جديد المكتبة | كتاب "مُخبرون ومُخبرون".. تاريخ وقصص البوليس السري الإنجليزي في مصر

يستهل المؤلف كتابه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة في 254 صفحة بالقول إن "الأمن السري مهم، لأن استقراءه ضرورة في كل عصر، تتبعا لتعقيدات علاقة الحاكم بالمحكوم، واقتفاء لتحولات البشر وتغيرات أخلاقهم تحت ذرائع إرضاء السلطة أو اتقاء شرورها"

جديد المكتبة | كتاب

جزء من غلاف الكتاب

صدر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة كتاب "مُخبرون ومُخبرون" للباحث والروائي والصحافي المصري مصطفى عبيد، والذي يتناول بالبحث والتحليل تاريخ البوليس السياسي السري في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، في فترة الاحتلال البريطاني.

يفتح الكتاب ملفات ظلت لعقود بعيدة عن التداول، مستندًا إلى وثائق من الأرشيف البريطاني، ومصادر صحافية ومذكرات شخصية، ليكشف جانبًا خفيًا من علاقة السلطة بالأمن، ومن آليات السيطرة والمراقبة في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ مصر الحديث.

غلاف الكتاب

في هذه المغامرة التاريخية يفضُّ المؤلف ملفات مختومة، ويفتح سجلات مُغلقة، ويغزو مناطق محرَّمة، رافضًا كلَّ القيود التي تفرضها كلمات مثل: "ممنوع"، "سري"، و"محظور".

يصطحب مؤلف الكتاب أدواته التاريخية للتنقيب في ملفات رجال الأمن السياسي السِّري في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، راصدًا حكايات مُخبرين سريين عُتاة، استثنائيين، غاية في الذكاء والدهاء، كاشفًا عن صراعهم في لعبة الدفاع عن السلطة، ومآلات هذا الصراع.

إنها سيرة دامية شارك فيها قتلة، وأشرار، وأبطال، وخونة، وشهدت تحولات وغرائب وفضائح وجرائم تستحق الحكي. فمن جورج فليبيدس، الشامي المتمصر الذي جمع ثروته من العمل الأمني، إلى مكفرسون، صاحب المزاج المتقلب، ومن إنجرام، الداهية الإنجليزي الرهيب، وصولًا إلى نجيب الهلباوي الخائن الغامض، ومن كيون بويد المُتغَطرِس، إلى سليم زكي المُخيف.

يقدّم هذا الكتاب تاريخا آخر سريًّا للسلطة في مصر المحتلة، ويفصح عن ميراث لا يزال مسكوتًا عنه.

نادرة هي الكتب التي تتناول عالم الأجهزة الأمنية في أي دولة أو حقبة زمنية بالبحث والدراسة والتحليل، سواء لحساسية الأمر أو لحرص تلك الأجهزة على إبقاء تفاصيل عملها طي الكتمان.

قرر عبيد خوض رحلة شاقة في ترجمة وجمع وتدقيق محتوى شيق عن البوليس السري في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي في النصف الأول من القرن العشرين، في كتاب منحه عنوان (مُخبرون ومُخبرون).

يستهل المؤلف كتابه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة في 254 صفحة بالقول، "الأمن السري مهم، لأن استقراءه ضرورة في كل عصر، تتبعا لتعقيدات علاقة الحاكم بالمحكوم، واقتفاء لتحولات البشر وتغيرات أخلاقهم تحت ذرائع إرضاء السلطة أو اتقاء شرورها".

ويمهد الكتاب لموضوعه الرئيسي بعرض مبسط لبداية النظام الأمني في مصر بشكل مؤسسي منذ الخلافة العباسية، مرورا بعهد محمد علي باشا وخلفائه، وصولا إلى الخديوي إسماعيل، الذي عمل على تحديث وتطوير الأجهزة الأمنية باستقدام ضابط إيطالي يدعى كارلسيمو، وضابط آخر يدعى المركيز نيجري، وأوكل لهما مهمة إنشاء بوليس حديث في القاهرة والإسكندرية عام 1866.

ثم يقفز المؤلف سريعا إلى القرن العشرين، فاختار واقعة تاريخية محددة ليجعلها شرارة الانطلاق الأولى لتأسيس البوليس السري في مصر، قائلا، "تتنوع المصادر والأطروحات المصرية والأجنبية بشأن بدايات تأسيس نظام البوليس السياسي السري بشكله الحديث، وإن كانت تتفق جميعها على لحظة مفصلية مهمة، جعلت الفكرة المطروحة منذ سنوات، تستقل قطار التحقق بسرعة واهتمام شديدين، وهذه اللحظة هي اغتيال بطرس باشا غالي، رئيس الوزراء المصري، في 20 شباط/ فبراير سنة 1910، على يد شاب متطرف وطنيا يُدعى إبراهيم الورداني".

