الإثنوقراطيـة في طبعتها الإسرائيلية/ أنطـوان شلحـت

الإثنوقراطيـة في طبعتها الإسرائيلية/ أنطـوان شلحـت

في كتاب "الإثنوقراطية: سياسات الأرض والهوية في إسرائيل/ فلسطين"، الصادر حديثًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار (رام الله) بترجمة عربية أنجزتها عن الانكليزية الباحثة الفلسطينية سلافـة حجاوي، يقدّم البروفسور أورن يفتاحئيل، أستاذ الجغرافيا السياسية وتخطيط المدن في جامعة "بن غوريون" في بئر السبع، وأحد أبرز الأساتذة الجامعيين النقديين الما بعد صهيونيين في إسرائيل، تعريفا شاملاً للنظام الإثنوقراطي عمومًا، ويشرّح تطبيقاته في إسرائيل على شتى الصُعُد من خلال تعقبها بأناة وتمحيص دقيقين.

ولعل أول فحوى يطالعنا من هذا التعريف هو أنه نمط نظام خاص يعمل على تمكين "الأمة" المهيمنة (التي توصف في العادة بأنها "الجماعة المتميزة") من التوسع والإيغال في فرض الإثنية، والسيطرة على الإقليم الجغرافي المتنازع عليه، وعلى الكيان السياسي. وتوصف هذه الأنظمة بأنها أطر شرعية وسياسية وأخلاقية مهمتها إقرار كيفية توزيع السلطة والموارد. وهي تجسّد هوية وغايات مجتمع سياسي ما وأولوياته العملية. وتعتبر الدولة هي المشكّل الرئيس للنظام، توفر له المؤسسات والآليات والقوانين والأشكال التي تمنح الشرعية للعنف من أجل تنفيذ المشاريع التي يقرّها.

ووفقًا لهذا التعريف، فإن الأنظمة الإثنية قد تظهر في أشكال متعددة، منها حالات الديكتاتورية الإثنية، أو حالات الأنظمة التي تنفذ إستراتيجيات عنيفة للتطهير الإثني، على النحو الذي تم في رواندا وصربيا، أو تلك التي تعتمد إستراتيجياتها على عمليات السيطرة والعزل، على النحو الذي حدث في السودان وفي جنوب إفريقيا قبل العام 1994.

لكن المؤلف يركز أساسًا على الأنظمة الإثنية التي تقدم نفسها على أنها ديمقراطية وتتبنى عدة آليات ديمقراطية رسمية كالانتخابات، وتتبنى حقوقا مدنية كحرية التنقل، ونظاما برلمانيا، ونظاما منفتحا نسبيا للإعلام والاتصالات. وعلى الرغم مما لديها من تمثيل ديمقراطي، فإنها تسهّل عمليات التوسع غير الديمقراطية للإثنية المهيمنة، ولذا يمكن وصفها بأنها إثنية مفتوحة من ناحية اتساع شهيتها للسيطرة والهيمنة. وهي تضم في الوقت الراهن دولا مثل سيريلانكا، وماليزيا، ولاتفيا، وصربيا، وإسرائيل، بالإضافة إلى حالات قديمة تعود إلى القرن التاسع عشر، مثل أستراليا.

وللعلم فإن يفتاحئيل هو أول من سكّ مصطلح إثنوقراطية في سياق توصيف النظام في إسرائيل.
وبينما تمثل القومية الإثنية القوة الدافعة الرئيسة وراء السياسات الإثنية، فإن المسألة القومية كثيرًا ما ترتبط بوشائج قوية مع دين يتم تسييسه ومأسسته.

وهكذا يكون الدين الذي تعتنقه الأكثرية المهيمنة دينا إثنيا، وهذا يؤدي إلى علاقات متبادلة يتأثر الدين من خلالها بنضالات إثنية وقومية معاصرة، بينما تتأثر طبيعة النضال القومي الإثني بدورها بالروايات الدينية. كما يؤدي الطابع التوسعي للقومية الإثنية الذي تتسم به أنظمة الحكم الإثنية، إلى تمكنها من تطوير أشكال مرنة من الشرعيات الداخلية القائمة على الدعم المتبادل بين القومية والدين. بناء على ذلك، وعلى الرغم من الأساس العلماني التاريخي المفترض للقومية، فإن التواريخ والهويات وحدود القومية المهيمنة في المجتمعات ذات الأنظمة الإثنية لا تبتعد كثيرا عن الدين، وذلك لأن المنطق الديني مفيد جدا لمعظم الأنظمة الإثنية، حيث إنه يولد خطابا له حدود سياسية واجتماعية صارمة. وفي العادة يتم تبرير وجود مثل هذه الحدود في الرأي العام وفي السياسة والإعلام بذريعة أنها نابعة من إرادة إلهية، أو من جذور تاريخية، وبذا يجري تصويرها على أنها مُنزلة ويستحيل تجاوزها.

