين عامي 1963 ـ 1969.

أما الفصل التاسع من الكتاب فيتحدث عن الحرب الثانية الخطيرة التي جرت بين عصابات المافيا بين عامي 1970 ـ 1982.
وفي الفصلين العاشر والحادي عشر يتحدث المؤلف عن آخر تطورات ظاهرة المافيا في العالم وذلك بين عامي 1983 ـ 1992 ثم بين عامي 1992 ـ 2003.

هذا هو باختصار شديد ملخص المحاور العامة التي تشكل العمود الفقري للكتاب، والآن لندخل مع المؤلف في التفاصيل ولنتوقف عند ذلك الفصل المثير الذي كرسه لحرب المافيا فيما بينها.

يقول بما معناه: لقد اندلعت حرب المافيا الكبرى في صقلية في شهر مارس من عام 1981، وفي ذلك الوقت كانت صناديق المافيا وخزائنها مليئة بالأموال، ولكن على الرغم من ذلك فان شرههم للكسب الحرام والسطو تزايد أكثر فأكثر، والواقع ان الحرب بين مختلف عصابات المافيا دارت حول المسألة التالية:

من سيسيطر على قطاعات المافيا أو بالاحرى على الامبراطورية الخاصة بها؟ وقد كانت حرباً شرسة لا شفقة فيها ولا رحمة، ودام سنتين سقط أثناءهما مئات الضحايا.

لقد انقسمت المافيا عندئذ إلى عدة عائلات أو عشائر. فكانت هناك جماعة زعيم المافيا لوسيانو ليجيو، وكانوا يشكلون العصب الحساس للحركة ويتمتعون بكافة مظاهر الشرعية من وجهة نظر المافيا بالطبع.

واما من جهة اخرى فكان هناك أحد زعماء المافيا الذي يدعى ستيفانو بونتاتي وحليفه الاقرب سلفاتور انزيريللو، وقد سرقا عدة ملايين من الدولارات من خزائن المافيا العامة.

ومعلوم ان المافيا كانت تمتلك مليارات الدولارات بسبب اشتغالها في صناعة الهيروين وتصديره إلى أميركا ومناطق اخرى من العالم. وكانت توجد في ايطاليا ما لا يقل عن خمسة عشر مختبراً لصناعة مادة الهيروين وكان احدها يقع في مواجهة البحر في مدينة باليرما عاصمة صقلية والمافيا كلها.

ثم يقول المؤلف مردفاً: ينبغي العلم بأن هذه المختبرات كانت تنتج عدة اطنان من المخدرات كل عام، ولكي نأخذ فكرة عن مدى غنى المافيا واسبابه ينبغي العلم أيضاً بأن الكيلو الواحد من الهيروين كان يباع بـ «250» ألف دولار:

فاذا كان المختبر الموجود في باليرما والمذكور آنفاً ينتج لوحده خمسين كيلو هيروين كل عشرة أيام، فلكم ان تتخيلوا حجم الأرباح الناتجة عن هكذا مختبر!.

وبالتالي فكانت الأموال وفيرة جداً عندما اندلعت حرب المافيا بين جماعة لوسيانو ليجيو من جهة، وجماعة ستيفانو بونتاتي من جهة أخرى وهما الفرعان اللذان يشكلان الجناحين الأساسيين للمافيا الصقلية وكان هناك اتفاق على تقاسم الأموال المتجمعة وكذلك على مناطق النفوذ.

فلكل زعيم منطقة يسيطر عليها هو واتباعه ولا ينبغي ان تدخلها جماعة الزعيم الآخر المنافس، وكان هناك اتفاق ضمني بين الطرفين على تقاسم الأرباح ومناطق النفوذ بحسب قوة كل منهما.

وبحسب رواية الخاسرين فان هذه الحرب لا علاقة لها بالمخدرات.

وانما هي مجرد صراع على السلطة داخل منظمة المافيا. في الواقع ان كلا الامرين مرتبطان ببعضهما البعض.