ويمضي المؤلف قائلا، "لا شك أن واقعة اغتيال بطرس غالي، والتعاطف مع قاتله، تحت ظن أنه نموذج مقاومة للاحتلال البريطاني، سواء في الصحف والمنشورات، أو من خلال الأغاني والأشعار والحكايات التي انتشرت، قد أوضح عدة أمور لكل صاحب رأي أو قرار، أولهما، أن هناك غضبا عظيما مكتوما لدى الشباب المصري يوشك أن ينطلق ضد الاحتلال، بل ضد كل العاملين والمتعاونين معه من العناصر المصرية، وثانيهما، أن هناك خلايا سرية ومجموعات مشتركة لا يعرف عنها أحد شيئا، يمكن أن تمارس أنشطة مقلقة لأمن الاحتلال ورجاله، وثالثهما، أنه من الضروري وجود كيان للتنبوء بالهجمات المستقبلية، سواء ضد الإنجليز أو غيرهم في مصر".

من هنا، يبدأ الكتاب في إحياء السير الشخصية لكل من تعاقبت على قيادة وإدارة البوليس السري في مصر، مع تناولها بالتحليل والدراسة، استنادا إلى وثائق من الأرشيف البريطاني، ومقالات صحفية، ومصادر مترجمة، ومذكرات شخصية، انطلاقا من جورج فليبيدس، الذي كان أول شخص يتولى إدارة "المكتب المخصوص للأمن السياسي"، ومن بعده جوزيف وليام مكفرسون، مرورا بألكسندر إنجرام، الذي باشر قضية مقتل سردار الجيش البريطاني السير لي ستاك عام 1924، ثم ألكسندر كيون بويد، وصولا إلى سليم زكي، الذي كان أول مصري يتقلد المنصب.

ومن اللافت في الكتاب أنه لم يكتف بعرض سير تلك الشخصيات، التي عملت لصالح سلطة الاحتلال في المقام الأول، وتدرجها المهني، وملابسات شغلها للمنصب الأخطر أمنيا في مصر عبر تسلسل زمني، بل تطرق إلى أساليب عملها، وطرق تفكيرها، والثغرات التي استطاعت من خلالها تجنيد العملاء والوشاة، سواء بالإغراء أو الترهيب، والأساليب التي استخدمتها في انتزاع الاعترافات، ومعاملة السجناء السياسيين، وهو ما فتح نوافذ كثيرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ليس من منظور تاريخي أو سياسي، لكن من وجهة نظر رجال الأمن الغربيين.

كما اختار المؤلف أن يسلط الضوء على نموذج لمن تعاونوا مع البوليس السري في عهد الاحتلال الإنجليزي، وأفرد له فصلا منفصلا بعنوان "نجيب الهلباوي، فدائي انقلب خائنا"، سرد فيه بشكل مفضل دور الهلباوي "في الإيقاع بأكبر تنظيم فدائي سري في تاريخ الاحتلال".

يوجز المؤلف رحلته مع الكتاب، التي استغرقت أكثر من عام، قائلا، "إنني أشعر برضا كبير في الالتفات إلى الخلف، لا تؤلمني عنقي، ولا يمنعني فكري، ولا أشعر بالوقت المنسكب في العودة للأزمنة المنتهية، ألف متغلغلا في الشوارع الخلفية، أتحسس كل شاردة وواردة في أزقة الماضي، أنقب عن قصص غائبة، أستحث الورق وثائق، وكتبا، وصحفا، وشهادات، لأنسج خيوطا جديدة تصيغ حكايات لم ترو، أحمل عدسة التكبير لأعيد قراءة ما بين السطور، وأستلهم ما يبدو جانبيا، واعتصر ما تذكره الهوامش، لأطرح جديدا مستحدثا ومختلفا".

وبشكل عام، يضم الكتاب، الذي جاء في سبعة فصول، مضاف إليها الإهداء، وفصل خاص بالمصادر والمراجع والصور، مادة ثرية عن ملف شائك قلما ود الباحثون الخوض فيه، لكن المؤلف تصدى لهذه المغامرة مدعوما بعشرات المصادر التاريخية من مقالات صحافية، ومذكرات شخصية، ووثائق مترجمة عن الأرشيف البريطاني، وأوراق قضايا منشورة أو المحفوظة في الأرشيف، وإن لم يخل الأمر من طرح شيء من الانطباعات الشخصية أحيانا.

التعليقات