وفي موازاة هذا تكون الأنظمة الإثنية في العادة مدعومة بأجهزة ثقافية وأيديولوجية تضفي الشرعية على  الواقع المشوّه الذي تتسبب به وتتعهده بالرعاية وتعززه. ويتم ذلك بواسطة تأليف روايات تاريخية مختلـقـة بشأن الجماعة الإثنية المهيمنة على أنها هي المالك الشرعي للأرض المعنية. ومثل هذه الروايات تحطّ من قيمة جميع المنافسين لتلك الجماعة، وتعتبرهم غير جديرين، تاريخيا وثقافيا، بالسيطرة على الأرض، أو بالحصول على المساواة السياسية.
وتشتط هذه الروايات عندما يكون الأمر متعلقًا بـ "تنافس" سكان أصلانيين، كما هي الحال في فلسطين.

وتتشابه الأنظمة الإثنوقراطية "المفتوحة"، في بعض العناصر الجزئية الخاصة، بالأنظمة الاستبدادية والديمقراطية، غير أنها وبغض النظر عن النظام السياسي الرسمي، تعمل على إقامة حكم الإثنية من أجل إثنية معينة، ولذا لا يمكن وصفها بالديمقراطيات بمعنى ما، لأنها تعمل بنيويا على تفضيل جماعة من المواطنين على الآخرين، وتسعى إلى إدامة هذا التفضيل. وعليه فإن الأنظمة الإثنية ليست حكومية ديمقراطية ولا استبدادية، وغياب الديمقراطية يتم أساسًا بفعل تمزّق مفهوم الشعب جراء عدم المساواة في المواطنة، وبسبب القوانين والسياسات التي تتيح لفئة قومية إثنية واحدة إمكان الاستيلاء على الدولة. في الآن ذاته، فإنها ليست استبدادية، لأنها تقدم حقوقا سياسية مهمة للأقليات الإثنية، ولو كانت جزئية للغاية.

وفي سياق ذلك كله يقرأ المؤلف تاريخ الصراع الصهيوني- الفلسطيني من منظور سياسي- جغرافي باعتباره صراعًا على الأرض/ المكان وعلى الهوية، واضعًا يده بكفاءة على حقيقة كون الصهيونية حركة استعمارية، يتمثل هدفها الرئيس في تهويد الأرض، وتحويل اليهود في هذه الأرض إلى سكان محليين، غير أنه تم تقديم ذلك على أنه شكل من أشكال التحرير المناهض للاستعمار وليس الاستيلاء، وبذلك حصلت هذه الحركة على الشرعية اليهودية، وحظيت بالدعم الدولي. ولذا، يشير إلى أن الصهيونية طوّرت منذ الأعوام الأولى هوية مزدوجة: من جهة، تحولت إلى مشروع استعماري يعمل على السيطرة على أكبر قدر من الأرض وبناء القوة الاقتصادية في المستعمرات الجديدة، ومن جهة أخرى، قدمت نفسها على أنها مناهضة للاستعمار وأنها تسعى إلى "تحرير الوطن" من نيـر البريطانيين في سبيل بناء دولة يهودية مستقلة.

استراتيجيات التهويد

بعد حرب 1948، المعروفة عند اليهود باسم حرب الاستقلال وعند الفلسطينيين باسم النكبة، كما يقول المؤلف، أقيمت دولة إسرائيل رسميا كديمقراطية ذات نظام برلماني ومواطنة رسمية لجميع المقيمين في الإقليم المحدّد وفقا لخطوط الهدنة للعام 1949، غير أنها ما لبثت أن تحولت إلى ديمقراطية إثنية استيطانية نظرا لاعتمادها إستراتيجيات ديمغرافية وجغرافية وثقافية تستهدف التهويد السريع للإقليم. وسنّت إسرائيل باعتبارها دولة يهودية "قانون العودة" الذي أعطى الحق لكل اليهود في الهجرة إلى البلد، وبذلك تم تمديد فترة مشروع التهويد إلى ما لا نهاية.