فالزعيم لوسيانو ليجيو ما كان بامكانه ان يسيطر على المافيا لولا انه يمتلك مفتاح ثروتها الطائلة ويستطيع توزيعه أو عدم توزيعه على الأعوان والاتباع.

ولهذا السبب فانه فكر في تصفية منافسيه بونتاتي وانزيريللو. في الواقع ان هذين الأخيرين كانا يمثلان شبكة المافيا على الطريقة التقليدية وكانا متواجدين في باليرما منذ عدة عقود، بل وكانا يحتلان مواقع راسخة في نيويورك نفسها.

ثم يردف المؤلف قائلاً: واذا ما نظرنا إلى المراتب الهرمية لشخصيات المافيا آنذاك وجدنا ان بونتاتي كان يقف في اعلاها، وكان يدعى الأمير أو الزعيم الأعلى، واما صديقه انزيريللو فكان الشخص المركزي للمافيا في صقلية بسبب سيطرته على تسويق المافيا هناك، وبالتالي فان بونتاتي وانزيريللو يسيطران بالفعل على باليرما عاصمة المافيا العالمية التي تمتلك فروعاً في أميركا الشمالية، وكندا، وأميركا الجنوبية، ومناطق أخرى من العالم.

ثم عقدت المافيا اجتماع قمة من أجل حل الخصومة بشكل سلمي بين الطرفين المتنازعين، ولكن طرف بونتاتي كان يفكر في تصفية زعماء الطرف الآخر في هذا الاجتماع بالذات، ولسوء حظه فان الآخرين سبقوه إلى الحركة فصفوه قبل ان يصفيهم، وهذه هي طريقة المافيا.

والواقع انه سقط في كمين نصبوه له بعد شهر من عقد القمة المذكورة.

وكان ذلك في 2 أبريل من عام 1981، وكان قد انتهى للتو من الاحتفال بعيد ميلاده في الفيللا العائلية الراقية المزودة بأجهزة الانذار الالكترونية تحسباً للعواقب.

وبعد الاحتفال راح يتجه بسيارته نحو منزله الريفي لكي يقضي الليلة فيه ويستريح.

وقد فوجيء باطلاق النار عليه من السيارة الموازية له وهو يقف على الضوء الأحمر، ولسوء حظه فان سيارة حمايته المسلحة كانت قد سبقته وتجاوزت الضوء بثوان عندما كان لا يزال اخضر، ولم يشعروا بأي خطر ولم يعرفوا بمقتله الا لاحقاً، وكانوا يعتقدون انه لاحق بهم وليس منفصلاً عنهم.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي هذه الفجوة القليلة من الزمن، في هذه الثواني المعدودة انتهز جماعة ليجيو الفرصة واردوه قتيلاً بواسطة الكلاشينكوف، وقد فصلوا رأسه عن جسده بكل وحشية ودون أي شفقة أو رحمة على طريقة عصابات المافيا.

بالطبع فلو انه سبقهم هو إلى الضرب لفعل بهم نفس الشيء، ولكنهم غدروه، وقد اعتقد ان صديقه انزيريللو ليجيو لن يقتله لأنه مدين له بعشرة ملايين دولار، وبالتالي فلا يمكن ان يعتدي عليه قبل ان يرد له المال ولكنه كان مخطئاً.

فالواقع ان لوسيانو ليجيو كان شخصاً رهيباً لا يرحم، ولذلك فانه أرسل له جماعته من المحترفين القتلة فأردوه صريعاً يوم 11 مايو التالي بنفس الكلاشينكوف

والغريب العجيب انه كان يسوق سيارة مصفحة ذات زجاج لا يخترقه الرصاص ولكنهم كانوا قد جربوا العملية قبل ان يقتلوه على زجاج مثله لأحد تجار الجواهر، واكتشفوا انهم اذا ماركزوا اطلاق النار على منطقة ضيقة من زجاج نافذة السيارة فانهم يستطيعون اختراقها، وهذا ما كان!

على هذا النحو صفَّى لوسيانو ليجيو عدويه اللدودين قبل ان يصفياه، وابتدأت عندئذ أكبر عملية تصفيات في تاريخ المافيا الايطالية. وقد سقط ضحيتها في نهاية المطاف ما لا يقل عن ألف شخص!

