"الإنسانيات والنقد الديموقراطي" لادوارد سعيد

"الإنسانيات والنقد الديموقراطي" لادوارد سعيد

يشير إدوارد سعيد, في كتابه الصادر حديثاً بعد رحيله بعنوان "الإنسانيات والنقد الديموقراطي", إلى أزمة العلوم الإنسانية والنقد بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بصورة متصلة حيث يبدو الكتاب, الذي نشرته مطلع الشهر الفائت جامعة كولومبيا في نيويورك, مهموماً بالتغيرات الحاصلة في الجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسسات الثقافية بتأثير من الصدمة التي ولدتها أحداث 11 أيلول. فأميركا لم تعد تلك الدولة التي نعرفها سابقاً, وصورة الذات والآخر لم تعد في المخيال الأميركي كما كانت من قبل. ويدعو الراحل إدوارد, الذي ما زال بيننا بأفكاره وحيويته ورغبته الدائمة في التشديد على إيصال صوت من لا صوت لهم وقول الحقيقة للسلطة بغض النظر عن تمظهراتها, إلى ضرورة أن تغادر العلوم الإنسانية برجها العاجي وتشتبك مع العالم من حولها. وهو ينطلق في نظرته إلى دور المشتغل بالعلوم الإنسانية من التصور ذاته الذي شرحه في كتابه "تمثيلات المثقف" وهو كان ثمرة محاضرات ألقاها على أثير الإذاعة البريطانية عام 1993.

يبرر هذا التصور السابق, الذي يقدمه إدوارد سعيد, ما يحصل الآن في الجامعات الأميركية من انشغال بضرورة جعل الباحث وأستاذ الجامعة جزءاً من الجيش الجرار من أصحاب الخبرات الذين يخدمون الإمبراطورية. ففي ضوء تحول أميركا السافر إلى دولة استعمارية تفتحت شهيتها, في أعقاب أفول الحرب الباردة, لابتلاع العالم, عاد الاستشراق العتيق إلى الظهور بهيئات جديدة ومسوغات راهنة ومناهج بحث متقدمة. وهكذا أصبح باحث وخبير في العالم الإسلامي مثل برنارد لويس جزءاً من الحلقة الصغيرة التي تحيط بجورج بوش وإدارته ويشارك في صنع السياسات وتبصير الإدارة الأميركية بعادات العرب والمسلمين وتاريخهم خدمة للإمبراطورية الأميركية التي بعثت من رماد برجي التجارة العالمي. ولعل أشخاصاً مثل صديق إدوارد سعيد القديم اليساري البريطاني كريستوفر هيتشنز أصبح منظراً لما بعد 11 أيلول, منبها الأميركيين من خطر المسلمين على الحضارة الغربية المعاصرة, مسمياً نفسه "مستشاراً في البيت الأبيض", فيما واصل بول وولفوفيتز وريتشارد بيرل وفؤاد عجمي أدوارهم المعروفة في التحريض على العرب والمسلمين من خلال النصائح التي يقدمونها للبيت الأبيض.

ثمة تحول دراماتيكي في دور الباحث والأستاذ الجامعي في المؤسسة الأكاديمية الأميركية, ستكون له آثاره التدميرية على مجتمعاتنا العربية والإسلامية, ينبه له إدوارد سعيد. وهذا الدور يتماهى بصورة كبيرة مع دور المستشرق في أزمنة الإمبراطوريات الغربية في القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين. وكان إدوارد نفسه هو من قرأ تاريخ المستشرق الإمبراطوري ــ الاستعماري في كتابه الشهير "الاستشراق", وقام بتوضيح تواطؤ المعرفة الاستشراقية مع الغايات الاستعمارية للدول التي كان المستشرقون موظفين في وزاراتها الخارجية ومؤسساتها المقيمة في دول المتروبول أو في المستعمرات نفسها.

والآن تقوم المؤسسة السياسية الأميركية نفسها بدور استقطاب أصحاب الاختصاصات التي تخدم غايات أميركا الإمبراطورية, مغرية هؤلاء, ومهددة إياهم في الوقت نفسه, لكي يتعاونوا مع مشروعها الاستعماري الجديد. وما الحملة التي شنت قبل أشهر قليلة على مراكز دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأميركية, وعلى إدوارد سعيد نفسه بعد رحيله عن هذا العالم, وكان على رأسها ريتشارد بيرل وتلامذته, إلا مثال فاقع على تحويل المؤسسات الأكاديمية إلى مجرد مؤسسات للخبرة تزود سياسيي أميركا بوصف الشرق الأوسط, وغيره من مناطق العالم في الأيام المقبلة, لكي يكون هذا الوصف معيناً ودليلاً للجيوش الأميركية الزاحفة إلى نفط العرب والمسلمين وديارهم المهددة باستعمار أميركي طويل جداً.

تنبه إدوارد في كتاباته إلى هذا الدور الخطير الذي يؤديه تحويل المثقف إلى خبير في خدمة جهات مختلفة, مثل الشركات والدول الاستعمارية والجهات التي لا يهمها شيء سوى السلطة والربح. ويمكن أن نعثر على استبصاراته الخاصة بذلك في كتبه ومقالاته الكثيرة بدءاً من "الاستشراق", مروراً بـ"الثقافة والإمبريالية" و"تمثيلات المثقف", وصولاً إلى الكتاب الأخير "الإنسانيات والنقد الديموقراطي" الذي صدر بعد أشهر من وفاته. وظلت هذه التيمة من تيمات عمل إدوارد سعيد, الذي يجمع اهتمامات متباعدة وحقول تفكير وتأويل متشابكة, بمثابة الناظم المركزي الذي تنبع منه كتاباته, فهو لم ينسَ, حتى في أحلك لحظات المرض الذي كان ينخر جسده يوماً بعد يوم, أن على المثقف, في الحضارات البشرية كلها, أن يظل في منأى عن القبول بدور الخبير الذي يخدم غايات منافية لوظيفته السامية كمثقف مدافع عن الضعفاء ومن لا صوت لهم.

(عن "الحياة")