وكان الفلسطينيون الذين ظلوا في إسرائيل قد فصلوا تماما، خلال الفترة من العام 1948 ولغاية العام 1967، عن إخوانهم في الخارج، وتم حجزهم في معازل جغرافية صغيرة خضعت إلى الحكم العسكري (الذي ظل مفروضًا عليهم حتى العام 1966)، وأحاطت المستوطنات اليهودية بأماكن إقامتهم، بينما تمت مصادرة أكثر من نصف أراضيهم الخاصة من طرف الدولة. وقد بدأت المقاومة الوطنية في الظهور داخل إسرائيل أيضا خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الفائت، وخصوصًا من جانب الحزب الشيوعي، وحركة الأرض التي استقطبت الشباب العربي وتم لاحقا حظرها في العام 1964.

وفي العام 1967، احتلت إسرائيل أراضي عربية شاسعة من ضمنها الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان. وأدى ما حدث إلى تمدّد الحكم الإثني الإسرائيلي ليشمل الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين وإقليم إسرائيل/ فلسطين كله.

كما أطلقت حرب 1967 عملية البدء بالاستيطان اليهودي في جميع الأراضي المحتلة بعد تلك الحرب، الأمر الذي شكل انتهاكا للقانون الدولي وميثاق جنيف.
ولم تخلف الحرب العربية- الإسرائيلية الكبرى في سيناء والجولان في العام 1973 إلا أثرًا ضئيلا على المناطق الفلسطينية، غير أن موجة جديدة من الاستيطان اليهودي ما لبثت أن بدأت فيها، وبدأ معها التغيّر الجذري  لجغرافيتها الإثنية، ولطبيعة الصراع الصهيوني- الفلسطيني برمته.

وبالتزامن مع مرور عقد على احتلال الأراضي الفلسطينية، بلغت الإثنوقراطية ذروتها. ففي إثر وصول الزعيم اليميني مناحيم بيغن وحزبه الليكود إلى سدّة الحكم في إسرائيل العام 1977، بدأت السياسات الإسرائيلية باختلاق "وقائع غير قابلة للإلغاء على الأرض" بغية منع إمكان إعادة تقسيم إسرائيل/ فلسطين. وكان أوضح تجليات تلك السياسات هو برنامج الاستيطان الواسع في الضفة الغربية، وبدرجة أقل في قطاع غزة. وتم استخدام بلاغيات البقاء اليهودي مرة أخرى، وكذلك جرى استغلالها لتبرير المشروع الاستيطاني الجديد بحجة تعزيز الأمن القومي. وعمد المستوطنون الجدد الذين انضموا إلى الجماعات الدينية اليمينية إلى المجادلة بضرورة الاستيطان في الأراضي التوراتية باعتبارها "صخرة" الهوية القومية اليهودية. وهكذا تم وضع الاستيطان في وسط المراكز السكانية الفلسطينية، والدفع بالزمان اليهودي القديم إلى قلب التحركات السياسية المعاصرة بواسطة توطين اليهود في مواقع توراتية، وإعادة تشكيل الطبيعة الجغرافية والهويتين الصهيونية والفلسطينية.

ويمضي المؤلف على هذا المنوال إلى أن يصل في التحليل إلى المرحلة الحالية للجغرافيا السياسية لإسرائيل/ فلسطين، والتي يسميها مرحلة "الاندماج الظالم"، وخلالها يبدأ الاستعمار الصهيوني بالتراجع، فيما يطنطن القادة الإسرائيليون بدعمهم علنًا لإقامة دولة فلسطينية. وتترافق هذه المرحلة مع ممارسات اضطهادية تزداد عمقا على جانبي الخط الأخضر، ومع موجات من العنف المتصاعد، ومع تكثيف العنصريّة في الخطاب العام وفي السياسة. ويحاجج بأن مزج هذه النزعات أفضى إلى عملية تهدف إلى بناء "الأبارتهايد الزاحف"، الذي تقوم إسرائيل من خلاله بمأسسة تدريجية لأنماط متعددة من "الفصل وعدم المساواة" في جميع الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، إذ يتم حصر الفلسطينيين في غيتوات مجزأة، فيما يبقى الفضاء اليهودي في الأرض- كامل البلد- منسابًا ومتمكنا، ينحرف بالتدريج، ويعمل تدريجيا على إلغاء الفصل بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية المهوّدة، لافتًا إلى أن الظهور التدريجي للاحتلال العدواني، والاستيطان الكولونيالي، والحكومة الإثنوقراطية، بالإضافة إلى الممارسات الديمقراطية الإثنية الانتقائية، والليبرالية الاقتصادية، والاستقطاب الاجتماعي، كل ذلك يجعل إسرائيل/ فلسطين تمثل باضطراد نظام أبارتهايد بامتياز.