وقد اتسعت دائرة التصفيات لكي تشمل ليس فقط باليرما وكل صقلية وانما أيضاً لكي تصل إلى أوروبا والولايات المتحدة، بل وفي اميركا الجنوبية، وكان البوليس الايطالي يجد كل يوم جثة ملقاة على قارعة الطريق أو في أحد الشوارع الخلفية أو في أي مكان آخر.

فعمليات التصفية والتصفية المضادة كانت تحصل بشكل يومي. واحياناً كان البوليس يجد اربع جثث او حتى خمس كل يوم وليس جثة واحدة. وقد استلهمت السينما فيما بعد هذه الحرب المرعبة وقدمت بعضاً من أقوى الأفلام السينمائية وأكثرها تشويقاً وقوة.

وقد قتلوا واحداً وعشرين قائداً من جماعة انزيريللو. ثم قطعوا اليد اليمنى لابنه لكيلا ينتقم لوالده، ولم يكن عمره أكثر من خمسة عشر عاماً. ثم انتهى بهم الأمر إلى قتله نهائياً وتصفيته.

بل ووصل بهم الأمر إلى قتل عمه المقيم في لوس انجلوس بأميركا، وكذلك فعلوا مع معظم أفراد عائلته، والواقع انهم كانوا يخشون ان يبقى أي شخص ذكر من أقربائه على قيد الحياة، وكانوا يعرفون انهم سينتقمون يوماً ما، ولذلك عجّلوا بتصفيتهم الواحد بعد الآخر.

ويقول المؤلف بأن هذا شيء معروف ومعهود في عالم المافيا. فالتصفيات ينبغي ان تكون شاملة وتطال جميع أفراد العائلة من الذكور لكيلا تقوم لها قائمة بعد الآن.

وفيما بعد قبض البوليس على بعض زعماء المافيا الصقلية واعترفوا بجرائمهم الشنيعة بل ان احد هؤلاء الزعماء الكبار هرب من التصفيات وجاء إلى جنوب فرنسا. وعاش هناك عدة سنوات وهو متنكر خوفاً من ان يلحقوا به أو يفتشوا عنه ويغتالوه. والواقع انهم لاحقوه، ولكن دون جدوى. فقد عرف كيف يذوب في زحمة البشر وكيف يتخفى تماماً.

ثم ألف بعدئذ كتاباً يروي فيه قصة حياته ويكشف أسرار المافيا من الداخل ومجرد قراءة الكتاب تجعل بدنك يقشعر وتشيب شعر الرأس!

قد شارك مثلاً في احدى المرات بقتل الاطفال الذين لا يتجاوز عمرهم العاشرة أو الثالثة عشرة عن طريق رميهم في بئر عميقة وهم مقيدون بالحبال..

ثم يروي حكاية انتسابه للمافيا عندما كان شاباً، وما هي الشعائر والطقوس التي يتبعونها في مثل هذه الحالة. وبعد الانتساب يصبح المرء «رجل شرف» كما يقولون، أي عضو في المافيا، ويحلف اليمين على ان يكتم السر مهما حصل، وعلى ان ينفذ أوامر رئيس المافيا في كل الحالات.

ثم يتحدث أيضاً عن التصفيات التي حصلت في «باليرما»، وكيف قتلوا اخاه الكبير، وابن اخيه، وكيف حاول ان ينتقم منهم، الخ. باختصار فان قصص المافيا مرعبة واحياناً لاتكاد تصدق ما تقرؤه.

ولكن يبدو ان المافيا ضعفت كثيراً في ايطاليا بعد ان لاحقتها السلطات دون ان يعني ذلك انها اختفت تماماً. فالواقع انها تشهد انتعاشاً جديداً الآن في روسيا وأماكن اخرى أيضاً.

الكتاب: كوزا نوسترا

تاريخ المافيا الصقلية

الناشر: كورونيت بوكس ـ لندن 2004

الصفحات: 483 صفحة من القطع الصغير