09/06/2009 - 16:18

"إلى أبي": دراما اسمها فلسطين../ زياد عبد الله

-

كيف يُخرج فيلماً مَن أمضى حياته وعيناه على الكاميرا؟ سؤال نجد الإجابة عنه في شريط عبد السلام شحادة الوثائقي «إلى أبي». يمتلك المخرج الفلسطيني أرشيفاً هائلاً من الصور، يطوّعها في فيلم وثائقي يحمل الكثير من الخصوصية.

هنا، يستثمر كنزاً من الصور الفوتوغرافية الفلسطينية في شريط وجد في الصور المأخوذة بالأبيض والأسود، دراما فلسطين وتاريخها وحكايتها. «إلى أبي» الذي عرض في «مهرجان دبي السينمائي» الأخير، متسلّح بكل ما يجعله وثيقة جمالية للحياة الفلسطينية بالأبيض والأسود وبالألوان.

كأنّ المخرج الغزّاوي يفتح صندوقاً هائلاً من الحنين، صندوقاً لامتناهياً من الصور الفوتوغرافية، أخرجها من استديو الحاج سلامة في رفح لتمضي جميعها أمامنا برفقة سرد شعري دافئ.

صور تتوالى تنقلنا من لحظة إلى أخرى، من وجه إلى آخر. على أغنية سيد مكاوي «يا حلاوة الدنيا يا حلاوتها»، تتوالى تلك الصور «يوم كانت كبيرة وواسعة مليئة بالبحر والشجر»... في الفيلم، يقرأ المصور إبراهيم حرب وصيّته لمن يقف أمامه، ومن ثم يقول «مبروك» حين يلتقط الصورة، وكذلك الأمر مع الحاج سلامة.

قبل النكسة، كان شارع البحر مليئاً بصور لعبد الناصر وعبد الحليم. كان الحبّ يحكمها، والحياة تضيئها. التغير الدرامي في الصورة يطرأ مع حرب 1967 والاحتلال الإسرائيلي والتهجير، وانتهاء الحاج سلامة مُقعداً في بيته.

بعد النكسة، أصبحت الصور مخيفة، وصار إتلافها شيئاً من النجاة. صور عبد الناصر يجب إحراقها، وصور الناس تحوّلت صور هويّات يصدرها الاحتلال الإسرائيلي لسكان رفح. هنا يمسي فيلم شحادة ملوناً، والصور مأسوية. صارت الصورة تدل بإصبعها على الفلسطينيين لكي يعتقلهم الاحتلال، أو صورة لوكالة الغوث أو صورة تنشر في الصحف لرصد المأساة.

يواصل الفيلم سرده، يتعقّب الصور. نتتبع كيف تبعث الكاميرا القوّة في المخرج، ليحتمل هول ما ألمّ به ومَن حوله خلال الانتفاضة الأولى. بعد التدمير الذي طال كلّ شيء، نراه يتعقب ما آلت إليه الصور. إذ صارت صوراً للشهداء، لشباب في مقتبل العمر لا يجدون إلا الموت سبيلاً لمواصلة الحياة. صار المصوّر يخاف من الصورة، لا يضيف أي شيء عليها. إنها صور ملوّنة، قبيحة، تضيء الموت بدل الحياة، صور أسرى إن لم يكونوا شهداء.

«إلى أبي» سيرة وطن بالصور، احتفاء بالحياة وهي تلوّن بالعذاب، وسرد خاص يعطي للصور أبعادها ووثائقيتها، ويجعلها مادة درامية بامتياز ما إن تتغيّر ألوانها، أو تتحول إلى صور هوية أو صور اعتقال أو صور موت. إنه قصيدة بصرية مصنوعة بشغف وألم، يضاف إلى منجز شحادة الوثائقي كأعماله «قرب الموت» (1997) و«العكاز» (2000) و«غزّة دموع بطعم آخر» (2006).
"الأخبار"