وهو يرى أنه خلال الأعوام الخمسة عشر الفائتة حدث تغير ملموس في الخطاب الذي يتبناه قادة إسرائيل إزاء إدارة الصراع الصهيوني- الفلسطيني وسبيل حلّه. وجاء ذلك بعد عقود من الرفض العنيد لحقّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وفي إقامة دولتهم، ومن دعم للتوسع اليهودي في المناطق الفلسطينية المحتلة، والمناطق الفلسطينية داخل إسرائيل. ونقطة بدء الخطاب الجديد تتحدّد لديه منذ استعداد رئيس الحكومة الأسبق إسحاق رابين الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية و"الحقوق السياسية القومية الفلسطينية" التي تكرّست في اتفاقيات أوسلو، ومن ثمّ في كامب ديفيد إيهود باراك، وفي مفاوضات طابا من أجل دولة فلسطينية، بالإضافة إلى الانسحاب من لبنان. وقد أصبح التغير أكثر وضوحا عندما حظي بدعم قادة قوميين يمينيين مثل أريئيل شارون وإيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو، كانوا قد بنوا سيرهم وأمجادهم السابقة على تشجيع الاستعمار الصهيوني والعدوان العنيف.

وعند هذا الحدّ يطرح التساؤل التالي: كيف يمكن النظر إلى هذا التحول؟ وهل هذه التحركات من جانب سلسلة من رؤساء الحكومة اليمينيين تسير نحو سكة السلام الذي طال انتظاره؟ وهل نحن متجهون الآن نحو نهاية الاستعمار الإسرائيلي، كجزء من حلّ الدولتين؟

ويردّ بما يلي: إجابتي سلبية. وحجتي في ذلك أن التحوّل الأخير واضح تماما، وهو يعرض ظهور مرحلة جيو- سياسية جديدة، ويبرز غياب أجندة "أرض إسرائيل الكبرى". لكن على أي حال، فإن هذا التغير غير مؤهل لأن يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في المدى المنظور، ولا إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة بين النهر والبحر، بل إنه يميل أكثر إلى تعميق عملية مأسسة واقع الأبارتهايد، وإلى جعله شرعيا. وربما تقام في نهاية المطاف دولة فلسطينية نتيجة الضغط الدولي، ومع ذلك فإن مثل هذه الدولة لن تتمتع بالسيادة الكاملة ولا التواصل، إذ إن ما هو مقترح من الدوائر الإسرائيلية والدولية، قد لا يحلّ الصراع الصهيوني- الفلسطيني، وسيكون جزءا من عملية "فصل عنصري" معدّلة. صحيح أن دولة فلسطينية قابلة للحياة وكاملة السيادة كتطبيق للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين (من دون التضحية بالحقوق الإسرائيلية المشروعة) يمكنها أن توصل المنطقة إلى برّ الاستقرار، إلا إن مسيرة سلمية كهذه تتطلب برأيه من الإسرائيليين والفلسطينيين، وخصوصا من الإسرائيليين، أن يتعاملوا مع الموضوعات الأساسية التي تشكل جوهر الصراع، مثل تداعيات النكبة، ومحنة اللاجئين، والقدس، والتحكم بالأرض، ومستقبل الفلسطينيين داخل إسرائيل. ولا يبدو من المحتمل أن توجد قوة سياسية، بما في ذلك الولايات المتحدة، الشريك الإمبريالي لإسرائيل، وأوروبا المتردّدة، والدول العربية، تملك سلطة تدفع إسرائيل نحو التعامل مع هذه القضايا، ونحو كبح الانحدار نحو جغرافيا الأبارتهايد.

الحل الثنائي القومي التدريجي

بناء على ما تقدّم، يطرح يفتاحئيل تصورًا خصوصيًا للحل يبدو أقرب إلى الحلـم، هو مفهوم "الثنائية القومية التدريجية"، ويتضمن إقامة كونفيدرالية مؤسسة على كيانين سياديين وعاصمة واحدة (القدس)، ويستند إلى تطلع نحو مستقبل قائم على أساس السلام والتعايش المتكافئ، من دون أن يخفي إدراكه أن هذا التصوّر يشكل تحديًا لمعظم السيناريوهات والبرامج السياسية الصهيونية والفلسطينية. ومن الملفت أنه يشدّد على ضرورة أن يتقبل العرب عمومًا والفلسطينيين خصوصًا "حاجات اليهود في الأمن والهوية والحقوق الجمعية" معتبرًا إياها مشروعة ومركزية جدًا في سياق تخيّل مستقبل مغاير أفضل. ويؤكد أنه على الرغم من أن هذا الحلّ يبدو بعيدًا في الوقت الراهن، فإن التعبير عن مثل هذا السيناريو النوعي يبقى أمرًا مهمًا جدا من أجل مقاومة النظام العدواني القائم، ومن أجل توفير أجندات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية جديدة. في الوقت نفسه فإن هذا الحل هو الأنسب في قراءته من أجل إيجاد مجتمع سياسي مستقر وشامل لجميع سكان البلد، والأكثر قدرة على توفير أفضل الظروف للمصالحة والتطور لليهود وللفلسطينيين على حد سواء، مقارنة بالحلول المطروحة الأخرى وفي مقدمها: ترسيخ الاحتلال؛ الدولتان الإثنيتان؛ إسرائيل الكبرى؛ فلسطين الكبرى؛ الدولة الواحدة الثنائية القومية والمتعددة الثقافات.

ووفق منظوره فإن سيناريو هذا الحل يتحدى المنطق الخاص بالدولة الإثنية، بواسطة توفيره إطارا طويل المدى لوطن مفتوح لكلا الشعبين، يتعارض تماما مع المحاولة الإثنوقراطية الرامية إلى فرض ما لا نهاية له من خطوط الفصل والحواجز والعقبات الإثنية أمام تطوّر وحراك المجموعات المستضعفة، كما أنه يحاول أن يضع تصورا لـ "شعب" إسرائيلي جديد يعمل على تدعيم سلسلة من الإثنيات والأفراد في كيان سياسي إسرائيلي جديد وديمقراطي ومتعدد الثقافات.

ويعتقد المؤلف أنه على المدى القصير من المتوقع أن يظل منهج ترسيخ الاحتلال والقمع مهيمنا على جغرافية إسرائيل/ فلسطين، وأن يتسبّب بالمضي قدما على طريق "الأبارتهايد الزاحف" والنزاع الإثني. كما أن من المتوقع أن تُعالج مثل هذه النزاعات ببعض الإجراءات قصيرة الأمد، كالحواجز العسكرية، والرقابة المشددة، أو اختيار تخفيف القبضة عن الفلسطينيين على نحو انتقائي أحيانا، أو حتى الإعلان عن إقامة دولة انتقالية، غير أن أيا من هذه الإجراءات لن يمس جذور الصراع الفلسطيني- اليهودي، ولن ينطوي على تعامل مع شروط الأزمة من أجل تعايش طويل الأمد على النحو الذي يقدمه منهج القومية الثنائية التدريجية، الذي يتعين عليه أيضًا كتحصيل حاصل أن يسفر عن إيجاد توازن بين الهوية الإثنية والمواطنة داخل دولة إسرائيل.

بطبيعة الحال يمكن للمرء أن يحاجج الكثير من الوقائع التي يوظفها المؤلف لتدعيم تصوّره السالف الذي يشكل هاجس هذا الكتاب من ألفه إلى يائه، لكن لا يجوز أن نغفل حقيقة أن تشخيصه للحالة السياسية الراهنة من خلال وضعها وسط الجغرافيا السياسية المتغيرة لإسرائيل/ فلسطين تحت وطأة ما أقدم عليه النظام الإثنوقراطي الإسرائيلي على مرّ الأعوام الفائتة، يعتبر تشخيصًا مخصوصًا جدًا، فضلاً عن أنه يفتح المجال أمام أفق مغاير للتفكير، من دون إغفال أن دافعه الأقوى هو ضرورة وضع حدّ لما تعرّض ويتعرّض شعبنا الفلسطيني له من سياسات وممارسات آثمـة، ما زالت تحول بينه وبين فوزه بالحرية والاستقلال والدولة القومية الخاصة به.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018